صفحة 1
مقدمة المترجم
وُلد فيودور ميخائيلوفيتش دوستويڤسكي في الثلاثين من تشرين الأول عام 1821 في موسكو. ومنذ أن فتح عينيه للنور، وجد نفسه خارج المجتمع، بين المذلين والمهانين، حيث الفقر والألم والموت. فنشأ في بيئة فقيرة، وفي كنف أب ذي أخلاق شرسة قاسية، يعيش وعائلته في انطواء على النفس خارج حدود الحياة. وهكذا نشأ دوستويفسكي بعيداً عن كل احتكاك بالعالم الخارجي، محروماً من الأصدقاء، ومن التجارب ومن الحرية.
أراد دوستويڤسكي دوماً الخروج من ظلمات هذا العالم الحالك، فما كان منه إلا أن التجأ إلى الكتب، فبدأ يقرأ ليل نهار، قرأ لترسكوت، وديكنز، وجورج صاند، وهوغو، حيث عاش معهم أروع المغامرات، حالماً بالسفر إلى شتى مدن العالم، حيث الأسرار الغامضة، والعاطفة العميقة، والانتصارات العظيمة.
هذه النشأة القاسية.. وهذا الضمأ الذي لا يرتوي للكتب، ترك فيه أثراً فنياً قائماً بذاته، ليشكل بحد ذاته عالماً شاسع الأرجاء، عميق الأغوار، متكامل العناصر، وعواطف امتزج فيها الحب بالحقد، والكبرياء بالتواضع، والثورة بالاستسلام، والرحمة بالقسوة، والإيمان بالكفر، وأفكار أصبحت قوة لا تُقهر.
قد لا نعرف الكثير عن دوستويڤسكي، ولكن دون ريب نستطيع أن نلمس شخصيته الحقيقية وما يختلج في نفسه من مشاعر ومتناقضات من خلال أبطال رواياته.
المترجم
صفحة 2
الفصل الأول
1
اقترب القطار السائر على سكة حديد فارصوفيا – سان بطرسبرغ من العاصمة الروسية في الساعة التاسعة من صباح أحد أيام كانون الأول المشحونة بالضباب والصقيع. وكانت عربات الدرجة الثالثة كثيرة الازدحام وكان التعب جلياً على المسافرين، ووجوههم الشاحبة والصفراء لا تخفي الرجفة والقلق الباديين في عيونهم بعد ليلة سفر.
ومنذ الصباح الباكر ألفى المسافران في الدرجة الثالثة نفسيهما مسوقين بتبادل الحديث فيما بينهما. كان أحدهما قصير القامة في السابعة والعشرين من عمره، أسود الشعر، ذا عينين رماديتين صغيرتين وأنف واسع أفطس مع وجنتين ناتئتين وشفتين دقيقتين تنمان عن ابتسامة وقحة تهكمية تعبر عن الشر الدفين. وكان وجهه أصفر كالموتى. وكان يحس بالدفء بسبب المعطف الذي كان يرتديه والمصنوع من فراء الاستراخان الأسود. وكان رفيقه المسافر الآخر مقروراً لأن معطفه المهلهل والمصنوع من الصوف لم يكن مناسباً لرحلة شاقة في أجواء روسيا الباردة، ابتداءً من مدينة إيدكونين حتى سان بطرسبرغ. وكان هذا بدوره أيضاً شاباً في حوالي السابعة والعشرين من العمر، طويلاً نوعاً ما، أشقر الشعر كثيفه، وذا وجنتين غائرتين ولمة دقيقة حمراء اللون عينين زرقاوين تنبئ نظراتهما النافذة بأن صاحبنا يشكو داء الصرع، ومع هذا، كان وجهه جميلاً، غير أنه كان ذا لون مائل للزرقة بسبب الصقيع. وكان يقبض على صرة من قماش باهت اللون فيها ملابسه المتواضعة. وعموماً كان شكله غير روسي.
سأله رفيقه ذو الشعر الأسود:
- هل أنت مقرور؟
- جداً. لم يخطر ببالي أن جو أرض الوطن بارد لهذه الدرجة. الظاهر أني لم أعتد عليه بعد.
- لعلك كنت في الخارج؟ أليس كذلك؟
- أجل، فأنا عائد من سويسرا مباشرة.
صفحة 3
صدرت عن الأسود الشعر نأمة وضحك قائلاً:
- أوه يا إلهي!
