eKtab
EN ع
الأبيض والأخضر.. رحلة في أسرار المكان والزمان في المغرب
اقرأ عينة مجانية

الأبيض والأخضر.. رحلة في أسرار المكان والزمان في المغرب

بقلم د. أحمد الدوسري

صفحة 1
تقديم
 
منمنمات على ألواح الذاكرة
 
إلى أي جنس من الكتابة يمكن أن ينتمي هذا الكتاب!؟ لا يهم· فهو رواية لزمن جميل مضى· وهو رحلة إلى بلد عزيز جدا على قلوبنا نحن المشارقة! وهو ذكريات كان بعضها شغوفا بالفرح، وجزء منها غير يسير غارقاً في الحزن· لا تدوم المسرات لا سيما إذا تبعتها مسافات وأزمنة طويلة· وهذا ما حدث بعد هذه الرحلة التي أوصلتني إلى العديد من مدن المغرب وقراها· فشخوص هذه الرحلة وبعض أبطالها سيصدر الكتاب دون أن تتاح لهم الفرصة أبدا لرؤيته ناهيك عن قراءته! لأن الموت قد طواهم إلى الأبد· بل إن أحد شخوص هذه الرحلة الرواية وهو الحاج محمد بن الطاهر قد وصل إلينا خبر موته وأنا أنتهي من الكتاب وأستعد لكتابة هذه المقدمة تمهيدا لإرساله إلى الناشر!
 
يبدو أن الموت مشارك فعّال في هذه التفاصيل التي تحويها رحلة بسيطة في الزمان والمكان المغربيين· فالأضرحة التي شاهدتها، تقريبا في كل مكان في المكان، كانت قد أعطتني فكرة واضحة عن الموت، لكن لم أعلم بأنها ستكون بهذا الوضوح! ومن كان في هذه الرحلة مشاركا معنا بشكل أو بآخر، انضم إلى سكنة الأضرحة·
 
أريد أن أضيف بأن الأبيض والأخضر كانا في الحقيقة لونين قد تمكنا في هذه الفترة التاريخية، وعلى الأخص في هذه الرحلة، من السيطرة على الأجواء، حتى النفسية منها، بحيث أني لم أكن أرى إلا هذين اللونين طيلة مدة بقائي في حضارة هذا البلد العريق!
 
في الشوارع، في الأزقة، في الأسواق، في الحقول وحتى في الأزياء والروايات التاريخية لم تكن عيناي لتقعان إلا على الأبيض والأخضر· كانت المصادفات مدهشة بحيث لم تلفت نظري فقط بل إنها وضعتني أمام أجواء سحرية مدهشة بطلاها الأبيض والأخضر! وكم تخيلت أن العناية الإلهية هي التي كانت تقودني إلى كل هذه التفاصيل في هذه المسافات التي قطعتها خلال أيام هذه الاكتشافات اللذيذة· وأعترف الآن بأنني كنت مخططا منذ البداية لتأريخ هذه الرحلة ضمن مذكراتي· لكن لم تكن لدي فكرة مفصلة عن كيفية سيرها، لذا اكتفيت بتدوين التفاصيل دون ترتيب يذكر، حتى التقيت الصديق الشاعر والكاتب نوري الجراح الذي حثني على سرعة إنجاز كتابة الرحلة التي كانت مجرد مسودة على الورق فقط في ثلاثة دفاتر لطلبة المرحلة الإبتدائية!
 
فله الفضل في ذلك، وللصديق الدكتور شاكر لعيبي أيضا····لأنه لاحقني لإنجاز هذا الكتاب·
صفحة 2
في هذه السياحية المكانية والزمانية، ومن فضاءاتها استلهمت العديد من قصائدي وكتبي، ولم يكن هذا الكتاب هو الثمرة الوحيدة لها بل إن مسرحية قتيلة ودمنة شرعت في كتابتها في طنجة التي أسرت بسحرها وبموقعها المتفرد الكثير من الكتاب، وألهمتهم التمرد والكتب! ويبدو أن طنجة الملهمة قد أثّرت بي تأثيرا عميقا أنا أيضا! حتى تمنيت لو أملك قلبا دائما في طنجة، أعني بيتا قبالة الأندلس تماما!
 
