eKtab
EN ع
العيون السود
اقرأ عينة مجانية

العيون السود

بقلم ميسلون هادي

صفحة 1
- 1-
 
الجهنمية توردت وجرى لون الجحيم في عروقها فتفجرت أغصانها الخضراء المتسلقة فوق القمرية، عن ورود حمراء يانعة تتدلى على شكل عناقيد تتساقط منها بين حين وآخر أوراق رقيقة جففتها الشمس فهوت خفيفة ميتة إلى الأرض·
 
- زبالة·· إنها تحيل المرآب الى زبالة·
 
قالت الخالة كثيرة الشبه بمها صبري وهي تدفع الورق اليابس المتساقط على أرض المرآب بمكنسة يدوية ذات عصا طويلة، تشبه القامة الفارعة لحافية القدمين سامية جمال· كانت يمامة تجلس في أرجوحتها العاطلة التي تتدلى فوقها أغصان الياسمين والعنب الحلواني وثمار العرموط، وتراقب خالتها كيف تنحني على الورق اليابس بين الحين والآخر وتكوّمه أمامها، ثم تدفعه بشعر سامية جمال إلى المكرفة وتحمله إلى برميل القمامة·· 
 
يمامه هي البنت الوحيدة والصغرى للعائلة·· أصبحت في الخامسة والثلاثين وما زالت صغرى·· ماتت جدتها وماتت أمها ومات أخوها الأصغر ثم تزوج اثنان من إخوتها وهاجرا، أحدهما إلى اليمن والآخر إلى نيوزيلندا مثل قيصرين عبرا نهر الربيكون إلى غير عودة·· أما أبوها فظل يقرأ سورة ياسين بالقرب من رأس ابنه، وينظف مرمرة قبره من الغبار وأوراق اليوكالتبوس المتساقطة فوقه، وأحياناً يقتطع الأدغال من حوله ويزيح حفنات جديدة من التراب في شق محفور بالقرب منه، إلى أن جاءه الموت، فلم يكلفه إلا ملابس بيضاء جديدة وخطوتين صغيرتين إلى تلك الحفرة·
 
أزمنت صورهم، الأحياء منهم والأموات، على جدران غرفة المعيشة، ثم أخذ يحدث شيء غريب لتلك الصور لم تجد له يمامة تفسيراً في البداية، ولم تعثر على تساؤلها عنه على جواب إلى أن اكتشفت الصور كلها مكومة فوق بعضها البعض داخل كرتونة صابون فارغة مرمية في زاوية المخزن· كانت يمامة كلما تأملت إحدى تلك الصور وأمعنت النظر فيها اختفت من فوق الجدار·· وتركت وراءها فراغاً نظيفاً أفتح من لون الجدار الذي شابته الأوساخ والأتربة· في البداية اختفت صورة أبيها، ثم اختفت صورة جدتها، ثم اختفت صورة أمها، وبعدها صورة أخويها، وأخيراً صورة أخيها الصغير التي كانت قد مكثت على الجدار لفترة أطول، إكراماً لاستشهاده، قبل أن ترفعها الخالة وترميها إلى كرتونة الصابون الموضوعة فوق تل من صناديق مليئة بالدمى والألعاب والألبومات والملابس الثقيلة والكتب المدرسية والحقائب، والأحذية والتحف المنزلية والستائر والأواني والكهربائيات، وكلها كانت ذات يوم تجعل منزلي أخويها يشرقان بالحياة·· واليوم هي مرمية في تلك التوابيت الكرتونية، التي وضعت على شكل تل منخفض يتربع في القمة منه ذلك الصندوق الفواح بعطر الصابون، وتحته مباشرة باكيت كبير زهري اللون، ومرسومة عليه في جميع الجهات صورة لباربي وهي تجلس أمام منضدة الزينة، وتمشط شعرها الذهبي اللامع الطويل·
صفحة 2
شعر يمامة فاحم السواد، وعيناها زرقاوان تبرقان كالبلور عندما تنعكس عليهما أشعة الشمس·· وكلما التقاها أحد لأول مرة أطال التحديق فيهما؛ وهي تشعر برغبته في أن يلمسهما كي يتأكد أنهما ليستا من زجاج· ولأن الأطفال هم أقل الكائنات براءة على وجه الأرض؛ ولأنهم يفعلون ما يحلو لهم من دون حساب أو تفكير في الأذى الذي قد يلحق بالآخرين·· فلقد مد أكثر من واحد منهم إصبعه في عيونها، بعد أن أثارته حركة الكرات الزرقاء الموجودة في داخلها، متوهماً على الأغلب أنه بالإمكان إخراجها من مكانها واللعب بها أو دحرجتها على الأرض·· حدث ذلك أكثر من مرة في بيت أو حافلة أو حفلة زفاف·· أو كلما·· رفعت عنهما نظارتها الطبية فأضاعتها أو سقطت منها في أي مكان·· سقطت أوراقها من حضنها يوم أمس، وقبله بأيام سقطت من بين يديها كومة كتب تزحلقت ببساطة من حضنها إلى الخلف من دون أن تشعر بها على الإطلاق·· وبعد قليل لكزها شاب في كتفها وقال لها:
 