وتوالت الأسئلة. كان الشاب الأشقر يرد على الأسئلة دون أن يبدي ارتياباً بتهكم وقحة وسخرية رفيقه. وأعلمه أنه غاب عن روسيا في الخارج أربع سنوات حيث أرسل للمعالجة من داء عصبي غامض هو أحد أنواع الصرع. وضحك ذو الشعر الأسود حينما علم أن شفاءه لم يتم، مع أن الروس لا يزالون يؤمنون بأطباء الخارج. وصاح مسافر آخر رثّ الثياب في الأربعين من عمره وتبدو عليه سيماء الكتبة الحكوميين.
- صدقت يا سيدي. فكل ما يقومون به هو سرقة أموالنا الروسية دون جدوى.
وقال المريض القادم من سويسرا بدعة:
- إنك مخطئ في وضعي الخاص يا سيدي. فبوسعي التأكيد على أن طبيبي قد زودني بالمال لأستطيع تأمين نفقات عودتي، بالإضافة إلى إنفاقه عليّ طيلة إقامتي هناك قرابة سنتين.
وتساءل ذو الشعر الأسود وهو بادي الاستغراب:
- ألم يكن هناك ثمة من يساعدك سواه؟
- لا، فقد كان السيد بافليشيف يساعدني وقد توفاه الله منذ سنتين. وقد بعثت برسالة إلى السيدة إيبانشين أثناءها، وهي إحدى قريباتي البعيدات، ولكني لم أتسلم منها جواباً. وبعد ذلك عدت إلى الوطن.
قال الموظف الحكومي وهو يشير إلى الصرة:
مع أني على استعداد للمراهنة بأن هذه الصرة لا تحوي أية نقود ذهبية، ألمانية أو فرنسية أو حتى هولندية، وهذا جلي من ملابسك وحذائك، فإني أعتبر بأن إضافتك لهذه الصرة قريبة هامة كزوجة الجنرال إيبانشين، تغدو شيئاً مهما، هذا إذا كنت حقاً قريباً للسيدة إيبانشين، أي إذا لم تكن قد ارتكبت خطأ ما عن طريق السهو، وهو شائع بين الناس، أو عن طريق خيال خصب.
أجاب الشاب ذو الشعر الأشقر:
- أوه، لقد صدقت في المرة الثانية، لأني في الحقيقة أكاد أكون مخطئاً في قولي بأني نسيب لها، فصلة القرابة بيننا بعيدة جداً بحيث أني لم أعجب حينما لم أتسلم رداً على رسالتي.
صفحة 4
- إنك على كل حال رجل طيب القلب. أما عن السيدة إيبانشين، فهي شخصية هامة، إني أعرفها جيداً، وأعرف أيضاً السيد بافليشيف الذي عالجك في سويسرا، إذا كان هو بالفعل نيكولاي إندريفيتش بافليشيف لأن هناك ابني عم بهذا الاسم، أحدهما لا يزال في القرم والثاني، الذي ارتحل، السيد بافليشيف، فقد كان رجلاً مرموقاً ذا نفوذ كبير وكان يعمل في مزارعه أربعة آلاف مزارع.
أجاب الشاب ذو الشعر الأشقر بانفعال محملقاً إلى السيد ذي الأنف الأحمر العالِم بكل شيء:
- أجل، إنه نيكولاي إندريفيتش.. هكذا كان اسمه!
وبصورة مباغتة، قال الرجل ذو الأنف الأحمر للشاب ذي الصرة:
- أرجو المعذرة يا سيدي إلى من أتشرف بالكلام؟
أجاب الشاب بعجلة:
- إلى الأمير ليوف نيكولايفيتش ميشكين.
قال الموظف ذو الأنف الأحمر متسائلاً:
- الأمير ميشكين! ليوف نيكولايفيتش؟ هاه، في الواقع لست أدري بصورة جازمة، وبوسعي التأكيد بأني لم أسمع باسم كهذا.
أجاب الأمير:
- ليس هناك من يحمل هذا الاسم سواي الآن. وحسب اعتقادي، إني الوحيد والأخير الذي يحمل هذا الاسم. فآبائي وأجدادي كانوا فقراء مع كونهم أحراراً، وأبي كان ضابطاً في الجيش برتبة ملازم ثان، ولا أعلم بالضبط كيف اتصلت السيدة إيبانشين بآل ميشكين، ولكنها من نسل الأميرة ميشكين وهي بدورها الوحيدة والأخيرة التي تحمل هذا الاسم.
