صفحة 1
المقدمــة
الآباء اليسوعيونتاريخ وتأريخ
للسفير فؤاد الترك
أمين عام وزارة الخارجية سابقاً
رئيس منتدى سفراء لبنان
هذا كتاب خارج عن المألوف بموضوعه ومضمونه.
لست من أصحاب الاختصاص لإبداء الرأي في الأحداث والتفاصيل الواردة فيه بل أترك ذلك لذوي الشأن أو لمن هم أجدر مني به، ولكني أود أن أسجل بعض الانطباعات التي رسخت في ذهني بعد مطالعته...
الأول: أن يعمد علماني كالبروفسور النقيب الياس معلوف إلى جمع كل هذه الوقائع بأشخاصها وتواريخها وخلفياتها بمثل هذا الدأب والصبر والأناة،
الثاني: إنه يزيح القناع عن الكثير من الأسرار والخفايا «القابعة» سواء في زوايا الكرسي الرسولي ودهاليزه أو في سائر المؤسسات والرهبانيات، وخصوصاً العلاقة بين البابا الأبيض والبابا الأسود،
الثالث: يؤكد لنا أن الكمال ليس من هذا العالم، حتى في أعرق المؤسسات وأعظمها، وأنّ هذه المؤسسة العملاقة التي هي الكنيسة تواجه هي أيضاً، إلى قدسيتها وعطاءاتها وإنجازاتها البهية الباهية، التجارب والإغراءات والضعف البشري والأخطاء والخطايا وذلك، ربما، للدلالة مرّة أخرى أن الله وحده هو العلي القدير الصمد الكلي التمام والكمال،
الرابع: يبقى أن الآباء اليسوعيين عنوان هذا السفر، قد أدّوا للعالم أجلّ الخدمات في التربية والتعليم، ورفدوا مجتمعاته بجحافل من رجالات الدولة والعلماء والمفكرين والمبدعين وأعلاماً في كل حقل ومجال وعطاءات لا يمكن أن ينكرها إلّا الحسّاد والجاحدون، وأنّ لبنان، على الأخص، غنم من هذا المعين ما مكّنه من الإضافة إلى عماراته الثقافية مدماكاً حضارياً شامخاً يفخر به ويباهي...
ويبقى كذلك، أنّ البروفسور الياس معلوف أثبت أنه، إلى ألمَعيّته المهنية، رجل متعدد الموهبة والمعرفة، طبيباً مميزاً، باحثاً جلوداً، كاتباً جذاباً، ولبنانياً باراً وصديقاً عزيزاً.
التمهيــد
السبب الكامن وراء قراري في التطرق إلى موضوع الرهبانية اليسوعية الشائك والشيّق، ثم الغوص في أدق تفاصيله، عائد إلى مجموعة من التساؤلات حول جماعة بشرية نذرت نفسها من أجل خدمة الله تعالى ونشر الرسالة المسيحية وتعليم الأجيال الناشئة.فبعد إحالتي على التقاعد خلال صيف العام 2010 ، طويت صفحة من حياتي المهنية، وانصرفت إلى التأمل في ما فشلت أو نجحت في تحقيقه طوال ثماني وأربعين سنة في جامعة القديس يوسف في بيروت. فتسنى لي اكتساب مجموعة من المعارف والكفاءات المبنية على التربية اليسوعية، علماً أنّ طباعي الاستقلالية المنقوشة في حَجَري الزحلي والمتناقضة تماماً مع «الطاعة العمياء» مهما كانت دوافعها، زادتها رسوخاً وصلابة سنوات طويلة أمضيتها على مقاعد الدراسة في مدرسة الحكمة في بيروت.
بعد الاطلاع على مجموعة من المنشورات حول هذا الموضوع، ازداد فضولي، وأردت الإحاطة بأكبر قدر ممكن من المعلومات حول هؤلاء الآباء الأفاضل في ثيابهم السوداء. فتملكتني دوماً الحيرة حول الغموض الذي يلفّ هذه المؤسسة والصرامة التي تتحكم بمقدراتها وهذا التواضع المغلّف أحياناً بنوع من الكبرياء. ولكن يجب ألا ننسى بأنه، وعلى الرغم من كل شيء، تبقى التربية اليسوعية عنوان الجودة والتفوق.
مما لا شك فيه أن الرهبانية اليسوعية أدت خدمات جلّى للبنان ودول الجوار، وكانت مشتل المثقفين ورجال الدولة والعلم، ولكن النجاح لا بل التألق الذي عرفته الجامعة اليسوعية في بلادنا، عائد أيضاً إلى مجموعات من الرجال والنساء العلمانيين اللبنانيين الذين أسهموا إلى حد بعيد في تنشئة الكوادر والاختصاصيين في الحقول كافة.
لقد اطلعت على كمّ هائل من المعلومات حول الآباء اليسوعيين خصوصاً بعدما دققت في تاريخهم الحافل بالمآسي والاضطهادات والنفي والتشرد والاستشهاد؛ فالرهبانية اليسوعية أثارت الحقد والحسد في جميع الأزمنة، ولكنها حازت، في المقابل، على إعجاب الكثيرين وتقديرهم. لقد أردت، وبكل تواضع، إغناء المكتبة العربية بكتاب موضوعي حول هذه المؤسسة الكاثوليكية الرائدة من دون أن أغفل التطرق إلى الأمور التي صنعت مجدها وعارها.
إنّ مجرد الادعاء بأن هذه الرهبانية ليست من صنع البشر، هو قمة التعجرف، خصوصاً وأنّ التغيّرات التي طرأت عليها منذ نشأتها في القرن السادس عشر حتى اليوم، هي خير دليل على طابعها البشري مع كل ما يَحمله هذا الطابع من محاسن وسيئات... أولم يدفع كل ذلك بالرئيس العام المميّز بدرو أروبي، خلف أغناطيوس دي لويولا الثامن والعشرين للتصريح يوماً بأنّ الأمور لم تعد كما كانت على أيام الأب المؤسس. فهلا وصلت الرسالة إلى أسماع المعنيين، خصوصاً وأنّ جيش الاحتياط أي، العلمانيين هم على أهبة الاستعداد بغية تصويب المسار وإكمال المسيرة.
صفحة 2
الفصل الأول
السيرة والمسيرة
نشأة الرهبانية اليسوعية ناتجة عن تلاقي زمن استثنائي ورجل متميز؛ إذ في القرن السادس عشر طرأت تغيّرات لم يكن لها مثيلٌ في تاريخ البشرية، من اكتشاف العوالم الجديدة مع كريستوف كولومبوس وفاسكو دي غاما وماجلان وكوبرنيك، إلى إعادة اكتشاف قيم الأنسنة (Humanisme) في الأزمنة الغابرة والعالم الملحد. أما رجل اللحظة التاريخية تلك، فهو إينيغو لوبيز دي لويولا أو أغناطيوس، وهو من بلاد الباسك الإسبانية، الذي أبصر النور عام 1491.في تلك الفترة شعرت أوروبا أنها محاصرة من جميع الجهات، فهلعت عندما اتضح لها أنها لم تعد وحيدة في العالم بعد اكتشاف أميركا، وأنها محاطة بممالك ذات شأن ونفوذ، فأخذت تبحث عن وصيّ يدافع عنها. لذلك، حاولت سلالة الهابسبورغ(*) إعادة إحياء «الأمبراطورية المقدسة»(**)، الأمر الذي لم يكن يحوز على رضا عائلات الفالوا(***) والتودور(****) والبابا في روما، إضافة إلى الأمراء الألمان البروتستانت كما الأتراك.
عندما أصبح فرانسوا الأول وهنري الثامن ويوليوس الثاني وشارلكان على أهبة الاستعداد، كانت القارة القديمة عرضة لحرب مدمّرة اجتاحتها باستثناء مملكة إسبانيا التي عرفت عصرها الذهبي. ففي جنوب البيرينيه أرست الملكة إيزابيل والملك فرديناند الكاثوليكيان، ركائز دولة منيعة بعد سقوط الأندلس وفتح أميركا والسيطرة على إيطاليا وأوروبا الوسطى، وبسطا عبر هذه الطريقة الهيمنة على العالم. لكن على الرغم من قوّتها وتوسعها، لم تكن إسبانيا في بداية القرن السادس عشر في أحسن حالاتها، ولم يتمكن ذهب أميركا وكنوزها التي موّلت الجيوش والأساطيل، من منع هجرة سكان قشطالة وأراغون وكاتالونيا، وذلك بسبب تكاثر عمليات السطو والفوضى الأمنية في أرجاء المملكة.
أما في نافارا ومقاطعة كويبوذكوا مسقط رأس إينيغو وعائلة دي لويولا، التي تعني «مواجهة العدو»، فقد كانت الخلافات الداخلية على أشدها بين مختلف مكوّنات هذه المناطق، من الناحية الاجتماعية والإكليريكية، في حين أنّ الكنيسة الكاثوليكية التي توالى على حكمها خلال تلك الفترة بابا من عائلة بورجيا أي اسكندر السادس، ثم حبر أعظم من سلالة ميديسيس أي لاون العاشر، وثالث من قبيلة فارنيزي أي بولس الثالث، أصبحت مكاناً تتجمع فيه المياه الآسنة، وغدت روما مركز الفساد من جميع النواحي وعلى كل الأصعدة.
يقول المؤرخ اليسوعي إميل ريدو1: إن «القديسين الكبار يظهرون في الأوقات المناسبة، لهذا السبب كانت المجموعة البشرية التي أسسها القديس إغناطيوس متأتية من عصر النهضة في اتحاد وثيق مع أهدافها، ولكن أيضاً في تناقض وحرب مفتوحة مع كل ما تحمله روح النهضة من أمور زائفة وغير إنسانية». ونلاحظ في هذا السياق بوادرالإعجاب بعصرالنهضة عند القديس إغناطيوس حتى بعد اهتدائه، ما يفسر لجوءه إلى وسائل زمنية من أجل الوصول إلى غايات روحية، وربما يفسر أيضاً انزلاق الرهبانية اليسوعية إلى خبايا السلطة وإلى واجهة المآسي السياسية.
عندما باشر إغناطيوس وضع سيرته الذاتية2 أو «حكاية الحاج»، طلب مساعدة البرتغالي لويس غونسالفيز دا كامارا الذي كتب أنه يتحدر من عائلة نبيلة وعريقة بالقرب من مدينة إثبيتيا الصغيرة، وهي التي لم تكن تقبل بين رعاياها أي مسيحي مهتدٍ من اليهود أو المغاربة المسلمين. تجدر الملاحظة، هنا، إلى أن قصر دي لويولا قد تم تشييده بطريقة تسمح لقاطنيه بمقاومة أي حصار، وأنّ المنزل العائلي (La casa y solar) الذي ورثه والد إينيغو كان نوعاً من منزل ريفي يتضمن حصناً منيعاً لصد الغزوات.
وهب والد إغناطيوس ابنه الأصغر إلى الحياة الأكليريكية كما كانت تقضي العادات في القرن السادس عشر، ثم اختار له قبل وفاته مهنة السلاح... أغناطيوس هو الابن الأصغر لبلتران دي أوناز وزوجته الدونا مارينا سانشيز دي ليكونا، وكان إخوته من العسكريين، الذين قتل أحدهم في ساحة الحرب في هنغاريا، واثنان منهم أمام جدران مدينة نابولي، في حين لقي الأخ الرابع مصرعه في أميركا مع جيوش المستعمرين الإسبان. لقد أرسل إينيغو بعد وفاة والديه إلى بلاط قشطالة حيث أصبح الملك فرديناند يحكم إسبانيا وحيداً بعد وفاة زوجته الملكة إيزابيل الكاثوليكية قبل سنتين، وكان إينيغو يبلغ من العمر 14 عاماً، فاحتضنه الدون خوان فيلاسكيز دي كويلار خازن قشطالة العام، الذي كان يسكن في مدينة أريفالو الواقعة بين فالادوليد العاصمة السياسية وسلمنكة العاصمة الثقافية، حيث بقي عشر سنوات وأتقن فن الخط، الأمر الذي كان يتباهى به، والذي لعب دوراً محورياً في حياته الروحية.
نشأ إينيغو في جو مشاغب ومترف صنع منه عاشقاً لألعاب القمار والنساء والسلاح وجميع أنواع الملذات. في عام 1515 أقحم نفسه مع أخيه بدرو في مشكلة خطيرة لم تؤدِ إلى إعدامهما بعد الدعوى القضائية التي أقيمت في حقهما. هذا يؤكد أنّ ما ارتكباه لم يكن جريمة قتل، إذ لم تُعرف فحوى الارتكابات في النصوص التي صدرت في هذا الشأن. تبيّن لاحقاً من نتائج التحقيق أنها كانت أعمال عنف في حق الإكليروس الرعوي وتمت تحت جنح الظلام، وعن سابق تصور وتصميم.
من جهته، تحدّث الأب ألبير لونشان اليسوعي3 عن خلاف بين عائلة لويولا واكليروس إثبيتيا، لا تزال وثائقها محفوظة حتى اليوم. تجدر الإشارة إلى أن بدرو أخ أغناطيوس الذي أصبح لاحقاً رئيس دير سان سيباستيان في مدينة إثبيتيا القريبة من قصر دي لويولا كان له أربعة أولاد غير شرعيين. هرب إينيغو إلى بمبلونه وسلّم نفسه إلى المحكمة الأسقفية التي قضت بسجنه مدة قصيرة، ولم تتم إدانة شقيقه بدرو الذي أفاد من حماية نافذة لعبت دوراً هاماً في تهربه من العدالة.
في عمر الست عشرة سنة كان إينيغو حليق الشعر دائرياً في أعلى الرأس، وهي الإشارة التي كانت تدل على كونه ينتمي إلى السلك الأكليريكي. على أثر وفاة دون خوان فيلاسكيز الذي فقد حظوته في البلاط الملكي بعد أن أرهقته الديون، والذي وافاه الأجل عام 1517، زودت زوجة الدون خوان إينيغو بمبلغ 1500 إيسكودس(*****)، ونصحته بالذهاب إلى بمبلونه وعرض خدماته على الدوق دي ناخيرا الذي كان قد عيّن في أيار 1516 نائباً لملك نافارا. وعندما ثارت ناخيرا على سيدها، أرسل هذا الأخير إينيغو على رأس حملة عسكرية تأديبية انتهت باستسلامها وتعرّضها للنهب.
صفحة 3
عام 1521 كانت بمبلونه مهددة من قبل جيوش فرانسوا الأول، فأوكلت إلى إينيغو مهمة العودة إلى منطقته طلباً للمساعدة، فعاد مع سوقة عسكرية تحت إمرة أخيه مارتن. رفض السكان منطق الحرب، وفضلوا الاستسلام دون إراقة الدماء، لكنّ إينيغو في ذروة حماسه، صمم على الدفاع عن الشرف والكرامة. بدأ الهجوم الفرنسي بجيش قوامه ثلاثة عشر ألف جندي تحت إمرة أندره دو فوا. بعد انسحاب فرنسيس دو بومون المكلف الدفاع عن المدينة، قرّر إينيغو، وخلافاً لرأي الجميع، التصدي والقتال على الرغم من تفوق العدو عدداً وعدة.
