eKtab
EN ع
الاغتراب - دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية
اقرأ عينة مجانية

الاغتراب - دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية

بقلم يحيى العبد الله

صفحة 1
المقدمة
 
يهدف هذا البحث إلى دراسة ظاهرة (الاغتراب) التي تعيشها شخصيات الطاهر بن جلون الروائية، أحد أهم الروائيين في فرنسا، وفي العالم العربي،
 
ولعل في حياته بقعة من الضوء تكشف اغترابه وانتقاله إلى أدبه فقد ولد سنة 4 4 9 1 بفاس، واشتغل سنة 8 6 9 1 بالتدريس بتطوان ثم الدار البيضاء،
 
والتحق بعد ذلك سنة 1 7 9 1 بباريس حيث حصل على الدكتوراه في طب الأمراض النفسية الاجتماعية. وعمل محررا ثقافيا في جريدة (الليموند)
 
الفرنسية. وقد كتب الطاهر بن جلون رواياته باللغة الفرنسية ثم ترجمت إلى معظم اللغات، وجمهوره جمهور فرنسي أوروبي قضلاً عن قرائه العرب،
 
ولقد نظر النقد الغربي إلى الطاهر على أنه قام بتفكيك بنية القهر والتسلط والعبودية والاغتصاب العام للحرية
 
والسلطة والإنسان والعدالة، ويتوزع إنتاجه بين الكتابة الروائية والمسرحية، والشعر والترجمة. حيث وجه الطاهر بن جلون أدواته الروائية المختلفة لتفكيك
 
بنية المجتمع العربي، وفضح وتعرية المسكوت عنه في المجتمع والسلطة الأبوية أو السياسية أو الاجتماعية.
 
ولعل أهمية البحث تكمن في طموحه إلى الكشف عن حالات اغتراب الشخصيات المتعددة وأسبابها والتقنيات الفنية التي وظفت لبناء نفسيتها المغتربة ورد
 
فعلها تجاه عوامل اغترابها، وكذلك انعطافها الباطني للتعبير عن مجرى التجربة العقلية، وهذا ما دعي من قبل (ليون آيدل) بتيار الوعي، لذا فسيبحث في
 
الطريقة التي عبرت بها القصة عن التجربة العاطفية والحسية للشخصيات.
 
ومن الملحوظ والملفت للانتباه في روايات الضاهر بن جلون ظاهرة على درجة كبيرة من الأهمية، تتمثل في وجود
 
شخصيات إشكالية، تعيش واقعا مرا، كشخصيات (زهرة - أحمد)، (زينة)، (عبد القادر)، و(يامنة) وغيرها من الشخصيات، فلقد حاول
 
الطاهر أن يكتب عن لحظات شعورية لا عن شؤون واقع معاش، وهي ما سميت بالرواية الانسيابية : أي الرواية التي تروي حسب ما ينساب في وعي
 
شخصيات الرواية (آيدل، 5 5 9 1)، فأثارت هذه الظاهرة في نفسي تساؤلات عديدة ولا سيما أنها لكاتب واحد. ومنها الأسئلة الرئيسة الآتية :
 
* ما الاغتراب، وماهي أشكاله ؟
 
* ما دوافع اغتراب الشخصيات ؟
 
* ما التقنيات الفنية التي وظفت لبناء الشخصيات ؟
 
* ما ردة فعل الشخصيات تجاه اغترابها ؟
 
وقد فرضت هذه الأسئلة تقسيم البحث إلى مقدمة ومدخل نظري وبابين وخاتمة. وتناولت في المدخل النظري (مفهوم الاغتراب)، وحاولت الإجابة
 
عن السؤال الأول حول مفهوم الاغتراب من وجهات نظر متباينة، ومدى انتشاره في العصر الحديث، وأنواعه (الذاتي،
 
الاجتماعي، الاقتصادي، الديني، المكاني، الوجودي، الزماني، اللغوي). ويشكل هذا المدخل أرضية يقف عليها البحث وينطلق
 
منها إلى ما هو أساسي فيه.
صفحة 2
أما الباب الأول فيحاول الإجابة عن السؤال الثاني، عن دوافع اغتراب الشخصيات وأشكال اغترابها، إذ يبدأ الفصل الأول منه بتناول الاغتراب الذاتي من
 
خلال الشخصية المستغرقة في ذاتها، والشخصية الهاربة من ذاتها، والشخصية الباحثة عن ذاتها، ويتناول الفصل الثاني كذلك ظاهرة الاغتراب الجسدي
 
للشخصيات، من خلال الكشف عن ملامحها المغتربة والمسافة التي تفصلها عن جسدها، تم البحث أيضا في الفصل الثالث في الاغتراب الجنسي
 
للشخصيات من خلال الطقوس الجنسية الاغترابية، وبحثت أيضا في الفصل الرابع في الاغتراب الاجتماعي الذي تعيشه الشخصيات :
 
كاغتراب الفرد عن العائلة و الأقارب والمجتمع وقيمه واغتراب النموذج القيادي لدى الشخصية، كما بحثت ظاهرة اغتراب
 
المرأة في الفصل الخامس، إذ بحثت في القيم الدينية و الاجتماعية المسببة لاغتراب المرأة، ومن ثمة الرجل كمسبب رئيس
 
لاغترابها من خلال (الأب، الزوج، الأخ)، وكذلك بحثت في الفصل السادس في الاغتراب الاقتصادي المادي منه والاستهلاكي، وبحثت في الفصل السابع
 
ظاهرة الاغتراب الديني الذي تعيشه الشخصيات، وتناولت أيضا الاغتراب الوجودي في الفصل الثامن انطلاقا من الولادة (الوجود) ومرورا بالموت
 