- كتبك سقطت منك·
 
كان كثير الشبه بأحمد رمزي·· له عيناه اللوزيتان المسحوبتان إلى الخارج، وشعره الأسود الناعم المصفف إلى الخلف·· خجلت كثيراً من نفسها لا منه·· فكيف تسقط منها حزمة الكتب بأكملها من دون أن تنتبه لذلك؟···
 
كانت مها صبري لا تزال تدمدم مع نفسها:
 
- يا إلهي ألا يكف هذا الورد عن التساقط؟·· هذا مطر وليس ورداً·
 
قالت يمامة في نفسها ستقلعها إذن ستقلع الشجرة الجهنمية، مثلما قلعت شجرة الزيتون، وشجرة العرموط، وشجرة المشمش والنخلات الأربع·· إنها تحب النظافة كثيراً وتكره أن تتساقط الأشياء من حولها، وكأنها تريد للورد أن ينمو وينمو وينمو ثم يموت فلا يتساقط·· ولكن ليس كومة الكتب·· لم تتمكن من نسيانها لحظة واحدة، لأنها ببساطة كانت تسمع طرقات الولد على كتفها (وأقسمت مع نفسها إنها كانت مسموعة)، وكأنها تنشلها من مياه عميقة كانت تغرق فيها فلا تشعر بشيء مما يجري حولها أو تسمع شيئاً مما يقال·· أخرجت رأسها من الماء جفلة وقالت:
 
- نعم؟!
 
قال أحمد رمزي:
 
- كتبك كلها على الأرض·
صفحة 3
عن أي ارض يتحدث؟ ظلت لوهلة لا تعرف أين هي بالضبط؟ أعلى الأرض أم تحت البحر أم فوق السماء؟·· أية كتب تلك التي يتحدث عنها وكيف سقطت منها وأين؟ ثم تِكْ·· وانفتح غطاء الأكسجين عن عدة الغوص العميق واندفعت الدماء ساخنة إلى وجهها، ومدت يدها إلى الشاب لتتلقف منه كتبها التي سقطت جميعاً من حضنها وهي في رحلة غوصها في المياه العميقة·· هل ظن أنها غارقة في الحب؟ قالت لنفسها هل ظن ذلك؟· ولكن أذان الظهر ارتفع في جامع قريب، فقال لها حازم أعرف لماذا تحبين آذان الظهر؟ إنه يتوقت مع ظفائرك الطويلة وهي تركض خلفك وأنت عائدة من المدرسة جوعانة·· هلكانة·· وتقتحمين المنزل كما الإعصار لترفعي الغطاء عن قدر الرز، وتتأكدي من أنه قد استوى وأصبح جاهزاً للأكل··
 