بدأت المعركة وتم قصف المدينة بالمدافع طوال ست ساعات، مما أدى إلى إصابة إينيغو في رجله اليمنى وفخذه الأيسر. تهاوت عزيمة المحاصرين مع إصابة إينيغو، واستسلم الحصن يوم اثنين العنصرة في 20 أيار 1521، مما وضع حداً نهائياً لمسيرته العسكرية. من جهتهم، عامل الفرنسيون المنتصرون القوات المهزومة بطريقة لائقة معربين عن إعجابهم بشجاعة إينيغو، وأعادوه إلى قصر دي لويولا حيث وضعوه في عهدة الجراحين. لكن بعد فشل العملية الجراحية الأولى، ساءت أحواله الصحية إلى أقصى الحدود في أواخر شهر حزيران، وتزوّد الأسرار الأخيرة في يوم عيد القديس بطرس. تحمّل الألم بصبر وشجاعة، واعتقد الجميع أنه على شفير الموت، لكن حالته الصحية تحسنت فجأة، وطلب من الأطباء إجراء عملية أخرى على الرغم من معارضة أهله ومقرّبيه. وها هو أغناطيوس يصر على اختبار الألم والعذابات الدنيوية لأن «المجزرة» الجراحية الثانية على الرغم من نجاحها تركت نتوءاً في العظم حيث أصبحت الساق المكسورة أقصر من الأخرى. مرةً ثالثة خضع إينيغو إلى عملية تركت بصماتها وبات يعرج حتى أواخر أيام حياته.
أثناء فترة نقاهته الطويلة أخذ أغناطيوس يحلم بالحب والفوز بقلب سيدة من طبقة النبلاء الكبار حرص دوماً على عدم الافصاح عن اسمها تقيداً بمبادىء الشرف التي كانت عزيزة عليه. أمّا المرأة التي سيطرت على عقله وتفكيره فكانت على الأرجح الدونا كاتالينا أخت الأمبراطور شارلكان التي احتجزتها معها سابقاً في قلعة تورديسيلاس والدتها «جَان المجنونة» حيث تسنى لإينيغو مقابلتها في عداد وفد رسمي.
مرّت فترة النقاهة ببطء مما جعله يطالب بالكتب من أجل تمضية الوقت، فزوّدته زوجة أخيه مجدلينا بكتاب عن حياة يسوع للودولف الكرتوزي وآخر عن حياة القديسين لجاك الفوراجيني، تركا لديه كبيرالأثر. عندما طلب أغناطيوس الورق بغية الكتابة، أخذ وقته في التأمل والمقارنة بين أحاسيسه المتضاربة، ولكنه شعر في قرارة نفسه أنّ شيئاً ما قد تغيّر، إذ في ليلة من الليالي رأى صورة السيدة مريم العذراء مع الطفل يسوع، مما جعله يقرر الابتعاد كلياً عن ملذات الحياة الدنيوية، ولم يعد يقبل بالأحاسيس الجنسية أبداً.
في أواخر شهر شباط عام 1522 غادر أغناطيوس المنزل العائلي بصحبة شقيقه مارتن وخادمين، وهم يرتدون ثياباً فاخرة في اتجاه نافاريت، حيث قابل الدوق وتسنى له إيفاء بعض الديون القديمة، ثم عمد إلى مقايضة ثيابه الفاخرة بأخرى بالية، من أجل البدء بالرحلة نحوالقدس على طريقة الحجاج. كان إينيغو يعمل على تحقيق بعض الإنجازات مردّداً: «القديس دومينيك فعل ذلك، يجب أن أفعله أيضاً. القديس فرنسيس حقق ذلك ، يجب أن أحققه أيضاً» .
إن الممر الذي لم يكن هناك أي مجال للالتفاف عليه هو دير مونسرات أو الجبل المنشور على طريق برشلونة، من حيث تبحر السفينة في اتجاه القدس مروراً بالبندقية4. في طريقه من نافاريت إلى مونسرات لحق به أحد المغاربة راكباً بغلة، وهو المسلم الذي كان قد اعتنق المسيحية مكرهاً بعد صدور مرسوم عام 1492. دارت بينه وبين المغربي نقاشات حول استحالة عذرية مريم بعد ولادة يسوع، ثم ذهب المغربي في طريقه، عندها قرر أغناطيوس اللحاق به وقتله دفاعاً عن شرف السيدة مريم العذراء. وعندما وصل إلى مفترق طرق احتار في الوجهة التي عليه أن يسلكها، عندها أرخى العنان لبغلته وقرر في حال توجهت الدابة نحو القرية التي قصدها المغربي لحق به وطعنه حتى الموت، أما اذا سلكت الدابة الطريق الأخرى فإنه سوف يتركه وشأنه. لكن الدابة سلكت «درب الخلاص» واضعة حداً لنيات أغناطيوس الإجرامية؛ فهل هذا يعني أنّ حكمة الدابة هي التي ساهمت في إنقاذ المغربي ووضع أغناطيوس على طريق رئاسة الرهبانية اليسوعية ثم القداسة لاحقاً5؟ لقد رأى أحد كتاب سيرة أغناطيوس دي لويولا فيه «ديكتاتور النفوس»6 الذي كان يجهل في منريسا حقيقة روما الفاسدة وما يجري فيها من فضائح وخطايا، على الرغم من أنّ كل ما شهده ولمسه لاحقاً لم يمس بولائه المتناهي إلى الحبر الأعظم والكرسي الرسولي.
في 21 آذار وصل أغناطيوس إلى دير الرهبان البينديكتيين7، حيث أمضى ثلاثة أيام في التأمل والاعتراف، وحصل على مغفرة خطاياه، ثم خرج مع الفجر مردداً: «في خدمة إلهنا وسيدنا يسوع المسيح». وطوال ثلاثة أيام قام بكتابة اعترافه العام، الذي سلّمه تحت ختم السرية إلى الراهب الفرنسي يوحنا شينون، وقام بتعليق سيفه وخنجره على طريقة الفرسان فوق مذبح السيدة العذراء السوداء (Virgen Morena) على جبل مونسرات، ثم نزع عنه ثياب الفارس وأمضى ليلة عيد البشارة في التأمل والصلاة8. عند الفجر قصد منريسا التي تبعد مسافة 300 كلم عن أثبيتيا حيث مكث فيها سنة كاملة خلافاً لتوقعاته. ولقد ساورته خلال تلك الفترة مرحلة من الشكوك والقلق، وأمضى جلسات طويلة في التأمل على سفح الجبل في منريسا وانصرف إلى استجداء الصدقات مبتعداً عن تناول اللحوم وشرب النبيذ باستثناء أيام الآحاد، تاركاً شعره وأظفاره تنمو تكفيراً عن ذنوبه القديمة في التأنق وحب الملذات حتى وصل إلى حد التفكير في الانتحار.
بعد مرور سنة على أغناطيوس وهو على هذه الحالة النفسية المضطربة، حصل حادث سوف يكون له كبير الأثر على حياته لاحقاً؛ ففي رحلته نحو صومعة القديس بولس، وعلى الطريق الذي يشرف على الكاردونر وهي البحيرة التي تروي منريسا، جلس إينيغو متأملاً، إذ حدث انبهار لم يتمكن من تفسيره أو من تحديد نوعه استناداً إلى أقوال المؤرخين (استنارة الكاردونر). في نهاية حياته تطرق أغناطيوس إلى وقع هذا الحدث الذي بقي مبهماً، والذي جعل منه إنساناً مختلفاً. عندما ارتفع بالروح، وخرج من هذا الانخطاف تغير تغيراً عميقاً، وهذا ما نجده في كتيبه «الرياضات الروحية»، أساس كل الروحانية اليسوعية. هكذا، تحرّر أغناطيوس من وساوس الشيطان وأصبح عقله يرتفع وكأنه يرى الثالوث الأقدس أو جسد السيد المسيح على صورة أشعة بيضاء، أو ينكشف له كيف خلق الله تعالى العالم. بقي أغناطيوس وفياً لمشروعه الأول، أي الذهاب إلى القدس، وفي شهر آذار عام 1523 توجه إلى برشلونة بهدف الإبحار إلى إيطاليا بغية الحصول على مباركة الحبر الأعظم أدريان السادس وفقاً للتقاليد المتبعة في تلك الأزمنة. في رحلته سيراً على الأقدام نحو مدينة البندقية وهو يتسوّل، مرّ بمدينة بادوفا حيث ظهر له السيد المسيح، ثم أكمل طريقه إلى أن وصلها منهكاً متعباً.
بدأت المعركة وتم قصف المدينة بالمدافع طوال ست ساعات، مما أدى إلى إصابة إينيغو في رجله اليمنى وفخذه الأيسر. تهاوت عزيمة المحاصرين مع إصابة إينيغو، واستسلم الحصن يوم اثنين العنصرة في 20 أيار 1521، مما وضع حداً نهائياً لمسيرته العسكرية. من جهتهم، عامل الفرنسيون المنتصرون القوات المهزومة بطريقة لائقة معربين عن إعجابهم بشجاعة إينيغو، وأعادوه إلى قصر دي لويولا حيث وضعوه في عهدة الجراحين. لكن بعد فشل العملية الجراحية الأولى، ساءت أحواله الصحية إلى أقصى الحدود في أواخر شهر حزيران، وتزوّد الأسرار الأخيرة في يوم عيد القديس بطرس. تحمّل الألم بصبر وشجاعة، واعتقد الجميع أنه على شفير الموت، لكن حالته الصحية تحسنت فجأة، وطلب من الأطباء إجراء عملية أخرى على الرغم من معارضة أهله ومقرّبيه. وها هو أغناطيوس يصر على اختبار الألم والعذابات الدنيوية لأن «المجزرة» الجراحية الثانية على الرغم من نجاحها تركت نتوءاً في العظم حيث أصبحت الساق المكسورة أقصر من الأخرى. مرةً ثالثة خضع إينيغو إلى عملية تركت بصماتها وبات يعرج حتى أواخر أيام حياته.
أثناء فترة نقاهته الطويلة أخذ أغناطيوس يحلم بالحب والفوز بقلب سيدة من طبقة النبلاء الكبار حرص دوماً على عدم الافصاح عن اسمها تقيداً بمبادىء الشرف التي كانت عزيزة عليه. أمّا المرأة التي سيطرت على عقله وتفكيره فكانت على الأرجح الدونا كاتالينا أخت الأمبراطور شارلكان التي احتجزتها معها سابقاً في قلعة تورديسيلاس والدتها «جَان المجنونة» حيث تسنى لإينيغو مقابلتها في عداد وفد رسمي.
مرّت فترة النقاهة ببطء مما جعله يطالب بالكتب من أجل تمضية الوقت، فزوّدته زوجة أخيه مجدلينا بكتاب عن حياة يسوع للودولف الكرتوزي وآخر عن حياة القديسين لجاك الفوراجيني، تركا لديه كبيرالأثر. عندما طلب أغناطيوس الورق بغية الكتابة، أخذ وقته في التأمل والمقارنة بين أحاسيسه المتضاربة، ولكنه شعر في قرارة نفسه أنّ شيئاً ما قد تغيّر، إذ في ليلة من الليالي رأى صورة السيدة مريم العذراء مع الطفل يسوع، مما جعله يقرر الابتعاد كلياً عن ملذات الحياة الدنيوية، ولم يعد يقبل بالأحاسيس الجنسية أبداً.
في أواخر شهر شباط عام 1522 غادر أغناطيوس المنزل العائلي بصحبة شقيقه مارتن وخادمين، وهم يرتدون ثياباً فاخرة في اتجاه نافاريت، حيث قابل الدوق وتسنى له إيفاء بعض الديون القديمة، ثم عمد إلى مقايضة ثيابه الفاخرة بأخرى بالية، من أجل البدء بالرحلة نحوالقدس على طريقة الحجاج. كان إينيغو يعمل على تحقيق بعض الإنجازات مردّداً: «القديس دومينيك فعل ذلك، يجب أن أفعله أيضاً. القديس فرنسيس حقق ذلك ، يجب أن أحققه أيضاً» .
إن الممر الذي لم يكن هناك أي مجال للالتفاف عليه هو دير مونسرات أو الجبل المنشور على طريق برشلونة، من حيث تبحر السفينة في اتجاه القدس مروراً بالبندقية4. في طريقه من نافاريت إلى مونسرات لحق به أحد المغاربة راكباً بغلة، وهو المسلم الذي كان قد اعتنق المسيحية مكرهاً بعد صدور مرسوم عام 1492. دارت بينه وبين المغربي نقاشات حول استحالة عذرية مريم بعد ولادة يسوع، ثم ذهب المغربي في طريقه، عندها قرر أغناطيوس اللحاق به وقتله دفاعاً عن شرف السيدة مريم العذراء. وعندما وصل إلى مفترق طرق احتار في الوجهة التي عليه أن يسلكها، عندها أرخى العنان لبغلته وقرر في حال توجهت الدابة نحو القرية التي قصدها المغربي لحق به وطعنه حتى الموت، أما اذا سلكت الدابة الطريق الأخرى فإنه سوف يتركه وشأنه. لكن الدابة سلكت «درب الخلاص» واضعة حداً لنيات أغناطيوس الإجرامية؛ فهل هذا يعني أنّ حكمة الدابة هي التي ساهمت في إنقاذ المغربي ووضع أغناطيوس على طريق رئاسة الرهبانية اليسوعية ثم القداسة لاحقاً5؟ لقد رأى أحد كتاب سيرة أغناطيوس دي لويولا فيه «ديكتاتور النفوس»6 الذي كان يجهل في منريسا حقيقة روما الفاسدة وما يجري فيها من فضائح وخطايا، على الرغم من أنّ كل ما شهده ولمسه لاحقاً لم يمس بولائه المتناهي إلى الحبر الأعظم والكرسي الرسولي.
في 21 آذار وصل أغناطيوس إلى دير الرهبان البينديكتيين7، حيث أمضى ثلاثة أيام في التأمل والاعتراف، وحصل على مغفرة خطاياه، ثم خرج مع الفجر مردداً: «في خدمة إلهنا وسيدنا يسوع المسيح». وطوال ثلاثة أيام قام بكتابة اعترافه العام، الذي سلّمه تحت ختم السرية إلى الراهب الفرنسي يوحنا شينون، وقام بتعليق سيفه وخنجره على طريقة الفرسان فوق مذبح السيدة العذراء السوداء (Virgen Morena) على جبل مونسرات، ثم نزع عنه ثياب الفارس وأمضى ليلة عيد البشارة في التأمل والصلاة8. عند الفجر قصد منريسا التي تبعد مسافة 300 كلم عن أثبيتيا حيث مكث فيها سنة كاملة خلافاً لتوقعاته. ولقد ساورته خلال تلك الفترة مرحلة من الشكوك والقلق، وأمضى جلسات طويلة في التأمل على سفح الجبل في منريسا وانصرف إلى استجداء الصدقات مبتعداً عن تناول اللحوم وشرب النبيذ باستثناء أيام الآحاد، تاركاً شعره وأظفاره تنمو تكفيراً عن ذنوبه القديمة في التأنق وحب الملذات حتى وصل إلى حد التفكير في الانتحار.
