eKtab
EN ع
الإبداع وتذوق الجمال
اقرأ عينة مجانية

الإبداع وتذوق الجمال

بقلم قاسم حسين صالح

صفحة 1

القسم الأول

الإبداع

استهلال في حكاية

كان الملك الإغريقي يشك فيما اذا كان تاجه مصنوعا من الذهب الخالص أو مطليا بالذهب وتحته مادة أخرى كأن تكون الخشب مثلا. وللتحقق من ذلك استدعى العالم أرخميدس وطلب منه، وفي طلبه صيغة تحدّ، أن يخبره بحقيقة تاجه شرط أن لا يحدث أي ضرر فيه، وتلك هي المشكلة التي تحتاج الى حلّ فريد من نوعه. فكيف له أن يعرف أن التاج مصنوع من الذهب الخالص أم لا من غير أن يحدث فيه خدشا بسيطا أو يفتح فيه ثقبا دقيقا ولو بإبرة !.

أخذ أرخميدس يفكر بالحلّ ..ثم نحّى الموضوع جانبا. وذات يوم دخل الحمّام ليستحم. وعندما وجد جسمه يطفو في حوض الحمّام، قدحت في رأسه فكرة لحلّ المشكلة. ..بأن يضع التاج في الماء ويقيس كمية الماء المرتفع في الحاوية التي يوضع فيها. فقد كان يعرف كمية الماء التي يزيحها الذهب وتلك التي تزيحها المواد الأخرى الأقل كثافة كالخشب مثلا. وبهذه الطريقة سيعرف ما إذا كان التاج مصنوعا من الذهب الخالص أم لا، من دون أن يحدث أي ضرر في التاج الذي يحبه الملك كثيرا. وفي ومضة اللحظة هذه خرج أرخميدس الى الشارع وهو يصيح فرحا (Eureka )، أي (وجدتها !). وهذا هو الإبداع ..أن يأتي الإنسان بحلّ فريد من نوعه لمشكلة معينة .

الإبداع .. إشكالية تعريف

يرى الباحثون في مجال الإبداع أن الإبداع يعني : القدرة على جعل النتاجات البشرية، مثل السمفونيات أو حلول المشكلات الاجتماعية، تتسم بالجدّة وذات قيمة للآخرين (Lahy , 2001 P. 284 ). أو هو القدرة على التفكير بخصوص شيء ما بطريقة جديدة وغير مألوفة، ينجم عنها حلول فريدة للمشكلات (Sentrock , 2000,P.310). أو هو تلك العملية المعرفية التي تؤدي الى نتاج شيء ما يتسم بالأصالة واستحقاق الأهمية (Sternberg ,2004 ,P. 528). ويعرّفه تورنس بأنه عملية تحسس للمشكلات، والوعي بمواطن الضعف والثغرات وعدم الانسجام والنقص في المعلومات، والبحث عن حلول والتنبؤ، وصياغة فرضيات جديدة، واعادة صياغتها أو تعديلها من أجل التوصل الى حلول أو ارتباطات جديدة باستخدام المعطيات المتوافرة، ونقل أو توصيل النتائج للآخرين (Torrance, 1993). فيما يعرّفه جيلفورد بأنه سمات استعدادية تضم الطلاقة في التفكير والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات واعادة تعريف المشكلة وإيضاحها بالتفصيلات أو الإسهاب (Guilford,1986 ).

وتعّرف الموسوعة الفلسفية العربية الإبداع بأنه إنتاج شيء جديد أو صياغة عناصر موجودة بصورة جديدة في أحد المجالات كالعلوم والآداب والفنون. و تعرّفه الموسوعة البريطانية الجديدة بأنه القدرة على إيجاد شيء جديد كحل لمشكلة ما أو أداة جديدة أو أثر فني أو أسلوب جديد (The New Encyclopedia Britannica ,1992). فيما يعرّفه قاموس علم النفس بأنه تعبير يستخدمه المختصون وغيرهم للإشارة الى العمليات العقلية التي تؤدي الى حلول أو أفكار أو أشكال فنية أو نظريات أو نتاجات فريدة أو جديدة (في : جروان ،2002، ص:20 ).

وهنالك من يرى أن الإبداع هو تعبير جمالي أو ذاتي للفرد، ومن أمثلتها تعريف جزلين (Ghislen ,1955) الذي يرى أن الإبداع عملية تغيير وتحوّل في تنظيم الحياة الشخصية للفرد. فيما يرى راندRand أن الإبداع ما هو إلا إضافة جديدة للمعرفة المتراكمة عبر تاريخ البشرية. ويرى لوينلفد Lowenfeld أن الإبداع هو محصلة العلاقة الشخصية للفرد مع غيره ومع محيطه .

وفي كتابه (الإبداع - Creativity) الصادر عام 1996 الذي تضمن نتائج دراسات شملت أكثر من تسعين مبدعا، توصل Csikszentmihalyi الى أن الإبداع عملية تؤدي الى إحداث تغيير في المجال الرمزي لحضارة ما، وذلك من خلال التفاعل النشط في إطار منظومة من العناصر تضم الفرد ومجاله المعرفي وأهل الخبرة في حقل الاختصاص. فيما يعرّفه جروان بأنه (الإبداع) مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية التي اذا ما وجدت بيئة مناسبة يمكن أن ترقى بالعمليات العقلية لتؤدي الى نتاجات أصيلة ومفيدة سواء بالنسبة لخبرات الفرد السابقة أو خبرات المؤسسة أو المجتمع أو العالم، اذا كانت النتاجات من مستوى الاختراقات الابداعية في أحد ميادين الحياة الإنسانية ( جروان، 2002، ص : 22 ).

إن تعدد التعاريف وتنوعها، يعزى الى أنه لا توجد نظرية واحدة في تفسير الإبداع. وستظل الإشكالية قائمة الى أن يصار الى تحديد مفهوم الإبداع بدقة ووضوح. ومن جانبنا فأننا نقترح التعريف الآتي :

الإبداع عملية عقلية معرفية تمتاز بنوع من التفكير الراقي، يفضي الى إنتاج منجز يحظى بالقيمة والأهمية، ويضيف الى المعرفة شيئا جديدا في ميدان تخصصه يثير المتعة والدهشة .

هذا ونشير الى أن بعض الباحثين يفضل تداول مفردة ( ابتكار )، وهو الشائع في دراسات كليات التربية، فيما يفضل آخرون مفردة (إبداع )، وهو الشائع في دراسات أقسام علم النفس وكليات الفنون الجميلة. ونرى أن مفردة (الإبداع) أنسب في مجالات العلوم الإنسانية، لاسيما الفنون والآداب. ومفردة (الابتكار) أنسب في مجالات العلوم التطبيقية لاسيما الهندسة والطب. هذا وترد (أبدع) في مختار الصحاح بمعنى اخترع الشيء لا على مثال، فيما تعني (ابتكر) أدرك الشيء من أوله، و(باكورة) الشيء هي أوله.

صفحة 2

موجز في تنظير الإبداع

إن الهدف النهائي لعالم النفس هو دراسة العقل البشري وابداعاته. وبرغم أن علماء النفس انشغلوا بهذا الاهتمام منذ سنوات بعيده، الا ان عام (1957) يعد بداية انعطافة جديدة في دراسة الابداع عندما اطلق (الاتحاد السوفيتي) اول قمر اصطناعي (( سبوتنيك )). ويكفي أن نشير الى ان نسبة الدراسات والبحوث العلمية الخاصة بالابداع كانت 9,5 % قبل عام 1950 فيما ارتفعت الى 75,5% في عقد واحد هو عقد الستينيات (1960 ـ 1970) .