عندما يقول مثل هذا الكلام تلتمع نقطة مضيئة، ستبقى مضيئة في الذاكرة، وتكفي لمحو كل ظلاماته اللاحقة·· عندئذ أخبرته أن أن طبق الرز البرياني لا يقل عبقرية عن مخطوطة ألف ليلة وليلة، وقالت له إن أعظم المخترعين في العالم هم الطهاة·· وإنه ليس الكهرباء ولا السيارة ولا الهليكوبتر ولا الصاروخ ولا الطائرة ولا الكمبيوتر ولا الفاليوم ولا الأسبرين ولا الباثادين ولا الراديو ولا التلفزيون ولا موسى الحلاقة ولا فرشاة الأسنان ولا المكواة ولا السشوار ولا آلة حفر الأسنان ولا الدبوس ولا أحمر الشفاه ولا الهاتف ولا الكاميرا ولا الفيديو هي أهم أعظم الاختراعات في العالم·· أعظم المخترعين في العالم مجهولون·· مجهول أضاف النعناع إلى فطيرة الجبن، مجهول أضاف الزعتر إلى المعكرونة، مجهول أضاف الشبنت إلى رز الباقلاء، ومجهول أضاف الهيل إلى طبق المحلبي، ومجهول أضاف القرنفل إلى رز الجزر، ومجهول أضاف الدارسين إلى الهريسة، وعدة مجاهيل وضعوا ملاعق صغيرة من مسحوق أعواد الكبابة والقرنفل والدارسين والكمون والهيل والفلفل الأسود والزنجبيل مع بعضها حتى اكتملت بهارات البرياني، على طريقة ألف ليلة وليلة، الذي نما واتسع وهو ينتقل من ناسخ إلى آخر، كل واحد منهم يضيف إليه ملعقة من مذاقه الخاص حتى انتهى إلينا بالشكل الذي هو عليه الآن·· هؤلاء هم أعظم المخترعين·· ليس اينشتاين ولا نيوتن ولا أديسون ولا بيل ولا ماركوني هم أعظم المخترعين في العالم، ولكنهم المجهولون الذين اكتفوا بأن تدل عليهم صناعتهم مثلما يدل الكون على الخالق··
 
خرج مع الخارجين من المحطة ثم اقترب منها·· وتوقف بقربها، ثم وضع الحقيبة التي في يده على الرصيف وراح ينظر في ساعته·· شاب ممتلئ الوجه فارع الطول، يبدو عليه الضجر من حر الظهيرة اللاهب، ولكن وجهه مشدود وكأنه كيكة خرجت لتوها من الفرن·· عندما خلع نظارته الشمسية ليمسح العرق المتصبب من جبهته·· بدا لها الشبه واضحاً ومذهلاً·· وأدركت على الفور لِمَ لفت نظرها منذ الوهلة الأولى التي وقعت عيناها عليه·· إن له جبهة حازم النظيفة العالية وعينيه السوداوين الصغيرتين اللتين تشرقان ببريق حاد فيه نزق المتمردين وجنونهم· عاد فوضع النظارة الشمسية على عينيه فتراجع الشبه بينه وبين حازم قليلاً، إلا أنه لم يمَّح تماماً· لم تستغرب يمامة وجود مثل هذا الشبه بين اثنين من البشر إنما استغربت أن يقع أمام عينيها فجأة ويجاورها هي بالذات من بين هذا الحشد الهائل من البشر الموجود في هذا المكان·· ثم قالت لنفسها لو أن لهذا الرجل وجهاً أكثر نحافة، وغمازة في الحنك، لكان الشبه بينه وبين حازم هائلاً ويبعث على الشك·
صفحة 4
نطلقت صفارة إنذار وهمية فابتلعت كل الأصوات الأخرى، وغيبتها في سراط طويل خرق الآذان كلها وظل يركض بسرعة الريح باتجاه أفق بعيد ومجهول· قالت يمامة لنفسها رب اجعلها نعمة دائمة علينا، ثم فكرت أن صوت صافرة الإنذار حلو·· بجد حلو·· وأنهم يلمعونها ويخافون عليها من عدم الاستعمال·· فيجربونها بوهمية بين مرة حقيقية ومرة حقيقية أخرى·· فيدرؤون عنها الصدأ ويجنبونها النسيان· ولكن سرعان ما عاد صمت الصافرة ليفتح أبواب المكان، ويفصح عما فيه من لغط المارة وأبواق السيارات، ونداءات الباعة، وضجيج العجلات في ذهابها وإيابها تحت سيول من شمس آب لا ترحم·كانت الحافلات المهدودة المغبرة تقترب فيندفع إليها حشد من الأشخاص المنتظرين على الرصيف، ثم سرعان ما تقتطع الحافلة ببابها جزءً منهم، وتنطلق مخلفة وراءها الغبار والدخان والحر اللاهب·· في غيبوبة عن العالم كانت يمامة، كلما ازداد الضجيج غابت عن العالم· هكذا هي دائماً عندما تشعر أنها واقعة في الجحيم·· تنقذها العتبة·· في أي جحيم تكون فيه، ومتى تريد ترفع نفسها على عتبة وهمية وتصبح فوق الغبار، وفوق الضجيج، وفوق اللون الأحمر، وفوق الحافلات· تصبح في النسيان تماماً فتتمكن في تلك اللحظات، ويا للعجب، من أن تتبرد بضحكة صغيرة أو حوار مألوف دار مئات المرات بينها وبين نفسها· سمعت صوتاً يناديها من دون اسم؛ فالتفتت ووجدت ذالك الشاب الممتلئ الوجه الذي كان يقف بقربها وهو يدعوها للصعود إلى الحافلة·· إنه صاحب العينين السوداوين الشبيهتين بعيني حازم··فيا إلهي·· لماذا يناديها ويحجز لها مكاناً بقربه·· شكرته وجلست بجواره على المقعد وهي تقول لنفسها يا ترى من يكون؟ ثم نظرت إلى ساعتها فوجدتها متوقفة·· 
 