بعد مرور سنة على أغناطيوس وهو على هذه الحالة النفسية المضطربة، حصل حادث سوف يكون له كبير الأثر على حياته لاحقاً؛ ففي رحلته نحو صومعة القديس بولس، وعلى الطريق الذي يشرف على الكاردونر وهي البحيرة التي تروي منريسا، جلس إينيغو متأملاً، إذ حدث انبهار لم يتمكن من تفسيره أو من تحديد نوعه استناداً إلى أقوال المؤرخين (استنارة الكاردونر). في نهاية حياته تطرق أغناطيوس إلى وقع هذا الحدث الذي بقي مبهماً، والذي جعل منه إنساناً مختلفاً. عندما ارتفع بالروح، وخرج من هذا الانخطاف تغير تغيراً عميقاً، وهذا ما نجده في كتيبه «الرياضات الروحية»، أساس كل الروحانية اليسوعية. هكذا، تحرّر أغناطيوس من وساوس الشيطان وأصبح عقله يرتفع وكأنه يرى الثالوث الأقدس أو جسد السيد المسيح على صورة أشعة بيضاء، أو ينكشف له كيف خلق الله تعالى العالم. بقي أغناطيوس وفياً لمشروعه الأول، أي الذهاب إلى القدس، وفي شهر آذار عام 1523 توجه إلى برشلونة بهدف الإبحار إلى إيطاليا بغية الحصول على مباركة الحبر الأعظم أدريان السادس وفقاً للتقاليد المتبعة في تلك الأزمنة. في رحلته سيراً على الأقدام نحو مدينة البندقية وهو يتسوّل، مرّ بمدينة بادوفا حيث ظهر له السيد المسيح، ثم أكمل طريقه إلى أن وصلها منهكاً متعباً.
صفحة 4
في 14 تموز وهو على وشك الإبحار على متن السفينة نيغرونا أصابته حمى قوية، ونصحه الأطباء بالتخلي عن الذهاب لأن البحر سوف يكون مثواه الأخير، في حال أصر على السفر. ولكن عناده ساهم في إصراره على متابعة السفر، وإلى معاناة طويلة أثناء الرحلة حيث ذاق الأمرّين. وصل أغناطيوس أخيراً إلى جزيرة قبرص حيث كانت باخرة الحجاج إلى الأراضي المقدسة في انتظار المسافرين، والتي أبحرت لاحقاً نحو مرفأ مدينة يافا. في الرابع من أيلول عام 1523 وصل الحجاج إلى المدينة المقدسة تحت حماية الأتراك على الرغم من تجاوزاتهم وسوء معاملتهم للحجاج المسيحيين. اصطدم أغناطيوس فور وصوله بالرهبان الفرنسيسيين حراس الأماكن المقدسة المسيحية الحريصين كل الحرص على امتيازاتهم، والذين أقنعوه مرغماً بالعودة إلى أوروبا حفاظاً على حياته. في طريق العودة إلى إسبانيا حصلت معه استنارة جديدة في مدينة البندقية، حيث قرّر الانصراف إلى الدراسة من أجل مساعدة النفوس والتعليم، معلناً هكذا في طريقة غير مباشرة عن مشروعه «اليسوعي».
بعد رجوعه إلى إسبانيا اتخذ قراراً بمساعدة النفوس، مما يدل على رغبته ونيته في تجنيد رجال مؤمنين مثله على أتم الاستعداد لمساعدة الفقراء والتبشير بالإنجيل المقدس. رأى أغناطيوس أنّ من واجباته أن ينصرف إلى الدراسة بعض الوقت، فانتسب إلى جامعة ألكلا دي هناريس في برشلونه، حيث التقى ثلاثة شبان أقنعهم بمرافقته إلى مدينة القدس. ضمّت هذه المجموعة في عدادها فرنسياً واحداً وكانت معروفة بلباسها، إذ أطلق عليها لقب الأردية الرمادية أو المستنيرين. أقلق هؤلاء راحة محاكم التفتيش، ثم ما لبث أن ألقي القبض على أغناطيوس في 19 تشرين الثاني 1526، وجاء الحكم مخففاً، إذ ألزم أغناطيوس ورفاقه بأن يلبسوا ثياباً سوداء كباقي رجال الإكليروس. بعد الإفراج عنه قصد سلمنكة حيث تمّ التعرف إليه وإتهم بالهرطقة بسبب تعاليمه، وأودع السجن مجدداً، ولم يطلق سراحه إلّا بعد 25 يوماً.
بعد التدقيق في كتابه «الرياضات الروحية» بعناية فائقة، جاء حكم سلمنكة مطابقاً لحكم ألكلا أو القلعة، أي عدم وجود أية آثار للهرطقة في كتاب أغناطيوس كما في تعاليم باقي أعضاء المجموعة. لكن الحكم الذي صدر قضى بمنعهم عن التحدث في علم اللاهوت قبل تمضية أربع سنوات إضافية في البحث والدراسة. نفذ صبر أغناطيوس، ومحاكم التفتيش في أثره تفرض عليه الشروط التعجيزية، فترك إسبانيا متوجهاً إلى باريس التي وصلها في 3 شباط 1528، وهي المدينة التي كانت تضم أربعة آلاف طالب، وخمسين معهداً وأفضل جامعة في أوروبا. انتسب إينيغو أو أغناطيوس إلى معهد مونتيغو، ولم يثنه أي شيء عن مواجهة النظام الصارم الذي كان عرضة لتهكم إراسموس. كان يستجدي طعامه في الشوارع ويسكن في مستشفى القديس يعقوب، وفي فترة الصيام كان يذهب إلى منطقة الفلاندر طالباً الحسنة من التجار الإسبان الأغنياء. عام 1530 وصل حتى لندن ساعياً إلى تأمين احتياجاته الضرورية من أجل الانصراف إلى الدراسة في معهد مونتيغو ثم في معهد القديسة بربارة ابتداءً من الأول من تشرين الأول عام 1529، وكان يرتدي لباس رجال الإكليروس الباريسيين، وهو الزي الذي حافظ عليه حتى مماته.
يعتقد المؤرخ اليسوعي الإسباني بدرو دي ليتوريا9 أنّ الرفاق السبعة الأوائل كان هدفهم خلاص النفوس في فلسطين وحمل «الكفار» على اعتناق المسيحية حتى ولو أدى ذلك إلى استشهادهم كما السيد المسيح على طريق الجلجلة. ولكن هؤلاء اصطدموا بالواقع عندما اقتنعوا باستحالة الوصول إلى القدس في الوقت الذي كانت فيه الأراضي المقدسة محظورة، والوصول اليها غير ممكن، بحيث أصبحت هذه المهمة التبشيرية مستحيلة. لذلك استعاضوا عن مشروعهم الأساسي وتحولوا نحو روما مطالبين بالخضوع التام إلى الكرسي الرسولي الذي كان في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من المؤمنين الزاهدين الأنقياء والأتقياء. نعم، لقد استسلم اليسوعيون الأوائل إلى الواقعية وتأقلموا معها، وأعادوا توجيه نشاطاتهم نحو بلاد الهند الشرقية والغربية، واستبدلوا المكان الرمزي أي القدس بمركز إستراتيجي وهو روما.
عند تمركزهم في المدينة الخالدة حاز الآباء اليسوعيون سريعاً على ثقة البابا واحترامه، وهو الذي كان قد بدأ حركة إصلاحية كنسية هامة في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية برمتها مهددة بالهلاك. تلقف البابا بولس الثالث المتمرس في فن السياسة والمناورات، هذه المجموعة الزاهدة واستمع إليها بعناية واستعملها بدراية من أجل استعادة مركز الكنيسة الكاثوليكية ومجدها في هذه الحقبة الحرجة والمأساوية من تاريخها...
كان إينيغو يتشارك غرفة مع بيار فافر وهو من منطقة السافوا، ونبيل آخر من منطقة النافارا يدعى فرانسوا كزافير. اضطر أغناطيوس إلى التخلي مؤقتاً عن ساعات التأمل الطويلة صارفاً اهتمامه إلى المنطق الفلسفي، حيث حاز في 14 آذار 1535 على درجة «أستاذ في جامعة باريس الكاثوليكية» الشهيرة. أصبح هكذا مطمئناً لانصرافه نحو إنقاذ النفوس من دون التعرض للمضايقات مع أنّ هذه المحاولة عرفت انتكاسة خطيرة. وأثناء دراسته لم ينسَ أغناطيوس الهدف الرئيسي من مجيئه إلى باريس أي إكثار العدد من معاونيه ورفاقه في الرحلة التبشيرية، فأهدى كتابه «الرياضات الروحية» إلى ثلاثة من رفاقه وهم من الجنسية الإسبانية الذين في ذروة إيمانهم واندفاعهم منحوا ثرواتهم إلى الفقراء، مما أثار استياء السلطات المدنية التي هدّدت أغناطيوس بالجَلد في الساحة العامة. استغرق إقناع فرنسوا كزافير بالمهمة الأغناطية ثلاث سنوات، وهو الرسول إلى الهند الذي ترك المسيحية متجذرة في آسيا عند وفاته. تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسوا كزافير قبل انضمامه إلى المجموعة كان يُطلق على أغناطيوس لقب «أحمق شارع الكلاب».5
هكذا بدأت المجموعة تتكاثر ببطء، والتف حول أغناطيوس، فافر ثم كزافير ولاحقاً البرتغالي سيمون رودريغز الذي وصل باريس عام 1527 إضافة إلى اثنين من قشطالة هما الفونس سالميرون ولينيث. هذا الأخير كان متحدراً من عائلة يهودية غنية اعتنقت المسيحية، وهو أول خلف لأغناطيوس في عام 1558 على رأس الرهبانية اليسوعية. أما سالميرون المولود عام 1515 وصديق لينيث الحميم، فلقد كان سابع شخص ينخرط في عداد الرهبانية قبل نيكولا بوباديلا الذي أزعج أغناطيوس إلى حد بعيد بسبب تصرفاته الصبيانية وطباعه الاستقلالية. إتبع الرفاق طريقة عيش الفقراء استناداً إلى تعاليم الإنجيل المبارك، وحافظوا على مبدأ العفة، وكانوا يقيمون في ما بينهم ندوات روحية، وأعربوا عن عدم رغبتهم في الانضمام إلى أية رهبانية ولم يسعوا إلى تأسيس رهبانية جديدة.
بعد رجوعه إلى إسبانيا اتخذ قراراً بمساعدة النفوس، مما يدل على رغبته ونيته في تجنيد رجال مؤمنين مثله على أتم الاستعداد لمساعدة الفقراء والتبشير بالإنجيل المقدس. رأى أغناطيوس أنّ من واجباته أن ينصرف إلى الدراسة بعض الوقت، فانتسب إلى جامعة ألكلا دي هناريس في برشلونه، حيث التقى ثلاثة شبان أقنعهم بمرافقته إلى مدينة القدس. ضمّت هذه المجموعة في عدادها فرنسياً واحداً وكانت معروفة بلباسها، إذ أطلق عليها لقب الأردية الرمادية أو المستنيرين. أقلق هؤلاء راحة محاكم التفتيش، ثم ما لبث أن ألقي القبض على أغناطيوس في 19 تشرين الثاني 1526، وجاء الحكم مخففاً، إذ ألزم أغناطيوس ورفاقه بأن يلبسوا ثياباً سوداء كباقي رجال الإكليروس. بعد الإفراج عنه قصد سلمنكة حيث تمّ التعرف إليه وإتهم بالهرطقة بسبب تعاليمه، وأودع السجن مجدداً، ولم يطلق سراحه إلّا بعد 25 يوماً.
بعد التدقيق في كتابه «الرياضات الروحية» بعناية فائقة، جاء حكم سلمنكة مطابقاً لحكم ألكلا أو القلعة، أي عدم وجود أية آثار للهرطقة في كتاب أغناطيوس كما في تعاليم باقي أعضاء المجموعة. لكن الحكم الذي صدر قضى بمنعهم عن التحدث في علم اللاهوت قبل تمضية أربع سنوات إضافية في البحث والدراسة. نفذ صبر أغناطيوس، ومحاكم التفتيش في أثره تفرض عليه الشروط التعجيزية، فترك إسبانيا متوجهاً إلى باريس التي وصلها في 3 شباط 1528، وهي المدينة التي كانت تضم أربعة آلاف طالب، وخمسين معهداً وأفضل جامعة في أوروبا. انتسب إينيغو أو أغناطيوس إلى معهد مونتيغو، ولم يثنه أي شيء عن مواجهة النظام الصارم الذي كان عرضة لتهكم إراسموس. كان يستجدي طعامه في الشوارع ويسكن في مستشفى القديس يعقوب، وفي فترة الصيام كان يذهب إلى منطقة الفلاندر طالباً الحسنة من التجار الإسبان الأغنياء. عام 1530 وصل حتى لندن ساعياً إلى تأمين احتياجاته الضرورية من أجل الانصراف إلى الدراسة في معهد مونتيغو ثم في معهد القديسة بربارة ابتداءً من الأول من تشرين الأول عام 1529، وكان يرتدي لباس رجال الإكليروس الباريسيين، وهو الزي الذي حافظ عليه حتى مماته.
يعتقد المؤرخ اليسوعي الإسباني بدرو دي ليتوريا9 أنّ الرفاق السبعة الأوائل كان هدفهم خلاص النفوس في فلسطين وحمل «الكفار» على اعتناق المسيحية حتى ولو أدى ذلك إلى استشهادهم كما السيد المسيح على طريق الجلجلة. ولكن هؤلاء اصطدموا بالواقع عندما اقتنعوا باستحالة الوصول إلى القدس في الوقت الذي كانت فيه الأراضي المقدسة محظورة، والوصول اليها غير ممكن، بحيث أصبحت هذه المهمة التبشيرية مستحيلة. لذلك استعاضوا عن مشروعهم الأساسي وتحولوا نحو روما مطالبين بالخضوع التام إلى الكرسي الرسولي الذي كان في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من المؤمنين الزاهدين الأنقياء والأتقياء. نعم، لقد استسلم اليسوعيون الأوائل إلى الواقعية وتأقلموا معها، وأعادوا توجيه نشاطاتهم نحو بلاد الهند الشرقية والغربية، واستبدلوا المكان الرمزي أي القدس بمركز إستراتيجي وهو روما.