وبخصوص هؤلاء الأعلام الذين وقعوا في عشق طنجة، فقد صدر أخيرا كتاب عن حلقة رواة طنجة، وفيه يتحدث الكاتب الجامعي المغربي عن بعض الكتّاب من رواة طنجة وهم: بول باولز، العربي العياشي، محمد المرابط ومحمد شكري· لكن أيامي في طنجة لا تؤهلني بالطبع لمنافسة هؤلاء الذين عاشوا في أسرارها سنوات طويلة، وإن كنت أغبطهم على ذلك الانغماس اللذيذ بالمكان!
 
ومن أشهر كتّاب طنجة، الذين عاشوا وماتوا فيها أيضا، الفرنسي جون جينيه· لا أدري إن كنت قد استلهمت تراث طنجة الكتابي، لكنني متأكد من أنه لم يؤثر بي مكان في حياتي مثل طنجة· ففي طنجة يستدعي المرء آلاف الحوادث التاريخية· وفيها يقترب الجسد العربي من نهايته ليحاذي الجسد الأوروبي! بل يكاد يلامس كتفه!
 
ونحن العرب للأندلس لدينا مكانة خاصة لذا يصبح هذا الممر والمعبر إليها ذا أهمية نفسية···· حزينة!
 
أعترف الآن بأنني عندما قرأت كتابي السجينة لـ مليكة أوفقير و حدائق الملك لـ فاطمة أوفقير اهتز المكان والزمان داخلي، بل إن هذين الكتابين قد أحدثا داخلي زلزالا عميقا، وانجرحت العلاقة الساذجة الأولى مع المغرب· ولقد بقيت مدة طويلة بعد قراءتي لهذين الكتابين، مثلما حدث لكل من قرأهما، تحت تأثيرهما الطاغي في كل مرة كنت أستدعي المغرب· قصة هذه العائلة المنكوبة، مثال على تراجيديا المواطن في بلادنا حيث يبلغ الألم مداه· هل كانت هذه العائلة ضحية الأب الذي يتهمه خصومه بتذويب المهدي بن بركة بالأسيد؟! النظام؟! أم الزمان والمكان معا!؟
 
عموما قضية بن بركة وأوفقير والسجناء المختفين أثّرت للأسف الشديد على صورة المغرب كبلد التسامح والتعايش، التاريخ والآثار والمدن العتيقة· ونرجو أن لا يطول الوقت لنرى أزمنة مختلفة في هذا البلد·
صفحة 3
ربطني بالمغرب رابط قوي جدا وهو الدم حيث امتزجت الدماء المغربية عن طريق زوجتي بدمائي لتتكون من خلال أولادي عائلة مشرقية مغربية! وهذا التزاوج أثّر في مجمل حياتي· حتى المطبخ قد تغير فأصبح مزيجا من المطبخ الخليجي والمغربي! بل إن الشاي الأخضر أو كما يسميه أهل المغرب الأتاي قد حلّ في بيتنا مكان الشاي الأسود!
 
لكن ليس درجة القربى ما جعلني أحب هذا البلد على نحو خاص، فكل المغاربة الذين التقيت بهم في المغتربات، وحتى قبل أن أرى المغرب، أثّروا في حياتي عميقا· فهم مثال للطيبة والكرم وللإنسان المهاجر المكافح، لذا فالجالية المغربية في مختلف الدول التي استقروا فيها هم في الواقع أكثر الجاليات حبا للسلام على الإطلاق، بل أكثرها حبا للعمل· فالمغربي بطبعه إنسان مسالم، يندمج سريعا في المجتمعات ويعطيها الكثير بالقدر الذي يأخذ منها في علاقة تبادل مع الآخر نادرة·
 
كل المدن المغربية أثّرت بي بشكل أو بآخر· ومنها كلها أفدت· والمغرب من البلدان النادرة التي تتنوع أجواء مدنه وقراه، فلا مدينة تشبه الأخرى، كل مدينة لها خصوصيتها، تاريخها، تراثها ، ونكهتها! وهذا ما يجعل السياحة في المغرب من أثرى السياحات·
 