ولقد عالجت المدارس والاتجاهات في علم النفس ظاهرة الابداع بمستويات مختلفه. كل حسب اهتماماتها ومنطلقاتها. نوجزها بشكل مكثف بالآتي :-

1. النظرية الترابطية : ترى في الابداع تنظيما" للعناصر المترابطة في تراكيب جديدة متطابقة مع المقتضيات الخاصة، او تمثيلا" لمنفعة ما. وبقدر ما تكون العناصر الجديدة الداخلة في التركيب اكثر تباعدا" الواحد عن الآخر بقدر ما يكون الحل اكثر ابداعا". ومعيار التقويم في هذا التركيب هو الأصالة والتواتر الإحصائي للترابطات. وابرز مؤيدي هذه النظرية ملتزمانMaltzman و ميدنك Mednick .

2. نظرية الجشطلت : ترى ان التفكير المبدع يبدأ عادة مع مشكلة ما، وعلى وجه التحديد تلك التي تمثل خاصية أو جانبا" غير مكتمل. وعند صياغة المشكلة والحل ينبغي ان يؤخذ الكل بعين الاعتبار. أما الأجزاء فيجب تدقيقها وفحصها ضمن اطار الكل. ويرى فرتهايمر ان الحلول الابداعية هي التي تتطلب الحدس وفهم المشكلة، وان الفكرة الجديدة هي التي تظهر فجأة على اساس من الحدس لا على اساس من السياق المنطقي. وتؤكد هذه النظرية على مفهوم الاستبصار، الذي هو عند الانسان يشتمل على تنظيم أو توفيق للمعلومات بطريقة ذات معنى، او تحقيق الفهم الكامل الأشياء. ويعرّف فرتهايمر الإبداع بأنه عملية تدمير جشطالت موجود من أجل بناء جشطالت جديد (فرتهايمر، 1983) .

3. النظرية السلوكية : حاول اصحاب هذه النظرية دراسة الابداع على وفق الخطوط الاساسية لاتجاههم الذي يفترض ان النشاط السلوكي للإنسان هو في الجوهر مشكلة تكوين العلاقة بين التنبيهات والاستجابات. وينضوي تحت خيمة هذه النظرية :الاتجاهات التعزيزية (سكنر واخرون) واصحاب (العمليات الوسيطة) (اوزكورد واخرون) وتتداخل مع النظرية الترابطية.

4. النظريات النفسية التحليلية.

ــ فرويد :

يميز فرويد بين نمطين أو عمليتين من التفكير: عملية التفكير الثانوية، وترتبط بكل من الشعور والأنا Ego ، وتتصف بالواقعية والمنطقية. وعملية التفكير الأولية، وترتبط بكل من اللاشعور والهو Id، وتأخذ شكلا بدائيا يتصف بأنه بعيد عن الواقع والمنطق والعقلانية (صالح، 2005 ). ويرى أن الشخص المبدع تكون لديه عملية التفكير الأولية نشطة، ولهذا فأنه يتجاوز قواعد المنطق التقليدية وحدود الواقع، فتظهر لديه أفكار غير مألوفة أو غريبة أو شاذة، بسبب أن الارتباطات لديه لا تحدث على أساس مفاهيم عقلانية أو منطقية، إنما على أساس ما بين الأشياء من علاقات سمعية أو بصرية أو شكلية، وبما يقدح لديه أفكار أو حاجات لم يتم إشباعها في طفولته .

ويفسر فرويد الإبداع بمفهوم التسامي او الاعلاء، الذي يعني تحويل الدوافع غير المقبولة اجتماعيا"- لاسيما الجنسية منها - الى نتاجات مقبولة اجتماعيا". وأنه حين يتعذر الاشباع الكامل لها في الحياة الواقعية، فأن مجرى الطاقة يتحول الى نشاطات أخرى هي عمليات الخلق والابداع (الفني بشكل خاص) (صالح، 1988) .

ــ يونك :

افترض أن لدى كل شخص طاقة حيوية تأخذ صورا" مختلفة باختلاف الأفراد. وان هناك ثمانية انماط للناس. والمبدعون هم الذين تتغلب لديهم الالهام والحدس. وعدّ يونك اللاشعور الجمعي القاعدة الأساسية لنفس الانسان وشخصيته. وقال بأن سبب الابداع (الفني الممتاز بشكل خاص) هو تقليل اللاشعور الجمعي في فترات الازمات الاجتماعية، مما يقلل من اتزان الحياة النفسية لدى المبدع (الشاعر بشكل اخص) ويدفعه الى محاولة الحصول على اتزان جديد (صالح، 1983، عبد الحميد، 1987 ).

ــ اهتدتز فايج :

أكد أهمية الرؤية قبل الشعورية، التي تقع وراء عتبة الإحساس مباشرة، وعدّها نمطا" من اللاشعور. ويرى أنها ترتبط بأخيلة الأحلام، وقال إن لها دورا" كبيرا" في الإبداع (الفني بشكل خاص ). كما أشار الى أهمية الحدس اللاشعوري في الإبداع .

صفحة 3

5 .نظرية بافلوف :

كشف بافلوف (وهو أول عالم روسي وأول عالم فسلجة في العالم يحصل على جائزة نوبل عام 1904) عن ثلاثة أنماط للجهاز العصبي المركزي عند الإنسان تستند فسلجيا الى العلاقة بين المنظومتين الإشاريتين : الإدراك الحسي القائم على رؤية الأشياء المادية أو شم روائحها أو سماع أصواتها، والإدراك الحسي عن طريق اللغة. تتغلب في النمط الأول- فطريا - المنظومة الإشارية الحسية (الإدراك الحسي) على المنظومة الإشارية اللغوية (الإدراك المجرد أو العقلي )، فيما تتغلب في النمط الثاني المنظومة الإشارية اللغوية. وتتوازن في النمط الثالث المنظومتان الإشاريتان. ويشيع النمط الأول بين الفنانين عموما، فيما يشيع النمط الثاني بين أصحاب النظريات العلمية والمفكرين الذين يتعاملون مع البيئة الطبيعية والاجتماعية بالرموز والمعادلات الرياضية. ويوجد عدد نادر تتوازن فيه المنظومتان بقوة أو بتطور عال، فيبدعون في كل من العلم والفن، مثل ليناردو دافينشي (صالح، 1988 ). ويعتقد لوريا (وهو عالم فسلجة سوفييتي حظي في زمانه بتقدير علماء الغرب) أن الابداعية هي أعلى مرحلة في التفكير وأنها عند جميع الأسوياء من البشر الذين يعيشون في ظروف اجتماعية متشابهة. وكان الأمر المهم فيما يتعلق بعلماء النفس (السوفيت) تشخيص المجال الإبداعي لكل فرد متفوق وتهيئة الظروف التي تساعد على تطوير هذه الإمكانية وإيصالها الى أرقى مستوياتها .

6. وجهة نظر نوري جعفر

يرى أستاذ التربية بجامعة بغداد المرحوم الدكتور نوري جعفر الذي أمضى عشرين عاما في دراسة الابتكار، ومات غريبا في ليبيا ! أن المناطق المخية الحسية الثلاثية الخمس التي تقع في القسم الأعلى الأوسط من المخ وعلى الجانبين الأيسر والأيمن، والمعنية أساسا بعملية الإدراك الحسي، هي الأساس الجسمي (المادي : المخي) للعمل الفني، الذي يدرك الإنسان عن طريقه العالم المحيط به (البيئي والاجتماعي) إدراكا حسيا، ثم يعبرون عن انطباعاته الحسية الناجمة عن ذلك تعبيرا حسيا بالرسم أو النحت أو الموسيقا ... وهي المسؤولة عن الإبداع الفني. فيما تكون المناطق المخية الثلاثية الجبهية التي تقع في الفصين الجبهيين في القسم الأمامي الأعلى من المخ هي الأساس المخي للابتكار في مجال العلوم الطبيعية النظرية بما فيها الرياضيات (Jaffar ,1972 ).