عند تمركزهم في المدينة الخالدة حاز الآباء اليسوعيون سريعاً على ثقة البابا واحترامه، وهو الذي كان قد بدأ حركة إصلاحية كنسية هامة في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية برمتها مهددة بالهلاك. تلقف البابا بولس الثالث المتمرس في فن السياسة والمناورات، هذه المجموعة الزاهدة واستمع إليها بعناية واستعملها بدراية من أجل استعادة مركز الكنيسة الكاثوليكية ومجدها في هذه الحقبة الحرجة والمأساوية من تاريخها...
كان إينيغو يتشارك غرفة مع بيار فافر وهو من منطقة السافوا، ونبيل آخر من منطقة النافارا يدعى فرانسوا كزافير. اضطر أغناطيوس إلى التخلي مؤقتاً عن ساعات التأمل الطويلة صارفاً اهتمامه إلى المنطق الفلسفي، حيث حاز في 14 آذار 1535 على درجة «أستاذ في جامعة باريس الكاثوليكية» الشهيرة. أصبح هكذا مطمئناً لانصرافه نحو إنقاذ النفوس من دون التعرض للمضايقات مع أنّ هذه المحاولة عرفت انتكاسة خطيرة. وأثناء دراسته لم ينسَ أغناطيوس الهدف الرئيسي من مجيئه إلى باريس أي إكثار العدد من معاونيه ورفاقه في الرحلة التبشيرية، فأهدى كتابه «الرياضات الروحية» إلى ثلاثة من رفاقه وهم من الجنسية الإسبانية الذين في ذروة إيمانهم واندفاعهم منحوا ثرواتهم إلى الفقراء، مما أثار استياء السلطات المدنية التي هدّدت أغناطيوس بالجَلد في الساحة العامة. استغرق إقناع فرنسوا كزافير بالمهمة الأغناطية ثلاث سنوات، وهو الرسول إلى الهند الذي ترك المسيحية متجذرة في آسيا عند وفاته. تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسوا كزافير قبل انضمامه إلى المجموعة كان يُطلق على أغناطيوس لقب «أحمق شارع الكلاب».5
هكذا بدأت المجموعة تتكاثر ببطء، والتف حول أغناطيوس، فافر ثم كزافير ولاحقاً البرتغالي سيمون رودريغز الذي وصل باريس عام 1527 إضافة إلى اثنين من قشطالة هما الفونس سالميرون ولينيث. هذا الأخير كان متحدراً من عائلة يهودية غنية اعتنقت المسيحية، وهو أول خلف لأغناطيوس في عام 1558 على رأس الرهبانية اليسوعية. أما سالميرون المولود عام 1515 وصديق لينيث الحميم، فلقد كان سابع شخص ينخرط في عداد الرهبانية قبل نيكولا بوباديلا الذي أزعج أغناطيوس إلى حد بعيد بسبب تصرفاته الصبيانية وطباعه الاستقلالية. إتبع الرفاق طريقة عيش الفقراء استناداً إلى تعاليم الإنجيل المبارك، وحافظوا على مبدأ العفة، وكانوا يقيمون في ما بينهم ندوات روحية، وأعربوا عن عدم رغبتهم في الانضمام إلى أية رهبانية ولم يسعوا إلى تأسيس رهبانية جديدة.
صفحة 5
قرّرت المجموعة الذهاب إلى القدس عند انتهاء الدراسة، وفي حال استحالة هذا المشروع، القيام بالسفر إلى روما ووضع أنفسهم تحت تصرف الحبر الأعظم؛ هكذا اتخذ أعضاء المجموعة قرار الانضواء إلى السلك الكهنوتي وقرروا قسم اليمين يوم عيد انتقال السيدة العذراء. في 15 آب 1534 قصدت المجموعة محلة مونمارتر في الصباح الباكر، واجتمعت في كنيسة القديس دوني، وشاركت في القداس الإلٓهي الذي ترأسه فافر والذي كان قد رُسم كاهناً في 30 أيار. عندما حان وقت المناولة، أعلنوا عن نذورهم وهي الطريقة نفسها التي يتبعها الآباء اليسوعيون حتى اليوم، عندما يضعون على مذبح الكنيسة نصاً مكتوباً وموقعاً يعلن عن التزاماتهم الدينية... هذه النذور تشمل التعهد باتباع حياة الفقرالإنجيلي، والتبتل، والطاعة الدائمة، وتوفير العلم للأطفال والمعوزين، والتقيد بجميع المهمات التي يحددها البابا دون تردد أو شروط.
إن نذور مونمارتر التي لم تتخذ طابعاً رسمياً لا يمكن دمجها في إعلان تأسيس الرهبانية اليسوعية، ولكنها تؤكد على تمايز هذه الرهبانية المستقبلية، من سمات الحياة المشتركة إلى الانفتاح على العالم، إلى الطاعة العمياء في هذه الحقبة الصعبة من تاريخ الكنيسة الكاثوليكية. في هذا الوقت، برزت تيارات دينية كثيرة تدعو إلى ضرورة ضخ دم جديد وأفكار جديدة في جسم الكنيسة المتعب وسط أزمة روحية عميقة في تاريخ الديانة المسيحية. في هذه الأجواء انعقد مؤتمر أوكسبورغ(******) عام 1530 الذي أرسى قواعد اللوثرية(*******) انطلاقاً من 28 بنداً حرّرها ميلانشتون الذي نجح في استقطاب قسم كبير من الأمراء الألمان، وتخلّى ملك إنكلترا هنري الثامن عن روما في كانون الثاني 1533، وهو الذي حكم بعقوبة الموت عام 1535 على طوماس مور الذي رفض الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية.
وفي عام 1536 نشر كالفن(********) الطبعة اللاتينية لـ«المؤسسة المسيحية»، مما أدى إلى موجة عارمة من الروحانية عمّت جميع أرجاء إسبانيا الكاثوليكية وإلى انفصال الكثيرين عن روما. لاحقاً، برزت قضية الملصقات الجدارية (l’affaire des placards) في تشرين الأول 1534 التي زرعت التشويش والحيرة في جميع أرجاء باريس، مما أدى إلى وقوع اضطرابات دامية استمرت ردحاً من الزمن. أصدر الملك فرانسوا الأول مرسوماً عام 1535 أمر فيه بالقضاء على النزعة اللوثرية، والجدير بالذكر أنه في ليل 17-18 تشرين الأول 1534 استفاق المواطنون في باريس وأمبواز على ملصقات تهاجم العقيدة الكاثوليكية ورموزها، حتى قيل إن بعضها وجد ملصقاً على باب غرفة نوم ملك فرنسا.
في عام 1534 تمّ انتخاب البابا بولس الثالث الذي سارع إلى تعيين لجنة بغية درس الإصلاحات اللازمة. منذ نهاية أعمال مجمع لاتران الديني في العام 1517، اتخذت عدة إجراءات من أجل إعادة تقييم أوضاع الكنيسة الكاثوليكية السيئة. لكنه تمّ القضاء على محاولات الاصلاح بسبب سوء إدارة مختلف أجهزة الكرسي الرسولي، إضافة إلى الخلافات بين الأمراء والكنيسة، والتنافس المستمر والعقيم بين كبار رجال الدين، مما أدى إلى فقدان الثقة بالكنيسة.
في مثل هذه الأجواء المحمومة، تصدت مجموعة مونمارتر للواقع الأليم، وفي 25 آذار 1535 غادر أغناطيوس رفاقه من أجل إنهاء دروسه اللاهوتية، وانتظار وصول أعضاء مجموعته. وصل «الباريسيون» إلى البندقية في الثامن من كانون الثاني 1537، إضافة إلى ثلاثة رفاق جدد تمت رسامتهم كهنة في شهر حزيران، استعداداً للسفر إلى الأراضي المقدسة في فلسطين. ولكن ذلك لم يحصل خلال تلك السنة، ولم تغادر أية باخرة مرفأ البندقية نظراً لكون البحار غير آمنة في هذا الوقت؛ وتنفيذاً للنذر الذي قطعه هؤلاء الرفاق العشرة غادروا إلى روما من أجل وضع أنفسهم في تصرف الحبر الأعظم. قبل دخوله عاصمة الكثلكة، كانت كنيسة نوتردام دو لاستورتا الصغيرة، المحطة الأخيرة لأغناطيوس قبل روما، وفي هذا المكان يُقال إن السيدالمسيح عليه السلام ظهر له وطلب منه أن يخدمه. من هنا أتى اسم رفقة يسوع، وبقي هذا المعبد على (via Cassia) وجهة حج اليسوعيين... وفي الرابع من أيلول عام 1983، وفي هذا المكان بالذات، أعلن الجنرال اليسوعي بدرو أروبي وهو في حالة المرض الشديد عزمه على الاستقالة من منصبه، وهو الوعد الذي لم يستطع المحافظة عليه إذ كان النذر الرابع أي الطاعة العمياء للحبر الأعظم أهم وأقوى من كل شيء. بعد المداولات توزع الرفاق الأوائل إلى عدة مجموعات، كي لا يسافروا معاً، وتناقشوا في ما يقولون إن سُئلوا في روما عمن يكونون، وعندما لمسوا أن لا رئيس لهم إلا السيد المسيح، رأوا أنه من المستحسن أن يطلقوا على أنفسهم تسمية شركة أو رفقة يسوع.
فور وصول المجموعة إلى روما، تعرضت إلى أسوأ حملات التشهير، وكانت إشاعة الكفر أسرع من الهواء إذ سبقت قدوم أغناطيوس ورفاقه. بعد التغلب على هذه المحنة في كانون الأول 1538، حصلوا على إذن مقابلة البابا، ووضعوا أنفسهم تحت تصرفه وأعربوا عن استعدادهم للذهاب إلى أية وجهة يختارها رئيس الكنيسة الكاثوليكية. أعجب البابا بتفاني هؤلاء الكهنة وطاعتهم، وكان في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الإكليريكيين، فأوكل إليهم مهمة نشر التعليم المسيحي لدى أطفال روما، وعندما ذاع صيتهم بسرعة فائقة، طالب شارلكان بإرسالهم إلى الهند الإسبانية وبولس الثالث إلى الهند البرتغالية. في هذا الوقت وردت ترشيحات جديدة، فعاد أعضاء المجموعة إلى الاجتماع والتداول، وقرّروا تسمية رئيس لهم والمحافظة على تسمية «جمعية يسوع سيدنا وإلهنا»، ودامت النقاشات من آذار إلى حزيران 1539. في هذا الوقت بالذات، انكب أغناطيوس على تحضير ملف يتعلق بمميزات الرهبانية اليسوعية، على الرغم من انتشار أعضاء المجموعة في سيينا، وبارما، وبلايزنس، ونابولي وبرشيا.
حدّد أغناطيوس في كتاباته، كأولويات، مساعدة الناس ونشر الإيمان بواسطة التبشير والأعمال الخيرية والتعليم المسيحي، والولاء والطاعة العمياء للأب الأقدس بولس الثالث ومن يخلفه على الكرسي الرسولي، دون تردد أو مماطلة أو اعتراض. نعم، لقد أوضح القديس أغناطيوس بصراحة تامة أنه سيذهب مع رفاقه إلى «الأتراك أو إلى العوالم الجديدة أو عند اللوثريين أو أي طرف مؤمناً كان أم كافراً». وفي الوقت الذي كانت فيه طريق القدس غير سالكة، فتحت أمام الرهبان اليسوعيين جميع طرقات العالم القديم والعالم الجديد، مما جعلهم يحوزون على ثقة بولس الثالث، وتمت الموافقة الرسمية الخطية على هيكلية الرهبانية في27 أيلول 1540، عندما وقع البابا البراءة البابوية (Regimini Militantis Ecclesiae) أي ولادة الرهبانية اليسوعية.
إن نذور مونمارتر التي لم تتخذ طابعاً رسمياً لا يمكن دمجها في إعلان تأسيس الرهبانية اليسوعية، ولكنها تؤكد على تمايز هذه الرهبانية المستقبلية، من سمات الحياة المشتركة إلى الانفتاح على العالم، إلى الطاعة العمياء في هذه الحقبة الصعبة من تاريخ الكنيسة الكاثوليكية. في هذا الوقت، برزت تيارات دينية كثيرة تدعو إلى ضرورة ضخ دم جديد وأفكار جديدة في جسم الكنيسة المتعب وسط أزمة روحية عميقة في تاريخ الديانة المسيحية. في هذه الأجواء انعقد مؤتمر أوكسبورغ(******) عام 1530 الذي أرسى قواعد اللوثرية(*******) انطلاقاً من 28 بنداً حرّرها ميلانشتون الذي نجح في استقطاب قسم كبير من الأمراء الألمان، وتخلّى ملك إنكلترا هنري الثامن عن روما في كانون الثاني 1533، وهو الذي حكم بعقوبة الموت عام 1535 على طوماس مور الذي رفض الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية.
وفي عام 1536 نشر كالفن(********) الطبعة اللاتينية لـ«المؤسسة المسيحية»، مما أدى إلى موجة عارمة من الروحانية عمّت جميع أرجاء إسبانيا الكاثوليكية وإلى انفصال الكثيرين عن روما. لاحقاً، برزت قضية الملصقات الجدارية (l’affaire des placards) في تشرين الأول 1534 التي زرعت التشويش والحيرة في جميع أرجاء باريس، مما أدى إلى وقوع اضطرابات دامية استمرت ردحاً من الزمن. أصدر الملك فرانسوا الأول مرسوماً عام 1535 أمر فيه بالقضاء على النزعة اللوثرية، والجدير بالذكر أنه في ليل 17-18 تشرين الأول 1534 استفاق المواطنون في باريس وأمبواز على ملصقات تهاجم العقيدة الكاثوليكية ورموزها، حتى قيل إن بعضها وجد ملصقاً على باب غرفة نوم ملك فرنسا.
في عام 1534 تمّ انتخاب البابا بولس الثالث الذي سارع إلى تعيين لجنة بغية درس الإصلاحات اللازمة. منذ نهاية أعمال مجمع لاتران الديني في العام 1517، اتخذت عدة إجراءات من أجل إعادة تقييم أوضاع الكنيسة الكاثوليكية السيئة. لكنه تمّ القضاء على محاولات الاصلاح بسبب سوء إدارة مختلف أجهزة الكرسي الرسولي، إضافة إلى الخلافات بين الأمراء والكنيسة، والتنافس المستمر والعقيم بين كبار رجال الدين، مما أدى إلى فقدان الثقة بالكنيسة.