(العدم) وانتهاء بمرحلة ما بعد الموت (ديمومة الاغتراب)، ومن ثم دراسة ظاهرة الآخر وفقدان الذات لدى الشخصيات، والشخصية الموجودة في ذاتها
 
(التشييء)
 
أما الباب الثاني فخصِّص للاغتراب والتشكيل الروائي، إذ وُجِّه الفصل الأول منه للبحث في الاغتراب المكاني، حيث تم تناول اغتراب
 
الشخصيات عن المدينة مركز الحضارة الحديثة، ثم في أكثر المدن اغترابا لدى الشخصيات (فاس، طنجة)، وتناولت
 
أيضا مفردات اغتراب المكان (المنزل، المقبرة، السجن، النزل، المسجد، السوق، المقهى)، وتحدثت فيه أيضا عن الشخصية
 
والطبيعة (المكان الحلم) والاغتراب خارج الوطن، وفي الفصل الثاني درست فيه إشكالية الشخصية والزمن من خلال صراعها والزمن، وتتبعت في
 
الفصل الثالث الاغتراب اللغوي (اللغة العارية أو المكشوفة، لغة القرف والتقزز، لغة التشاؤم والتطير، لغة الهزء والتهكم،لغة الحزن والتعلل والانهزام،
 
لغة السؤال، لغة الهذيان، لغة المفارقة، المنولوج).
 
وقد أفردت الفصل الرابع للإجابة عن السؤال الثالث، إذ تناولت فيه تقنية الاغتراب الفنية، وبحثت في تقنية اللون التي وظفت توظيفا ناجحا من خلال
 
(السواد، والبياض)، ومن ثمة تعدّد الرواه المغتربين (اغتراب الرواة) في روايات الطاهر، والشخصية الضبابية والمعادل الموضوعي.
 
أما السؤال الاخير فحاولت الإجابة عنه في الفصل الخامس من خلال البحث في رد فعل الشخصية المغتربة (الوعي
 
بالاغتراب، الارتباط التلقائي بالعالم، الانتحار، اللامبالاة، الانسحاب، الاغتراب المضاد، التطرف الديني، الجنون و
 
الصرع، الثورة والتمرد و الانتقام).
 
وتمثل ضخامة حجم النصوص المدروسة صعوبة لا يستهان بها؛ إذ تجاوز عدد صفحات الروايات الاثنتي عشرة، الألفين بمائة وسبع وثمانين، وتزخر
 
بشخصيات متعددة ومتنوعة ومتشابكة العلاقات.
 
ولم أجد حسب اطلاعي أي دراسة عربية تناولت الطاهر بن جلون بحثا وتحليلا، ويبدو أن المكتبة العربية لم تعتن إلى الآن بالروائي العربي الحائز على
 
أعلى جائزة أدبية في فرنسا، وهي جائزة (الجونكور) عن روايته (ليلة القدر)، أما الرسالة الوحيدة التي تطرقت إلى موضوع الاغتراب عند أديب عربي،
 
هي رسالة (الاغتراب في أدب حيدر حيدر)، فقد تناولت موضوع الاغتراب من مدخل غير المدخل والمنهجية التطبيقية التي تم
 
استلاكها في البحث.
 
يحيى عبد الرؤوف العبد الله
 
1/5/4 0 0 2
صفحة 3
المدخل النظري
 
تعريف الاغتراب
 
الاغتراب لغة :
 
الاغتراب هو الابتعاد عن الوطن، ومعنى غرب: ذهب، ومنها الغربة أي الابتعاد عن الموطن (الرازي، 4 5 9 1، 0 7 4 )، فبذلك ترد الكلمة
 
العربية (غربة) في المعاجم العربية لتدل على معنى النوى والبعد، فغريب أي بعيد عن وطنه، والجمع غرباء، والأنثى غريبة. والغرباء هم
 
الأباعد (واغترب فلان إذا تزوج إلى غير أقاربه، وعلى هذا النحو فالكلمة العربية تدل على معنيين، المعنى الأول: يدل على الغربة المكانية، والمعنى
 
الثاني يدل على الغربة الاجتماعية. (ابن منظور، 0 3 6 ، 9 2 1 )
 
الاغتراب اصطلاحا :
 
يقابل الكلمة العربية (اغتراب) الكلمة الإنجليزية (Alienation) والكلمة الفرنسية (Alienation)وفي الألمانية (Entfremdung). وقد
 
اشتقت الكلمتان الإنجليزية والفرنسية أصلها من الكلمة اللاتينية (Alienation)، وهي اسم مستمد من الفعل اللاتيني
 
(Alienare)، والذي يعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو يعني الانتزاع أو الإزالة، وهذا الفعل مستمد بدوره من كلمة أخرى هي
 
(Alienus) أي الانتماء إلى شخص آخر، أو التعلق به، وهذه الكلمة الأخيرة مستمدة في النهاية من اللفظ (Alius) الذي يدل على الآخر سواء كاسم
 
أو كصفة (شاخت، 0 8 9 1، 36)، ثم تعددت استخدامات المصطلح، ومنها :
 
- تصدع ذهني : ويعني أن اعتلال الشخصية يتوقف على عدم تكاملها، ففي الإنجليزية يشير إلى غياب الوعي، ويشير في الألمانية إلى نقص الصحة
 
العقلية؛ فقد استخدم المصطلح في الإنجليزية بدلالة طبية بأن أشير إلى الشخص المعتل وغير السليم بالمغترب، وما زال يطلق هذا المصطلح في الإنجليزية
 
للطبيب الذي يتعامل مع غير الأسوياء.
 