7. نظرية جيلفورد : يعدّ جيلفورد أول من وضع الأسس العلمية والعملية لنظرية القياس النفسي في الإبداع ، التي بدأها في خمسينيات القرن الماضي. فقد درس الخصائص المرتبطة بالإبداع على أساس التحليل العاملي وميز خمسة أنواع من العمليات العقلية هي : المعرفة، والتذكر، والإنتاج التقاربي، والإنتاج التباعدي، والتقويم. وتدار هذه العمليات من خلال محتوى (الأشكال، الرموز، والمعاني، والسلوك) في ستة أنواع من النتاجات هي : الوحدات، الفئات، العلاقات، الأنساق، التحويلات، والتضمينات. وعلى وفق ذلك طرح انموذجا" نظريا" للعقل مؤلفا من مائة وعشرين عاملا" أو خلية، في مكعب من ثلاثة أبعاد. وفسر الإبداع، داخل هذا النموذج على أنه الإنتاج الافتراقي في مقابل الإنتاج الاتباعي أو التقريري (رو شكا، 1989، عبد الحميد 1987 ). وتأسيسا على ذلك فأن التفكير الأفتراقي أو المتباين يذهب في اتجاهات غير تقليدية، ويتضمن عمليات عقلية فرعية تقود الى الإبداع. وأن الإبداع، الذي حدد خصائصه بـ : الطلاقة والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات، ينبغي أن يمس نتاجه الذوق العام للجمهور سواء كان : رواية، عمارة، جسرا، موسيقا، فلما، أو أي نتاج آخر .

8. نظرية أوسبورن :

ابتكر أوسبورن مفهوم (حلّ المشكلة الإبداعي) ليستخدم في ميدان الإعلان التجاري بهدف تحسين وتطوير منتجات وعمليات جديدة في مجالات التجارة والصناعة. وبه يرتبط أسلوب أو طريقة (العصف الذهني) التي تقوم على تخيل غير محدود وطرح أفكار لا تتعرض للنقد حتى تلك التي تبدو سخيفة. وقد حدد طريقته في العصف الذهني بخمس خطوات هي : تحديد المشكلة، جمع الحقائق، توليد الأفكار، إيجاد الحلّ، وقبول الحلّ. ونظرا لنجاح طريقته فقد انتقلت الى مجالات أخرى لاسيما التربية والتعليم. وبرغم أن (العصف الذهني) يعدّ أسلوبا أو طريقة في الإبداع، إلا أنه بتضمن تنظيرا أيضا.

9. نظرية التشلر:

ترتبط هذه النظرية باسم مهندس روسي اسمه (التشلر) ابتكرها في أربعينيات القرن الماضي ،بعد أن أجرى مسحا لأكثر من مائتي ألف براءة اختراع في مجال الصناعة والتكنولوجيا. ثم انتقلت في التسعينيات الى الغرب باسم (نظرية الحلّ الابتكاري للمشكلة ). وتتلخص خطواتها في الحل الإبداعي للمشكلة بأن يتم أولا تحديد المشكلة بدقة ووضوح، ثم صياغتها من حيث تناقضاتها، ثُم مراجعة مشكلات مماثلة محلولة، بهدف الوصول الى الحلّ المناسب. وتتضمن هذه النظرية مكونات منهجية من أربع فئات هي : التحليل، وتتضمن صياغة المشكلة، والمعرفة، وتتضمن قاعدة البيانات العلمية، والتناظر، وتتضمن التناقضات المادية، وأخيرا الرؤية التي تتضمن المنحى العلمي للتطور (جروان، 2002 ).

10. النظرية الدافعية :

يطرح أصحاب هذا المنحى (مازلو وروجرز بشكل خاص) مفهوم تحقيق الذات Self actualization ودوره في النشاط الإنساني بوجه عام والنشاط الإبداعي بوجه خاص. ويصفونه بأنه الشحنة الدافعة نحو الإبداع الذي يمتلكه كل أنسان وانه ينبع من الصحة النفسية والجوهرية للفرد. ويرى روجرز بأن الانفتاح على الخبرة openness to experience أحد الشروط الأساسية للإبداع، التي تعني القدرة على اللعب التلقائي بالأفكار والألوان والأشكال والعلاقات، ومن خلالها تظهر الرؤية الإبداعية بطريقة جديدة وذات معنى (Rogers,1959). ويميز فروم بين الفعل الواقعي المبدع والاستعداد الإبداعي (التحقيق الذاتي المبدع ). وأن الإبداع يقوم على الاستعداد الإبداعي حتى ولو لم يؤد الى نتاج واقعي ملموس (1959,Fromm ). ويمكن أن ينضوي تحت هذه الخيمة عدد من علماء النفس الوجوديين الذين يؤكدون أن الإبداع ظاهرة إنسانية تكمن في محاولة الإنسان اكتشاف ذاته الحقيقية والتعبير عنها وتطويرها، والإحساس بمعنى وجوده ومعنى الوجود من حوله (صالح 1987، Maddi ، 1965) .

صفحة 4

11. النظرية المعرفية :

يهتم هذا المنحى بالطرائق المختلفة التي يدرك بها الناس والأشياء والأحداث، ويطرحون مفهوم الأساليب المعرفية cognitive style التي تعني الطرائق التي يلجأ إليها الأفراد في تحصيلهم للمعلومات من البيئة .أو عادات الفرد في حلّ المشكلات واتخاذ القرارت، وطرائقه المفضلّة في استقبال المعلومات وتجهيزها، ، وارشاده بشأن متى وأين وبأي طريقة يستخدم وظائفه العقلية. ويطرح (وتكن Witkin ) شكلين من أشكال الإدراك هما، المعتمد على المجال Field Dependent والمستقل عن المجال .Field Independent ويرى بأن الإحاطة بمرئيات البيئة من اجل الحصول على المعلومات المناسبة تعدّ استراتيجية هامة من استراتيجيات العمل الإبداعي(Witkun,1981 ). ويرى (جاردنرGardner , ) أن دقة المعلومات تعتمد على قدرة اللاتمركز الادراكي، وأن المبدعين يعطون استجابات أكثر في البيئة الثرية بالتنبيهات (Gradner,1993). والإبداع، على وفق هذا المنحى المعرفي، لا يمثل انساقا مختلفة من العلاقات الترابطية، بل يمثل طرائق مختلفة في الحصول على المعلومات ومعالجتها، وطرائق مختلفة أيضا في الدمج بين هذه المعلومات، من أجل البحث عن الحلول الأكثر كفاية للمشكلات الإبداعية .

12. نظرية ستيرنبرج:

يعدّ Robert Sternberg من أبرز علماء النفس المعرفيين المعاصرين الذي أهتم بدراسة الإبداع نظريا وتجريبيا. وقد قدم نظرية تسمى الأنموذج الثلاثي الأوجه للإبداع (A Three- Facet Model of Creativity ). والأوجه الثلاثة هي : المتعلق بالقدرة العقلية أو الذكاء، والمرتبط بأسلوب التفكير، والمتعلق بالشخصية (Sternberg , 2004). ويرى بأن العمليات العقلية الخاصة بالإبداع تتضمن ثلاثة أنواع هي : المكونات فوق المعرفية، ووظيفتها تعرّف المشكلة أو الإحساس بها، وبناء المشكلة بطريقة قابلة للحل، وصياغة استراتيجية للحل باختيار أفضل الحلول وأكثرها إبداعا. ثم المكونات الأدائية، ويقصد بها العمليات العقلية التي تقوم بتنفيذ المكونات فوق المعرفية. وأخيرا مكونات اكتساب المعرفة، وهذه تكون متخصصة بثلاثة أنواع من الاستبصار الإبداعي هي : الترميز الاختياري، ويعني عزل ما هو مرتبط بالمشكلة عن ما هو غير مرتبط بها. والدمج الاختياري، ويعني تجميع أو تركيب ما يبدو أساسيا وكأنه معلومات متناثرة ومنعزلة في صورة كلية موحدة قد تشبه الأجزاء وقد لا تشبهها. والمقارنة الاختيارية، ويعنى الاستبصار الإبداعي بربط المعلومات المكتسبة حديثا بمعلومات مكتسبة من السابق .

