صفحة 1
مقـدمـة:
يعّد شباب الجامعة في أي مجتمع هم قادة المجتمع في المستقبل المنظور وعليهم سيقع العبء الكبير في تطوير المجتمع وتقدمه في مختلف المجالات وهم من أهم الفئات الاجتماعية تأثيرا وتأثرا بالتنمية والتحديث والتغيرات الاجتماعية التي تصاحب تلك النشاطات وتشكل قيمهم واتجاهاتهم التي اكتسبوها خلال التنشئة الاجتماعية في مختلف مراحل حياتهم حيث يمر الفرد بمراحل نمائية هامة ومتتابعة من النمو والتطور ذلك ما ظهر جليا في نظرية أر يكسون عن النمو النفسي الاجتماعي، مؤكدا أن كل مرحلة نفسية اجتماعية تتصف بأزمة معينة في العلاقات الشخصية الاجتماعية وقد أطلق أر يكسون، (1963م) على مراحل التطور المختلفة تسميات من واقع الأزمة الخاصة بكل مرحلة ونوع الحل الذي ينتهي إليه الصراع حيث تتميز كل مرحلة بإنجازات لابد أن تتخطاه قبل أن ينتقل الفرد إلى المراحل التالية ووجود هذا التحدي للإنجاز لا يعني غياب التحديات التالية والسابقة تماما في ذات الوقت، ولكنه يعني أن هذا الإنجاز يأخذ مكان الصدارة بالنسبة لغيره، وانه كلما كان اكتماله تاماً كلما كان التفرغ للإنجاز التالي اكثر (شعلان، 1985م: ص9).
لذلك فأن (أر يكسون Erikson E) كان على صواب، حين جعل من أزمة الهوية Identity Crisis مفتاحاً لفهم نفسية الشباب المراهق ؛ حيث تعتمد نظريته على فكرة محورية هي تطور هوية الأنا كنقيض لتشتت الأنا، وهو يعني موقف الفرد الواضح تجاه العالم، وفهمه الواضح لدوره. وحدد أريكسون ثمانية مراحل تغطي النمو الاجتماعي، وتنتج الازمات والمشكلات في كل مرحلة عن الضغوط الاجتماعية، ويجب أن تقابل بالحلول حتى ينمو الشخص نفسياً واجتماعياً، (غانم، عزة محمّد، 1998م،ص: 28 – 29).
وهو يرى أن ذلك أمراً في غاية الصعوبة، وفي عالم سريع التغير اجتماعياً ؛ حيث الفجوة بين الأجيال تجعل أدوارهم المتوقعة مختلفة. ويكون الاغتراب تشتت الأنا، الناتج عن عدم القدرة على صياغة وتطوير وجهة نظر متماسكة نحو العالم، وموقف الفرد منه (الأشول، عادل، 1985م: ص 38).
الشباب العربي يعاني من الاغتراب الحاد، لعدم وضوح الرؤية أمامه، والازدواجية في الحياة التي يعيشها ؛ الازدواج في القدوة والتربية، وجميع المجالات التي تسهم في تكوين شخصية الشاب العربي ونسيجه الفكري.
وهناك صيغة أخرى لاغتراب الشباب نجدها لدى الفيلسوف الالماني (شيللر) عن الإنسان الممزق الذي أنفصلت لديه المتعة عن العمل، والوسيلة عن الغاية، والجهد عن العائد، وهذا يحدث حين يشعر الإنسان بعدم الإنتماء للمجتمع الذي يعيش فيه، ومن مظاهرها (تجارة العملات،السمسرة وتجارة العقارات،ويصبح الأثرياء من غيرالمنتجين والذين يتميزون بالاقتراب من السلطة والتحايل على البنوك لعقد صفقات مربحة لهم)، وهذا شكل من الفوضى الأخلاقية الموجود في داخل المجتمع (رمضان بسطاويسي1999م،مجلة سطور:ص 15- 17).
والحل هنا برآي المتواضع يأتي من خلال " ربط الجهد بالعائد – ومحاربة أشكال الاقتصاد غير المنتج – والمصالحة بين الجانب الغريزي والعقلي في الإنسان، حتى يمكن للإنسان أن يحقق حريته وتماسكه، ويصل إلى التغلب على وحدته الممزقة.
في المدرسة، وهي أهم المؤسسات التربوية، يتلقى الشاب أنواعاً من القيم والآراء المتناقضة المتنافرة، ويجد مربين ومعلمين مختلفين في الفكر والمنهج والسلوك، وتغدو عملية التربية والتعليم والتثقيف عبارة عن صراع بين البناء والهدم، وتتجمع حصيلتها في ذهن الشباب، لأنه يسمع أفكاراً متناقضة وسلوكيات مختلفة. فهو يسمع في المؤسسات التعليمية عن الأخلاق والفضيلة وضرورة التقيد بهما، وخطورة الخروج على قانونهما. وفي الجانب الآخر يسمع عن الحرية والحياة العصرية، وضرورة التحلي بهما، وعن خطورة الكبت والقيد والقوقعة والتكلس في حمأة التقاليد.