من قريب لاحظت أنه يبدو أصغر منها سناً، وعندما وضعت كتاباً بينها وبين وجهه لاتقاء أشعة الشمس، نظرت من تحت حافة الكتاب، إلى ساعته اليدوية، فوجدتها تشير إلى الثالثة· أنزلت الكتاب إلى حضنها مرة أخرى ليتسنى لها إخراج النقود من الحقيبة·· فرأته وهو يرفع الكتاب ويضعه قرب وجهها ليحميه من الشمس أثناء انشغال يديها بدفع الأجرة· لو كانت قد غضبت في تلك اللحظة من حركته الجريئة تلك لانتبه المحصل وربما أحرجها بنظراته الساخرة، وليس ذلك هو السبب الذي جعلها لم تغضب، بل لأنها ما شعرت أساساً بأنها يجب أن تغضب أو تحتد أو تنزعج·· وإنما أحست فقط أن قلبها تحرك من مكانه وطار مثل كرة مطاطية قفزت من فوق الجدار فهوت في حديقة الجيران·
صفحة 5
قالت له:
 
- شكراً 
 
انتبه إلى أن مهمة دفع النقود قد انتهت؛ فنظر إليها كالنائم ثم أعاد الكتاب إلى مكانه من دون أن يتفوه بكلمة واحدة·خارج النافذة كان ثمة رجل وكلب يضحكان·· لم يكونا يضحكان·· كانا يفتحان فميهما لاهثين من شدة الحر· وكان الشارع بأكمله يلهث من الصهد·
 
- ضم رأسك عيني·
 
قال سائق الحافلة للطفل الذي كان يتطلع من النافذة إلى موكب رسمي مسرع مر بالقرب من الحافلة، تتصدره وتتأخر عنه سيارتا الشرطة برماشات زرقاء تبرق على سقوفها، ويحف به على الجانبين صفان من الدراجات النارية· زاد سائق الحافلة من سرعته محاولاً اللحاق بذيول ذلك الموكب قبل انطفاء الإشارة الخضراء·· صاح أحد الراكبين:
 
- دير بالك يا معود·· لقد اشتعل الأحمر·
 
لكن السائق مضى في عجاج الموكب محاولاً اللحاق به، على الرغم من أنه قد تقدم عليه بمسافة راحت تتسع شيئاً فشيئاً كفجوة يصعب أو يستحيل ردمها· قال السائق بلا اكتراث:
 
- كان الضوء أصفر ولم يكن أحمر·
 
طفلة من بعيد كانت تقف مع أمها على الجزيرة الوسطية للشارع أفلتت يدها فجأة من يد أمها وأصبحت في نهر الشارع· صاحت يمامة هي والشاب بقربها بصوت واحد:
 