وتدخّل الشاب الأسود الشعر في الحديث قائلاً:
- وهل درست العلوم مع معلمك هناك؟
- نعم، لقد درست شيئاً منها ولكني..
صفحة 5
- لم يتسن لي أن أدرس شيئاً من أي نوع كان.
قال الأمير بلهجة من يعتذر إليه:
- أواه، ولكني لم أدرس إلا ما تيسر، لم يتمكنوا من تعليمي أشياء كثيرة بسبب سوء حالتي الصحية. وهنا سأله ذو الشعر الأسود على حين غرة:
- هل تعرف أسرة روغوزين؟
- كلا، فأنا لا أكاد أعرف أحداً في روسيا، لماذا؟ هل أنت منها؟
- أجل، إني من أسرة روغوزين. أنا بارفيون روغوزين.
فقال الموظف الحكومي ذو الأنف الأحمر باحترام:
- بارفيون روغوزين! يا إلهي، أنت أحد آل روغوزين إذن؟
- نعم، من آل روغوزين!
كان جلياً أنه لم يكن يأبه كثيراً بالموظف الحكومي ذي الأنف الأحمر، لأنه كان يوجه حديثه رأساً إلى ميشين.
وقال الموظف وهو بادي الخضوع:
- رباه! هل تريد القول بأنك ابن سيميون بارفينوفيتش روغوزين ذاته، ذلك المواطن الشريف الذي مات في الشهر الماضي مخلفاً وراءه مليوني روبل ونصف! فقاطعه الشاب الأسود الشعر بشيء من الكبرياء دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليه:
- كيف عرفت أنه خلّف مليوني روبل ونصف؟ في الواقع مات أبي منذ شهر، وها قد عدت من مدينة بسكوف بعد انصرام مدة شهر وأكاد أكون بلا حذاء. لقد تصرف ذويّ إزائي كما لو كانوا يتصرفون مع أحد الكلاب. كنت أشكو الحمى خلال هذه الفترة. ولم يكلفوا أنفسهم عناء رسالة يكتبونها إليّ.. إني أتكلم عن أخي السافل ووالدتي!
وهتف الموظف الحكومي فاركاً يديه بجذل:
- ولكنك سترث الآن مليون روبل على أقل تقدير!
نظر روغوزين إلى الموظف الحكومي بشيء من الغضب والتوتر قائلاً:
- وما شأنك بالأمر؟ إنك لن تنال مني كوبيكاً واحداً حتى لو مشيت على رأسك.. حتى لو رقصت أسبوعاً كاملاً حولي، لن أهبك شيئاً.
- لن أطلب شيئاً، وينبغي لك ألا تعطيني شيئاً.. ومع هذا، فأسرقص حولك. سأهجر زوجتي وأطفالي لأرقص حولك، فواجبي تقديم الولاء كما ينبغي.
صفحة 6
قال الشاب ذو الشعر الأسود بقرف:
- لتمضِ إلى الجحيم.
وأردف موجهاً كلامه إلى ميشكين:
- قبل خمسة أسابيع كنت مثلك تماماً. لا أملك شروى نقير، ولم يكن لدي من حطام الدنيا سوى الملابس التي أرتديها وصرة بيدي. وكنت قد فررت من منزلي الأبوي ومضيت إلى منزل عمتي في مدينة بسكوف، وهناك أصبت بالحمى فلزمت السرير. وخلال غيابي مات والدي. مات بالجلطة الدموية. كاد أن يقتلني يومذاك لو لم أهرب منه. ولسوف يظنون أني لم أزل مريضاً. ولكنني تسللت بسكينة غير حافل بالمرض واستقليت القطار عائداً. رويدك يا أخي، إني أدري بأنك كنت تثير حفيظة والدي عليّ. ولكنني في الواقع أغضبت والدي بسبب أناستاسيا فيليبوفنا. وهذا هو الذي جعل حياتي تضطرب.
فقال الموظف الحكومي كمن يتذكر شيئاً ما:
- أناستاسيا فيليبوفنا!
أجابه روغوزين بعصبية:
- وهل تعرف عنها شيئاً؟
فقال ذو الأنف الأحمر بخيلاء:
- هب إني أعرف شيئاً عنها!
- حسناً ما أكثر الفتيات اللواتي يحملن هذا الاسم. إنك حيوان قذر!
وأضاف وهو عرضة لسورة من غضب:
- لقد خيّل إليّ أن بعض الفضوليين الذين هم على شاكلتك، يتطفلون عليّ حالما أحصل على ثروتي.