صفحة 2
يسمع الشباب العربي عن الدين وحقائقه وقيمه، وضرورة قيام المجتمع على دعائمه، والاستعانة بمناهجه، وقدرته على حل كل مشاكل الحياة. وفي المقابل يسمع عن العلمانية [ Secularism ] التي تتحدث عن الرجعية وضررها والنهضة العلمية، وكيف أنها نسخت العقائد، وعن ضرورة تحرير الفكر من أسر الإيمان بالغيبيات،والاستعانة بالفكر المادي لحل كل مشكلة وتحرير كل أرض.
إن الشاب العربي يلمس ويعيش هذا التناقض الخطير أينما يذهب. في الشارع الذي يسير فيه، أو في الكتاب الذي يقرؤه، أو في المجلات التي يطالعها، أو التلفاز الذي يشاهده (البوضي، محمد رمضان، 1986: ص37 – 39، ورد في الجرموزي، 1992م، ص: 6).
يؤكد هذا الرأي (الصالح، الطيب) حيث يقول لننظر إلى طعامنا وشرابنا، إلى مسكننا وملبسنا، إلى شوارعنا ومدننا، وإلى إذاعتـنا وتلفزيزناتنا، وصحفنا،سوف نجد أن الرموز التي تعبر عن ذاتها هي خليط من أشياء متنافرة:
البرنامج التلفزيوني يبدأ بالقرآن الكريم، وينتهي بفيلم أمريكي. المجلة العربية تبدأ بالأخبار المحلية، ثم صفحات عن الدين، وصفحات عن أخر صراعات الموضة والأزياء في باريس ولندن. ومن مظاهر التناقض سماع أصوات المؤذنين إلى جانب موسيقى ورقصات الجاز، وفي إعلانات الصحف والجرائد اليومية نجد التهاني والتبريكات وفي نفس الصفحة أو الصفحة المقابلة التعازي والمؤاساة، ومن الاغتراب التي يشير إليها (روسو) حين يقلد الناس المسلسلات التلفزيونية في إنتاج حياتهم، بما يساهم في اغترابهم وانفصالهم عن ذواتهم، فيصبحوا تابعين لمفهوم الحياة وصورتها التي تروج لها أجهزة الإتصال المؤسساتية، والإنسان هنا يغترب حين يتمثل هذه الصورة ويصبح تابعاً لها (رمضان بسطاويسي، 1999م، مجلة سطور:ص 15- 17).
هذه الأجواء تؤدي بالشباب إلى الاغتراب والضياع الذي يقودهم إلى الميوعة، الإدمان، وإلى المغالاة في الدين، وفي كل شيء، لأنه يعاني من الهموم والأحزان والقلق الدائم، واللامبالاة، والعجز عن تحمل المسئولية، إن ما يتعرض له الشباب العربي من صراع حضاري، هو نتيجة ما يجدونه من تعارض بين أساليب الحياة والتفكير والقيم الجديدة السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية من جهة، وما يرد إليهم من الغرب من أساليب الحياة والتفكير والقيم التي أفرزتها الحياة الثقافية الحديثة للمجتمعات الصناعية من جهة أخرى (نجاتي، محمد عثمان، 1990 م: ص 24).
قد يصبح كلّ من اللامبالاة والرفض، ناشئ عن مظاهر عديدة، كالإحباط واستمرار الحرمان بحيث يؤدي ذلك إلى ضعف الانتماء، والحياة بفكرة الهجرة كفكرة " سياسية ". وتعني هذه الفكرة أن يعيش الشباب بعقلية المهاجر داخل حدود الوطن (ليلة، علي، 1990 م،ص:3،ورد في مجلة المستقبل العربي، 1990م، العدد 140، ص: 14).
هناك ثلاث تفسيرات لضياع الشباب العربي واغترابه كما ورد عند (أبوعمود1990م):
1. الفجوة بين الأمل والواقع، بمعنى أن اتساع هذه الفجوة، يؤدي حتماً إلى الإحباط وزيادة الشحنات العدوانية لدى الشباب، خصوصاً إذا ما أحسوا أن هذه الفجوة ترجع إلى النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم، فيصبحون مهيئين للبحث عن بديل.
2. اختلاف العدالة التوزيعية، وفي هذه الحالة يتحول الإحباط إلى سلوك عدواني، إذا ما تراءى لهم أن الآخرين من أقرانهم، سواء أكانوا من المتساوين معهم، أم ممن هم أقل إنجازاً، يحصلون على نصيب أعلى من الثروة والمكانة الاجتماعية.
3. الحرمان النسبي، بمعنى أن الشباب يتوقعون ألا تسؤ حالتهم بينما تتحسن أحوال الآخرين في المجتمع نفسه، دونما سبب مشروع، فإذا ما حدث العكس، وهو ما حدث بالفعل في المجتمع العربي، فان هذا الاحساس بالحرمان، ومعه الاحساس بالظلم يولدان غضباً وسخطاً، فيرفضون النظام القائم ويتحدونه ويحاولون اقتلاعه ولو بالعنف(ورد في مجلة المستقبل العربي، 1990م، العدد 140، ص: 14).