- دير بالك·
 
قالا الجملة نفسه والوقت نفسه·· بدا ذلك أخرق ومثيرا للضحك ولكنهما لم يضحكا·· بل أطبق عليهما خجل ساكت لا مفر أمامه من الابتسام···· ثم سرى من كتفه إلى كتف يمامه تيار من الارتباك يفصح عن اتفاق غير معلن·· إذ يبدو أن كتفيهما كانا متلاصقين طوال الوقت بأشد ما يتحمله حر تلك الظهيرة الشمطاء، مع ذلك لم يحاولا فك ذلك الاشتباك أو يبديا الضيق منه·· إنما صمتا فقط وتركا كتفيهما يقرران ما يشعران به·· وما هي إلا ثوان مضت على تلك الصيحة الخرقاء حتى هتفا فجأة وقالا بصوت واحد مرة أخرى:
 
- نازل·
 
لولا مظهراهما الجادان لاعتقد الآخرون بأنهما مهرجان·ثم أشبعوهما بنظرات فضول بلهاء لا تجد القدرة على التحول إلى نمائم أو تقولات، فغيبها الغبار والهواء اللاهف بعد أن مضت الحافلة وتركتهما نازلين عند الكتف الترابي للشارع ينظران إلى بعضهما البعض باستغراب وشيء من الألفة·· بالتأكيد إنه أصغر مني سنا قالت يمامة لنفسها، وكان وجهه لا يزال مشدودا ومتوردا وكأنه كيكة خرجت لتوها من الفرن، زاده تعب الظهيرة وحرها اللافح حمرة وتوهجاً واشتعالاً·
 
كان العالم قد انفض من حولهما وأصبحا لوحدهما تحت شمس عمودية يمكن لها أن تحول رأسيهما، لو بقيا تحتها لفترة من الوقت، إلى أمخاخ مستوية جاهزة للأكل· ولكن الشارع أنجدهما فتركت لهما حركة السيارات السريعة فجوة قصيرة للعبور إلى الضفة الأخرى من الطريق، حيث كان لايزال بائع السجائر يجلس، ويا للغرابة، أمام حجره الصغير، وقد وفرت له أغصان شجرة اليوكالبتوس سقفا ظليلا يكفي لرأسه بالكاد· لم تكن الصحيفة في حضنه·· وهو البائع نفسه الذي قد سال يمامة في الصباح عندما وقفت بالقرب منه لابتياع علبه مناديل ورقية:
 
- كوفي عنان·· هل هو عراقي؟
صفحة 6
- 2-
 
سألت يمامة خالتها في اليوم التالي:
 
- البيت الخالي الذي يجاورنا هل سكنه أحد؟
 
قالت الخالة وهي تتدلى كالعنكبوت من ثريا تنظفها·
 
- لا أدري·
 
ولم يجدر بيمامة سؤالها سؤالا مثل هذا في هذا اليوم العالمي للتنظيف·· يوم الأربعاء الدامي·· يوم تدور مراوح البيت كلها حتى توشك سقوفه على الطيران، ويوم لا يبقى ثمة شبر على الأرض بلا مكانس ولا دلاء ولا ممسحات· كانت أمواج المياه تتقاذف كل الغرف، فتقذف محتوياتها إلى الخارج، من أجل أن تجري لها الخالة غسيل المعدة المعتاد الذي يبدأ في ذلك اليوم منذ ساعات الفجر الأولى، ولا ينتهي إلا قبيل الغداء بنصف ساعة، تطارد فيه تلك المرأة المهووسة بالنظافة كل ذرة غبار وهباء وقذارة فتصبح، في يوم النفير العام ذلك، حتى بيوض الهوام التي لا تراها العين المجردة، معرضة للتعقيم والإبادة· 
 
أبادت خمسين رأسا لسامية جمال منذ أن جاءت إلى المنزل، وحولت كل مناشف البيت وشراشفه ذات العمر المتوسط، إلى مماسح للتنظيف والتفريش ومسح الغبار·· ولم تعد يمامة تجد مكانا ترمي فيه النفايات، بعد أن عرض تلفزيون بغداد تقريرا علميا مترجما ذات يوم يقول فيه إن نوعاً من الأحياء المجهرية من ذوات الخلية الواحدة التي تتكاثر بالانشطار، لا بالتزاوج، يمكن له أن يعيش في سلال المهملات التي يصنعها البشر الأسوياء في زوايا المنزل·
 