أما أن تكون طنجة قد جذبتني أكثر من غيرها فلهذا الانجذاب في الحقيقة قصة طويلة، لكن هذا لا يعني أن المدن الأخرى مثل فاس والرباط وغيرها لم يكن لها سحرها وألقها، بل على العكس ففي الإختلاف غنى طرد ملل التكرار والتشابه·
 
لكن طنجة هي بلد الرحّالة الشهير شمس الدين الطنجي ابن بطوطة الذي تحل الذكرى المئوية السابعة لمولده هذا العام، وكان قد بدأ رحلته الشهيرة التي استغرقت أكثر من ربع قرن انطلاقا من طنجة! ومن المصادفات أو المفارقات الساخرة في الحقيقة أن يأتي الناس من كل مكان لكي يكتبوا عن طنجة مدينة ابن بطوطة! بينما ابن طنجة كتب عن بلدان وبلدان عبر رحلاته في قارات العالم القديم! بل إن رحالة الزمن الحديث مثل (جينيه وتينسي وليامز وبول بولز) أصروا ألاّ يفارقوا مدينة ابن بطوطة بعد وصولهم إليها! (هل هذا من أسرار الزمان والمكان في المغرب!؟)·
 
وأعود إلى أدب الرحلات فهو عموما أدب عريق جدا، لكن كان قد غلب عليه في الماضي السرد والوصف، وهو أمر كان يستدعيه عنصر الدهشة الذي ينتج عن قلة وسائل الاتصال بين مدن العالم وتباعد الجغرافيا آنذاك، لذا كان عنصر المفاجأة كبيرا، وكان للأشياء سحرها الخاص، وللاختلاف نكهة مثيرة، لذلك لم يكن ثمة من وسيلة لنقل ما يحدث في أي مكان في العالم القديم سوى ما يكتبه الرحالة، وليس كل الرحالة بالطبع كتّابا! فالرحالة العاديون ينقلون ما يرونه من عمران وعادات وتقاليد وأنماط سلوك وأزياء وغير ذلك شفاهة، لذا تصبح أغلب رواياتهم بعد أن يتداولها الناس مبالغا فيها، بل أشبه بالأساطير· أما اليوم فإن العالم قد أصبح أصغر مما نتوقع، وتنقل إلينا الكاميرا كل ما دار ويدور في العالم· لم يبق شيء إلا والتقطته هذه الآلة الجهنمية: العدسة! التي يقال إن أول من اخترعها هم البابليون!
صفحة 4
هذا النوع من الكتابة لا أدري إن كان من الصواب أن نطلق عليه كلمة أدب!؟ وهل هو توثيق؟ أم كتابة تاريخية أم تسجيل لانطباعات عن المكان؟!
 
المهم أن مشاهدات هؤلاء الرحالة عن العادات والتقاليد وجغرافية المكان والآثار، والديانات والنشاط الزراعي والصناعي والتجاري وأدواته المختلفة، بالإضافة إلى المعتقدات والأساطير والموروثات الشعبية، وغيرها كثير هي التي خلّدت لنا صورة شبه دقيقة لمجتمعات تلك العصور وليس فقط اللقى والآثار·
 
أيا كان النوع الذي ينتمي إليه هذا الكتاب، سواء كان مذكرات أو مشاهدات أو رواية أو انطباعات، أو تدوين شبه دقيق لآثار رحلة على النفس، فإنه تسجيل للحظات إنسانية ليست عابرة بكل تأكيد، على أن أدب الرحلات أدب عربي أصيل، أتمنى أن نعيد إليه مجده السليب! لأن أوروبا الاستكشافية، التي كتب عنها الراحل إدوارد سعيد في الاستشراق، قد أفزعت العالم لقرون عديدة بعبقرية استكشاف الأخر في وقت كان العرب قد تراجعوا وانطفأت شمس كل شيء لديهم بما في ذلك أدب الرحلات· لكن استكشاف العرب كان تسامحا واعتدالا، واستشراق الغرب، لا أقول كل الغرب، لأغراض لا إنسانية كما ثبت إبان العصر الإمبريالي واستعباد الشعوب· وفي وقت لاحق ورث علم الإنسانيات أو ما يسمى بـ الأنثروبولوجيا الاستشراق، لكن الأنثروبولوجيين محايدون وباردون اهتموا تقريبا بالمعاينات العلمية، وغلّبوا الرصانة على أي شيء آخر!
 