- الاغتراب الداخلي: وهو مشتق أيضا من الاستخدام اللاتيني والذي يشير فعله لجعل العلاقة الدافئة مع الآخرين علاقة
 
فاترة حيث ورد الاستخدام الإنجليزي ليشير للاستخدام الديني، ثم اتسع الاستخدام ليشير لاغتراب الذات عن واجبها،
 
وفي قاموس إكسفورد الحديث يعني عدم الصداقة، أو اغتراب العواطف.
 
- انتقال الملكية: وتختصّ بانتقال ملكية شيء ما من شخص لآخر، وخلال عملية الانتقال تلك يصبح الشيء مغترباً عن مالكه الأول، ويدخل في حيازة
 
المالك الجديد (الشتا، 4 8 9 1، 32)، فالمعنى القانوني يدل على تحويل ملكية شيء ما إلى شخص آخر، ومعنى هذا أن ما هو ملك لي، وينتمي إلي
 
يصبح ملكاً لغيري، غريباً عني (رجب، 8 7 9 1، 43)، وأصل هذا المصطلح جاء به (كارل ماركس) ويعني به اغتراب ثمرة إنتاج العامل عنه، أي عدم
 
انتماء المنتج لمنتجه.
صفحة 4
ويمتاز مصطلح (الاغتراب) بالغموض والتشتت والإبهام ؛ بسبب تعدد استخداماته التي تشمل جلّ نواحي الحياة، حيث شمل النواحي النفسية والذاتية
 
والاجتماعية والدينية والسياسية والزمانية والمكانية وصولا إلى النواحي اللغوية ؛ وبسبب تعدد مصادر الفلاسفة والمفكرين، الذين قدّم كل واحد منهم هذا
 
المصطلح بناء على فلسفته الخاصة، ضمن مجال بحثه وتوجهاته وفلسفته. (المجالي، 3 9 9 1)
 
ولقد اكتسب المصطلح سمته المعروفة من خلال المفكر الألماني كارل ماركس (MARX,1 9 7 6 ) الذي جعل من العمل وتقسيمه وشروطه وملكيّته
 
ووسائل إنتاجه أبرز العوامل المسؤولة عن خلق ظاهرة الاغتراب، وهذا ما سيناقشه الباحث عند حديثه عن الاغتراب الاقتصادي.
 
نلحظ بعد ذلك من خلال الاهتمامات المعاصرة، تعدد استخدامات المصطلح من وجهات نظر أخرى، كالمدخل النفسي لهذه الظاهرة؛ إذ يختلف تعريف
 
(إيرك فروم) -تلميذ ماركس- في كتابه (المجتمع السوي) 5 5 9 1 عن أستاذه، إذ لم يعالج الاغتراب من الناحية الاقتصادية، بل من خلال المسافة بين
 
الشخص وذاته، من خلال التجربة التي يعيش فيها الإنسان نفسه غريبا، إذ يصبح غريباً عن نفسه، أي إنه لم يعد يعيش نفسه كمركز لعالمه وكخالق
 
لأفعاله - بل إن أفعاله ونتائجها تصبح سادته الذين يطيعهم. ويوافقه (شللر) الذي يرى أن الاغتراب هو التفاوت القائم
 
بين الحالة الفعلية للإنسان في الزمن وطبيعته الأساسية في الفكرة (الشتا، 4 8 9 1، 43) ويرى (ديكارت) الاغتراب من الناحية الذاتية إلا إنه يربطه
 
بعامل الفكر، حيث تعيش الذات تجربة الانفصال في نطاق الأنا الديكارتي (أنا أفكر إذن أنا موجود) (المختار، 8 9 9 1، 42) وتمتد فكرة الانفصال عن
 
الذات في العصر الحديث لتشمل الانفصال عن الطبيعة أو المجتمع، أو الله، فلم يعد الإنسان قادراً على إقامة الجسور التي تصل بينه وبين الآخر، فأصبح
 
بالتالي عاجزاً عن تحقيق ذاته ووجوده على نحو شرعي أصيل (رجب، 8 8 9 1، 6)، فالاغتراب قلق معرفي نفسي خاص بالذات الإنسانية،
 
موضوعه حاضر في الوعي الكوني ماثل فيه تفرضه مقدمات سابقة تواجه الذات وهي نوعان: ذاتية وموضوعية (نور الدين،
 
العدد 3 5 3 ، 31).
 
أما عالم الاجتماع (سيمان) (SEAMAN, 1 9 5 6) فقد وضح حالة المغترب، بأن أشار إلى (فقدان السيطرة : ( control
 
lossing) والتي تعني عدم شعور الفرد أن باستطاعته التأثير في المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها. واللامعنى: (Meaninglessness ) والتي
 
تعني شعور الفرد بأنه لا يمتلك مرشداً أو موجهاً لسلوكه واعتقاده. واللامعيارية : (Normalessness ) والتي تعني الخروج عن المعايير
 
الضابطة لسلوكه والتي تجعله يحقق أهدافه. والعزلة الاجتماعية : ( Social Isolation) الناتجة عن إعطاء الفرد قيما متدنية لأهداف ومعتقدات هي
 
في الحقيقة ذات قيم عالية في المجتمع. وأخيراً الاغتراب الذاتي : ( Self Estrangement) أي عدم القدرة على إيجاد المكافأة والقبول الاجتماعي
 
(الشتا، 4 8 9 1، 6 0 2 )
 