ويضيف ستيرنبرغ، أن الإبداع غالبا ما يرتبط بوظيفة تشكيل الظرف القائم، وأن المبدعين هم الذين يستطيعون تشكيل الظرف بمقتضى فهمهم لما يجب أن يكون عليه، أو بخلق ظرف جديد تماما. وقد توصل إلى تحديد ثلاثة مظاهر لأنماط التفكير تتباين من حيث علاقتها بالإبداع، هي : النمط التشريعي، ويوجد لدى الأشخاص الذين يرغبون في وضع قواعدهم الخاصة، ويفضلون النشاطات التي تتضمن تشريعا مثل إنشاء نظام تربوي أو تصميم مشاريع. والنمط التنفيذي، ويوجد لدى الأشخاص الذين يحبون التعامل مع مشكلات محددة سلفا وذات طبيعة تنفيذية مثل حل مشكلات رياضية وتطبيق قواعد وقوانين موجودة في حلّها. والنمط القضائي، ويوجد لدى الأشخاص الذين يحبون تقويم نظم موجودة تتطلب تمحيصا ونقدا وحكما عليها .

13. نظرية شنك :

يرى شنك (Schank , 1993 ) أن الإبداع عملية ميكانيكية وليست سحرا أو لغزا. وأن الفكرة الجديدة تنبثق من شيء معلوم أو فكرة سابقة. ويفترض أن الإبداع يتألف من عمليتين أساسيتين هما :

· عملية بحث تهدف الى إيجاد نموذج ملائم لتفسير مشكلة.

· عملية تعديل تهدف الى تكييف النموذج بطريقة تجعل التفسير الذي اشتق من خبرة سابقة وموقف معين ملائما لخبرة جديدة أو موقف مختلف.

ويحدد شنك عنصرين للعملية الإبداعية هما : القدرة على اكتشاف موضع الخطأ أو عدم صحة التوقعات، والقدرة على إثارة الأسئلة الصحيحة.

14. نظرية جروبر:

طرح جروبر (Gruber ,1989 ) ثلاث فرضيات هي :

1. ليس بمستطاع أية نظرية نفسية تفسير كل الأعمال الابداعية .

2. إن المبدع شخص متفرد، يمتلك عمليات عقلية متطورة يعالج بها المشكلات بطرائق غير تقليدية.

3. يتصف العمل الإبداعي بالأصالة، ويتساوق مع قيم واهداف إنسانية .

وطرح شينك نظرية بعنوان (النظام المتطور Evolving System) تتضمن خمس خصائص هي : المنهجية والتطور، بمعنى أن العمل الإبداعي يتطور مع الزمن في سياق تتفاعل فيه أهمية الهدف والإرادة واللهو والحظ. والتعددية، حيث لا يحصر المبدع نفسه في خيار واحد، وأن يتمتع بعلاقات اجتماعية واستبصارا وأساليب متنوعة. وتفاعل المبدع مع المحيط بشكل ينتج أنماطا متنوعة من الصراع والمشاركة مع الآخرين تأثرا وتأثيرا. والبنائية، بمعنى أن المبدع لا يشارك فقط في اختيار وتشكيل العناصر المحيطة بالعمل، بل وفي تشكيل المهارات المطلوبة للعمل، وتحديد منظومة العمل وأدواته. وأخيرا الحساسية للخبرة، أي أن المبدع لا ينظر إليه مجرد مسؤول عن العمل، بل بوصفه شخصا لديه عواطفه ومشاعره وانفعالاته وأحكامه الخاصة بالجمال، فضلا عن أنه موجود في عالم أوسع يتفاعل معه بطريقته الخاصة .

هذا وهنالك وجهات نظر أخرى من بينها وجهة نظر مصطفى سويف الذي يفترض أن الصراع الذي تتعرض له الشخصية بين أهدافها الخاصة والهدف المشترك للجماعة، أي الصراع بين (( الذات )) و ((النحن )) هو الشرط الأول لظاهرة الإبداع. ولم نتطرق الى نظريه الإلهام أو العبقرية. ليس لأنها صارت قديمة، بل لأن تفسيرها للأعمال الابداعية بأنه راجع الى تدخل الآهي أو قوة سماوية، لم يعد مقبولا من أغلب الباحثين المعاصرين. فضلا على أن الاعتقاد بهذا الرأي يغلق الباب أمام من يريد تقصي الأسباب التي تفضي الى الإبداع.

صفحة 5

نقد موجز

إن النظرية Theory، سواء كانت في العلوم التطبيقية أو الإنسانية، تعني مجموعة مترابطة ومتماسكة من الأفكار أو الافتراضات أو المبادئ العامة تساعد على تفسير ظاهرة معينة، بمنهج إجرائي منظّم يفضي الى نتائج موثوق بها .

ولم تقدم أية نظرية في الإبداع، القديمة منها والحديثة، تفسيرا متكاملا يحظى باتفاق جميع أو غالبية علماء النفس المعنيين بالموضوع، تتمتع بمنهجية واضحة وخطوات إجرائية دقيقة. وهذا يعني وجود مآخذ على هذه النظريات تتباين من واحدة الى أخرى. فنظريات التحليل النفسي يعوزها التعريف الإجرائي لطبيعة مفاهيمها، وغموض وتناقض أحيانا، تغلفه لغة مجازية شعرية تدهش قارءها، لا سيما لغة فرويد في دراسته عن دافينشي التي نسجها من خيال خصب، فجاءت أقرب ما تكون الى الأعمال الروائية. وقد ركزت هذه النظريات في الجوانب الوجدانية (الانفعالية) وأغفلت أو قللت من أهمية العوامل الادراكية والمعرفية في العملية الابداعية. ويثير الباحثون تساؤلات بشأن الأساليب التي اعتمدها فرويد وعلماء نفس تحليليين آخرين في تفسيرهم للتقارير الذاتية لعدد من المبدعين (دافينشي، بيكاسو، أديسن، بيتهوفن ...) والشك في عدم دقتها، فضلا على أنها يمكن أن تحمل أكثر من معنى .

وبرغم تأكيد يونج على أهمية الجوانب الاجتماعية والحضارية واطّلاعه الواسع ومعرفته الغنية بعالم الأدب والفن، إلا أنه وفرويد، وغيرهما من التحليليين ما كانوا موفقين بعدّهما اللاشعور أو الحدس أو التسامي هو العامل الحاسم في الإبداع. فضلا على أنهم نظروا الى الفنان المبدع كما لو كان شخصا يغلي بداخله مرجل من الإحباطات والعقد والصراعات. ولا نعتقد بأن الحضارة بمجملها جاءت نتيجة التسامي بالدافع الجنسي كما يرى فرويد .

وبرغم ما قدمته النظرية الجشطالتية عن عمليات إدراك الشكل وقوانينه، وكيفية حدوث الاستبصار، وعلاقة الكل بالأجزاء، ومفهوم السلوك البصري، وغيرها من المفاهيم التفسيرية. والدراسات التي قدمها أرنها يم عن بيكاسو وفرتهيمر عن انشتاين، إلا أن النقد الموجّه لها هو أن التفسيرات التي قدمتها بخصوص عملية الإبداع لم تكن معمّقة، بل سطحية، فأطلق عليها البعض (نظريات السطح ). فيما رأى آخرون أن الحدس لا يشكل أكثر من وجه من وجوه الإبداع، وأنه الإشارة التي تسبق الحل حيث يكون مبهما محتفظا بطابع غامض شبه لغزي .

وفيما يخص النظريات السلوكية عموما فأن النقد الموجّه لها، أنها بعدّها السلوك علاقة تنبيه باستجابة، فإنها ألغت أو أضعفت دور العمليات العقلية في الإبداع، الذي لا يحدث – كما نعتقد – من تجميع ارتباطات شرطية فقط عبر التاريخ السلوكي للفرد.

وربما كانت نظرية جيلفورد من بين أفضل النظريات في تحليل بنية الإبداع، أو بنية العقل بتعبير أدق. فضلا على تمييزها للخصائص المرتبطة بالإبداع على أساس التحليل العاملي. إلا أنها لا تخلو من مآخذ كونها توقفت عند العوامل العقلية للإبداع، برغم أنها لم تنف عوامل الشخصية.