وهكذا كان العرب شغوفين بالآخر، من الجغرافيين إلى المؤرخين مرورا بالأدباء والكتاب، مولعين بمعرفة كل شيء عن الحضارات التي سبقتهم· واليوم انتشر العرب في كل الدنيا وارتادوا الآفاق! ليس دائما بمحض إرادتهم! فهناك الكثير من الأدباء والكتاب والشعراء والعلماء والمترجمين، ومن كل علم وهواية قد توزعوا في كل القارات، ولم يبق بلد في العالم لم يصل إليه عربي! لذا كم هو حري بنا أن نحث هؤلاء على الكتابة كما فعل أجدادهم العظام من قبل عن الأمم والثقافات والحضارات التي مروا بها، بل إنهم مؤهلون اليوم كما لم يكونوا من قبل، حيث الكثير منهم قد استوطن وحمل جنسية البلد التي عاش فيها طويلا وعرف تفاصيل حياة أهلها وتكلم بلغتها، أي أنهم يمتلكون اليوم أدوات جليلة الأثر لم تتسن لمن كان قبلهم· إننا بحاجة إلى معرفة الآخر معرفة عميقة وإنسانية لا تكتفي بتلك المعرفة السطحية التي تقدمها لنا وسائل سريعة مثل الصحف وشاشات التلفزيون· لذا أعتقد بأن مشروع الآخر الذي نتولاه في دار الدوسري سيقدم فرصة نادرة لنا لكي نكتب······· نكتب······نكتب عن الآخر!
 
أحمد الدوسري
 
الدوحة / 14 / ديسمبر2003
صفحة 5
الخروج من جنيف
 
الخميس 11/4/1996
 
استيقظنا هذا الصباح في الساعة السادسة، على صوت الأذان الصناعي!
 
المؤذن كان فوق رأسي مباشرة، تم تعليقه حتى لا تصل إليه أياد غير مرغوب فيها·
 
صليت الصبح ثم تمددت قليلا أتلو أذكار الصباح، ريثما تتفتّح سريعا ساعة السابعة صباحا· تفتّحت فتناولنا إفطارنا في السابعة والربع:
 
جبن، شاي، زبدة، وقهوة بالحليب والخبز المحمص·
 
وجبة إفطار كلاسيكية لكنها تمنح المرء حيوية في هذا الوقت من الصباح·
 
في الثامنة نزلت إلى البريد، كان لا بد من تصوير بعض الأوراق وإرسال بعض الرسائل: رسالة إلى الجامعة أطلب فيها إتمام عملية المعادلة لشهادة الماجستير، وأخرى إلى عمي في الكويت، أرفقت معها صورة لعائشة باللباس الكويتي القديم، كان هدية من عمتها في الكويت· لباس التقاليد المتمثلة بـ بخنق + ثوب كويتي قديم مطرز كان سيمنحها هوية ضائعة لبعض الوقت!!
 
كان الجو منعشا، لا شمس، لكن لا غيم أيضا، بدأ هذا الصباح في منتصف اليوم، الشوارع ربع مزدحمة ولا يزال عالقا بها سبات قليل من بارحة متفحمة·
 