يتبين مما سبق أن المغترب يتضمن ملامح منها:
عدم وجود هدف، يرشد مسيرته في الحياة، وينقذه من الضياع.
ضعف في معاييره الاجتماعية (Collestive Norms)، وتهلهل في قيمه ؛ الأمر الذي يجعله عاجزاً عن أقامة حوار بينه وبين نفسه من جانب، وبينه وبين مجتمعه من جانب آخر،فتكون النتيجة العزلة النفسية والعزلة الاجتماعية.
النظرة إلى الحياة نظرة عبثية، وعدم وجود معنى لها.
صفحة 3
شعوره بأنه مجرد من إنسانيته … ويعامل على هذا الأساس، مما يجعله يشعر بعدم الأمان والاطمئنان.
تمرده ورفضه لأية التزامات يضعها المجتمع، ويعمل على مقاومتها بكل السبل.
فقدان الأنتماء سواء لعقيدة دينيه، أو للوطن، بسبب اهتزاز القيم، وعدم اكتراثه بها.
التهافت على المادة، التي أصبحت بالنسبة له غاية وليست وسيلة، ومن اجلها يمكن أن يفعل أى شيء يفسد الحياة.
لعل تحدث موضوع البحث عن الاغتراب والتوافق النفسي الاجتماعي تعّد من انه اكبر التحديات التي يجابهها الفرد والتي تتسم بأتساع مساحتها السيكولوجية وثقل أعبائها الاجتماعية والنفسية خاصة بالنسبة للشباب الجامعي والذين يخوضون تحديات تفرضها مرحلة طبيعة الدراسة الجامعية وقد يترتب على مواجهة الشباب الجامعي لصراع هذه المرحلة الكثير من المشكلات النفسـية والاجتماعية (Learner, 1980:49) لير نر.
يعّد طلاب الجامعة أكثر استعداداً للاغتراب بمقارنتهم بغير الدارسين من نفس العمر وتزداد ثقة الفرد إذا ما واجه تحديات هذه المرحلة بنجاح (Vredenburg, 1988; 63 – فريدنبرج) وفي ضوء ذلك نجد أنه بدلا من أن يمثل الشباب الجامعي قوة دعم ومساندة لمجتمعهم. وهو يسعى للنهوض متجاوزا سلبيات الماضي - نجد أنهم بحاجة لمن يساندهم حتى لا ينتكسوا إلى الإحساس الكامن باليأس (كمال، مرسي 1997م،ص327، دراسات نفسية).
لذلك يفترض إعدادهم لتحمل مسئوليات بناء الأوطان وحل مشكلات المجتمعات فيها، ولأن – مرحـلة الشـباب – هي من أخطر المراحـل العمـرية لما يرافقها من مشكلات النمو أو الرغبة في إثبات الذات أو تحقيق الاستقلالية الشخصية أو الاعتماد على النفس، ومواجهة الحياة بكل ثقة واقتدار- إلا أن الواقع يستدل منه: أن تلك المشكلات النفسية والاجتماعية تعكس نفسها سلبا عليهم، مضافا إليها (أعباء الدراسة، نوعيتها،ومتطلبات ومدى الموائمة بينها وبين الميول والقدرات)،وما يواجهونه في الواقع. فالشباب الذي لا تشبع حاجاته الأساسية المشروعة ولا تعالج مشكلاته، لا يمكن أن يبدع وبالتالي لا يمكن أن تستفيد أمته من طاقاته وبقدر ما يصبح عبئا عليها – إذ تطغي نظرته إلى همومه الذاتية على ما عدها – فينعكس ذلك سلبا على أسلوب تفكيره ومشاعره لنفسه وردود أفعاله تجاه الحياة والناس من حوله وقد تعمم هذه النظرة القاتمة لتشمل ولاءه، لعقيدته وانتمائه لوطنه وأمته والتمرد على كل شيء فيصبح سهل الاختراق – حيث يضمحل المفهوم الإيجابي للذات وتتلاشى مشاعر الاعتزاز والثقة بالنفس – فالعبودية وليدة الحاجة - لذلك كان لابد من إزاحة هذه المعوقات. لاستجلاء أبعاد الحاضر وآفاق المستقبل أمام هذا الجيل لحمايته من مزالق الانحراف وتدعيم شخصيته السوية التي تتفاعل مع قضايا الأمة للانطلاق بها وبثقة ووعي واقتدار نحو غاياتها المنشودة في تشييد كيانها الشامخ بمقوماتها الراسخة الأصيلة من خلال بلورة الرؤى المعيارية والأطر المرجعية التي يحتكم إليها المجتمع على مستوى الفرد والجماعة. (الشرجبي، 1992م: ص6).