وفيما يتعلق بالنظريات الدافعية فأن أصحابها يؤكدون على التجربة الذاتية والتحليل الظواهري، ويبتعدون عن الطرائق الموضوعية الدقيقة والضبط التجريبي، ولا يستندون على التحليل السببي. فضلا على أنهم يتحملون كل النقد الموجه الى الظواهرية، وهو كثير.

وفيما يخص النظريات الفسيولوجية عموما فأنها قدمت تفسيرا نظريا للأساس المادي( المخي) لعملية الإبداع، ولم تقدم تفسيرا تجريبيا للعمليات العقلية المنجزة من قبل الدماغ. ويكاد هذا المأخذ ينسحب على نظريات الإبداع كافة .

أما النظريات المعرفية، فأنها أحرزت تقدما في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في مجال الإبداع، لاسيما تلك الدراسات التي أنجزها :

( Sternberg ,1985 ,1993 ,, Langley &Jones , 1993 ,, Shanks, 1982 ,1993 ). وكان ذلك بفضل استخدامهم الأساليب العلمية التجريبية. غير أنها اهتمت بالعملية الابداعية بحد ذاتها بوصفها عملية تفكير تؤدي الى نتاجات تمتاز بالأصالة والجدّة. وركزوا في دراسة الإبداع من حيث علاقته بالذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي وحلّ المشكلات ومتغيرات أخرى مثل الشخصية والإرادة والدافعية.

غير أن النظريات المعرفية تبقى نظريات واعدة، بحكم أن علم النفس المعرفي يعنى بدراسة العمليات العقلية : الإدراك والتعلم والتذكر والتفكير ومعالجة المعلومات. وأن المعرفية Cognitive تمثل منظورا نفسيا يفترض أن دراسة الكيفية التي يفكر بها الناس تقود الى تبصّر أوسع في فهم السلوك البشري. والإبداع واحد من أهم أنواع هذا السلوك، بعد أن تولد اليقين لدى الناس والأنظمة السياسية بأن مستقبل الدولة مرهون بما لديها من موهوبين ومبدعين .

صفحة 6

الشخصية والإبداع

لا يوجد تعريف واحد متفق عليه بخصوص الشخصية (أنظر صالح، 1998). غير أن هنالك مقاربات بين ما تطرحه الأدبيات الحديثة. إذ يعرّفها أتكنسون بأنها (( الأنماط المميزة من التفكير والانفعال والسلوك، التي تحدد أسلوب style الفرد الشخصي في تعامله مع البيئة المادية والاجتماعية )) (Atkinson& Hilgard , 2003, p:454 ). ويعّرفها لاهي بأنها (( المجموع الكلي للطرائق النموذجية typical التي يتصف بها الفرد في التصرف والتفكير والمشاعر وتجعل منه شخصا متفردا )) (Lahey ,2001 , 460 ). فيما يعرّفها سنترك بأنها (( الخصائص الثابتة والمميزة للأفكار والانفعالات والسلوك التي تتصف بها طريقة الشخص في تكيفه للعالم )) (Santrock , 2000, P: 412) .

على أننا نرى أن الشخصية مفهوم فرضي تتحد بثلاثة أمور هي : السلوك والتفكير والانفعال. ونعني بالسلوك الفعل الصريح الذي يقوم به الإنسان في تعامله مع الناس والأشياء والأحداث. فيما نعني بالتفكير العمليات العقلية المنجزة من قبل الدماغ. أما الانفعال أو الحالة الوجدانية فهو الأحاسيس الإيجابية أو السلبية المتبدية في الاستجابة والمتضمنة إثارة فسيولوجية وخبرة شعورية وتعبير سلوكي. وأن تميز الفرد أو تفرده عن الآخرين في طريقة تعامله مع البيئتين المادية والاجتماعية والأحداث، في هذه الأمور الثلاثة، هي ما تعنيه الشخصية .

وعليه يكون السؤال : ما الذي تتفرد به شخصيات المبدعين عن الناس الآخرين ؟

والجواب نجده في عدد كبير من الدراسات التي توصلت الى وجود خصائص أو سمات يشترك بها الأشخاص المبدعون ويختلفون بها عن الناس العاديين. وكان الفنانون هم الذين حظوا باهتمام الباحثين أولا، ومنهم عالم النفس المعروف كاتل Cattel الذي أراد أن يعرف الخصائص النفسية التي تميز الفنانين الرسامين عن غيرهم من عامة الناس، فتوصل الى الآتي :

(ميل خيالي، ضعف الأنا الأعلى، نقص في الاتزان الانفعالي، الاكتفاء الذاتي، ميل عال للانطواء، قلق عام واستعداد عصابي قوي جدا، أكثر بعدا عن معايير عامة الناس، والحساسية الثابتة) (صالح، 1990) .

وفي مراجعتهما لأكثر من عشرين دراسة، توصل دلس وجير الى أن المبدعين يمتازون بنمط عام من السمات الشخصية بالرغم من اختلاف مجالاتهم الابداعية، من بينها :

(حب السيطرة، الانطواء، الانفتاح على الخبرة، تنوع الاهتمامات، مرونة التفكير، عدم الارتياح للتقاليد، والثقة الزائدة بالنفس) (Dellas & Gaier ,1970) .

وفي دراسة أحدث شملت مبدعين في مجالات متنوعة، توصل تاردف وستيرنبيرغ الى أن المبدعين يتصفون بخصائص تميزهم عن غير المبدعين. إلا أنهما أشارا الى أن خصائص المبدعين في مجال معين (الرسم مثلا) تختلف عن خصائص المبدعين في مجال آخر (الفيزياء مثلا ). وأرجعا سبب ذلك الى الاختلاف في نوعية العمليات والمهارات الابداعية التي يتطلبها موضوع الإبداع. وتوصلا الى قائمة طويلة نسبيا من الصفات التي لا تكون بالضرورة متوافرة كلها في الشخص المبدع، فضلا عن تباينها من شخص مبدع الى آخر، ومن مجال إبداعي الى آخر.

وقد صنفا هذه الخصائص في ثلاثة أصناف هي :

* الخصائص المعرفية

* والخصائص الشخصية والدافعية

* وخصائص النمو والتطور .

فمن بين الخصائص المعرفية التي يتصف بها المبدعون :

(الطلاقة اللغوية والبلاغة، الخيال الخصب، المرونة والمهارة في اتخاذ القرارات، الاستقلالية في إصدار الأحكام، التفكير المنطقي، تنظيم الأمور المضطربة واستيعاب المواقف المشوشة، المهارة في استعمال لغة الجسد، انتقاء المشكلات ومتابعة إيجاد حلول لها ).

وفيما يتعلق بخصائص الشخصية والدافعية التي يتصف بها المبدعون، توصل الباحثان الى :

(حب الاستطلاع، الانفتاح على الخبرة، المثابرة على العمل، القدرة على التلاعب بالأفكار، الخصوصية والتأمل الذهني، التأثر بالآخرين وبما لديهم من مشكلات، إقامة علاقات نشطة مع أفراد لديهم خصائص شخصية مماثلة لخصائصهم، والابتعاد عن إقامة علاقات مع الآخرين ، الصراحة في التعبير عن عواطفهم وانفعالاتهم، ممارسة نقد الذات من الداخل، وشيء من المعاناة والصراع النفسي) (Tardif & Sternberg ,1993 ).

صفحة 7

وهذه الخصائص التي وجدها الباحثان مشابهة لتلك التي توصل إليها جاردنر في دراسته لسير حياة سبعة من المبدعين هم : فرويد، اينشتاين، بيكاسو، سترافنسكي، اليوت، جراهام، وغاندي. ولدراسة ثانية أجراها على طلبة جامعة، توصل الى أن المبدعين يمتازون بعدد من الخصائص أهمها :

(الوعي بما يدور من أمور وأحداث، الأنانية حتى لو كانت على حساب الآخرين، الثقة بالنفس، حالات نفسية من قبيل الاكتئاب والتوتر، ضعف الالتزام بالتقاليد الاجتماعية أو رفضها، الالتزام بالعمل والجد فيه، الصراحة في التعبير عن المشاعر والانفعالات) (Gardner ,1993 ).