صفحة 7
استبد الانفعال بالموظف الحكومي وقال:
- أوه، ولكن القضية هي أنني أعرف كل شيء عنها. إن اسم عائلة أنستاسيا فيليبوفنا هو باراشكوف. وهي سيدة معروفة لدى كافة الأوساط بصفتها تمت بالصلة إلى أسرة كريمة. وهي على علاقة برجل يدعى توتسكي أفانازي إيفانوفيتش، وهو رجل ثري جداً ويعمل مديراً لشركات عديدة، وهو أيضاً صديق للجنرال إيبانشين.
بدا روغوزين مندهشاً من كون هذا الرجل يعرف كل هذه المعلومات، فأردف الرجل ذو الأنف الأحمر:
- ولماذا العجب؟ إني أعرف كل شيء. لبيدييف الذي هو أنا، يلم بكل شيء. لقد قضيت شهرين مع الشاب الكسندر ليهاتشوف بعد موت والده، وكنت رفيقه عندما كان يذهب إلى هناك. إنه الآن سجين بسبب ديونه. ولم يكن بوسعه أن يفعل شيئاً بدون لبيدييف. وبهذه الوسيلة عرفت أناستاسيا وشخصيات أخرى عديدة في ذلك الوقت.
صرخ روغوزين وهو شاحب الوجه:
- أناستاسيا فيليبوفنا!.. يا للعجب، هل تعني أن ثمة علاقة بينها وبين ليهاتشوف؟
فقال ليبيدييف:
- كلا، أبداً، إن توتسكي يا عزيزي هو الشخص الوحيد الذي يستطيع الاتصال بها.
وقال روغوزين موجهاً حديثه إلى ميشكين:
- كنت أسير ذات يوم في شارع نيفسكي مرتدياً معطف والدي العتيق حينما شاهدتها على حين غرة تخرج من متجر وتستقل عربتها. أقسم لك أني صعقت بفتنتها. ثم التقيت بزاليوشيف. وفي بيتنا، بعد العشاء، طفقنا نتمشى ونتجاذب أطراف الحديث، وقال لي زاليوشيف:
- لا تكن مغروراً يا بني، إنها ليست لأمثالك، فهي أميرة. أجل، أميرة واسمها أناستاسيا فيليبوفنا باراشكوف، وهي تعيش مع توتسكي الذي يبدو أنه يود التخلص منها بداعي الشيخوخة ويرغب في الزواج بسيدة معروفة يقال إنها أجمل سيدات سان بطرسبرغ. وأعلمني أن بوسعي مشاهدة أناستاسيا في دار الأوبرا ذلك المساء، ووصف لي مقصورتها. وذهبت إلى دار الأوبرا، وشاهدت أناستاسيا فيليبوفنا، ولم أذق ليلتها طعم الكرى. وفي صباح اليوم التالي أعطاني أبي سندين من قرض الدولة لأبيعهما. وكان كل سند بقيمة خمسة آلاف روبل على أن أسلم صراف المكتب سبعة آلاف روبل وأعود بالباقي إليه دون إبطاء. وبالطبع، بعت السندين، لكنني لم أسلم السبعة آلاف روبل للمكتب، بل ذهبت فوراً إلى متجر إنكليزي وابتعت قرطين في كل منهما قطعة ماسية كبيرة الحجم، وتجاوز الثمن المبلغ الذي كنت أحمله بأربعمائة روبل، فوثق بي أصحاب المتجر بعدما أعلنت لهم عن اسمي، وذهبت بالقرطين رأساً إلى زاليوشيف، ومن عنده مضينا إلى منزلها، وفي حجرة الاستقبال حينما أقبلت علينا، قال لها زاليوشيف:
صفحة 8
«تقبلي هذا من بارفيون روغوزين رمزاً لذكرى لقائه بك أمس» وفتحت العلبة وتطلعت بالقرطين وندت عن فمها ضحكة وقالت:
- شكراً أيها الصديق روغوزين على هذا الصنيع الجميل!