مع زوال الشمس كانت ميكروسكوباتها قد توقفت عن العمل؛ فأصبحت أكثر مرحاً ورغبة في الحديث· جلستا سوية في زاوية من زوايا الحديقة تصغيان إلى المساء كيف يتفجر في حدائق الجيران، أضوية وأصواتا وروائح تذكو وتتموج وتظل تنادي ولا تتوقف·· يصطج النيون فجأة في بطون الأسيجة·· وتعلو ضحكات قريبة المنال وتنتشر في الجو روائح تراب محفور أو عشب مرشوش أو عطور أشجار قد غسلت أوراقها بالماء للتو· وبالرغم من أنه كانت قد مضت أكثر من عشر ساعات على السؤال الذي سألته لها يمامة عندما كانت معلقة إلى الثريا في الصباح، فإن خالتها قالت وكأنها تسمعه للتو:
 
- نعم·· لقد سكن البيت الخالي جيران جدد· إنهم من أطراف بغداد·
 
ثم انفتحت بعد ذلك مثل صنبور ماء:
صفحة 7
- لقد انتهوا قبل أيام من طلاء واجهة المنزل·· صبغوها وردية والنوافذ بيضاء، واستبدلوا الباب الخارجية القديمة بواحدة بيضاء ذات مقابض ذهبية· وجاؤوا بفلاح نظف الحديقة وشذب أشجارها واقتلع كل أدغالها ونباتاتها البرية··كانت قد تكاثرت بشكل مرعب حتى أحالت حديقة البيت إلى مزبلة·· وقد رأيت سيارة نقل تغادر بيتهم وهي ممتلئة بأوساخ الحديقة وأغصانها الفائضة·· الفلاح قام أيضا بتكريب النخلة وقطف التمر الناضج منها· كان عالياً جدا، وعندما صعد إليه قطع في طريقة السعفات التي تشابكت منذ مدة طويلة مع أسلاك الهاتف والكهرباء· وعندما انتهوا من تنظيف البيت وحديقته وضعوا مصابيح جديدة داخل المنزل وأكثر من زجاجة نيون خارجه·· لقد أعطيتهم جميع قوائم الماء والكهرباء والهاتف التي كان المحصل يسلمها لنا عندما لا يجد أحداً في المنزل·· فعلت ذلك عندما جاءني من طرفهم شاب في ملابس العمل يطلب قليلاً من الثلج·
 
توقفت الخالة فجأة عن الحديث، وراحت تنظر إلى يمامة من فوق نظاراتها الطبية، وسألتها بصوت فيه التفات واهتمام·
 
- هل رأيته؟
 
هزت يمامة رأسها بالنفي ثم حركت كتفها بلا مبالاة وقالت: ربما·· لماذا؟
 
قالت الخالة:
 
- كلا·· لا شيء·
 
ثم استطردت وهي تعاود حديثها من جديد:
 
- لقد كان يعاون العمال في أعمالهم·· وقد علمت منه أنه وعائلته قد باعوا بيتاً في أطراف بغداد واشتروا هذا البيت لينتقلوا إليه بسبب قربه من مكان عمله·· ولكنهم لم يكونوا قد انتقلوا فعلا عندما جاء ليطلب الثلج· ويبدو أنهم قد فعلوا ذلك يوم أمس·· لم ألحظ ذلك·· وإلا كنت قد أرسلت لهم طعام الغداء للترحيب بهم·
 
ثم التفت صوتها مرة أخرى إلى يمامة، وقالت وهي تخفض نظارتها من جديد:
 
- هل لاحظت أنت أحداً منهم؟
 
- كلا·· لم ألاحظ·
 
فقالت الخالة وكأنها تغلق صنبور الماء بعد أن انتهت الحاجة إليه:
 