رجعت سريعا إلى المنزل، هناك كان كل شيء قد اختبأ في الحقائب، حتى قلبي· استدعينا التاكسي، كان أسرع من البرق أمام باب البناية: سد الطريق·· السائقون بعيون الصباح يعربدون، يتمخترون بخدود من الليلة الفائتة····· لا ردة فعل، حتى سائق التاكسي، كان شيئا يدعو إلى الغرابة، فالناس في الستين يصبح الكلام من أولوياتهم الصباحية، بل دروسا صباحية مقررة ينفثونها في الهواء··· غير أن سائقنا كان استثناء نادرا في جنيف، وهذا بحد ذاته كان بالنسبة لي مؤشرا على يوم سعيد بلا شك· وضعت الحقائب في صندوق السيارة المشروخ بفعل فاعل خير! لم أرض أن يحمل هو الحقائب، حملتها، حقائب بدائية بالإضافة إلى حقيبة ظهر، وحقيبة شخصية لا تتمتع بأي مزية استثنائية، ناهيك عن أن سمعتها سيئة للغاية!!
 
عائشة
 
أمها
 
أنا،
 
انطلقت السيارة··· ببرود أعصاب وبرودة الطقس!
صفحة 6
فشهر أبريل لا يزال يلوّح لنا بالبرد، وشهر أبريل هذا عدا عن كونه كذابا! أو مشهورا بالكذب··· فهو لدى السويسريين غدّار أيضا! وهناك مثل سويسري يقول:
 
En avrile ne découvre pas ton enfant (fils) d'un fil ، أي في أبريل لا تجرد طفلك من ملابسه! فلا يخدعنك طقس أبريل فتخفّف من ملابس طفلك!!
 
ويقال إن بقية شهور السنة لا تكذب· ابريل وحده يكذب؟ أما لدينا نحن العرب فأعتقد أن السياسيين يكذبون طوال أيام السنة!
 
- هل كان هذا الترام رقم 31 في سنوات السبعينات؟
 
- ربما قبل ذلك التاريخ····
 
- لماذا أزالوه ثم فكروا بإعادته في التسعينيات؟
 
- الحكومة الجنيفية رأسها يابس بالمرة مسيو!
 
- آه······ فهمت···· مسيو!
 
إنها الحرب الآن بينها وبين الخطوط الجوية السويسرية···· على الراكب في جنيف!
 
حسنا····
 
نظرة أخيرة···· على شوارع جنيف التي تكون في مثل هذا الوقت من كل عام على أهبة الاستعداد لاستقبال سواحها القادمين من كل البلاد العربية!!
 
ثم ساد الصمت حتى المطار إذ لم يكن الرجل مشجعا على تبادل نسائم الحديث، نزلنا، دفعنا 23 فرنكا ثمنا لمشوار لم يستغرق دقائق·(1)ثم دفعنا بالحقائب على السير المتحرك، أعطتنا السيدة المضيفة الأرضية بطاقات الركوب ثم دلفنا إلى قاعة الانتظار من العاشرة والربع حتى الحادية عشرة إلا ربعا حيث نادوا أسماءنا في الميكرفون·
 
مشكلة جديدة··· دائما!
 
- نعم
 
- آه
 
مفاجأة·······
صفحة 7
فهذه المرة سنتمتّع بخدمة متميزة! فوجود طفل معنا، أي عائشة، منحنا ميزة الدخول إلى الطائرة أولا، وهذه والحق يقال من كرامات عائشة التي بدأت تظهر مبكرا جدا!!(2) إذ هذه كانت المرة الأولى التي أكون فيها أول الداخلين إلى الطائرة!! أول راكب على الإطلاق······
 
- متعة
 
ثم في الحادية عشرة صباحا و21 دقيقة بدأت الطائرة بالتحرك·
 
طلبت قبلها صحيفة اللوموند إذ كنت قد نسيت صحيفتي المفضّلة جورنال دو جنيف في قاعة الانتظار!
 
ربطنا الأحزمة، أقلعت الطائرة، يا للإقلاع، آه···· نعم، الإقلاع من الأرض إلى السماء· لو أن لقلبي محركات نفاثة، لطار هو الآخر، لن أدفع عنه أرضية للمطار، أعني لقلبي!
 