وللاغتراب عدة دلالات حصرها حسن السيد في الجوانب الآتية : دلالة انعدام الغاية أي : ضياع الغاية بالنسبة للفرد، و
 
دلالة انعدام الثقة وعدم القدرة أي وجود من تخاف منهم مما يولد عدم القدرة على اتخاذ القرار، ودلالة الانتقال أو التخلي
 
(Renunciation) أي انتقال شيء ما إلى آخر، ودلالة العزلة (Isolation) أي عدم الاندماج الفكري مع المجتمع لعدم مواكبته حضارياً وفكرياً (السيد،
 
6 8 9 1، 11/31)
 
أما بالنسبة لجهود الباحثين العرب حول ظاهرة الاغتراب، فكل ما يمكن العثور عليه في المكتبة العربية لا يتجاوز مقولات تدل على أنه لم تتشكّل لدى
 
العرب نظرية فلسفية حول مفهوم الاغتراب، فالمقولات المتناثرة تتناول تجارب شخصية تدور حول الغربة التي تعني الابتعاد عن الوطن، أو الغربة داخل
 
الوطن بسبب الفقر كما قال سيدنا علي - كرّم الله وجهه - (المقلّ غريب في بلده)، أو كما قال أيضا (الغنى في الغربة وطن والفقر في
 
الوطن غربة) (الصالح، 7 8 3 1هـ، 9 6 4 /8 7 4 ). أو كالغربة الماديّة التي شعر بها أبو حيان التوحيدي؛ لأن الخلفاء لم يغدقوا عليه بالمادة بينما
 
كان غيره من الكتاب ينعم بها، و ترجع أسباب الشعور بالغربة داخل الوطن أيضا عند ترك المحبوبة لمن تحب، أو شعور الفرد
 
بالاغتراب الذاتي؛ إذ تكمن هذه الظاهرة عند الصوفيين فقط، أما في العصر الحديث فجلّ الدراسات العربية تنهل من النظريات الغربية التي تتناول هذه
 
الظاهرة.
صفحة 5
أشكال الاغتراب
 
الاغتراب الذاتي : (Self Estrangement) ويعني ذلك الإنسان الذي لا يمتلك ذاته (الشاروني، 9 7 9 1، 96) وتعود بدايته إلى الاتجاه العام في
 
أواخر القرن السادس عشر، إذ حدث تحول عن الخضوع للروابط القائمة بين الناس، نحو الاحترام المتزايد للفرد الذي يحويه عالمه الداخلي، معزولاً عن
 
الآخرين، ولم يعد الناس يحكمون على الفرد بمدى تحقيقه لمكانه المقرر في المجتمع، وأخذوا يحكمون عليه عوضاً عن ذلك، كوحدة مستقلة، محتوية ذاتها.
 
(ديلون، 6 8 9 1، 41). وتبدأ فكرة الاغتراب عن الذات بعدم الانتماء إلى المجتمع، فالفرد يغرّب نفسه عن طبيعته الجوهرية ويصل إلى أقصى قمم
 
التطرف في التنافر مع ذاته، فالانتماء يمكن الوصول إليه على مستوى العلاقات بين الأشخاص فقط من خلال الوحدة مع البنية الاجتماعية
 
وبالتالي فإن الفرد بتوقفه عن أن يكون في وحدة مع تلك البنية الاجتماعية يفقد انتماءه، وحينما يحدث ذلك فإن الفرد لا يعود ممتلكاً لناصية جوهره وهكذا
 
فإنه يغرب ذاته عن طبيعته الجوهرية أو يصبح مغترباً عن ذاته، كما يرى هيجل من خلال علاقة الفرد ومجتمعه (شاخت، 0 8 9 1، 1 0 1 )، ولكن
 
شاخت يرى الاغتراب الذاتي من وجهة نظر أخرى تختلف عن نظرة هيجل، إذ يتناول الموضوع من وجهة نظر دينية بحتة ؛ حيث يردّ الاغتراب الذاتي
 
إلى خضوع البشر لضعف إيمانهم ؛ مما يجعلهم يخفون حريتهم عن أنفسهم وينظرون إلى ذواتهم كأشياء (شاخت، 0 8 9 1، 71).
 
ويلتقي كل من (إريك فروم) و(هورني) عند الحديث عن الاغتراب الذاتي ؛ إذ يرد كل منهما الاغتراب الذاتي إلى عوامل
 
داخلية غير مرتبطة بالدين أو المجتمع كما ربطها كل من هيجل وشاخت، أو أي عوامل خارجية أخرى، فيرى (فروم) في كتابه (المجتمع
 
السوي) أن الاغتراب الذّاتي نوعية من التجارب يعايش فيها المرء ذاته باعتباره غريباً عنها، متقاطعا مع هورني (Horney ) التي تعمّقت أكثر في هذه
 
القضية واستطاعت الخروج بنظرة فلسفية مترابطة، وتبدأ هذه الحالة بأن يصبح المغترب غافلاً عما يشعر به حقيقة، وعما يحبه، أو يرفضه أو يفتقده، أي
 
يصبح غافلاً عن واقعه ويفقد الاهتمام به، ويصبح عاجزاً عن اتخاذ قراراته حيث لا يعرف حقيقة ما يريد، كما يعيش في حالة من اللاواقعية، وبالتالي في
 
حالة من الوجود الزائف مع نفسه (محمد، 9 8 9 1، 03)، فإذا ما كانت الذات الفردية والعضوية لشخص ما قد أوقف نموها الطبيعي
 
أو أضفي الغموض عليها أو تعرضت للإختناق، فهي ذات تعيش حالة اغتراب ذاتي (شاخت، 0 8 9 1، 9 9 1 ).
 