ثم انحنت ومضت. أواه، لماذا بقيت حياً ساعتئذ؟ إن ما ساءني هو أن زاليوشيف هو من نال الفضل كله، أما أنا فكنت قصير القامة رث الثياب، وقفت خجلاً أحدق فيها جون أن أنبس ببنت شفة. بينما كان هو مرتدياً ثياباً أنيقة، موشياً قيافته بربطة عنق غالية الثمن، وتفوح منه روائح العطور الزكية. وكان يبدو لبقاً ومهذباً. وأعتقد أنها حسبته أنا نفسي طيلة هذا الوقت. وقلت له حينما عدنا أدراجنا: «اسمع، لا أريدك أن تتدخل بيني وبينها، هل فهمت؟» فضحك وقال: «قل لي كيف ستسوي القضية بينك وبين والدك؟» وقد خطر ببالي أنه من الأجدى أن أرمي نفسي في نهر نيفا حالاً بدلاً من أن أعود إلى المنزل. ولكني لم أكن أستطيع القيام بمثل ذلك أبداً، فعدت إلى البيت وبي إحساس من حُكِمَ عليه بالإعدام! ..
حدق الأمير في ملامح روغوزين وكان شاحباً ساعتئذ، ولكنه هتف بصوت مرتفع:
- هل تعرف شيئاً عن هذه القضية! حسناً، لقد ألمّ والدي بكل شيء. ناهيك عن أن زاليوشيف قد نشر الحكاية في كافة أرجاء المدينة. وقد مضى بي والدي إلى إحدى غرف الطابق العلوي وسجنني فيها قائلاً: «هذا بعض ما ستلقاه، ترقب الليل، حيث سأناقشك الحساب». ومضى بعد ذلك مباشرة إلى أناستاسيا فيليبوفنا حيث انحنى أمامها وطلب منها بخضوع أن تعيد إليه القرطين الثمينين. وقد جاءت بالصندوق الذي يتضمن القرطين ورمته بوجهه قائلة: «خذ قرطيك أيها الهرم البائس والبخيل، دونك إياهما مع أنهما عندي يساويان أكثر من السابق بعد أن وقفت على ما تعرض له بارفيون من أجلهما، وبلغ بارفيون سلامي واشكره». أثناء ذلك حصلت على قرض بقيمة خمسة وعشرين روبلاً وذهبت إلى عمتي بسكوف. واستمرت تلك المرأة الهرمة تلومني وتعنفني حتى أدى بي الأمر إلى مغادرة منزلها والتسكع بين الحانات، وكنت عندما وصلت بسكوف مصاباً بحمى حادة، وعندما هبط الليل وجدتني في بعض شوارع المدينة ملقى في مكان ما، صريع الهذيان.
صفحة 9
وكان القطار قد أخذ يبطئ في سيره وهو يصل إلى المحطة. ومع أن روغوزين قد أعلن لهما أنه رحل عن بسكوف بصورة سرية، فقد كان ينتظر قدومه على رصيف المحطة جمع كبير من أصدقائه، كانوا يحيونه بانفعال ويلوحون له بقبعاتهم.
وقال روغوزين وهو يتفحص هذا الموكب بشيء من الخيلاء:
- يا للغرابة! حتى زاليوشيف موجود هنا أيضاً!
والتفت إلى ميشكين قائلاً:
- لقد شعرت بميل إليك أيها الأمير، ولست أدري لماذا، مع أني التقيت بذلك الرجل أيضاً – وأشار إلى ليبيدييف – دون أن أميل إليه البتة! تعال لزيارتي أيها الأمير حيث أنعم عليك بثياب أنيقة ذات فراء رفيع وستحصل على بذلة وكل ما تبغيه وسأعطيك مالاً وفيراً. تعالَ حيث نمضي سوياً إلى منزل أناستاسيا فيليبوفنا، ما رأيك؟
- أشكرك على مشاعرك نحوي وسيكون من دواعي سروري أن أزورك، وقد أزورك هذا اليوم إذا تمكنت من ذلك لأني، وبصراحة، أحبك بدوري وسأكون ممتناً لكل ما تقدمه إليّ من ثياب وفراء ومال لأني في الواقع بحاجة ماسة إلى الثلاثة.
وقال روغوزين بشيء من الوجوم:
- هل لديك ثمة براعة مع النساء؟ يجب أن أعرف..
- كلا، فقد كنت مريضاً منذ طفولتي، ولم تكن لدي أية خبرة معهن أبداً..
هتف روغوزين:
- حسناً، بوسعك القدوم معي إذا أردت!
وعلى هذا الشكل، غادر الثلاثة عرب القطار.
ومضى لبيدييف مع الجمهور المحتشد والمكون من أصدقاء روغوزين باتجاه شارع فوزنزنسكي واستوضح ميشكين بعض المارة عن مقصده، شارع نيتيني، وكان الوحل والمطر سائدين، أما المكان المقصود فقد كان يبعد مسافة لا بأس بها، حوالي الميلين تقريباً ولذا صمم على أن يستقل عربة.