أن عدم تأصيل القيم السليمة لدى الأفراد والتناقض بين قيم الفرد وما يجده في المجتمع المحيط به يعتبران عاملين رئيسين في ظهور الشخصية غير السوية التي من أبرز ملامحها عدم التوافق الشخصي وكذلك عدم التوافق مع الآخرين ويظهر هذا الصراع النفسي جليا في مجتمعات غريبة ذات قيم سائدة مختلف عن تلك التي تأصل بها وبالتالي تظهر الشخصية الانسحابية التي من إحدى سماتها التنحي عن الناس والعزلة والشعور بالوحدة أي الشعور بالاغتراب.
الانعزال أو الانزواء (Introversion) هو تعبير عن المواقف الاجتماعية المثيرة للقلق عند الفرد، وعلى ذلك فقد يلجأ إلى الابتعاد عن المجتمع بقدر الإمكان لكي يخفف من حدة القلق. فالمجتمع بالنسبة للشخص المنـزوي أو المنعزل مليء بالعوامل المثيرة للاضطراب والتعاسة، ولذا فأنه يتجنب مصاحبة الناس ويؤثر الوحدة والانفراد في جميع ألوان نشاطه، أي يتجنب كل احتكاك بالآخرين. والشخص الذي يتخذ هذا الأسلوب هو عادة الشخص الذي تكرر فشلة في المواقف الاجتماعية، أي أنه وجد في تعامله مع المجتمع صدّأ وإحباطاً مستمرين، كما أنه لم ينجح في الأساليب الإيجابية التي حاول أن يستخدمها ليعيد التوافق بينه وبين المجتمع (مرسي، سيد عبد الحميد، 1987 م: ص43– 44).
أن مفهوم (الاغتراب) والذي يشير إلى كونه ظاهرة اجتماعية ومشكلة إنسانية عامة وأزمة معاناة للإنسان المعاصر وان تعددت مصادره واسبابه وإذا كانت دراسة الاغتراب مهمة بالنسبة لعامة الناس فتزداد أهميتها بالنسبة للشباب. وذلك لان الشباب في جميع دول العالم محور اهتمام كثير من الكتاب المفكرين والمؤسسات نظرا للدور الذي يمكن للشباب القيام به في زيادة الإنتاج والإسهام في إنشاء حضارة الدول أساس للعمل لأنهم الطاقة المادية والمعنوية الحقيقة لأي أمة (الخطيب، ب، ت، ص 74).
صفحة 4
مشكلة البحث:
من الطبيعي أن الطالب الذي يدرس في بلد آخر غير بلده مهما كانت طبيعة الحياة في البلد الذي يدرس فيه لا بد أن يواجه بعض الصعوبات والمشكلات النفسية بقدر ما يحتوي الشعور بالغربة إحساسا مؤلما بالعزلة والتشكك في النفس والإحباط (رتشارد،1980:ص178). حتى وإن لم يواجه الإنسان مشكلات اقتصادية بالمعنى الحقيقي، فالاغتراب ذاته مشكلة للفرد الذي يترك بلده وأهله وخاصة في عمر الشباب الذي يتراوح بين (19-20) سنة، ويكون اغترابه عن الأهل والوطن لأول مرة، كما هو الحال عند الطلاب اليمنيين الذين قد يعانون من الغربة الداخلية والطلاب العرب الدارسين في الجامعات اليمنية.
يواجه الطالب العربي واليمني الدارس خارج منطقته حالة من الضعف في التوافق النفسي الاجتماعي نتيجة الاغتراب، وصعوبة معرفة الطرق التي يشبع بها حاجاته ويرضى عنها المجتمع الجديد الذي يعيش فيه، وما يلازمهما من ضغوط دراسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وكل ذلك قد يؤثر في حدة شعور الطالب الجامعي بالاغتراب وعدم التوافق.
التعرف على الاغتراب والتوافق النفسي للدارس يعطينا فهما أكثر للشخصية ويساعدنا على علاج حالة الاضطراب التي تحصل عادة في مثل هذه الحالة عند الدارسين الذين أخفقوا في تحقيق أهدافهم الدراسية (الأكاديمية) وبعبارة أخرى عند الراضين أو غير الراضين عن تحقيق أهدافهم الأكاديمية. لذلك يجب على الباحثين والدارسين أن يوجهوا اهتماماتهم نحو دراسة هاتين الظاهرتين اللتين يكون لهما الأثر الكبير في شخصية أفراد فئة من المجتمع لها وضعها الخاص. وعليه رأى الباحث القيام بدراسة العلاقة بين الاغتراب والتوافق وبعض المتغيرات لدى طلاب الجامعات اليمنيين والعرب بالجمهورية اليمنية ؛ أملاً في الحصول على نتائج تساعد في وضع بعض الحلول المرتبطة بالظاهرتين.
برزت مشكلة البحث نتيجة للآتي:
1. ممارسة الباحث لظاهرة الاغتراب أثناء دراسته الجامعية، وفوق الجامعية.
2. ندرة الدراسات اليمنية التي تناولت هذه الظاهرة بالجمهورية اليمنية.