أما الاغتراب الاجتماعي (Social Alienation) فيرى أرسطو في كتابه (السياسة) أن كل من كان غير قادر على العيش في المجتمع،
 
أو لا حاجة به لذلك لأنه مكتف بنفسه، فإنه إما وحش أو إله. فيردّ انعزال الفرد عن مجتمعه إلى الدوافع الإنسانية، أو الأنا العليا والسفلى التي تناولها بعد
 
ذلك (فرويد)، دون أن يكوّن أرسطو فلسفته الخاصة حول نظرية الاغتراب الاجتماعي، ولا تغدو كونها ملاحظات حول الموضوع. وتبدأ عملية تحليل
 
الاغتراب الاجتماعي بالعودة إلى بدايات تكوّن هذه الظاهرة، فطالما أن الإنسان في حالته الطبيعية الأولى يتقبل عالم الحواس بصورة سلبية ويعيه عن
 
طريق الحواس فقط، فإنه يظل منتميا لذاته ؛ ولأنه هو نفسه ينتهي إلى هذا العالم، ولن يكون هناك عالم بالنسبة له، ولن تغدو شخصيته شيئاً متميزاً عن
 
العالم إلا حين يخرج هذا العالم من نفسه ويتأمله في وضعيته الجمالية، حينئذ يتجلى العالم أمام ناظريه ؛ لأنه كف عن
 
أن يطابق بين نفسه والعالم كما يرى (شيلر) (شاخت، 0 8 9 1، 97). ويرى (نومان) أن فقدان الوحدة مع البنية الاجتماعية، عقب فقد
 
هذه الوحدة الأصلية وإلى أن يتم تحقيق وحدة جديدة، فإن علاقة الفرد بالبنية الاجتماعية تغدو علاقة تنافر، ويحيل الفرد الفارق في تميزه الذي اكتشفه
 
أخيراً إلى اعتبار البنية الاجتماعية التي كان منتميا إليها من قبل شيئاً آخر بصورة كاملة وينشأ عدم تطابق بيّن في الوعي بين الذات والبنية وينظر الفرد
 
الآن إلى البنية باعتبارها شيئاً خارجاً عنه ومعارضاً له. (شاخت، 0 8 9 1، 89) أما شاخت فيعزو انعزال الفرد اجتماعيا إلى كونه شخصا خلاقا، فربما
 
بحكم كنه كذلك شخص غير متوافق، يضع التقاليد موضع التساؤل أو يخرج عنها، وكلما كانت أصالته أكثر عمقاً ؛ ازداد عمق اضطراره للاغتراب عن
 
مجتمعه (شاخت، 0 8 9 1، 53).
صفحة 6
أما عند حديثنا حول الاغتراب الاقتصادي(Economical Alienation) فلا بدّ لنا من التوقّف عند المنظّر الأوّل كارلس ماركس (Karl Marx) ،
 
والذي يعدّ المنظّر الأكثر شمولية في الحديث حول الاغتراب الاقتصاديّ. ينظر ماركس للاغتراب باعتباره العملية التي يفقد الفرد خلالها قدرته على
 
التعبير عن ذاته التي تحولت وصارت تبدو متمثلة في استغلال إنتاج العمال بواسطة الرأسمالي. (الشتا، 4 8 9 1، 5 2 1 ) فعند الأخذ
 
بتقسيم العمل كما يقول ماركس يغدو لكل امرئ مجال محدد ومغلق لتقسيم العمل مفروض عليه ولا منجاة له منه، فيصبح صائداً للحيوانات أو للأسماك أو
 
راعياً، ويتعين أن يظل كذلك إذا لم يشأ أن يفقد وسائل كسب معيشته. (شاخت، 0 8 9 1، 63) ويذكر ماركس الإنسان المغترب عن ذاته عند تناوله
 
(للعمل المغترب) فمن خلال الانغماس في الانتاج فحسب يصبح وجود الذات متحققاً بصورة واقعية (شاخت، 0 8 9 1، 3 3 1 )، أما إميل
 
دوركايم (DURKHEIM, 1 9 4 6) الذي يختلف وماركس اختلافا طرديا، فإن كان ماركس يرى أن تقسيم العمل سبب
 
للاغتراب، فإن دوركايم يرى أن تقسيم العمل ضروري لتحقيق الانسجام والتماسك داخل القيم الاجتماعية.
 
أما الاغتراب الاستهلاكي ( Consumptive Alienation) فلقد تناوله فروم من خلال نقطتين رئيستين، الأولى تخص طريقة الحصول على
 
الأشياء، أما الثانية فتتعلق بانفصال حاجتنا البشرية عن الأشياء التي نستهلكها... فإذا كنت امتلك النقود فإني أستطيع أن أحصل على لوحة رائعة، بالرغم
 
من أنني قد لا يتوافر لدي أيّ تقدير للفن، إنني أستطيع أن أشتري مكتبة، بالرغم من أنني لا أستخدمها إلا من أجل الزينة، إنّ مجرد ملكية النقود تمنحني
 
حق الحصول على أي شيء أريده والتصرف به كما أشاء. (حماد، 5 9 9 1، 5 1 1 ) وبذلك يسعى الفرد إلى تحقيق وجوده بقدر ما
 
يستهلك (أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك). (فروم، 9 8 9 1، 74).
 