وفيما يتعلق بخصائص النمو والتطور، تبين أن المبدعين كانوا قد مرّوا بخبرات معينة في مراحل حياتهم المختلفة، منها :

(مناخ أسري ثري بالخبرات المثيرة والمتنوعة، تطبيق الحكمة القائلة : وخير جليس في الزمان كتاب، تنوع الميول والهوايات، حب المدرسة والاقتداء بنماذج مميزة فيها من المعلمين خاصة، صداقات قليلة مع أشخاص مميزين، شيء من المعاناة بين مسايرة المجتمع والانعزال عنه، والسعي نحو الشهرة في سن مبكر لاسيما عن طريق النشر والكتابة) (جروان، 2002، صالح ،1990، ,Lahey ,2000 ).

ومن المحاولات الجادة ما قامت به الباحثة كلارك. فبعد أن استعرضت نظريات الإبداع وما توصلت إليه الدراسات العلمية بشأن الدماغ، قدمت أنموذجا للإبداع وصفته بالتكاملي مؤلف من أربعة مكونات هي :

1. الحدس/ الاستبصار: ويعني الحالة التي يصل فيها الوعي الى أقصى مدى له، والناجمة إما عن اللاشعور أو عن حصول تغيير في الشعور.

2. التفكير: ويعني التفكير بشكل منطقي وبما يمكن تطويره وقياسه .

3. الحس : ويقصد به الموهبة في إنتاج شيء يمتاز بالجدّة وبمستوى عال من التطور العقلي والمهارة الحاذقة .

4. المشاعر : وتعني التأثر الانفعالي والتعبير التلقائي عن العواطف، والوعي الداخلي والسعي نحو تحقيق الذات( Clark ,1992) .

وعلى أساس هذا النموذج صنفت كلارك خصائص المبدعين في أربع فئات هي :

أولا / الخصائص المنطقية، ومن بينها :

(الانضباط الذاتي والاستقلالية وكراهية السلطة، القدرة على مقاومة الضغوط الاجتماعية، الميل للمخاطرة والمغامرة، تفضيل المسائل المعقدة، عدم تحمل المواقف المملة والروتين، الحاجة للاعتراف والفرصة للمشاركة ).

ثانيا / الخصائص الحدسية، ومن بينها :

(الانفتاح بلا حدود، الحساسية الزائدة، الرومانسية وأحلام اليقظة، التفاعل مع الأفكار الأصيلة والموسيقى والتصاميم الجميلة، التسرّع والحماس الزائد، تجاوز التفصيلات وتقديم أفكار جديدة لحل المشكلات) .

ثالثا / الخصائص العاطفية ، ومن بينها :

(إدراك الأشياء بطريقة خاصة، العفوية وتلقائية التعبير، الانجذاب نحو الأمور الغامضة والمحيرة، التمسك بالحقيقة والشجاعة في التصريح بالاختلاف عن الآخرين، البداهة والحدس والاستعداد للاعتراف بالصراعات الداخلية والتوترات الناجمة عن التناقضات) .

رابعا / الخصائص الحسية، ومن بينها :

(الانفتاح على الخبرات والأفكار الجديدة، الضبط الذاتي والتحكم الداخلي، الاهتمام بالعالمين الداخلي والخارجي، الأداء الحاذق للفنون التقليدية، والتقدير العالي للقيم الجمالية والنظرية) (جروان، 2002، Clark ,1992 ).

في ضوء ذلك نستطيع تحديد أهم صفات أو خصائص المبدعين بالآتي :

· الدافعية الذاتية العالية للإبداع في مجال محدد

· التفكير التباعدي ومرونة العمليات العقلية المتسمة بالتبصر والحدس والنباهة

· الاختيار الموفق للمشكلة أو الموضوع الذي يكون هدفا للإبداع

· عدم مسايرة التقاليد والقيم التي تعيق العمل الإبداعي

· المعرفة الشاملة بميدان العمل والمعرفة المناسبة في مجالات أخرى

· الاستقلال في الأحكام

· الانفتاح على الخبرة والنظر الى الأشياء بطرائق غير تقليدية

· تقدير القيم الجمالية لاسيما في ميدان الفنون

· الانتقاء في تكوين الصداقات والعلاقات

· حب الاستطلاع بما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمجال الإبداع

· قبول الحضارات والأعراق والأديان الأخرى

· حالات نفسية من قبيل القلق والاكتئاب والتوتر ناجمة في معظمها عن ضغوط خارجية .

صفحة 8

وفيما يخص إشكالية العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي فهنالك موقفان متضادان بشأنها. إذ يرى عدد من الباحثين الذين درسوا عددا من الفنانين المبدعين، وجود علاقة بين إبداعهم وإصابتهم بأمراض نفسية. ويستشهدون بالفنان فان كوخ الذي قطع أذنه وبعث بها الى امرأة مومس قالت له يوما، على سبيل المزحة، أريد أن تقدم لي أذنك هدية لي، فقطعها وغلّفها وبعث بها إليها .وكذلك بالروائي الحائز على جائزة نوبل للآداب ..همنغواي، الذي أنهى حياته بطلقة ، ودستيوفسكي، ومارسيل بروست، وبودلير، وموزارت، وبيتهوفن، ومايكوفسكي رائد المدرسة المستقبلية في الشعر الروسي الذي مات منتحرا.

ونضيف الى ما ذكره الباحثون أسماء عدد من الأدباء الذين انتحروا (في القرن العشرين فقط )، وهم :

· فرجينيا وولف التي انتحرت غرقا عام 941، خوفا من الجنون

· جاك لندن الذي انتحر بالسم عام 960 بمزرعته في الولايات المتحدة

· رومان جاري الذي انتحر بعيار ناري في باريس عام 980

· كورت توخولسكي الذي انتحر بالسم في السويد عام 935

· فالترهاز نكليفر الذي انتحر بالسم عام 940

· ارنست تولر الذي انتحر شنقا في نيويورك عام 941 (أنظر : صالح 2005) .

وهنالك الأديب الألماني المعروف وصديق فرويد، شتيفان تسفايج، الذي ترجمت أعماله الى لغات اجنبيه، كتب قبل انتحاره قائلا : (العالم الذي أحببناه ولّى الى غير رجعة، وما يأتي منه ليس بوسعنا أن نتحمله، وكلمتنا لم تعد مفهومة في أية لغة ...فما جدوى أن يواصل المرء حياة شاحبة ؟. ما عدنا إلا أشباحا أو حزمة من الذكريات ). وخلال المهرجان السنوي الكبير الذي يقام في ريودي جانيرو، تناول الزوجان تسفايج كمية مميتة من الحبوب عام 942 وماتا في الحال .

أما الروائي والشاعر والكاتب الإيطالي سيزار بافيز فقد ألّف كتابا بعنوان (صناعة الموت ). وكان آخر ما كتبه في دفتر يومياته : (لم أعد قادرا على الكتابة ). وفي عام 950 احتفل بما وصفه (أهم عمل في حياته) ..قراره بالانتحار !.

وهنالك زعماء وقادة سياسيون وعلماء وفلاسفة مشهورون أصيبوا باضطرابات نفسية وشخصية، من بنهم : الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل، والفيلسوف الألماني نتشه، والفيلسوف الفرنسي جان جاك رو سو، وعالم النفس الأمريكي سكنر، ورئيس الوزراء البريطاني تشر شل، ورؤساء الولايات الأمريكية : لنكولن وروزفلت ونيكسون وريغان وجورج بوش(الأب) .