في الطائرة الركاب من كل جنس، من شرق آسيا وحتى أمريكا اللاتينية، مرورا بالطبع بمغتربين من أصحاب الملامح غير المحددة جراء تباشير العولمة! رأساً لرأس، لونا للون، الجميع منحشرون في هذه العلبة الجميلة: الطائرة·
 
الطائرة الآن تحرق السحاب، مطب جوي خفيف، ثم ارتفعنا فوق السحاب، يا للسحاب يا لصنع الله··· سبحان الله· ما هذا العالم الأبيض، مثل الثلج، ندف من الثلج معلقة في الهواء، من علّقها ها هنا؟!
 
تركنا جنيف بين الجبال في تلك الوهدة التي لطالما تسببت في صداع مستمر لكثير من الناس، كيف يقف هذا السحاب؟ كيف يمشي·· بعكازين؟! بكرسي متحرك؟ على ظهر من؟ على متن أية طائرة مدنية، أين يذهب في الليل هذا السحاب المسخّر؟
 
إنها الظهيرة تماما، بلا تأخير تقريبا هذه المرة عن أمس، حلّت الظهيرة بنا أمس في موعدها المتفق عليه مسبقا، لا تطمئنوا كثيرا لذلك، مرات عديدة جاءت الظهيرة قبل موعدها، في التاسعة صباحا! ومرات أخرى بعد موعدها····· تأتي مثلا في الثالثة عصرا، قلة انضباط مدهشة في مواعيد الشمس·······
 
ثم ما هذا السحاب؟ من هنا ينزل المطر على رؤوسنا، وأحلامنا وهامات قلوبنا المقرفصة·
 
- طيب····· كنت أعتقد أنه يأتي من أعلى من ذلك؟
 
الآن صرنا فوق المطر، المطر تحتنا····· من سيصدق ذلك؟
 
عندما سألتقي أمي سأحكي لها عن المطر الذي كان تحتنا؟! لن تصدق·····!؟
صفحة 8
الركاب صامتون جميعا·
 
ما الذي عساني أن أعتقد···
 
لا أعتقد شيئاً···
 
ما الذي ينتظرونه بالضبط؟!
 
لا يسكت الناس إلا انتظارا لشيء·
 
بعد دقائق جاءت المضيفات··· وزّعن الوجبات····· آه هذا ما كنا ننتظر، حقا إنه الجوع···
 
لقد كان جوعنا قريبا جدا من السماء!
 
قطع من صوصج اللحم البقري·· هل مجنون هذا اللحم!
 
الله يستر؟!
 
ربطنا الأحزمة
 
توكلنا على الله
 
أكلنا·····
 
جزر مطبوخ جيدا، وشرائح خضراء، لو يبست ربما حسبتها أحزمة، أو حمالات بنطلون! لكنها للأسف مع ذلك ليست سوى مكرونة، نوع من أنواع المعجنات·· السويسريون لديهم شيء فاخر منها، كل شيء غاطس حتى أذنيه في مرقة لذيذة، تناولت قطعتين إضافيتين من الخبز، زوجتي أخذت واحدة، جبنة، زبدة، كالعادة، ثم الحلو، كأس من مياه Evian المياه المعدنية الطبيعية من منطقة إفيان في فرنسا، ثم كأس من القهوة المرة جدا، هذه المرة أيضا، كما في كل مرة، لا أطيقها أكثر مرارة من تلك التي كانت على الأرض···
 
عائشة لم تأكل
 
نامت قليلا لكنها سرعان ما استيقظت لمزيد من المشاكسات والمماحاكات·
 
والآن··· بدأ الركاب في تناول الكلام وتبادل المواعيد، أما الكبار ومتوسطو العمر فقد فتحوا صنابير الثرثرة، امرأة مسنة من القرن الماضي، تتمشى في الممر! اعتادت فيما يبدو على ذلك طيلة مائة عام، لذا لم تستطع الانتظار، الأهم أنها: حافية تماما إلا من غطاء على الرأس يشبه غطاء مصري فرعوني··· لكنها مع ذلك ليست مصرية، سويسرية على الأرجح·
صفحة 9
امرأة ليبية في العقد الخامس من عمرها أصيبت باضطراب، لا تريد رؤية السحاب··!
 