ونبدأ عن حديثنا حول الاغتراب الديني (Religious Alienation) بتعريفه اللغوي، فلقد وردت في مختار الصحاح عدة
 
معان لكلمة (الدين) منها : العادة، والإذلال، والجزاء والمكافأة، والطاعة (الرازي، 4 5 9 1، 7 1 2 /8 1 2 )
 
وقد كتب (ماركس وانجلز) في (الأديولوجية الألمانية، 5 4 8 1) أن الناس في الماضي كانوا يصنعون لأنفسهم مفاهيم زائفة عن حقيقتهم وما
 
ينبغي أن يكونوا، وكانوا ينظمون علاقاتهم طبقاً لفكرتهم عن الله وعن الإنسان السوي.. إلخ... ولكن هذه المفاهيم والأشباح التي صنعتها أدمغتهم خرجت
 
عن سيطرتهم، وخضعوا - وهم الخالقون- أمام مخلوقاتهم. (كرم، 9 6 9 1، 92) كما يوافقهم شاخت الذي يرى أن الإيمان بالعالم الآخر هو عادة علامة
 
على الاغتراب عن هذا العالم وعن المجتمع الإنساني وعن ذات الإنسان (شاخت، 0 8 9 1، 52)، كردّ على فلسفة (تشيليش) التي ترى أن الوحدة
 
الجوهرية تتضمن وحدة الله والإنسان، وتعد الخطيئة حالة من الغربة عن الله. (شاخت، 0 8 9 1، 5 7 2 ).
 
أما الاغتراب الوجودي (Existentialist Alienation ) فيستخدمه نقاد الأدب والفن للتعبير عما يستشعره الإنسان المعاصر من
 
غربة كونية، وما يحسه من زيف الحياة وعقمها، وما يلحظه على علاقات بعض الأفراد ببعضهم الآخر من سطحية واستغلال للإنسانية. (محمود رجب،
 
8 7 9 1، 7)، وتكتسب هذه الظاهرة بعدا زمانيا يمتد إلى بدايات تشكل الحضارات الإنسانية، فهذا أفلاطون مغترب عن المجتمع الأثيني، وعن
 
ذاته أيضا، إذ يرى أن الجسد هو مقبرة الروح، وذلك يعني أن الروح محبوسة في الجسد وأن الحياة هي منفى واحد طويل وأن الخلاص يكمن في الموت
 
وحده، فأن تكون ذاتاً يعني أن تكون غريباً. (شاخت، 0 8 9 1، 22) وكان تشبيه العالم بالمسرح عند أبكتيتوس (05 - 8 3 1 p.m) يأخذ بعدا
 
وجوديا، فالإنسان ممثل في مسرحية اختار المؤلف طابعها العام، فإن أراد أن تكون المسرحية قصيرة، فهي قصيرة، وإن
 
أرادها طويلة فهي طويلة، وإن أراد منك أن تقوم بدور رجل فقير، فعليك أن تلعب الدور بكل ما تملك من قدرات، وكذلك
 
يكون إذا كان دورك دور كسيح، أو قاض، أو رجل عادي. ذلك أن مهمتك هي أن تقوم بالدور الموكل إليك وأن تؤديه على أحسن وجه، أما الاختيار
 
وتوزيع الأدوار فمن شأن إنسان آخر. (محمود رجب، 8 7 9 1، 77)
صفحة 7
ويعانى كثير من الباحثين حالة اغتراب وجودي تترجم إلى مقولاتهم وبحوثهم حول هذه الظاهرة فيعزو (ميدلتون) عدم فهمه لحقيقة ما يحدث على وجه
 
الدقة إلى أن الأشياء أصبحت معقدة للغاية في العالم اليوم (شاخت، 0 8 9 1، 9 2 2 ) ويرى (فروم) أيضا أن الأشياء أصبحت غريبة عن الإنسان،
 
ويرى (ياسبارز) العالم شيئاً غريباً كموضوع للمعرفة، فهو يقف على مبعدة منه... وهو بالنسبة له آخر، فهو موضع لامبالاته.. ولا يشعر بالأمن فيه،
 
لأنه لا يتحدث لغة شيء قريب منه، وكلما اقترب منه شعر بالضياع في هذا العالم الذي يبدو له قفراً كآخر فحسب، ويرى الشاعر الألماني (ريلكه) أننا
 
لا نحس بالإلفة بشكل وثيق في هذا العالم المضطرب (شاخت، 0 8 9 1، 72). وإذ نستقرئ مقولات الفلاسفة والباحثين السابقة،
 
نستطيع أن نرى مدى غربتهم الوجودية، غربتهم ليس عن العالم فحسب، بل عن أشياء هذا العالم، ولكنها مقولات أقرب إلى الملاحظات التي لا تصل إلى
 
حدّ النظريات الفلسفية التي استطاع ( سارتر ( أن يشكّلها ليصبح رائد الوجودية.
 
ويعدّ الاغتراب الزماني ( Temporal Alienation) من الأمور الغامضة ؛ لأن الارتباط بين الإنسان والزمن أكثر غموضاً من الارتباط بينه وبين
 
المكان، فالمكان ثابت نسبيا، أما الزمان فمتغيّر، وبالتالي فتأثيره النفسي على الإنسان أكثر غموضاً أيضاً، فالإنسان قد يشاهد شيئاً معيناً أو يحس بإحدى
 
الحواس الخمس أو بأكثر من حاسة واحدة، بينما يحتاج الإحساس بالزمن إلى الحاسة الفكرية أو الذهنية (منصور، 9 8 9 1،
 
57)، فالنفس الجوهرية عند ديكارت هي الضامن الميتافيزيقي للديمومة الشخصية وهنا نقع في اغتراب آخر وثيق
 
الصلة باغتراب الأنا عن ذاته هو اغتراب الأنا عن ماضيه، فالشك في الذاكرة وعدم الاطمئنان إلى ما تحويه من تجارب ومعارف هو نتيجة حتمية
 
للوجود الآني الخالص (الشاروني، 9 7 9 1، 39)، ويتضمن اغتراب النفس من وجه نظر (اريك فروم) و(هورني) انعدام الصلة بين الفرد وجزء حيوي
 
وعميق من نفسه أو ذاته (السيد، 6 8 9 1، 02) .
 