وفي دراسته لسير حياة عدد من المبدعين وجد كارلسون أن أعراض الذهان كانت لدى 30% من الروائيين، و35% من الشعراء والرسامين المشهورين، و25% من الرياضيين، و40% من عظماء الفلاسفة. وأشار الى أن هذه النسب تفوق النسب العادية التي تقدر بحوالي 2% لدى الناس العاديين (Carlson ,1970, ،في : جروان 2002 ).

وفي عالمنا العربي يذكر الباحث عبد الستار إبراهيم عددا من الأدباء والكتّاب العرب عانوا من أمراض نفسية واضطرابات في الشخصية، ومحاولات انتحار أو حجر في مستشفيات للأمراض النفسية والعقلية (الأديب نجيب سرور مثلا)، من بينهم : عباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ، وصلاح عبد الصبور، ومي زيادة، وتوفيق الحكيم، وأنيس منصور (عبد الستار، 2000) .

وفي العراق، هنالك الشاعر بدر شكر السياب. والكاتب والأديب عزيز السيد جاسم، والشاعر عبد الأمير الحصيري، اللذين يعرفهما الكاتب عن قرب، وآخرون غيرهم.

بالمقابل يرى باحثون آخرون العكس تماما. فهم يرون أن الشخص المبدع هو الذي يتمتع بصحة نفسية جيدة. وأنه لا يمكن للإنسان أن يبدع ما لم تكن عملياته العقلية على ما يرام. ويدللون على ذلك بقائمة طويلة من المبدعين في مجالات المعرفة المختلفة .

والموقف – على ما نرى – أن الإنسان المبدع حاله كحال أي إنسان آخر، بمعنى أنه يمكن أن يصاب باضطرابات نفسية أو عقلية أو خلل في الشخصية، كما يصاب بها الآخرون. وأنه لا يمكن الحكم بصيغة الإطلاق على وجود علاقة حتمية بين الإبداع والإصابة باضطرابات نفسية أو عقلية، أو ينظر الى المرض النفسي كما لو كان شرطا لازما للإبداع. ونرى أن الإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية أو اضطرابات الشخصية، تكون أكثر شيوعا بين المبدعين الذين يشتغلون في ميادين المعرفة الإنسانية، لاسيما بين الفنانين والأدباء المبدعين بحال مميز، موازنة بالمبدعين في العلوم التطبيقية كالفيزياء مثلا. والسبب في ذلك يعود الى أن الفنانين والأدباء يكونون أكثر حساسية، ويتعاملون مع موضوعات إنسانية ووجدانية، وينشغلون أكثر بمسائل الوجود والحياة والموت. فيما المبدعون في العلوم التطبيقية يتعاملون مع مواد جامدة، ولا ينشغلون كثيرا بمسائل الحياة والموت ومآسي الإنسان اليومية.

صفحة 9

مراحل العملية الابداعية

حين يبدع العالم أو الشاعر أو الفنان ...عملا إبداعيا، فهل يأتي هذا النتاج في لحظة ...لحظة الإلهام أو التجلي ؟ أم أن ذلك يستغرق زمنا هو غير اللحظة ...زمنا قد يطول ساعات ..وقد يمتد سنينا ؟. وإذا كان الأمر يستغرق زمنا هو غير اللحظة، فهل تأخذ العملية الابداعية نسقا أو وتيرة واحدة، أم أنها تمر بخطوات أو مراحل أو (محطات) عبر زمنها الممتد من بداية نشوئها الى تمام كمالها ؟.

إن إجابات على تساؤلات من هذا القبيل يمكن أن نجدها في ثلاثة مصادر أساسية هي : الكتب الفلسفية، وسير حياة المبدعين، وما يقوله علماء النفس على اختلاف أطرهم النظرية ومناهج بحثهم .

إن الفكرة الفلسفية الشائعة لتفسير عملية الإبداع لاسيما في الفن، والشعر بشكل خاص، هي فكرة الإلهام. وهي عند الشعراء ترجع الى زمن هوميروس الذي استهل الإلياذة باستجداء ربات الشعر أن ينعمن عليه بالإلهام. ولقد صورت الأساطير القديمة ((أورفيوس )) ينطق الشعر كأنه عبارات حكمة يتلقاها من الآلهة. وكانت عموم الأشعار التي سبقت الفلسفة اليونانية القديمة تعزى الى الإله ((ديونيسس )).

وقد انتقلت فكرة ((الإلهام )) الى الباحثين المعاصرين، وكثرت الاجتهادات في تفسير طبيعة الإلهام. فمنهم من حافظ على المضمون الفلسفي للإلهام، ومنهم من جعل الإلهام مرادفا لمفهوم (( التخيل )) ومنهم من جعله صنفا تحت نوع أعم هو ((الحدس )) ومنهم من عدّه عملية عقلية تشبه أية عملية عقلية أخرى يقوم بها الدماغ الإنساني .

كان (دي لاكروا) من أوائل الذين وصفوا الإلهام بأنه صدمة كالانفعال. وقال إن حال الملهم في لحظة الإلهام كحال من ينجذب انتباهه فجأة عندما يختّل الاتزان لديه ويمضي نحو اتزان جديد، وينقطع سير العمليات الذهنية ويدخل في الميدان شيء جديد. وطبيعي أن توجد عندئذ حال وجدانية قد تكون عنيفة، حتى لتبلغ الحماسة، وينساب في الذهن سيل مفاجئ من الأفكار والصور .

ووصف فليكس كلاي (1917) هذه اللحظة " بأننا نطلق لفظة الإلهام على تلك اللحظات الابداعية الفجائية التي تنتابنا مصحوبة بأزمات انفعالية، بعيدة عن العمليات العقلية العادية للوعي، وبعيدة أيضا عن السيطرة والأداء، فهي تأتي بشكل غير متوقع، ومجيئها غير مرهون بدعواتنا " (في : صالح، 1988، ص : 76) .

وفي قاموس الفلسفة وعلم النفس يعرّف بولدوين الإلهام بأنه " إشراق الذهن أو تنبهه الذي ينظر إليه كأنما هو آت مما وراء الطبيعة ". وهو تعريف لا يختلف كثيرا عن تعريف الحدس الوارد في قاموس علم النفس لجيمس دريفر الذي يصفه بأنه " إدراك أو حكم مباشر يصطبغ عادة بصبغة وجدانية انفعالية، بغير أن تكون هنالك خطوات عقلية واعية معدّة من جانب الشخص لهذا الغرض " (في : صالح، 1988) .

إن استقراء شاملا لموضوع الإلهام أو الحدس في الكتب الفلسفية والنفسية ذات المنحى الفلسفي، يتطلب صفحات كثيرة فضلا على أنه لم يعد يحظى الآن باهتمام الباحثين. وما نود أن نخلص إليه هو حصول انتقاله فكرية مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. فبعد أن كانت معظم الأفكار تجمع على تصور الإلهام بأنه قوة تلقائية لا شعورية يحظى بها أشخاص معدودون تمنحهم، من حيث لا يدري أحد من أين، القدرة على الإبداع والخلق في ومضة خاطفة، وبين الإلهام كونه لا يأتي سهل الولادة بزمن الومضة، بل يأتي بعد جهد وعرق وكدح ...في حالة يصبح فيها المبدع (( شخصا يتآكل قلبه من فعل ضمئه الشديد للعمل )) على حد تعبير الفنان المشهور فان كوخ.

وقبل ما يزيد عن ثمانين سنة، افترض ولاس (Wallas, 1926 ) أن الحل الإبداعي للمشكلة يمر بأربع خطوات أو مراحل هي :

أولا :مرحلة الإعداد Preparation

تبدأ بأن ينتبه الفرد الى موضوع أو مشكلة تستثير اهتمامه وفضوله فينشغل بجمع المعلومات عنها، ويقوم بمحاولات أولية لتحديد مفهوم واضح لها بهدف صياغتها في استنتاجات أو فرضيات تفضي الى حلول ممكنة ، يراعي فيها الجوانب العلمية والاقتصادية والاعتبارية، والمشكلات المتوقعة التي قد تواجهه .