بناء على ما سبق تكمن مشكلة البحث في السؤال الرئيسي التالي:
ما العلاقة بين الاغتراب والتوافق النفسي وبعض المتغيرات لدى الطلاب اليمنيين، والعرب بجامعات الجمهورية اليمنية ؟
ويتفرع منه:
هل توجد فروق بين الطلاب المغتربين العرب، واليمنيين في الاغتراب ؟
هل توجد فروق بين الطلاب المغتربين العرب، واليمنيين في التوافق ؟
أهمية البحث:
أراد الباحث بموضوعه هذا، البحث بما هية الاغتراب، كمن يلقي بحصاة في ماء ساكن تنعكس عليه صورنا فنجد أنفسنا نعيش في جزر اجتماعية وثقافية متجاورة، يفصلها الإحساس بالاغتراب وبالغربة النفسية والاجتماعية في داخل الوطن.
وأراد الباحث التوجيه إلى الخطر المهدد للإنتماء ؛ فيلح حين يتنامى إحساس الأنا بالغربة عن الأنا الآخر، خصوصاً وشرائح واسعة من الشباب ومن فئات أعمار ومستويات اجتماعية مختلفة أضحت تترجم تأكل حس الإنتماء لديها بنزعات استهلاكية أو هروبية تختفي تحت انماط حياتية وافدة وغريبة عن وجداننا وديننا السمح، ولهذا أراد الباحث الكشف عن هذه الغربة والفوضى في طلاب الجامعة اليمني والعربي.
وإذا كان التقدم التقني المذهل في عصر الصورة وشبكات الإنترنت قد الغى المسافات وجعل العالم كله حاضراً في العالم كله دفعة واحدة، فكان هذا البحث محاولة لاكتساب وفهم ووعي يجاوز الرأي إلى الرؤية التي لا ينطفىء معها نور الإنتماء.
1. من خلال هذه الدراسة البحثية الميدانية سوف تفيد في محاول إيجاد هدف يرشد المجتمع إلى ظاهرة الاغتراب وينذره محاولة لإنقاذه من الضياع.
صفحة 5
2. من خلال هذه الدراسة البحثية الميدانية سوف تفيد في محاولة للتعرف على الضعف في المعايير الاجتماعية، وشعور الطالب الجامعي بأنه شيء مجرد من إنسانيته مما يجعله يشعر بعدم الأمان والاطمئنان، وبالتالي سوف نوجه المختصين لأهمية هذه المشكلة لوضع الحلول والتصدي لها.
3. أن ظاهرة الاغتراب وعدم التوافق للطلاب اليمنيين والطلاب العرب داخل حرم الجامعات اليمنية تعُد من الأهمية بمكان، للكشف عن مدى انتشار هذه الظواهر، وعن خلفياتهم وأسبابهم وسبل معالجتهم، قبل أن تنتشر بشكل يهدد المجتمع اليمني بشكلٍ خاص.
إن عدد البحوث التي تناولت هذه الظاهرة بالدراسة تعتبر قليلة إذا قورنت بالبحوث التي تناولت غيرها من الظواهر، وقد يرجع السبب في ذلك أن ظاهرة الشعور بالغربة قد أصبحت ظاهرة معايشة في حياتنا اليومية بحيث لا يمكن الانفصال عنها حتى يمكن إخضاعها للدراسات والبحث، والدليل على ذلك أنه على الرغم من أهمية هذه الدراسة ورغم أن ظاهرة الشعور بالغربة الآن واحدة من أكثر الظواهر تداولا في الكتابات العربية والأجنبية التي تعالج مشكلات المجتمعات الحديثة والمعاصرة ؛ وتأثر الظروف الدراسية والاقتصادية والاجتماعية الضاغطة التي يمرَ بها الطالب على زيادة الشعور بالغربة والانعزال والانفصال عن المجتمع والعجز والعزلة وعدم مشاركة الآخرين وفقدان القدرة على السيطرة وإذا كان الفلاسفة وعلماء النفس ينبهون إلى تزايد الإحساس بالغربة في المجتمعات المعاصرة، فأنه يبدو من استقراء تاريخ الظاهرة أن الشعور بالاغتراب ظهر في كل العصور قديمها وحديثها وفي كل المجتمعات وباختلاف في درجة تقدمها ونظمها السياسية والاقتصادية وذلك لأنها ظاهرة إنسانية عامة مميزة للإنسان.
وتتضح أهمية البحث من طبيعة المشكلة التي يتعرض لها، والتي تتمثل في ظاهرة الاغتراب التي صاحبت الإنسان منذ القدم، وزادت حدتها في هذه الفترة نتيجة للأحداث الضخمة، والمتغيرات الهائلة التي جاءت في غير صالح الإنسان فآثر الانكفاء على ذاته واعتزال مجتمعه، وتخلى عن طموحاته، وتنازل عن أحلامه، كما فقد السلوك الصحيح الذي به يتوافق مع الحياة.