في مثل هذه الأجواء المحمومة، تصدت مجموعة مونمارتر للواقع الأليم، وفي 25 آذار 1535 غادر أغناطيوس رفاقه من أجل إنهاء دروسه اللاهوتية، وانتظار وصول أعضاء مجموعته. وصل «الباريسيون» إلى البندقية في الثامن من كانون الثاني 1537، إضافة إلى ثلاثة رفاق جدد تمت رسامتهم كهنة في شهر حزيران، استعداداً للسفر إلى الأراضي المقدسة في فلسطين. ولكن ذلك لم يحصل خلال تلك السنة، ولم تغادر أية باخرة مرفأ البندقية نظراً لكون البحار غير آمنة في هذا الوقت؛ وتنفيذاً للنذر الذي قطعه هؤلاء الرفاق العشرة غادروا إلى روما من أجل وضع أنفسهم في تصرف الحبر الأعظم. قبل دخوله عاصمة الكثلكة، كانت كنيسة نوتردام دو لاستورتا الصغيرة، المحطة الأخيرة لأغناطيوس قبل روما، وفي هذا المكان يُقال إن السيدالمسيح عليه السلام ظهر له وطلب منه أن يخدمه. من هنا أتى اسم رفقة يسوع، وبقي هذا المعبد على (via Cassia) وجهة حج اليسوعيين... وفي الرابع من أيلول عام 1983، وفي هذا المكان بالذات، أعلن الجنرال اليسوعي بدرو أروبي وهو في حالة المرض الشديد عزمه على الاستقالة من منصبه، وهو الوعد الذي لم يستطع المحافظة عليه إذ كان النذر الرابع أي الطاعة العمياء للحبر الأعظم أهم وأقوى من كل شيء. بعد المداولات توزع الرفاق الأوائل إلى عدة مجموعات، كي لا يسافروا معاً، وتناقشوا في ما يقولون إن سُئلوا في روما عمن يكونون، وعندما لمسوا أن لا رئيس لهم إلا السيد المسيح، رأوا أنه من المستحسن أن يطلقوا على أنفسهم تسمية شركة أو رفقة يسوع.
فور وصول المجموعة إلى روما، تعرضت إلى أسوأ حملات التشهير، وكانت إشاعة الكفر أسرع من الهواء إذ سبقت قدوم أغناطيوس ورفاقه. بعد التغلب على هذه المحنة في كانون الأول 1538، حصلوا على إذن مقابلة البابا، ووضعوا أنفسهم تحت تصرفه وأعربوا عن استعدادهم للذهاب إلى أية وجهة يختارها رئيس الكنيسة الكاثوليكية. أعجب البابا بتفاني هؤلاء الكهنة وطاعتهم، وكان في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الإكليريكيين، فأوكل إليهم مهمة نشر التعليم المسيحي لدى أطفال روما، وعندما ذاع صيتهم بسرعة فائقة، طالب شارلكان بإرسالهم إلى الهند الإسبانية وبولس الثالث إلى الهند البرتغالية. في هذا الوقت وردت ترشيحات جديدة، فعاد أعضاء المجموعة إلى الاجتماع والتداول، وقرّروا تسمية رئيس لهم والمحافظة على تسمية «جمعية يسوع سيدنا وإلهنا»، ودامت النقاشات من آذار إلى حزيران 1539. في هذا الوقت بالذات، انكب أغناطيوس على تحضير ملف يتعلق بمميزات الرهبانية اليسوعية، على الرغم من انتشار أعضاء المجموعة في سيينا، وبارما، وبلايزنس، ونابولي وبرشيا.
حدّد أغناطيوس في كتاباته، كأولويات، مساعدة الناس ونشر الإيمان بواسطة التبشير والأعمال الخيرية والتعليم المسيحي، والولاء والطاعة العمياء للأب الأقدس بولس الثالث ومن يخلفه على الكرسي الرسولي، دون تردد أو مماطلة أو اعتراض. نعم، لقد أوضح القديس أغناطيوس بصراحة تامة أنه سيذهب مع رفاقه إلى «الأتراك أو إلى العوالم الجديدة أو عند اللوثريين أو أي طرف مؤمناً كان أم كافراً». وفي الوقت الذي كانت فيه طريق القدس غير سالكة، فتحت أمام الرهبان اليسوعيين جميع طرقات العالم القديم والعالم الجديد، مما جعلهم يحوزون على ثقة بولس الثالث، وتمت الموافقة الرسمية الخطية على هيكلية الرهبانية في27 أيلول 1540، عندما وقع البابا البراءة البابوية (Regimini Militantis Ecclesiae) أي ولادة الرهبانية اليسوعية.
صفحة 6
كانت الكنيسة الكاثوليكية واقعة في تلك الأزمنة تحت سيطرة البابوات المتاجرين بالمقدسات، والأولاد غير الشرعيين المتخاصمين، والعشيقات الشرهات، إضافة إلى كرادلة أطفال في عمر الـ 12 سنة. في مثل هذه الظروف وُجدت هذه المجموعة المُرسلة ربما من العناية الإلهية، التي أنشأت الرهبانية اليسوعية، محاولة إنقاذ الكنيسة الكاثوليكية من براثن الخطأة ودعاة الرذيلة، وربما كان هذا هو التحدي الأكبر5. شارلكان أو شارل الخامس الذي تولى عام 1519 رأس الأمبراطورية المقدسة (Saint Empire) كان المنافس الأهم للملك الفرنسي فرنسوا الأول، وخاض ضده ثلاث حروب لكنه لم يتمكن من القضاء على الحركة البروتستانتية. وانتهى شارلكان بتوقيع معاهدة السلام في أوكسبورغ عام 1555 ثم تخلى عن السلطة في عام 1556، حيث عاش في عزلة تامة في دير يوست (Yuste).
من جهتهم، لم يكن رفاق باريس العشرة، يعلمون بعد أن البعثة إلى القدس سوف تنتهي في روما، عندما اتفقوا على اللقاء بعد مرور سنة ونصف في البندقية تمهيداً للإبحار نحو الشرق. بين شهري نيسان وكانون الأول 1536 وأثناء إقامته في إسبانيا، انصرف أغناطيوس إلى التبشير والتعليم المسيحي في الوقت الذي توجه فيه رفاقه نحو مناطق الشامبانيا واللورين وسويسرا والتيرول في جولة إصلاحية، وذلك بين شهري تشرين الثاني 1536 وكانون الثاني 1537. وعند وصول دي لويولا إلى مدينة البندقية قبل رفاقه، التقى بعض الأصدقاء الإسبان وجند شاباً يدعى دييغو هوسيس، وأخذ يبشر ويساعد المرضى متابعاً دراسة عِلم اللاهوت عند الرهبان الدومينيكيين الذين استاؤوا منه إلى درجة أن ادعوا أن دمية تمثله، أحرقت في سلمنكة وباريس. في كانون الثاني 1537 لحق به فافر وكزافير ولينيث وغيرهم إلى البندقية قبل التوجه إلى روما من أجل الحصول على مباركة الحبر الأعظم قبل الإبحار إلى الأراضي المقدسة في فلسطين، ولكنه تبين لاحقاً أنّ سيطرة الأتراك على منطقة البحر الأبيض المتوسط الشرقية كما ذكرنا وصولاً إلى أبواب الأدرياتيك جعلت من «الحلم الفلسطيني سراباً».
إزاء ذلك تحول الرفاق العشرة إلى ممرضين في مستشفيات مدينة البندقية التي كانت تزدحم بالمرضى على شفير الموت خصوصاً المصابين بمرض الطاعون. تبعثروا لاحقاً في مدن إيطاليا الشمالية حيث توفي من الإرهاق والمرض آخر المجندين دييغو هوسيس. لقد شاخ أغناطيوس وسط آلام جسدية مبرحة متأتية عن قرحة معوية ألزمته الفراش وجعلته يعيش في سعادة الأبرار بين سيل من الدموع، من جرّاء الانتقادات التي تسبب بها سيمون رودريغز في البرتغال، والتجاوزات التي قام بها بوباديلا، وممانعة تمركز اليسوعيين في فرنسا، والصراعات مع الأمبراطور شارلكان وصولاً إلى الخلاف بين الكرسي الرسولي والرهبانية اليسوعية مع انتخاب البابا الجديد بولس الرابع، وهو الكاردينال كارافا العدو اللدود للإسبان.
هكذا شارفت حياة أغناطيوس على نهايتها من دون أن يسمح لأي كان بالتحديق فيه، وهي قاعدة ضمن النظام اليسوعي الصارم، يذكّر بها وكيل أسراره دا كمارا كلما حاول إطالة النظر والتدقيق في ملامح وجهه... وبدءاً من عام 1550 وأغناطيوس في وضع الاحتضار ولكنه في بداية عام 1556 استمر في الحياة في شكل عجائبي؛ وفي الثاني من شهر تموز تمّ نقله إلى مزرعة المعهد الروماني، ثم أعيد إلى مكان إقامته في روما في السابع والعشرين من الشهر نفسه. في 30 تموز طلب أغناطيوس من بولانكو إعلام الحبر الأعظم بدنو أجله، وفي الليل سمعه الأخ الممرض يتمتم «إلهي ... إلهي». في الصباح الباكر أسلم الروح من دون الحصول على «المشحة الأخيرة» تاركاً هذا العالم بطريقة عادية. دومينيك برتران10 أطلق على علم المجتمع البشري وكيفية حُكم الرجال اسم Sociodoxie وعلى أغناطيوس لقب المهندس الاجتماعي. وهكذا طغت على الأب الرئيس الأول ملامح السياسة، وهو الذي أنشأ مؤسسة عظيمة ونافذة على صعيد الكرة الأرضية. في 31 تموز 1556، طويت صفحة الفارس الذي تحول إلى ناسك، والناسك إلى حاج، والحاج إلى معلم أرسل تلامذته إلى جميع أنحاء المعمورة.
من جهتهم، لم يكن رفاق باريس العشرة، يعلمون بعد أن البعثة إلى القدس سوف تنتهي في روما، عندما اتفقوا على اللقاء بعد مرور سنة ونصف في البندقية تمهيداً للإبحار نحو الشرق. بين شهري نيسان وكانون الأول 1536 وأثناء إقامته في إسبانيا، انصرف أغناطيوس إلى التبشير والتعليم المسيحي في الوقت الذي توجه فيه رفاقه نحو مناطق الشامبانيا واللورين وسويسرا والتيرول في جولة إصلاحية، وذلك بين شهري تشرين الثاني 1536 وكانون الثاني 1537. وعند وصول دي لويولا إلى مدينة البندقية قبل رفاقه، التقى بعض الأصدقاء الإسبان وجند شاباً يدعى دييغو هوسيس، وأخذ يبشر ويساعد المرضى متابعاً دراسة عِلم اللاهوت عند الرهبان الدومينيكيين الذين استاؤوا منه إلى درجة أن ادعوا أن دمية تمثله، أحرقت في سلمنكة وباريس. في كانون الثاني 1537 لحق به فافر وكزافير ولينيث وغيرهم إلى البندقية قبل التوجه إلى روما من أجل الحصول على مباركة الحبر الأعظم قبل الإبحار إلى الأراضي المقدسة في فلسطين، ولكنه تبين لاحقاً أنّ سيطرة الأتراك على منطقة البحر الأبيض المتوسط الشرقية كما ذكرنا وصولاً إلى أبواب الأدرياتيك جعلت من «الحلم الفلسطيني سراباً».
إزاء ذلك تحول الرفاق العشرة إلى ممرضين في مستشفيات مدينة البندقية التي كانت تزدحم بالمرضى على شفير الموت خصوصاً المصابين بمرض الطاعون. تبعثروا لاحقاً في مدن إيطاليا الشمالية حيث توفي من الإرهاق والمرض آخر المجندين دييغو هوسيس. لقد شاخ أغناطيوس وسط آلام جسدية مبرحة متأتية عن قرحة معوية ألزمته الفراش وجعلته يعيش في سعادة الأبرار بين سيل من الدموع، من جرّاء الانتقادات التي تسبب بها سيمون رودريغز في البرتغال، والتجاوزات التي قام بها بوباديلا، وممانعة تمركز اليسوعيين في فرنسا، والصراعات مع الأمبراطور شارلكان وصولاً إلى الخلاف بين الكرسي الرسولي والرهبانية اليسوعية مع انتخاب البابا الجديد بولس الرابع، وهو الكاردينال كارافا العدو اللدود للإسبان.
هكذا شارفت حياة أغناطيوس على نهايتها من دون أن يسمح لأي كان بالتحديق فيه، وهي قاعدة ضمن النظام اليسوعي الصارم، يذكّر بها وكيل أسراره دا كمارا كلما حاول إطالة النظر والتدقيق في ملامح وجهه... وبدءاً من عام 1550 وأغناطيوس في وضع الاحتضار ولكنه في بداية عام 1556 استمر في الحياة في شكل عجائبي؛ وفي الثاني من شهر تموز تمّ نقله إلى مزرعة المعهد الروماني، ثم أعيد إلى مكان إقامته في روما في السابع والعشرين من الشهر نفسه. في 30 تموز طلب أغناطيوس من بولانكو إعلام الحبر الأعظم بدنو أجله، وفي الليل سمعه الأخ الممرض يتمتم «إلهي ... إلهي». في الصباح الباكر أسلم الروح من دون الحصول على «المشحة الأخيرة» تاركاً هذا العالم بطريقة عادية. دومينيك برتران10 أطلق على علم المجتمع البشري وكيفية حُكم الرجال اسم Sociodoxie وعلى أغناطيوس لقب المهندس الاجتماعي. وهكذا طغت على الأب الرئيس الأول ملامح السياسة، وهو الذي أنشأ مؤسسة عظيمة ونافذة على صعيد الكرة الأرضية. في 31 تموز 1556، طويت صفحة الفارس الذي تحول إلى ناسك، والناسك إلى حاج، والحاج إلى معلم أرسل تلامذته إلى جميع أنحاء المعمورة.
صفحة 7
الفصل الثاني
اليسوعيون ونقاوة الدم
نشأت الرهبانية اليسوعية انطلاقاً من إسبانيا في القرن السادس عشر، في الوقت الذي أعلن فيه الملك فرديناند والملكة إيزابيل الكاثوليكيان عن شعارهما الشهير الموجّه إلى اليهود والمغاربة، أي المسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة: العماد أو المنفى(Bautismo o expulsion). يعتقد المؤرخ الإسباني اليسوعي أوزيبيو راي أنّ «عملية 1492 الجراحية» كانت الحلّ الوحيد من أجل مقاومة خطر اليهود على العالم الكاثوليكي، إذ منذ نهاية القرن الرابع عشر كانت كنيسة إسبانيا قد تكاثرت فيها أعداد المهتدين الجُدُد. في الوقت الذي بدأ فيه الرهبان الفرنسيسيون مرحلة الإصلاح الكاثوليكية التي غيّرت وجه المسيحية الإسبانية، لم يتخلّ هؤلاء اليهود المعتنقون للديانة المسيحية عن معتقداتهم الدينية القديمة بعد مرور25 سنة على صدور مرسوم الملكين الكاثوليكيين.المسيحيون الجُدُد الذين اعتنقوا المسيحية طوعاً أو بالإكراه، كانوا من اليهود المهتدين الكافرين (marranes)، الذين حاولوا إخفاء ولائهم لديانتهم الأولى تحت هدايتهم الشكلية. أما القسم الثاني فهم المهتدون الجُدُد (conversos) الذين اهتدوا قلباً وقالباً إلى المسيحية الكاثوليكية، وما لبثوا أن لعبوا دوراً هاماً في تاريخ الرهبانية اليسوعية وتاريخ إسبانيا. مع حلول العام 1530 كان ثلث معتنقي المسيحية في إسبانيا من أصل يهودي، وفي هذا الجو هرب أغناطيوس من بمبلونه وسلّم نفسه إلى المحكمة الكنسية بعد ملاحقته من «شرطة الإيمان». بعدئذٍ، تمّ سجنه لبعض الوقت، إذ كانت محاكم التفتيش تتربص بكل من يتجرأ على التفوّه بأمور قد تعتبر كفراً، موجِهَة سهامها إلى هؤلاء المسيحيين الجُدُد.