أما الاغتراب اللغوي ( Linguistic Alienation) فيتناوله فروم وذلك أثناء مناقشته للموقف الذي يصبح فيه المرء واقعاً تحت وهم مفاده أن نطق الكلمة
 
يعادل التجربة، وفي هذا الموقف فإن اللغة تجعل من نفسها بديلاً عن التجربة المماثلة، وبالتالي تكف عن أن تكون ما ينبغي أن تكون عليه أي رمزاً
 
للحقيقة، ولهذا السبب فإنه يصف اللغة هنا بأنها مغتربة (شاخت، 0 8 9 1، 7 9 1 )، فاللغة تصبح مغتربة عندما نقع تحت وهم
 
أن نطق الكلمة يساوي الشعور بها، و يضرب مثالاً على ذلك بكلمة (إني أحبك)، فعندما أقول هذه الكلمة، فإن ذلك يتضمن وجود حقيقة في
 
داخل نفسي هي (قوة حبي) وكلمة حب هي رمز لهذه الحقيقة الداخلية، ولكن عندما تنطق الكلمة فإنها (تبدو حياة بذاتها)، ويتحدث كذلك عن اغتراب اللغة
 
في مجال آخر وهو نقد طابع التجريد الفكري الذي يميز حياة الإنسان المعاصر، فعلى سبيل المثال عندما نقول (أنتج مستر فورد عدداً من السيارات، أو
 
عندما أقول (بنيت بيتاً) فإن مثل هذه العبارة تكون مضللة وتخفي كثيراً في الحقيقة، فالواقع إنني لم أبن بيتي وإنما قام ببنائه أناس آخرون) والملاحظ أن
 
هذا النوع الأخير من خداع اللغة يتحدث عنه ماركوز أيضاً، (فماركيوز) يرى أن المجتمع الصناعي المعاصر يلجأ إلى الاكليشيهات
 
والشعارات والعبارات المرعبة، الأمر الذي يزيف الدلالات ويميع المعنى الحقيقي للأشياء، ويحاول (ماركيوز) أيضا أن
 
يكشف عن الطابع العقلاني الكامن في عقلانية اللغة، فعلى سبيل المثال عندما نقول (تيلر ذو الحاجبين الكثيفين
 
- أبو القنبلة الهيدروجينية) فإننا بذلك إنما نقوم بعملية خداع مقصود يربط بين (التدمير) ومعنى (الأبوة)، فهنا نستخدم الوصف الأول (الأبوة) لمحو حقيقة
 
الشيء الثاني (التدمير) وفي هذا يظهر خداع العقل، وزيف أو اغتراب اللغة عن أداء وظيفتها الأساسية باعتبارها رمزاً للحقيقة. (عبد المنعم، 1 7 9 1،
 
65) فاللغة ليست زاداً من المواد، بقدر ما هي أفق، كما يرى (رولان بارت)
صفحة 8
الاغتراب الذاتي
 
الاغتراب عن الذات هو الحالة التي يصبح فيها الشخص ببساطة غير مدرك لما يشعر به حقيقة، ويحبه ويرفضه، ويعتقده، ولما يكونه
 
في الواقع (الشتا، 4 8 9 1، 7 6 1 )، فينشأ هذا الوضع حينما يطور المرء (صورة مثالية) عن ذاته تبلغ من اختلافها عما
 
هو عليه حد وجود هوة عميقة بين صورته المثالية وذاته الحقيقية، وحينما يتشبث المرء بالاعتقاد بأنه هو ذاته المثالية ؛ فإنه
 
في هذه الظروف لا يعود يدرك ذاته الحقيقية، أما الفرق بين الذات الفعلية والحقيقية، فيكمن في أن الذات الفعلية اصطلاح جامع لكل ما يمثله شخص ما،
 
في وقت محدد، أما الذات الحقيقية فهي القوة الأصيلة التي تسعى إلى النمو الفردي والتحقق والتي يمكننا معها أن نحقق من جديد التطابق حينما تتحرر من
 
القيود المعوقة التي يفرضها العصاب، وتتطوّر فلسفة (هورني) بوجود اغتراب عن الذات الفعلية واغتراب عن الذات الحقيقة، فالاغتراب عن الذات الفعلية
 
يتمثل في إزالة أو إبعاد كل الصورة الآنية أو الماضية للمرء، بما في ذلك ارتباط حياته الحالية بماضيه (الشعور بالخجل - كراهية الذات)، والاغتراب عن
 
الذّات الحقيقية يتضمن التوقف عن سريان الحياة في الفرد من خلال الطاقات النابعة من هذا المنبع أو المصدر، وتصبح الذات الحقيقية خاملة (شاخت،
 
0 8 9 1، 5 0 2 )، ولا تعني الحرية الإيجابية عند (فروم) العزلة، وإنما تعني قدرة الإنسان على أن يكون حراً وفي الوقت نفسه لا يكون
 
وحيداً، بل ومتحداً مع العالم، والآخرين والطبيعة (فروم، 2 7 9 1، 5 0 2 ) فاغتراب النفس من وجهة نظر (فروم) و(هورني) و (هيدجر) يتضمن
 
انعدام الصلة بين الفرد وجزء حيوي وعميق من نفسه أو ذاته.
 