ويحدث الشعور بالغربة نتيجة للظروف والضغوط الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية غير الملائمة ويمكن أن ترجع أسباب الشعور بالغربة لدى الطالب الغائب عن أسرته أو مع أسرته في مجتمع آخر إلى بعض الضغوط الداخلية حيث يصبح الطالب المغترب غافلا عما يشعر به وعما يحبه أو يرفضه أو يعتقده ويمكن أن يصبح عاجزا عن اتخاذ قراراته حيث لا يعرف حقيقة ما يريد، كما يعيش في حالة من اللاواقعية واللامبالاة كما أن شعور الطالب بالغربة عن وطنه يؤدي إلى الشعور بالحزن واليأس والألم، ويمكن القول أن شعور الطالب بالغربة يحدث نتيجة لعدم الانتماء وغياب الأب والأم المستمر نتيجة السفر.
وتبدو أهمية البحث من كون ظاهرة الاغتراب أصبح لها دلالات عميقة قد تؤثر عليهم في كل مجالات حياة الإنسان، وهذا البحث يكشف عن مدى علاقة الاغتراب ببعض متغيرات البحث لدى عينة من الطلاب اليمنيين، والعرب.
إن شخصية الطالب تنطوي على جوانب جسمية ومعرفية وانفعالية ويّعد التوافق النفسي الاجتماعي من الجوانب المهمة لدراستها للوصول إلى الاستقرار والانتقال إلى مستوى أعلى من الحاجات على طريق الوصول إلى تحقيق الذات.
صفحة 6
أهداف البحث:
يجيء هذا البحث لكي يحقق الأهداف الآتية:
1. التعرف على العلاقة بين الاغتراب والتوافق النفسي بحسب متغيرات البحث.
2. التعرف على ظاهرة الاغتراب في المحيط الجامعي في الجمهورية اليمنية ومدى حدتها.
3. التعرف على ظاهرة التوافق في المحيط الجامعي في الجمهورية اليمنية ومدى حدتها.
4. الكشف عن درجة الاغتراب والتوافق بين الطلاب اليمنيين والطلاب العرب، وهذا ما سيسهل على المهتمين بالجامعات من وضع الحلول المناسبة لتجاوز مثل هذه الظاهر المؤثرة سلباً على الطلاب.
5. وضع توصيات في ضوء نتائج البحث تساعد في حل بعض مشكلات الطلاب المغتربين العرب، واليمنيين.
صفحة 7
فروض البحث (تساؤلات البحث):
الفرضية (1): توجد علاقة ارتباطيه عكسية بين الاغتراب النفسي والتوافق النفسي الاجتماعي، ومحاورهما لدى الطلاب العرب، واليمنيين.
الفرضية (2): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب اليمنيين ومتوسطات الطلاب العرب على مقياس التوافق الكلي.
الفرضية (3): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب اليمنيين ومتوسطات الطلاب العرب على محاور التوافق الستة (التوافق الأسري، التوافق الدراسي، التوافق مع الآخرين، التوافق الانفعالي، التوافق الصحي والجسمي، التوافق القيمي).
الفرضية (4): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب العرب الأكثر اغتراباً والأقل اغتراباً في التوافق النفسي.
الفرضية (5): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب اليمنيين الأكثر اغتراباً والأقل اغتراباً في التوافق النفسي.
الفرضية (6): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب العرب ومتوسـطات الطلاب اليمنـيين على مقيـاس الاغتراب الكلي.
الفرضية (7): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب العرب ومتوسطات الطلاب اليمنيين والطلاب العرب على المحاور الستة للاغتراب.
الفرضية (8): توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب الذكور ومتوسطات الطالبات الإناث على مقياس الاغتراب الكلي.
الفرضية (9): توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب الذكور ومتوسطات الطالبات الإناث على محاور الاغتراب الستة (الشعور بالعجز، الشعور باللامعنى، الشعور بالعزلة الاجتماعية، الشعور باللامعيارية،الشعور بالعزلة الفكرية، الشعور بالاغتراب عن الذات).
الفرضية (10): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب الذكور ومتوسطات الطالبات الإناث على مقياس التوافق الكلي.
الفرضية (11): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلاب الذكور ومتوسطات الطالبات الإناث على المحاور الستة للتوافق (التوافق الأسري، التوافق الدراسي، التوافق مع الآخرين، التوافق الانفعالي، التوافق الصحي والجسمي، التوافق القيمي).
الفرضية (12): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب العرب في التوافق النفسي تعزى إلى الجنس (ذكر، أنثى).
الفرضية (13): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب اليمنيين، في التوافق النفسي تعزى إلى الجنس (ذكر، أنثى).
الفرضية (14): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات العلمية ومتوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات الأدبية على مقياس الاغتراب الكلي.
الفرضية (15): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات العلمية ومتوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات الأدبية على محاور الاغتراب الستة (الشعور بالعجز، الشعور باللامعنى، الشعور بالعزلة الاجتماعية، الشعور باللامعيارية، الشعور بالعزلة الفكرية، الشعور بالاغتراب عن الذات).