صفحة 10
2
كان الجنرال إيبانشين يسكن بيتاً في شارع ليتيني، ويملك بيتاً آخر في شارع سادوفي يدرّ عليه دخلاً أكثر من البيت الأول الذي يقطنه ويؤجر قسماً كبيراً منه. وكان لديه مزرعة جميلة على بُعد ميلين من مدينة سان بطرسبرغ ومصنع في إحدى ضواحي المدينة. ومع أنه كان معروفاً بثرائه الواسع إلا أنه كان لا يملك أي نصيب من العلم والثقافة. وقد بات جنرالاً في الجيش بعد أن ارتقى في الرتب من أدنى الدرجات. وكان في الخامسة والخمسين من عمره وقد استطاع الاختلاط بالأوساط الاجتماعية بسبب المقامرة التي كان يجيدها وكان يلعبها بمبالغ طائلة. وكان رب عائلة نامية مؤلفة من زوجته التي تضاهيه في السن، وبنات ثلاث في سن الشباب. وكانت زوجته لا تملك نصيباً من الجمال ولكن لديها مزرعة صغيرة تستوعب عمل ثلاثين فلاحاً من الإجراء، ولكنها كانت المدماك الذي بنى عليه أملاكه الواسعة فيما بعد. وكانت زوجته ليزافيتا بروكوفيفنا تنحدر من أسرة الأمير ميشكين ذات العراقة في الأصل بالرغم من عدم شهرتها. وهذا النسب أيضاً ساعد الزوجة على أن تتخذ مكانها بين سيدات المجتمع الرفيع. أما البنات: الكسندرا، أديلايدا، وأغلايا، فكنّ يحملن اسم أبيهن إيبانشين، ولكن من الطبيعي أن يكون صداقهن مبلغاً كبيراً من المال بسبب عراقة أصل أمهنّ، كما كان والدهنّ يرجو أن يتسلل إلى أحد المناصب الحكومية الرفيعة، وهذا كان يزوده بمزيد من الرضا والسرور. وكانت كبرى البنات في الخامسة والعشرين من عمرها، والوسطى في الثالثة والعشرين، أما الصغرى أغلايا إيفانوفنا فكانت في العشرين وكانت أجملهن ومحط أنظار الجميع. وعلى العموم كنّ موهوبات ومثقفات وعلى قسط كبير من التهذيب.
دق ميشكين جرس الباب عند الساعة الحادية عشرة ظهراً. وفتح له الباب خادم يرتدي ثياباً مزركشة أنيقة، فقاده هذا إلى حاجب مكتب الجنرال الذي ارتاب في أمره وأبى السماح له بمقابلة الجنرال إيبانشين إلا بعد أن يراه السكرتير.
وبعد نقاش بين ميشكين والخادم الذي كان متشككاً في كون هذا الرجل ذي الثياب الرثة يمت بأي قربى إلى الجنرال عن طريق زوجته، جاء السكرتير الذي سأله بعد أن عرفه الأمير بنفسه:
- هل أنت الذي بعث بخطاب منذ حوالي سنة من سويسرا، إلى ليزافيتا بروكوفيفنا، السيدة إيبانشين؟
- أجل، هو أنا.
- إنهم سيتذكرونك حتماً. هل تريد أن تقابل الجنرال إيبانشين؟
سأعلمه على الفور. وسيتفرغ إليك بعد لحظات. ولكن من الأفضل أن تنتظر في قاعة الاستقبال.
والتفت السكرتير إلى الخادم قائلاً بانفعال:
- لماذا يجلس هنا؟
فقال الخادم بشيء من الخضوع:
- هذه هي رغبته يا سيدي.
وفي تلك البرهة فتح باب المكتب، وخرج منه رجل يرتدي ثياباً عسكرية وهو يحمل تحت إبطه ملفاً، ويتكلم بصوت عالٍ. وبعد أن أدى التحية إلى شخص ما في داخل المكتب، انصرف.
وتعالى صوت من داخل المكتب يسأل:
- هل قدمت يا غانيا؟ هيا، تعال إلى هنا.
فأشار غافريل أرداليونوفيتش برأسه لميشكين، ثم أسرع ليدخل المكتب. وبعد دقيقتين، فتح الباب مجدداً وقال غافريل بصوت لطيف:
- تفضل بالدخول أيها الأمير!