شدّد الأب أوزيبيو راي على أهمية انخراط هؤلاء في الرهبانيات الكاثوليكية وفي الهرمية الكهنوتية، لأنه رأى لهذا الانخراط أسباباً اجتماعية، خصوصاً وأنهم كانوا يجدون داخل الرهبانيات الكاثوليكية ملاذاً آمناً في مجتمع كثير الحساسية تجاه نقاوة الدم (Limpiezia de sangre). القرار الملكي لعام 1492 نقل النقاش من الحقل الديني إلى الحقل العرقي ووضع أسس إستراتيجية التطهير، وإنه بدل أن يوحّد المجتمع الإسباني، قسّمه إلى فئتين: الأنقياء وغير الأنقياء، يميزهما مبدأ نقاوة الدم الذي نشر عام 1547 على يد المونسينيور مارتينيز سيليسايو رئيس أساقفة توليدو. كانت عملية التطهير هذه تتم على ثلاث مراحل: التفريق، ثم العزل، وأخيراً النفي أو الموت، مما حرّض محاكم التفتيش على ملاحقة المهتدين الكافرين، والقضاء عليهم في جو يسوده الشك والتخوين11.
إن أغناطيوس الذي مثل أمام محاكم التفتيش في مدينة ألكلا ردّ على سؤال أحد القضاة إذا كان يتبع تقاليد السبت مع أتباعه، قائلّا بحدة: إنه ليس على علم بالسبت لأن البلاد التي يتحدر منها لا تعرف أي شيء عن اليهود، مما يدل على الجو المعادي لهم السائد في إسبانيا الكاثوليكية في ذلك الوقت. يعتقد بعض المؤرخين أن عائلة دي لويولا ارتبطت بالزواج مع عائلات يهودية، وهم يلمحون باحتمال كون دي لويولا يهودياً، والمؤرخ الألماني يورغ لومر يتحدث عن لويولا باعتباره نصف يهودي، ولكن من المؤكد أن أغناطيوس أصرّ على استقبال العبرانيين ومَنع ِ حظر دخولهم إلى الكنيسة الإسبانية مذكراً بالأصول اليهودية للديانة المسيحية .
دافع الأب ماركوريان الخلف الثالث لأغناطيوس من خلال قناعاته عن الأب الرئيس الأول للرهبانية اليسوعية وترداده أمام الجميع أنه سوف يكون ممتناً لله تعالى لو أنه تحدّر من أصل يهودي. دافع دي لويولا أيضاً عن اليهود في تلك الفترة التي تمّ فيها اضطهادهم كما المسلمين من طرف المسيحية الكاثوليكية، والظلم الذي لحق بهم جرّاء المرسوم الملكي الصادر عام 1492 عن فرديناند وإيزابيل. في هذا الشأن اتخذ أغناطيوس قراراً يقضي بتأسيس منظمة تسهّل اعتناق اليهود الديانة المسيحية، وقراراً آخر يقضي بقبول جميع طلبات الانتساب إلى الرهبانية اليسوعية من طرف المسيحيين الجدد دون استثناء أو تمييز. تجاهل أغناطيوس في هذا الشكل ردّات فعل باقي الرفاق أو الحبر الأعظم، على مثال بولس الرابع المناهض «للسامية»، أو أي بلاط ملكي كما أي هرمية كاثوليكية إسبانية.
عملية اهتداء اليهود إلى المسيحية موضوع كثير الحساسية لا يمكن التطرق إليه بخفة، إذا حاولنا أن نعرف حقيقة مشاعر اليهود الرافضة ضمنياً وقلبياً الاهتداء إلى المسيحية، مما جعل أحفاد ابراهيم يعتنقون مبادىء ديانة وكنيسة مهرطقة في نظرهم، وكانت سبب آلامهم وشقائهم. في هذه الأجواء، حاول أغناطيوس جاهداً إقناع الحبر الأعظم بتسهيل عملية الاندماج الاجتماعية والاقتصادية للمسيحيين الجُدُد على الرغم من معارضة بعض أتباعه، كما الكنيسة في روما. هنا، انتفض الأب الرئيس الأول على ظلامية مرسوم 1492 ومفاعيله، وعلى الغبن اللاحق بالمهتدين الجُدُد واضعاً قاعدة أساسية لقبول الانتسابات إلى الرهبانية اليسوعية وهي عدم وجود أي عائق يتعلق بأصول طالبي الانتساب. كان أغناطيوس ربما، على بيّنة من أصول دييغو لينيث اليهودية منذ مرحلة مونتمارتر، وهو الذي كان أول من خلفه على رأس الرهبانية اليسوعية.
من الضروري التساؤل هنا، هل أخذ أغناطيوس في عين الاعتبار أصول خوان بولانكو أو خوان دي أفيلا أو فرانشيسكو دي توليدو أو خوان باتيستا رومانو أو غيرها من الأسماء المثيرة للجدل، وهي أسماء توحي هكذا باعتناق المسيحية منذ فترة قصيرة. لقد أتى موقف أغناطيوس في هذا الشأن جريئاً إذ كان يعلم أنه يشكل عليه وعلى مؤسسته الناشئة خطراً جسيماً وإمكانية استعداء الهرمية الإكليريكية وبلاط قشطالة كما بلاط البرتغال.
أما أشد الذين حاربوا أغناطيوس بسبب ميوله اليهودية فكان رئيس أساقفة توليدو الذي حاول الضغط عليه من أجل رفض دعوات المسيحيين الجُدُد وعدم قبول أي انتساب منهم إلى الرهبانية اليسوعية، ولكن محاولته باءت بالفشل. كذلك الأمر بالنسبة إلى بلاط إسبانيا، وأهم رجل مقرّب من ملك إسبانيا دون روي غوميز دا سيلفا الذي أجابه أغناطيوس قائلاً: «إن الرهبانية اليسوعية لا يمكن ولا يجب أن تستثني أحداً». هكذا، عمل أغناطيوس وأعوانه على هداية اليهود ودمجهم في المجتمعات المسيحية ونجح في إقناع الحبر الأعظم بولس الثالث في إصدار البراءة البابوية cupientes judaeos في آذار 1542 التي نصّت على أن اليهود الذين يعتنقون الديانة المسيحية يستطيعون المحافظة على جميع ثرواتهم وممتلكاتهم. وقد لحظت هذه البراءة البابوية أيضاً أن الأولاد اليهود الذين يهتدون إلى المسيحية رغماً عن إرادة أهلهم يرثون كما لو أنهم ما زالوا يهوداً.
صفحة 8
يقول المؤرخ هرقل رازييل (Hercule Rasiel) إنّ «هذه الإجراءات نجحت في تحويل بعض اليهود من الكنيس إلى الكنيسة، ولكنها فشلت في هدايتهم. تسرّعت الكنيسة الكاثوليكية في الإعلان عن انتصارات عظيمة ولكن وهمية، مكتفية بالقشور دون الغوص في الحقائق والوقائع». ولكن الهجوم الصاعق أتى من أحد مقرّبيه أنطونيو أرأوز الذي شنّ حملة شعواء ضد التحاق المهتدين الجُدُد بصفوف الرهبانية اليسوعية، وهو الذي كان الأكثر تعصباً ضد اليهود، مهاجماً، دون هوادة، المتحدرين من أصل يهودي في الرهبانية اليسوعية أي لينيث وبولانكو خصوصاً.
إن القبول باليهود لم يكن ليلقى في تلك الأيام رضا السلطات الإسبانية، كما البابوية، مع أنّ الكرسي الرسولي كان قد أظهر في بعض الأوقات نحو اليهود مشاعر إنسانية عندما سمح باستقبال المبعدين والمنفيين منهم في روما وأفينيون. تجدر الإشارة إلى أن البابا إسكندر السادس المولود من عائلة بورجيا الإسبانية أطلق على فرديناند وإيزابيل لقب «الملكين الأكثر كاثوليكية» تحية منه إليهما على قرار أصدراه عام 1492 والذي أكد ضرورة تحوّل اليهود والمسلمين إلى المسيحية تحت طائلة العقوبات الصارمة. ثم أتى البابا بولس الرابع الذي كان يتحدر من مدينة نابولي في إيطاليا، والمناهض بشدة للإسبان بحيث أنه كان يشتمهم قائلاً: «إنهم حثالة من بقايا المغاربة واليهود». هذه هي نقطة الخلاف الكبرى بين بولس الرابع وأغناطيوس، بولس الرابع (كارافا)، هذا الذي جعل منه الكرادلة في روما خليفة بطرس على عرش روما.
كان عدد المهتدين الجُدُد في قرطبة كبيراً، وكانت تحكم المدينة عائلة الكونت دو برييغو النافذة التي منحت الرهبانية اليسوعية هبات كثيرة بواسطة الكونتيسة دي برييغو. هذا الأمر جعل هذه الأخيرة تعتقد أنه بإمكانها الطلب من الأب الرئيس منع انتساب المهتدين الجُدُد من أصل يهودي إلى رهبانيته، يدعمها الرئيس الإقليمي للرهبانية والأب أرأوز. إن الرسالة التي وجهها رئيس معهد قرطبة إلى ثاني خلف لأغناطيوس الأب فرنسوا دي بورجيا خير معبّر عن الوضع القائم عندما قال إن مؤسسته تضم أكثر من 600 طالب كلهم من النبلاء ولا أحد أعرب عن نيته في الالتحاق باليسوعيين. أضاف رئيس معهد قرطبة: إن «الذين عندهم الدعوة يلتحقون بدير سان بابلو التابع للرهبان الدومينيكيين، بينما في معهدنا، اليهود وحدهم يلتحقون بالرهبانية اليسوعية، وإذا التحق أحد الشجعان على الرغم من ذلك يُنظر إليه وكأنه يرتدي الثوب الأصفر الذي يوجد عليه من الجهتين الأمامية والخلفية صليب القديس أندريه، الذي يعني ارتكاب جريمة خطيرة».
فوق باب إحدى الغرف الثلاث في شارع الروح القدس (4, borgo Santo Spirito) وحيث يعيش الرئيس العام للرهبانية اليسوعية، توجد صورة دييغو لينيث خلف أغناطيوس الذي حاول خلال تسع سنوات (1556-1565) إثبات أن وفاة دي لويولا لا تعني إطلاقاً موت الرهبانية اليسوعية. لينيث هو من عظماء الرجال الذين لم تكرمهم روما، ربما بسبب أصوله اليهودية التي تسببت بنقاشات حادة بين مؤرخي اليسوعية، وبالتخوف من الإساءة إلى الرهبانية في حال ظهرت هذه الحقيقة إلى العلن. ففي عائلة لينيث يوجد ثلاثة كهنة وراهبة، مما يلقي بعض الضوء على إسبانيا في القرن السادس عشر، بعد مضي عشرات السنين على إعلان مرسوم عام 1492.
في العام 1908 قال الأب بالاسان واستناداً إلى الأب أنطونيو أسترين12: إن «اهتداء أفراد عائلة لينيث إلى المسيحية تعود إلى أربعة أجيال». أما المؤرخ الإيطالي المعروف تاتشي فنتوري فإنه يلوم بدرو دي ريبادينيرا لأنه لم يتجرأ كمؤرخ على أن يتطرّق صراحة إلى موضوع حساس كهذا، وهو الذي عاصر الأب المؤسس أغناطيوس ومن بعده لينيث. ولكن أفضل برهان على يهودية هذا الأخير الغضب العارم في بلاط إسبانيا وفي أسقفية توليدو بعد انتخابه رئيساً عاماً للرهبانية اليسوعية وإعلان أصوله اليهودية على الملأ، مما أثار فضيحة كبرى بعد نصف قرن على موته. وخلال عاميّ 1614 و 1622 على التوالي، نشر في أنفيرس أول جزءين من «تاريخ اليسوعيين» الذي كان قد عُهد بكتابته قبل عشرين سنة إلى الأب أورلنديني الذي استلم هذه المهمة بعد وفاته وأكملها من بعده، أستاذ التاريخ في المعهد الروماني الأب باولو ساشيني الذي عُرف العمل باسمه. إلتحق هذا الأخير بالرهبانية بعد مرور خمس سنوات على وفاة لينيث أي عام 1570 واستمع إلى رفاقه وخصوصاً ريبادينيرا الذي كان قد ورث عن أغناطيوس نظرة إيجابية إلى الموضوع اليهودي المسيحي. لذلك تفاجأ ساشيني بالعاصفة التي أثارها كتابه في إسبانيا خصوصاً في الأندلس وتوليدو، وسيل الاعتراضات التي تلت نشره، مطالبة بحذف المقاطع المتعلقة بأصول لينيث اليهودية.
طلبت مقاطعة توليدو تصحيح النسخة الأولى المعيبة وأعادت التركيز في النسخة الثانية على طهارة سلالة الأب لينيث ونبلها، فجاء رد باولو ساشيني على آباء توليدو مشدداً على احترام التفاصيل التاريخية وأهمية نقلها بكل مصداقية، خصوصاً أنّ المؤرخ أب يسوعي، معرباً عن فخر الرهبانية اليسوعية واعتزازها بالأب الرئيس لينيث رفيق ووريث أغناطيوس دي لويولا. من جهته الأب فليتشيانو سيريسيدا حاول تبرير إعلان الآباء اليسوعيين في توليدو عام 1622 بالاشمئزاز الذي أعرب عنه بلاط فيليب الثاني ملك إسبانيا بعد انتخاب لينيث.