- أخشى أن تعم الفوضى شارعنا هذا·
صفحة 8
كان اشتعال النيون في الحديقة المجاورة مبهجاً وصاخباً ويوحي في العلن، بمشاعر أطفال وجدوا أنفسهم في مدينة ألعاب، وملأوا الدنيا فرحاً وبهجة·· نظرت يمامة إلى خالتها فوجدتها تصغي إلى ذلك المساء الجميل القادم إليهما من خلف السياج، وعلى وجهها تعبير متكبر يتصنع الصمت واللامبالاة·· داهمتهما رائحة الشبوي الليلي بقوة فتحولت الحديقة عندئذ إلى مكان أكثر صمتا وظلاما واستكانة، ثم جاءت قطة سمينة وجلست على منتصف حافة السياج الذي يفصل بين الحديقتين؛ فابتسمت الاثنتان بلا داع ولا معنى·· ابتسامة نمت عن انشغال روحيهما بهذا الاشتعال البهيج الذي شب فجأة في الحديقة المجاورة، والخشية من انتقال عدواه إليهما· كانتا مثل فراشتين·· واحدة دخلت إلى شرنقتها وأغلقت على نفسها الباب·· والثانية فردت جناحيها وراحت تحوم حول ذلك المصباح الساخن·· شاعرة أن بينها وبينه خيط يتراخى ويتوتر حتى هبط الليل فترنح الخيط وجنح إلى السكون·
 
- يمكن اليوم تموت·
 
وضعت الخالة صينية العشاء بينها وبين يمامة ثم جلست بعدها وأضافت:
 
- لا أعتقد أنها ستعيش حتى الصباح·
 
لم تجد يمامة الوقت الكافي لكي تسألها من التي لن تعيش حتى الصباح؛ لأن صرخة ملتاعة عزلاء انطلقت من بيت هنوة، الذي يقابل بيتهما تماما، فقالت الخالة وقد انتابها شيء من الضيق من أن يتوقت ما تنبأت به للتو، مع وقت العشاء·· قالت·· 
 
- ماتت·
 
وكأنها تحسم أمرا كانت تنتظره منذ فترة، والآن أصبح مؤكداً ومقضياً كإطفاء النار تحت قدر تغلي أعطيت الوقت الكافي لكي تستوي وتنضج ويصبح ما فيها جاهزا للأكل·
صفحة 9
- 3-
 
كي تحكم على الجمال يجب أن تكتشفه فجأة·· أن تجده أمامك مكتملا مرة واحدة·· لا أن يكبر أمام عينيك وينمو يوما بعد آخر؛ لأن أعيننا ستعتاده في هذه الحالة ولن يمكنها أن تتبين بسهولة مناطق الجمال الحقة فيه هذا ما قالته الست هنوة التي ماتت البارحة عندما سألتها يمامة ذات يوم:
 
- لماذا النباتات الظلية التي في بيوت الآخرين دائما أجمل من النباتات التي في بيتنا·
 
خرجت جنازتها من البيت نفسه الذي دخلت إليه عروساً قبل ثلاثين عاما··لم تكن صبية عندئذ بل امرأة في سن الشباب·· وعندما جاءوا بها في سيارة فولغا جديدة غريبة اللون·· كان الزقاق ملظوما بالنساء اللواتي يقرصن ثيابهن تحت سراويلهن الداخلية، لكي يبعدن أذيالها عن الماء فلا تتبلل وهن يشطفن أبواب البيوت· جعل ذلك المهرجان مرورها في الزقاق أشبه بموكب عرس يحف به صفان من الراقصات الحافيات· عبث الأطفال بمصابيح السيارة العملاقة بعد أن جثمت على الأرض كالسلحفاة وصعد البعض منهم فوق رفارفها المنفوخة، ونظروا إلى داخلها عبر نوافذها المفتوحة من دون خوف من الأمهات المنشغلات بالتطلع إلى ذيول موكب ذلك الزفاف المفاجئ· بعد ذلك بقليل جاءوا وطلبوا من الجيران كل ما لديهم من كراسي وأرائك·· صفوا بعضها في مرآب البيت ووضعوا البعض الآخر في الحديقة·· بينما تأخرت بعض الكراسي بالوصول إلى مكان العرس؛ لأنها صفت على شكل دائرة وسط الشارع، وأخذ المشاكسون من الأطفال يدورون حولها وهم يرددون ضاحكين وعلى عجل:
 