الفرضية (16): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات العلمية ومتوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات الأدبية على مقياس التوافق الكلي ومحاوره الستة.
الفرضية (17): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات العلمية ومتوسطات درجات الطلبة ذوي التخصصات الأدبية على محاور التوافق الستة (التوافق الأسري، التوافق الدراسي، التوافق مع الآخرين، التوافق الانفعالي، التوافق الصحي والجسمي، التوافق القيمي).
الفرضية (18): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب العرب في التوافق النفسي تُعزى إلى التخصص(علمي، أدبي).
الفرضية (19): لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الطلاب اليمنيين، في التوافق النفسي تُعزى إلى التخصص (أدبي، علمي).
الفرضية (20): يوجد تفاعل دال إحصائياً بين الاغتراب والجنس في تأثيرهما على التوافق النفسي لدى الطلاب العرب.
الفرضية (21): يوجد تفاعل دال إحصائياً بين الاغتراب والتخصص في تأثيرهما على التوافق النفسي لدى الطلاب العرب.
صفحة 8
أدوات البحث:
1. مقياس الاغتراب النفسي – إعداد الباحث
2. مقياس التوافق النفسي والاجتماعي – إعداد الباحث
يتطلب أهداف البحث أداتين، الأولى تقيس متغير الاغتراب، فيما تقيس الثانية متغير التوافق النفسي والاجتماعي.
التعريفات الإجرائية لمصطلحات البحث:
أولاً: الاغتراب
يرى أحمد خيري حافظ (1981م) أن الاغتراب يعني وعي الفرد بالصراع القائم بين ذاته وبين البيئة المحيطة له بصورة تتجسد في الشعور بعدم الانتماء والسخط والقلق وما يصاحب ذلك من سلوك إيجابي أو الشعور بفقدان المعنى واللامبالاة ومركزية الذات والانعزال الاجتماعي وما يصاحبه من أعراض إكلينيكية. (أحمد، خيري حافـظ 1981 م ص31).
ثانياً: التوافق
أما زهران فقد عرّف التوافق النفسي: بأنه عملية دينامية مستمرة تتناول السـلوك والبيـئة (الطبيعية والاجتماعية) بالتغير والتعـديل حتى يحدث تـوازن بين الفـرد وبيئـته، وهذا التوازن يتظمن إشباع حاجات الفرد وتحقيق متطلباته البيئة (حامد، زهران، 1997: ص 27).
المعالجة الإحصائية:
في هذه الدراسـة قام الباحث باستخدام عدد من الوسائل الإحصائية لمعالجة البيانات وفقاً لأسئلة البحث الموضحة في الفصل الأول وهذه الوسائل تشمل الآتي:
1. تم استخدام معادلة آلفا كورنباخ لحساب ثبات المقياسين.
2. تم حساب المتوسطات وللانحرافات المعيارية المتعلقة بمتغيرات البحث.
3. تم استخدام الاختبار التائي (t - test) لعينتين مستقلتين لمعرفة الفروق في الاغتراب النفسي، والتوافق النفسي الاجتماعي، تبعاً لمتغير التخصص، الجنسية، الجنس، وبالنسبة للمقياسين ككل، ولمحاورهما الستة.
4. تم استخدام معادلة بيرسون لحساب معامل الارتباط الكلي بين مقياسي الاغتراب والتوافق وذلك لتحديد طبية العلاقة بين الاغتراب والتوافق.
صفحة 9
حـدود البحث:
سيتناول الباحث تأثير الاغتراب النفسي الاجتماعي وعلاقته بالتوافق النفسي الاجتماعي على الطلاب اليمنيين والطلاب العرب الدارسين في الجامعات اليمنية،حيث سيقتصر في بحثه على اختيار عينة من الذكور والإناث من طلاب الجامعات اليمنية والمتواجدين في أمانة العاصمة صنعاء والمحافظات الكبرى بسبب تواجد الأخوة العرب المدرسين أو الموظفين بمؤسسات الدولة في أمانة العاصمة صنعاء، والمحافظات الكبرى وبسبب تواجد معظم الأقسام العلمية والخدمية وعليه يحدد البحث بالآتي:
1- الجنـس:
من الذكور، والإناث من الطلاب المغتربين والمغتربات من الطلاب العرب ومن الطلاب اليمنيين واليمنيات الدارسين في الجامعات اليمنية.
2 - المستوى التعليمي: المرحلة الجامعية، الدراسات الأولية:
أن اقتصار البحث على الطلبة الذين يدرسون في المرحلة الجامعية الأولية سيساهم في تجانس العينة من حيث المستوى الثقافي وبالتالي في الوعي لمشكلات الحياة نوعا ما، كذلك يعين في الحصول على فئة قادرة على التعامل مع أدوات البحث، وأن الاقتصار على الدارسين في الجامعات اليمنية ينبع أساسا من الالتزام بالمنطلقات النظرية التي تشير إلى ذلك.