لكنّ الجنرال السادس لليسوعيين الإيطالي موتزيو فيتليتشي، ومن أجل تهدئة خواطر الآباء اليسوعيين في توليدو، ونظراً للصعوبات والمشاكل العرقية التي كانت تعصف بإسبانيا في تلك الفترة، طلب حذف جميع المعلومات المتعلقة بأول خلف لأغناطيوس. كل هذه الحلقة من الخلافات والاضطرابات أدت إلى اعتماد نقاوة الدم بعد أعمال مؤتمر الرهبانية اليسوعية عام 1593. ويمكن للمراقبين الرجوع إلى العقلية والأوضاع المظلمة السائدة يومها من أجل تبرير لجوء الرهبانية إلى نقاوة الدم عام 1593، ولكن هذا لا يفسر انزلاق اليسوعيين يومها إلى هذا القعر. طوال أكثر من 25 سنة تصدت اليسوعية إلى هذا الهاجس القومي الإسباني، ولكن في النهاية انتصرت نقاوة الدم على ما عداها، كما فعلت عند باقي الرهبانيات الكاثوليكية. ولكن هذه المرة انتقلت العدوى من البرتغال إلى إسبانيا التي عاد اليها فيروس الإقصاء، عندما كتب بلاط لشبونة إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1573 محذراً من احتمال انتخاب بولانكو على رأس الرهبانية اليسوعية، مما قد يؤدي مع انتخاب أشخاص ينتمون إلى هذا العرق من تدمير الرهبانية.
إن القبول باليهود لم يكن ليلقى في تلك الأيام رضا السلطات الإسبانية، كما البابوية، مع أنّ الكرسي الرسولي كان قد أظهر في بعض الأوقات نحو اليهود مشاعر إنسانية عندما سمح باستقبال المبعدين والمنفيين منهم في روما وأفينيون. تجدر الإشارة إلى أن البابا إسكندر السادس المولود من عائلة بورجيا الإسبانية أطلق على فرديناند وإيزابيل لقب «الملكين الأكثر كاثوليكية» تحية منه إليهما على قرار أصدراه عام 1492 والذي أكد ضرورة تحوّل اليهود والمسلمين إلى المسيحية تحت طائلة العقوبات الصارمة. ثم أتى البابا بولس الرابع الذي كان يتحدر من مدينة نابولي في إيطاليا، والمناهض بشدة للإسبان بحيث أنه كان يشتمهم قائلاً: «إنهم حثالة من بقايا المغاربة واليهود». هذه هي نقطة الخلاف الكبرى بين بولس الرابع وأغناطيوس، بولس الرابع (كارافا)، هذا الذي جعل منه الكرادلة في روما خليفة بطرس على عرش روما.
كان عدد المهتدين الجُدُد في قرطبة كبيراً، وكانت تحكم المدينة عائلة الكونت دو برييغو النافذة التي منحت الرهبانية اليسوعية هبات كثيرة بواسطة الكونتيسة دي برييغو. هذا الأمر جعل هذه الأخيرة تعتقد أنه بإمكانها الطلب من الأب الرئيس منع انتساب المهتدين الجُدُد من أصل يهودي إلى رهبانيته، يدعمها الرئيس الإقليمي للرهبانية والأب أرأوز. إن الرسالة التي وجهها رئيس معهد قرطبة إلى ثاني خلف لأغناطيوس الأب فرنسوا دي بورجيا خير معبّر عن الوضع القائم عندما قال إن مؤسسته تضم أكثر من 600 طالب كلهم من النبلاء ولا أحد أعرب عن نيته في الالتحاق باليسوعيين. أضاف رئيس معهد قرطبة: إن «الذين عندهم الدعوة يلتحقون بدير سان بابلو التابع للرهبان الدومينيكيين، بينما في معهدنا، اليهود وحدهم يلتحقون بالرهبانية اليسوعية، وإذا التحق أحد الشجعان على الرغم من ذلك يُنظر إليه وكأنه يرتدي الثوب الأصفر الذي يوجد عليه من الجهتين الأمامية والخلفية صليب القديس أندريه، الذي يعني ارتكاب جريمة خطيرة».
فوق باب إحدى الغرف الثلاث في شارع الروح القدس (4, borgo Santo Spirito) وحيث يعيش الرئيس العام للرهبانية اليسوعية، توجد صورة دييغو لينيث خلف أغناطيوس الذي حاول خلال تسع سنوات (1556-1565) إثبات أن وفاة دي لويولا لا تعني إطلاقاً موت الرهبانية اليسوعية. لينيث هو من عظماء الرجال الذين لم تكرمهم روما، ربما بسبب أصوله اليهودية التي تسببت بنقاشات حادة بين مؤرخي اليسوعية، وبالتخوف من الإساءة إلى الرهبانية في حال ظهرت هذه الحقيقة إلى العلن. ففي عائلة لينيث يوجد ثلاثة كهنة وراهبة، مما يلقي بعض الضوء على إسبانيا في القرن السادس عشر، بعد مضي عشرات السنين على إعلان مرسوم عام 1492.
في العام 1908 قال الأب بالاسان واستناداً إلى الأب أنطونيو أسترين12: إن «اهتداء أفراد عائلة لينيث إلى المسيحية تعود إلى أربعة أجيال». أما المؤرخ الإيطالي المعروف تاتشي فنتوري فإنه يلوم بدرو دي ريبادينيرا لأنه لم يتجرأ كمؤرخ على أن يتطرّق صراحة إلى موضوع حساس كهذا، وهو الذي عاصر الأب المؤسس أغناطيوس ومن بعده لينيث. ولكن أفضل برهان على يهودية هذا الأخير الغضب العارم في بلاط إسبانيا وفي أسقفية توليدو بعد انتخابه رئيساً عاماً للرهبانية اليسوعية وإعلان أصوله اليهودية على الملأ، مما أثار فضيحة كبرى بعد نصف قرن على موته. وخلال عاميّ 1614 و 1622 على التوالي، نشر في أنفيرس أول جزءين من «تاريخ اليسوعيين» الذي كان قد عُهد بكتابته قبل عشرين سنة إلى الأب أورلنديني الذي استلم هذه المهمة بعد وفاته وأكملها من بعده، أستاذ التاريخ في المعهد الروماني الأب باولو ساشيني الذي عُرف العمل باسمه. إلتحق هذا الأخير بالرهبانية بعد مرور خمس سنوات على وفاة لينيث أي عام 1570 واستمع إلى رفاقه وخصوصاً ريبادينيرا الذي كان قد ورث عن أغناطيوس نظرة إيجابية إلى الموضوع اليهودي المسيحي. لذلك تفاجأ ساشيني بالعاصفة التي أثارها كتابه في إسبانيا خصوصاً في الأندلس وتوليدو، وسيل الاعتراضات التي تلت نشره، مطالبة بحذف المقاطع المتعلقة بأصول لينيث اليهودية.
طلبت مقاطعة توليدو تصحيح النسخة الأولى المعيبة وأعادت التركيز في النسخة الثانية على طهارة سلالة الأب لينيث ونبلها، فجاء رد باولو ساشيني على آباء توليدو مشدداً على احترام التفاصيل التاريخية وأهمية نقلها بكل مصداقية، خصوصاً أنّ المؤرخ أب يسوعي، معرباً عن فخر الرهبانية اليسوعية واعتزازها بالأب الرئيس لينيث رفيق ووريث أغناطيوس دي لويولا. من جهته الأب فليتشيانو سيريسيدا حاول تبرير إعلان الآباء اليسوعيين في توليدو عام 1622 بالاشمئزاز الذي أعرب عنه بلاط فيليب الثاني ملك إسبانيا بعد انتخاب لينيث.
لكنّ الجنرال السادس لليسوعيين الإيطالي موتزيو فيتليتشي، ومن أجل تهدئة خواطر الآباء اليسوعيين في توليدو، ونظراً للصعوبات والمشاكل العرقية التي كانت تعصف بإسبانيا في تلك الفترة، طلب حذف جميع المعلومات المتعلقة بأول خلف لأغناطيوس. كل هذه الحلقة من الخلافات والاضطرابات أدت إلى اعتماد نقاوة الدم بعد أعمال مؤتمر الرهبانية اليسوعية عام 1593. ويمكن للمراقبين الرجوع إلى العقلية والأوضاع المظلمة السائدة يومها من أجل تبرير لجوء الرهبانية إلى نقاوة الدم عام 1593، ولكن هذا لا يفسر انزلاق اليسوعيين يومها إلى هذا القعر. طوال أكثر من 25 سنة تصدت اليسوعية إلى هذا الهاجس القومي الإسباني، ولكن في النهاية انتصرت نقاوة الدم على ما عداها، كما فعلت عند باقي الرهبانيات الكاثوليكية. ولكن هذه المرة انتقلت العدوى من البرتغال إلى إسبانيا التي عاد اليها فيروس الإقصاء، عندما كتب بلاط لشبونة إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1573 محذراً من احتمال انتخاب بولانكو على رأس الرهبانية اليسوعية، مما قد يؤدي مع انتخاب أشخاص ينتمون إلى هذا العرق من تدمير الرهبانية.
صفحة 9
فبولانكو، هو ثاني كبار اليهود في الرهبانية اليسوعية، ثم خوان دي أفيلا وفرنشيسكو دي توليدو، لكنّ دخول المسيحيين الجُدُد أي الذين هم من أصول يهودية أو إسلامية إلى الرهبانية اليسوعية خلق جواً من القلق والحذر، مما أسهم إلى حد بعيد في إصدار المرسوم رقم 52 عام 1593 والقاضي بإقصاء جميع المتحدرين من أصل يهودي أو إسلامي عن الرهبانية اليسوعية. هكذا تمّت هزيمة أغناطيوس وأفكاره بعد مماته عام 1593 عندما أقرت الرهبانية اليسوعية أو بالأحرى فرعاها الإسباني والبرتغالي مبدأ نقاوة الدم من دون اعتبار أي استثناء، وكانت هزيمة دي لويولا على أيدي «أولاده» وأتباعه. ارتفع صوت ريبادينيرا مستهجناً وداعياً إلى احترام أراء أغناطيوس، موجهاً مذكرة من اثنتي عشرة نقطة إلى الأب الرئيس أكوافيفا مصرّاً فيها على عدم تغيير شروط الانتساب، خصوصاً أنّ «المسيحيين الجُدُد الذين اعتنقوا الديانة المسيحية الكاثوليكية لم يتسببوا لها بأي ضرر أو إساءة»، مع الإشارة إلى أنّ هذه الشروط الجديدة تتعارض مع شرف الرهبانية اليسوعية والأمة الإسبانية. إن قرار الاستثناء العائد إلى عام 1593 حمل في طياته مساوىء كثيرة إضافة إلى انخفاض عدد الدعوات الجديدة كما تدني الانتسابات على الرغم من ملاحقات ريبادينيرا الذي أصبح مسناً، ولم يجد أكوافيفا مخرجاً إلّا بإصدار المرسوم رقم 28 في عام 1608 الذي أبقى على استثناء المسلمين واليهود، ما عدا الذين يتحدرون من «عائلة شريفة» أو يتمتعون بـ«صيت حسن».
إن هذا المرسوم المداور والخبيث والباطني، مع أنه أفضل من مرسوم 1593 بكثير أعاد فتح الأبواب أمام المهتدين الجدد، خصوصاً وأنّ الكثيرين منهم كان باستطاعتهم البرهان أنّ اعتناق عائلاتهم المسيحية يعود إلى أيام صدور مرسوم فرديناند وإيزابيل عام 1492 أي إلى خمسة أجيال مضت. ويمكننا هنا تلخيص هذه الحقبة بصراع اليسوعيين الأسبان ضد دي لويولا، لأنه من المعروف أنّ العلاقات بين اليسوعيين واليهود مرّت بفترة صراعات وخلافات تلتها اضطهادات متعددة.
منذ أكثر من 45 سنة أدلى آباء المجمع الفاتيكاني الثاني بتصريح «حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية» من خلال الوثيقة (Nostra aetate) التي تحمل في طيّاتها الكثير من المعاني والدلالات، بحيث كانت هذه الخطوة تعبيراً عن أولى بوادر التقدير والاحترام للديانات غير المسيحية من طرف الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. في هذا الإطار، يقول الأب سليم دكاش اليسوعي13: إن الدافع هو «تعزيز الوحدة والمحبة بين الناس لا بل بين الأمم». إن الكنيسة تعتبر البشر عائلة واحدة وهي «لا ترذل شيئاً مما هو حق مقدس في هذه الديانات» على الرغم من الاختلافات الأساسية في المعتقدات الإيمانية.
إن المقطع الرابع في هذه الوثيقة يتطرق إلى علاقة المسيحية باليهودية، أما المقطع الخامس فهو يؤكد على أن «الأخوة الشاملة تنفي كل تفرقة أو تمييز... على أساس العرق أو اللون أو الانتماء الديني». كما أنّ هذا التصريح المجمعي عندما يتحدث عن أتباع الديانات الأخرى، فإنه «للمرة الأولى، لا ينعتهم بالهراطقة والمارقين بل يعتبرهم شركاء في المصير الواحد، أي مصير البشرية». كذلك فإنّ الأب الرئيس العام المستقيل بيتر هانس كولفنباخ14 يشدّد على أهمية الحوار بين الأديان السماوية قائلاً: «إلّا أن الكنيسة تؤمن بالحوار، كما أنّ قداسة البابا قد أكّد أن الحوار هو روحانية الألفية الثالثة».
في كتاب صدر عن دارالفارابي عام 2012 تحت عنوان: «نور العالم» يتحدث الحبر الأعظم بنيديكتوس السادس عشر15 إلى الصحافي الشاب بيتر سيفالد في قصر «كاستل غوندولفو» مقر الباباوات الصيفي، عن أهم الأمور المطروحة حالياً، من العصمة البابوية وتطور مفهومها عبر القرون، إلى قضايا الاعتداءات الجنسية التي لوثت سمعة الكنيسة الكاثوليكية. يقول الصحافي الشاب: «لم يُحيّ أحد بقوة انتخابك الرئاسي المئتين والخامس والستين كما حيّته المنظمات اليهودية... عندما أصبحت بابا دعوتَ حاخاماً إلى التكلم أمام سينودوس الأساقفة، وأوقفتَ تطويب كاهن فرنسي نُسبت إليه تصريحات معادية للسامية... صحيفة (Süddeutsche Zeitung) تقول: أقرّ قداسة البابا بنيديكتوس السادس عشر أن اليهودية مصدر الديانة المسيحية، إعلان لم يتفوه به أي بابا قبله». يجيب الحبر الأعظم قائلاً: «بالتأكيد. عليّ أن أقول إنّه منذ اليوم الأول لبدء دروسي في اللاهوت عن الوحدة الجوهريّة للعهد القديم والعهد الجديد، أي الجزءيْن اللذين يؤلّفان كتابنا المقدّس، فهمت أنّه لا يمكننا قراءة العهد الجديد إلّا مع قراءة العهد الذي سبقه، وإلّا استحال علينا فهمه. من ثمّ، تأثرنا بالطبع كألمانيّين بما أصابنا في عهد الرايخ الثالث، فألزمنا أنفسنا أوّلاً أن ننظر إلى الشعب الإسرائيليّ بتواضع وخجل ومحبّة». هل هذا يعني أن الباباويّة عادت واعتمدت بعد مرور ما يقارب الخمسماية سنة، نظرية القديس أغناطيوس ورفضه لمبدأ نقاوة الدم؟ وهل هذا يعني أيضاً انفتاح كنيسة الألفية الثالثة على الإسلام واليهودية، والنظرة إلى أتباعهما كشركاء أساسيين في الإيمان الحقيقي بالله الواحد الذي لا شريك له؟ إنها ولا شك أهم خطوة إيجابية على طريق الحوار بين الثقافات والأديان، والسبيل الأنجح من أجل تفادي موبئات التعصب والكراهية والحروب الدينية.