إن القراءة في المجال أو الميدان الذي تنتمي إليه المشكلة، وإجراء المناقشات مع أصحاب الخبرة والرأي، تأخذ عند الفرد المبدع اتجاها يختلف عن الآخرين في كونها مركّزة ومنظّمة. على أن التوتر والحصر النفسي تغشيان هذه المرحلة ولا يجتازهما إلا من كان يتمتع بقدرة قوية على الصبر والمطاولة .

ثانيا : مرحلة الاحتضان Incubation

استعيرت مفردة (( الاحتضان )) من احتضان الدجاجة لبيضها. فكما يؤدي هذا الاحتضان الى أن يفقس البيض الذي لا حياة فيه الى (كتاكيت) ممتلئة بالنشاط والحيوية، كذلك تحتاج المشكلة الى زمن لتنضج فيه، فيدعها المبدع جانبا لاسيما اذا كان قد بذل في مرحلة الإعداد محاولات غير ناجحة، أو انتابه فيها ما يثير لديه الشعور بالإحباط أو اليأس. وهذا لا يعني انه ينقطع تماما عن التفكير بها - بالانشغال عنها بنشاطات ترفيهية في الغالب - بل أن دماغه يبقى تدور فيه الأفكار يقلّبها على اكثر من وجه ويعمل على تكوين علاقات أو ارتباطات غير مألوفة. وغالبا ما تكون هذه المعالجات على مستوى اللاشعور وما قبله .

ولعل في وصف العالمة باربرا مكلنتك Barbara McClintock( الحائزة على جائزة نوبل في دراسة الجينات) ما يوضح طبيعة هذه المرحلة، بقولها : " لقد فقدت حماسي تماما وعرفت أن هنالك خطئا جسيما ... فلم أكن أرى الأشياء، ولم أكن أربط بينها، ولم أكن على صواب أبدا، وكنت ضائعة ... ولذلك فقد تركت المختبر، وذهبت أتمشى فوجدت مقعدا تحت الشجرة في حرم جامعة ستانفورد حيث جلست أفكر، ومكثت نصف ساعة وأنا أفكر، وفجأة قفزت من مقعدي واندفعت مسرعة الى المختبر، فقد وجدت الحل ..." (في : جروان 2002، ص: 136 ).

وإذا كان زمن هذه المرحلة قد استغرق دقائق عند الباحثة باربرا فأنه قد يستغرق أياما أو سنوات عند غيرها .

صفحة 10

ثالثا : مرحلة الإشراق Illumination

في هذه المرحلة، التي تسمى أيضا الإلهام أو التبصّرInsight، يثب الحل أو بوادره فجأة الى المشكلة التي انشغل بها الفرد في المرحلتين السابقتين. وفجائية الحل هذه لا تعني الإلهام بمعناه الفلسفي، أي أن زمن الحل هو اللحظة التي بزغ فيها، وهو تصور خاطئ أن يتحدد زمن الإبداع بلحظة ويغفل المعاناة الكبيرة التي يمر بها الشخص المبدع في مرحلتي الإعداد والاحتضان.

وتفيد الدراسات التي أجريت عن حالة أو ظاهرة الإشراق لدى عدد من المبدعين المميزين في ميادين العلوم والآداب والفنون أنها كانت مدهشة حتى لأصحابها. فقد ورد عن عالم الرياضيات جاوس قوله : (..أخيرا وقبل يومين جاءني الحل كومضة برق مفاجئة ). ويذكر أن عالم الرياضيات هذا توصل وهو في الحادية والعشرين الى اكتشاف نظرية الأعداد المركبة التي تعد أعظم اكتشاف في مجالها منذ عصر فيثاغورس.

ويصف الأديب الألماني الكبير صاحب رواية (الآم فارتر) حالته في كتابة إحدى رواياته بقوله : " لقد كتبتها دون وعي كمن يمشي وهو نائم، وكم كانت دهشتي عندما تحققت من حجم العمل الذي أنجز ".

رابعا : مرحلة التحقق Verification

بانتهاء مرحلة الإشراق تكون العملية الابداعية قد دخلت طورها النهائي حين تصل مرحلة التحقق والبرهان، حيث يجري التنقيح والصقل والتهذيب. وقد يكون التنقيح بسيطا أو يتطلب جهدا كبيرا في مدة قد تطول أو تقصر.

وفي هذه المرحلة يتحتم على المبدع أن يولي عمله الإبداعي اهتماما استثنائيا. ويتوقف ذلك على عدد من خصائصه الشخصية وقدراته العقلية، إذ أن القدرة على تغيير الاتجاه العقلي بمرونة، والقدرة على التقويم والحكم ومواصلة النشاط العقلي، عوامل أساسية في إيصال العمل الإبداعي الى كماله. وفي هذا الصدد يشار الى أن مقياس الإبداع فيما يتعلق بشكسبير، ليس هو عشرات المسرحيات التراجيدية والكوميدية التي كتبها، ولا مئات القصائد الشعرية التي زخرت بها أعماله، إنما هو مدى التنوع الذي صاغ به شكسبير شخصيات مسرحياته وقصائده والموضوعات الجديدة التي يحملها كل عمل من أعماله. فهو يتقن ويصقل عمله جيدا، ولا يكرر فكرة أو صورة شعرية بشكل جامد. ف( هاملت، ولير ، وعطيل) تقوم جميعها على المأساة، لكن معالجة المأساة في كل واحدة منها تختلف عن معالجة الأخرى. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن (دستيوفسكي) كاتب الأثر الأدبي الخالد (الأخوة كارامازوف) الذي يشكل مع (هاملت) و (أوديب) أعظم الآثار الأدبية الخالدة. والغريب أنها تقوم جميعا (أوديب، هاملت، كارامازوف) على فكرة قتل الأب !.

وهنالك من يضيف مرحلة بين المرحلتين الثانية والرابعة بأسم : الإصرار والمثابرة Persistence ، ليجعل هذه المراحل خمسا (جروان ، 2002 ). وتوصف هذه المرحلة بتوافر مستوى رفيع من الإصرار والمثابرة خلال مرحلة اختزان الفكرة وبعدها. ويستشهدون بالعظماء الذين قدموا اختراقات إبداعية في العلوم والفنون. فقد أمضى آينشتاين – في سبيل المثال - أربعة عشر عاما من التفكير في نظريته النسبية التي نشرها عام 1905 وحصل بفضلها على جائزة نوبل عام 1921. فضلا على أنه لاقى رفضا حادا من علماء فيزيائيين مرموقين .

لقد أثار تقسيم ولاس أعلاه للمراحل التي تمر بها العملية الابداعية جدلا حادا بين علماء النفس، حيث يرى بعضهم أنها تنطبق على الإبداع بشيء من التجاوز، فيما يرى آخرون أن الفكرة الجديدة تبزغ بأشكال متنوعة، وأن تلك المراحل يطرأ على ترتيبها تعديل واختلاف بحسب طبيعة العمل الإبداعي. فقد تتداخل هذه المراحل أو تتشابك أو يسبق إحداها الأخرى، أو قد تحدث جميعها في دفعة واحدة، فيما يرفض آخرون تقسيم العملية الابداعية الى مراحل لصعوبة قياسها أصلا.

وقد استنتج فيناك (1952) من تقارير عدد من الكتاب والعلماء المبدعين بأنه " من الضروري النظر الى التفكير المبدع بوصفه فاعليات ديناميكية متفاعلة أكثر منه مراحل متميزة " (صالح ،1988 ). ويحاول باحثون آخرون التوفيق بين هذه المواقف بقولهم أن العمليات العقلية هي بطبيعتها متداخلة ومتفاعلة وأن تقسيمها الى مراحل هو لغرض التبسيط والدراسة، وهو الرأي الأرجح – على ما نرى- تسنده دراسات رصينة لأعمال إبداعية متميزة من بينها دراسة (ارنهايم) لرائعة بيكاسو (الجورنيكا) (أنظر صالح، 1988) .