3 - المكـان:
من حيث المكان كان أفراد مجتمع البحث من الطلبة الدارسين في الجامعات اليمنية (حكومية، وأهلية) بأمانة العاصمة بصنعاء، وبمحافظة الحديدة، وتعز، وذمار، والحكومية متمثلة بجامعة صنعاء، وبجامعة الحديدة، وبجامعة تعز، وبجامعة ذمار، والأهلية متمثلة بجامعة العلوم والتكنولوجيا، وبجامعة العلوم التطبيقية بأمانة العاصمة صنعاء.
4 - الزمـان:
من حيث الزمان طبقت أدوات البحث في العام الدراسي 99/ 2000 م.
5 - المتغيرات:
الاغتراب - والتوافق النفسي الاجتماعي وعلاقتهما بالتخصص، والجنس، والجنسية.
6 - منهج البحث:
أستخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي الذي يعتمد على الدراسة الميدانية.
صفحة 10
مفهوم الاغتراب:
يشير مفهوم الاغتراب عند الصوفية: أن رحلة الإنسان هي عبارة عن اغتراب دائم، يبدأ بالاغتراب عن وطن القبضة (قبضة الحق) حين أشهدنا الله على ربوبيته في عالم الذر، " ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام موطننا، فاغتربنا عنها بالولادة فكانت الدنيا وطننا، واتخذنا فيها أوطاناً، فاغتربنا عنها بحالة تسمى سفراً وسياحة، إلى أن اغتربنا عنها بالكلية إلى موطن يسمى البرزخ، فعمرناه مدة الموت، فكان وطننا، ثم اغتربنا عنه بالبعث إلى أرض الساهرة … والإنسان في تلك الأرض كالماشي في سفرة بين المنزلتين، ويتخذ بعد ذلك أحد الموطنيين ؛ إما الجنة وإما النار، فلا يخرج بعد ذلك ولا يغترب، وهذه هي آخر الأوطان التي ينزلها الإنسان " (الفتوحات: ج 2، ص:528).
تشير الكثير من الكتابات الفلسفية إلى ان مفهوم الاغتراب قد وجد في الفكر اليوناني القديم وبخاصة عند سقراط " 469 - 390 ق. م " الذي كان بظهوره إيذانا بقيام ثورة عارمة على الأوضاع الفكرية السائدة في مجتمعه مما يدلل على الدعوة للتغير الذي جعل بالمقابل أن أصحاب الفكر المحافظ يتهموه بإفساد عقول الناس عامة والشباب بخاصة وانه خارج عن التقاليد التي تناقش المبادئ المألوفة مثل: الحق، والخير، والجمال، والفضيلة.
وهناك من يرد الفكرة " الاغتراب" إلى افلاطون " 427 -347 ق. م " ونظريته عن الفيض والمثل الأفلاطونية والذي يرى بأن النفس اغتربت عن الآلهة حين سقطت في الخطيئة (اسكندر، 1988م: ص 18).
ومن ثم انتقالها من بعده إلى اللاهوت المسيحي ومعالجتها في كتابات العديد من الفلاسفة الاجتماعيين في أوربا وبخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ثم جاء أرسطو " 384- 322 ق. م "ليكشف أن الاستغلال للثروات هو جوهر الاغتراب، عندما ينظر الناس إلى النقود على إنها غاية ايضا، ويتحول عن طبيعتها باعتبارهـا وسيلة لإشباع الحاجات الطبيعية فتضطرب الحياة الاجتماعية، وتصبح من المستحيل وقد تحولت الوسائل إلى غايات، وهنا يشعر الإنـسان بالاغتـراب (أحمد، متولي عمر، 1989: ص9 - 10).
أما اللاهوتيون: فقد استخدموا مصطلح الاغتراب للدلالة على معان متعددة " كما يوردها الجرموزي " منها:
المعنى الأول: ويمثل مفهوم الاغتراب في اللاهوت اليهودي والمسيحي الذي يعني انفصال الإنسان عن الله، وهناك نصوصا كثيرة في الكتاب المقدس تعبر عن هذا المعنى، نكتفي بذكر مثالين جاءا في العهد القديم من خلال النصيين الآتييـن:
النص الأول: " جاء في العهد القديم: قال فرعون ليعقوب " كم هي سينين حياتك ؟ فقال يعقوب أيام سني غربتي مائة وثلاثون سنة.
النص الثاني: " جاء في العهد الجديد قول بطرس: أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتـنعوا عن الشهوات الجسدية ويقول" فسيروا زمان غربتكم أي حياتكم بخوف أي أن حياة الإنسان على الأرض هي حياة اغتراب عن الله ".
المعنى الثاني: اغتراب الإنسان عن جسده باعتباره عائقا عن الله،لان الروح ضد الجسد ويصرخ بولس "ويحيي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت ".
المعنى الثالث: انفصال الإنسان عن الناس الآخرين.
المعنى الرابع: الاغتراب عن التنظيمات والمنظمات الدنيوية الزائلة التي تخرج عن نطاق المؤسسات الروحية على أساس إن الالتصاق بالعالم الزائف هو انفصال عن الله (اسكندر، 1988 م: ص24-35).