إن هذا المرسوم المداور والخبيث والباطني، مع أنه أفضل من مرسوم 1593 بكثير أعاد فتح الأبواب أمام المهتدين الجدد، خصوصاً وأنّ الكثيرين منهم كان باستطاعتهم البرهان أنّ اعتناق عائلاتهم المسيحية يعود إلى أيام صدور مرسوم فرديناند وإيزابيل عام 1492 أي إلى خمسة أجيال مضت. ويمكننا هنا تلخيص هذه الحقبة بصراع اليسوعيين الأسبان ضد دي لويولا، لأنه من المعروف أنّ العلاقات بين اليسوعيين واليهود مرّت بفترة صراعات وخلافات تلتها اضطهادات متعددة.
منذ أكثر من 45 سنة أدلى آباء المجمع الفاتيكاني الثاني بتصريح «حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية» من خلال الوثيقة (Nostra aetate) التي تحمل في طيّاتها الكثير من المعاني والدلالات، بحيث كانت هذه الخطوة تعبيراً عن أولى بوادر التقدير والاحترام للديانات غير المسيحية من طرف الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. في هذا الإطار، يقول الأب سليم دكاش اليسوعي13: إن الدافع هو «تعزيز الوحدة والمحبة بين الناس لا بل بين الأمم». إن الكنيسة تعتبر البشر عائلة واحدة وهي «لا ترذل شيئاً مما هو حق مقدس في هذه الديانات» على الرغم من الاختلافات الأساسية في المعتقدات الإيمانية.
إن المقطع الرابع في هذه الوثيقة يتطرق إلى علاقة المسيحية باليهودية، أما المقطع الخامس فهو يؤكد على أن «الأخوة الشاملة تنفي كل تفرقة أو تمييز... على أساس العرق أو اللون أو الانتماء الديني». كما أنّ هذا التصريح المجمعي عندما يتحدث عن أتباع الديانات الأخرى، فإنه «للمرة الأولى، لا ينعتهم بالهراطقة والمارقين بل يعتبرهم شركاء في المصير الواحد، أي مصير البشرية». كذلك فإنّ الأب الرئيس العام المستقيل بيتر هانس كولفنباخ14 يشدّد على أهمية الحوار بين الأديان السماوية قائلاً: «إلّا أن الكنيسة تؤمن بالحوار، كما أنّ قداسة البابا قد أكّد أن الحوار هو روحانية الألفية الثالثة».
في كتاب صدر عن دارالفارابي عام 2012 تحت عنوان: «نور العالم» يتحدث الحبر الأعظم بنيديكتوس السادس عشر15 إلى الصحافي الشاب بيتر سيفالد في قصر «كاستل غوندولفو» مقر الباباوات الصيفي، عن أهم الأمور المطروحة حالياً، من العصمة البابوية وتطور مفهومها عبر القرون، إلى قضايا الاعتداءات الجنسية التي لوثت سمعة الكنيسة الكاثوليكية. يقول الصحافي الشاب: «لم يُحيّ أحد بقوة انتخابك الرئاسي المئتين والخامس والستين كما حيّته المنظمات اليهودية... عندما أصبحت بابا دعوتَ حاخاماً إلى التكلم أمام سينودوس الأساقفة، وأوقفتَ تطويب كاهن فرنسي نُسبت إليه تصريحات معادية للسامية... صحيفة (Süddeutsche Zeitung) تقول: أقرّ قداسة البابا بنيديكتوس السادس عشر أن اليهودية مصدر الديانة المسيحية، إعلان لم يتفوه به أي بابا قبله». يجيب الحبر الأعظم قائلاً: «بالتأكيد. عليّ أن أقول إنّه منذ اليوم الأول لبدء دروسي في اللاهوت عن الوحدة الجوهريّة للعهد القديم والعهد الجديد، أي الجزءيْن اللذين يؤلّفان كتابنا المقدّس، فهمت أنّه لا يمكننا قراءة العهد الجديد إلّا مع قراءة العهد الذي سبقه، وإلّا استحال علينا فهمه. من ثمّ، تأثرنا بالطبع كألمانيّين بما أصابنا في عهد الرايخ الثالث، فألزمنا أنفسنا أوّلاً أن ننظر إلى الشعب الإسرائيليّ بتواضع وخجل ومحبّة». هل هذا يعني أن الباباويّة عادت واعتمدت بعد مرور ما يقارب الخمسماية سنة، نظرية القديس أغناطيوس ورفضه لمبدأ نقاوة الدم؟ وهل هذا يعني أيضاً انفتاح كنيسة الألفية الثالثة على الإسلام واليهودية، والنظرة إلى أتباعهما كشركاء أساسيين في الإيمان الحقيقي بالله الواحد الذي لا شريك له؟ إنها ولا شك أهم خطوة إيجابية على طريق الحوار بين الثقافات والأديان، والسبيل الأنجح من أجل تفادي موبئات التعصب والكراهية والحروب الدينية.
صفحة 10
الفصل الثالث
دكاترة باريس
يدعي بعضهم أن الرهبانية اليسوعية كانت تتألف من ميليشيا عدادها جنود أفظاظ، أي نوع من الكوماندو البابوي يديره جنرال شبه عسكري يهاجم ويقمع الحركة الإصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية. ويعتقد بعضهم الآخر أنّ هذه المجموعة من الرفاق الأوائل كانت تشكل بكل بساطة أخوية مؤلفة من تلامذة متنورين، في الوقت الذي كانت فيه باريس فرنسوا الأول المهد الثقافي للغرب. يقول المؤرخ اليسوعي الأب فوكورايه16 يقول في بدايات القرن العشرين إن هذه «المجموعة التأسيسية عرفت كيف تبرهن أنها وليدة عصرها، وشدّدت على الاعتراف بأهمية الدراسات الأدبية والعلمية». يجب التركيز هنا على أنّ الرجال الستة الذين اجتمعوا حول شخص دي لويولا وأعلنوا عن نذورهم في كنيسة مونمارتر بتاريخ 15 آب 1534 كانوا من رجال الفكر الذين استحصلوا قبل كل شيء على ثقافة فلسفية وأدبية17.حصل هذا اللقاء بين نوابغ من قشطالة والنافارا والسافوا وبلاد الباسك والبرتغال في باريس عاصمة الغرب الثقافية بسبب فرض الدراسة الجبرية على هذه المجموعة من طرف محاكم التفتيش قبل الحصول على إذن رسمي في مناقشة الآخرين ومخاطبتهم في الأمور اللاهوتية. أسهم هذا الأمر في تنشئة «دكاترة باريس» الذين تركوا بصماتهم الخيّرة على تاريخ المسيحية الديني وعلى تاريخ البشرية العلمي والثقافي والتربوي. في هذه الحقبة الزمنية الإشعاعية أنشأ الملك الفرنسي فرنسوا الأول «معهد اللغات الثلاث» أي اليونانية واللاتينية والعبرية، الذي أصبح لاحقاً «الكوليج دو فرانس» المرموق عام 1530. لكن الحركة الإصلاحية التي عُرفت تحت اسم «الرينيسانس» أو عصر النهضة انتشرت بسرعة فائقة في فرنسا على عكس إيطاليا وإنكلترا وهولندا وألمانيا ورينانيا.
إن رفاق مونمارتر الذين قصدوا باريس في تلك الفترة بحثاً عن المعرفة، تتلمذوا على أفكار كبار الأساتذة من أمثال القديس توما الأكويني الراهب الدومينيكي وعالِم اللاهوت الذي دعا إلى التوافق بين الإيمان والعقل (1225-1274)، وجان جيرسون (1363-1429) الفيلسوف المتصّوف، وعاﻟِم اللاهوت الفرنسي الذي أسهم في وضع حد للانشقاق الكبير، وساعد على انعقاد مجمع كونستانس المسكوني(********)، وجورج بوكانن (1506-1582) الإسكتلندي الذي نادى «بالملكية المحدودة» وغيليوم بوستال (1510-1581) الذي كان في عداد البعثة الدبلوماسية التي أرسلها فرنسوا الأول إلى القسطنطينية والذي نادى بالمصالحة مع الأتراك والمسلمين، مما أدى إلى سجنه من قبل محاكم التفتيش.
يقول الأب فوكوراي: «بعد اراسموس أعلنت مجموعة من البحاثة أنّ دراسة الآداب العائدة إلى العصور القديمة سوف تجعل الإنسان أكثر تمدناً وأكثر إنسانية. هكذا نشأ تيار فكري هدّد في تقاليده الجديدة جامعة باريس القديمة، وكان بالإمكان ملاحظة وجود أنسنة مسيحية، وهي كناية عن مذهب فكري يُعنى بتنمية مناقب الإنسان، ولكننا وجدنا أنفسنا أمام أنسنة خلاعية فاجرة عملت على إشاعة النقد الفقهي أو الفلسفي». لقد قوّض هذا التيار الفكري الجديد ركائز السلطة ودعا إلى التحرر الفكري وفَسّر بطريقة جريئة ووقحة تعاليم الكنيسة والآباء، وجَعل المؤسسات والعقيدة موضع السخرية.
عام 1982، أكّد الأب اليسوعي الألماني يورغ شورهامر18 على أن اراسموس قوّض سلطة الكنيسة وأساء بقوة إلى الإيمان المسيحي والهيكلية الكنسية، وقد تضاربت في شأن اراسموس أقوال الآباء اليسوعيين إذ إن الأب جوزف لوكلير19 أشاد به مطولاً في مقالة كتبها عام 1950 في «مجلة علم اللاهوت الجديدة» قائلاً بأنه خدم مصالح الديانة المسيحية العليا، ونادى بالتسامح والإحسان وإصلاح العادات. ولكن اراسموس لم يتفرّد وحده بهذه الآراء عندما نرى نيكولا بوباديلا مثلاً، من أوائل رفاق اغناطيوس يقول: «إنه في هذه الحقبة التي بدأت فيها الهرطقة اللوثرية تنتشر في باريس، فكل من يعمل على دراسة اللغة اليونانية القديمة يساعد على تفشي الحركة والأفكار اللوثرية»، علماً أنّ أول رفيق لأغناطيوس بيار فافر كان من أكبر المجّندين في سبيل تعليم اللغة اليونانية، وأسهم في ترجمات متعددة لكتابات في هذه اللغة كان لها كبير الفائدة من جميع النواحي. لكن الحرية التي منحها فرانسوا الأول لرجال الفكر ساعدت في انتشارالأفكار المناوئة للكنيسة الكاثوليكية عندما انبرى لويس دي بيركان الدكتور في علم اللاهوت وصديق اراسموس الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية الكثير من مؤلفاته، لإشاعة النصوص الإصلاحية وإعلان نفسه من الحركة اللوثرية، مما أغضب جامعة السوربون وجعلها تطالب بإحراقه. الملك فرانسوا الأول نجح في إنقاذه للمرة الثانية قبل التخلي عنه وتسليمه إلى قاضي محكمة التفتيش نويل بيدا الذي لم يكن يرحم، والذي بعد محاكمته سلمه إلى المحرقة، التي كان قد سبقه إليها الكثيرون.
هكذا انتهت حقبة القرون الوسطى، على توقد نار المحارق وسط الخلافات العقائدية في مدينة باريس في أوج النهضة التجارية والهندسية والتوسع الديموغرافي، والحرب شبه المستديمة بين الملك فرنسوا الأول والأمبراطور شارلكان.(********) ولكن الكاثوليكية بقيت سيّدة الموقف خلال تلك الفترة حيث كانت تواجه شتّى أنواع الضغوطات، جراء الدعم الذي قدمه لها الملك الفرنسي على الرغم من اتهامه بالتراخي أمام الهراطقة.
عندما دخل أغناطيوس مدينة باريس في 2 شباط 1528 من بوابة القديس يعقوب، كان يركب حماراً محملاً بالكتب كما فعل قبل ثلاثين شهراً بيار فافر وفرانسوا كزافير. لم يشر المؤرخون إلى مسار أغناطيوس من برشلونة إلى باريس، ولكنه قطع الأراضي الفرنسية، في قمة عدائها للأمبراطور شارلكان في وقت كانت المملكة الفرنسية تعاني الفقر إضافة إلى أوقات صعبة جراء الحرب. حطّ أغناطيوس رحاله في شارع سان سامفوريان الملقب بـ«شارع الكلاب» حيث يقع معهد مونتيغو، وكانت باريس يومها مقسمة إلى ثلاثة أقسام من الجنوب إلى الشمال، بين الجامعة مركز المعرفة، والحاضرة موقع السلطات، والمدينة مركز التجارة.
عندما نتكلم عن الجامعة في باريس، نخص بالذكر الحي اللاتيني ملتقى الثقافات والعلوم والمعارف، إذ سارع أغناطيوس إلى تسجيل نفسه في معهد مونتيغو، في حين أنّ جامعة باريس كانت بمثابة جمهورية من الأساتذة الذين يعملون في أربع كليات متخصصة في اللاهوت والطب والقانون والفنون الجميلة. ففي كنيسة سان جوليان الفقير كان يتم انتخاب رئيس الجامعة من قبل الأساتذة ويصبح هكذا مطاعاً من الهرمية التعليمية ومن التلامذة على السواء كما يطاع الملك، أي دون منازع. أما بالنسبة إلى الدراسة، فلقد اختار أغناطيوس كما سائر رفاقه فرع الفنون، والتزموا التزاماً كاملاً بالقوانين المرعية الإجراء، في الوقت الذي كان فيه القصاص الجسدي صارماً وقاسياً، مع أنه فقد الكثير من وحشيته مع انتهاء حقبة القرون الوسطى.
لقد أتى المؤرخون على ذكر صراخ الأطفال الذين يتعرضون للعذابات الجسدية، أو للهيب السياط لأنهم تكلموا الفرنسية عوض اللاتينية، لكنّ أغناطيوس الذي تأثر كثيراً بهذه الطرق التربوية اللاإنسانية، حاول انتهاج طريقة جديدة، ولكنه وجد نفسه في مواجهة نويل بيدا في أواخر شهر شباط 1528 الذي اختص بإرسال الهراطقة إلى المحارق، بعد تسلمه إدارة معهد مونتيغو.