الثعلب فات فات
 
وبذيله سبع لفات
 
يا بنات يا بنات 
 
ليش ما تغسلون هدومي
 
لا·· لا·· الحية بالشط
 
وعندما ذهبت يمامة مع أمها إلى العرس في الليل، طلبت منها العروس أن تقوم لترقص مع باقي الصغيرات· امتنعت يمامة، فضحكت العروس وقبلتها وقالت:
 
- تبدو خجولة·
 
خرجت الكراسي من كل البيوت مرة أخرى·· ووجم الأطفال هذه المرة بلا حراك وهم ينظرون إلى ذلك الصندوق الخشبي الطويل الموضوع فوق سقف السيارة·· وحاول أحدهم استدراج الآخرين إلى التكهن حول الوضع الذي تنام فيه هنوة داخل ذلك الصندوق·· وعندما لم يحظ بجواب شاف من أحد، وجم هو الآخر وانضم إلى صمت الآخرين·· طال صمتهم واتسع حتى غطى على أصوات عياط النسوة الباكيات، اللواتي قدمن من كل بيت في الزقاق واحتشدن داخل المنزل·· ثم ابتسم الأطفال لبعضهم البعض بلا معنى، وهم يؤمرون بالتنحي عن طريق السيارة كي تتحرك· وبعد قليل أحال المقرئ عبد الباسط عبد الصمد أصوات الصباح إلى صوت واحد أحد وحيد، يبعث على الرهبة والإتيان بصوت خفيض عند الرغبة في التحدث·
صفحة 10
في كل صيف كانت تقف على المنضدة التي يوضع عليها الآن جهاز التسجيل، وتمد يديها إلى عريشة العنب لتقطف عناقيده الناضجة وتوزعها على الجيران· كانت تنادي يمامة لتقف وتحمل لها السلة ريثما تمتلئ······ كانت أرجلها قصيرة ولكنها تملك، كأي عروس عدداً هائلا من الثياب المنزلية الجميلة التي تهفهف كشاكشها وترفرف في كل اتجاه عندما تمشي أو تجلس أو تحرك يديها، وأحياناً عندما تتحدث· يمامة تتخيلها دائماً جالسة في عربة تجرها الخيول·· لأن كشاكشها كانت تتحرك وتتطاير حتى عندما لا تكون هناك في الجو نسمة هواء· كانت تنظر إليها وتتمنى أن تكون عروساً مثلها؛ لأنها اعتقدت أن العروس لوحدها من يحق لها أن تملك كل هذه الأشكال من الثياب الحريرية الجميلة· تضحك هنوة أحياناً وهي ترى يمامة واقفة تنظر إليها بذهول فتضحك وتقول:
 
- لا أعرف أن اشتغل عندما ينظر إلي أحد·
 
ثم تردف ضاحكة·
 
- حمداً لله أني لست لاعب كرة قدم·
 
فتتحرك من ضحكها بعض الكشاكش·
 
 كان بيتها صامتاً دائماً·· صمتاً لم تجد يمامة مثله في باقي البيوت·· حتى عندما كانت الست هنوة تقف في المطبخ لتعد الطعام، كان ذلك الصمت موجوداً لا يقطعه سوى صوت صنبور ماء يفتح أو آنية طبخ ترفع من مكانها، أو قطعة لحم تقطع بالسكين·· اعتقدت يمامة في البداية أن ذلك الصمت الغريب في منزلها أملاه خلو البيت من أي جهاز يمكن أن يصدر ضجيجاً أو صوتاً غير أصوات حركتها هي·· لم يكن في بيتها هاتف يرن؛ أو مكنسة كهربائية تهدر؛ أو ماكنة خياطة تدوي؛ أو غسالة تقضم أو قدر ضغط تئز·· كان في البيت صوتها هي فقط غادية رائحة ضاحكة صائحة·· متنقلة من مكان إلى آخر بشكل متواصل يجعل الصمت، عندما تتوقف، يبدو أكثر وضوحاً بدلاً من أن يتبدد·· ثم توصلت يمامة إلى أن هذا الصمت، يبدو صائحاً بهذا الشكل الصارخ لأنه لم يكن في البيت طفل· سألت أمها ذات يوم:
 
- لماذا ليس للست هنوة طفل؟
 
فقالت:
 
- يبدو أنها عاقر·
 
قالت يمامة:
 
- وما معنى عاقر؟