أمسكتها ابنتها···، وغطت عينيها بيدها:
 
- انتهى الأمر يا والدتي!
 
امرأة ليبية معنا في الطائرة· كيف سمحوا لهذه العائلة بالركوب : امرأة ورجل وابنتهما أليس الحصار مضروبا عليهم!!
 
لم أجرؤ بالطبع أن أسألهم عن هذا الامتياز بالركوب على ظهر الطائرات وهم المتهمون دوليا بتفجيرها·····!؟
 
- مؤامرة!
 
قال لي صديقي الليبي الذي مات بنبرة الأحياء:
 
- أنا أعرف المتهمين شخصيا، لا يمكن أن يكونا قد فعلا ذلك·· صدقني مؤامرة··· إنهما طيبان للغاية!
 
- يا صديقي عبدالله··· العالم بأسره مؤامرة···!
 
استمرت عائشة بالبكاء تعبيرا عن أي شيء!! الرجل الليبي بنظارات··· يضع يده على خده ملتهما الأفق، ساذج تماما مع الأسف··· أي أفق هذا الذي ينتهي عند كابينة القيادة!؟
 
- لأي سبب سينتهي العالم؟
 
- أنا شخصيا أعرف أسبابا كثيرة من مبررات لا بأس بها لكي ينتهي هذا العالم؟
 
قال الكابتن إننا فوق تولوز··
 
ثم بعد ساعة تقريبا، أصبحنا فوق اسبانيا، حمراء جدا من هذه الأعالي، من هذا المستوى، يمكن لقلبك أن يحزن بلا مواربة·· ما هذا الأحمر؟ دم··!
 
- دمع!
 
- أخضر···
 
- موتى معشبون··· ليس إلا!
صفحة 10
من المؤكد···· تقول الوثائق الأخيرة التي اشتراها المؤرخ الإسباني ووضعها في كتاب المورسيكيون وإرهاب الدولة، إن إسبانيا ومعها البحر الذي يفصلها عن المغرب العربي قد امتلآ بالدم، الممزوج بالكراهية الشديدة·
 
- هل نحن إرهابيون؟
 
- في أي مرحلة من تاريخنا كنا كذلك؟
 
- مع من؟
 
- ضد من؟
 
- هل كانت إسبانيا مستعمرة!
 
- لصالح من؟
 
إسبانيا التي قطعتها مرة بالسيارة (كانت من نوع فيفيه 48)········ قبل ثلاثة أعوام··· في وقت قياسي· في الحقيقة، تم ذلك في حزن قياسي، إذ قطعتها في تلك الرحلة إلى سبتة ومليلة، حيث جبل طارق مثل مسمار في حنجرة العالم الإسلامي، أقول قطعتها في مدة قصيرة نسبيا:2004 عام من سقوط غرناطة!! لم أستطع أن أدخلها····!
 
لكنني تشممت الطرقات إليها وحلمت كثيرا في الليلات التي بتّ فيهن على الأرصفة··· أرصفة السفر السريع، والحزن السريع، منذ أن اجتزت فرنسا وتركتها خلفي، دخلت في هذه الغيبوبة الخرافية التي كنت أحلم بها على الدوام: الأندلس غرفة الإنعاش الضخمة المزدانه بالنخيل ثم فجأة: أعلن الكابتن أننا فوق جبل طارق···· ما الذي قاله لهم طارق بن زياد؟! هل رفض الصعود على متن الطائرة السويسرية؟
 
- هذا الفردوس غير قابل للرد!
 
- ولا أنا أيضا···
 
- حتى قلبي لا يُرد····· البتة!
 
نحن الآن فوق التاريخ مباشرة· أي : على ارتفاع 10 آلاف قدم فوق التاريخ··· الزمن: المخلوق الوحشي· الوحش الكاسر أو الآسر الذي يأبى أن ينقرض كما انقرض شقيقه التوأم : الديناصور!
 
وكانت الجغرافيا أيضا هناك· لكنها مدينة مسننة ومسنّة، وكان الجبل يرتفع من تلقاء نفسه تماما، تلقائيا جدا كان معنا رغم الجدار·