إن ماهية الإنسان بما هو إنسان تكمن في تلك الحقيقة، أي من خلال أفعاله، فهو لا يكون إلا خارج نفسه (موجوداً هناك) في العالم بأفعاله المختلفة ولكن إذا
 
استخدم الإنسان هذه الأفعال وسيلة لتحرير نفسه والتعرف إليها، كان إنساناً سوياً، وكان الاغتراب بهذا المعنى أمراً مقبولاً، أما إذا استعبدته أفعاله
 
وخضع لها كأنها هي شيء آخر تماماً، فتنفصل عنه بالكلية، فهو بذلك إنسان مريض ويكون الاغتراب بهذا المعنى مرذولاً (رجب، 5 6 9 1، 19)
 
ويرى ( ليفين) أن الاغتراب الذاتي يكمن في وعي المغترب لحالته الاغترابية، كشرط لتحقق الاغتراب الذاتي، فالإنسان
 
المغترب يعي بصورة فعلية التباعد بين هويته وما ينبغي أن تكون عليه تلك الهوية، أما (سارتر) فينظر إلى الاغتراب الذاتي من خلال عيني الآخر،
 
فالجسد حين نعايشه كشيء يعرفه الآخر، هو شيء غريب بالنسبة لنا ؛ كونه يختلف إلى حد كبير عن الجسد الذي نعايشه بصورة ذاتية (شاخت،
 
0 8 9 1، 5 8 2 )
صفحة 9
أما الاغتراب الذاتي عند (ماركس 8 1 8 1-3 8 8 1) فيستخدم بمعنيين : أحدهما يقوم على أساس أن عمل الإنسان هو حياته، وأن إنتاجه هو حياته في
 
شكل متموضع، ومن ثم فإنه عندما يغترب عنه، فإن ذاته تغترب عنه أيضاً. أما المعنى الثاني فيشير به ماركس إلى انفصال الإنسان عن حياته الإنسانية
 
الحقة أو الطبيعة الجوهرية، وبهذا المعنى فإن ماركس يقصد بالاغتراب عن الذات الفقد الكلي للإنسانية، وعلى هذا المستوى يصبح اغتراب الذات عند
 
ماركس مرادفاً لمعنى (نزع إنسانية الإنسان) (dehumanization). وهناك ثلاث سمات تمثل لدى ماركس الطبيعة الإنسانية الحقة للإنسان
 
هي: الفردية (Individuality)، والاجتماعية (Sociality)، والحساسية الراقية (cultivated sensibility)، واغتراب الذات يعني نزع إنسانية
 
الإنسان في مجالات الحياة المقابلة لتلك السمات، الإنتاج، الحياة الاجتماعية، الحياة الحسية (حماد، 5 9 9 1، 16)، ويتفق (جولدنر) مع ماركس
 
بشأن الاغتراب الذاتي بكوننا نعيش حياتنا كوسائل وأننا لا نعيش من أجل أنفسنا، وكذلك (آجور كول) الذي يرى أن اغتراب الذات هو ذلك الشعور بأن
 
الذات الخاصة والقدرات تصير شيئاً ما مغترباً، وتكون مجرد وسيلة أو أداة لغيرنا، أما (إميل دور كايم) (DURKHEIM 1 8 5 8-1 9 1 7)
 
فيختلف وماركس اختلافا جذريا ؛ إذ يرى أن اليأس والوحدة التي لا تحتمل في التاريخ الحديث والتي يصاحبها خوف
 
الذات، واكتئابها، وقلقها الزائد، تعد نتائج مباشرة للنزعة الفردية التي سادت المجتمع الحديث (الشتا، 4 8 9 1، 28)
 
ويقول (رسو 2 1 7 1-8 7 7 1) في كتابه (الاعترافات): يلاحظ غالباً أن معظم الناس في مجرى حياتهم لا يشبهون أنفسهم، وغالباً ما يبدو أنهم
 
يحولون أنفسهم إلى أناس مختلفين تمام الاختلاف (رجب، 8 7 9 1، 76) أما (باسكال 3 2 6 1-2 6 6 1) فيعزو اغتراب الفرد الذاتي إلى عوامل
 
وجدانية، بسبب عجز المرء عن الخلوة والتأمل والاعتكاف (بلدي، دت، 0 0 2 /1 0 2 ) أما (رسو) فيعزو انفصال الإنسان عن خصائصه الفطرية
 
الطيبة إلى وجوده في ظروف غير إنسانية. (السيد، 6 8 9 1، 81)
 
ويعكس الاغتراب الذاتي للإنسان - كما يرى الباحث - مستويين متباينين، فالمستوى الأول يمثله الشخص الذي يجاوز المجتمع ويتحرر من
 
حلم الجماعة وقيمها، التي قد لا تتلاقى وقيمه الإنسانية، فهو شخص استطاع الاكتفاء بذاته، وذلك كما عزا شاخت انعزال
 
الفرد اجتماعيا إلى كونه شخصا خلاقا، يضع التقاليد موضع التساؤل أو يخرج عنها، وكلما كانت أصالته أكثر عمقاً ؛ ازداد
 
اضطراره للاغتراب عن مجتمعه. أما المستوى الثاني فيمثله الشخص المهمش اجتماعيا، الذي لا يستطيع أن يجد ذاته داخل المجتمع ولا يمتلك أدوات
 
التعامل مع ذاته، لينتهي به الأمر إلى اغتراب ذاتي. ومن هذه الزاوية تم الولوج إلى شخصيات الطاهر عبر ثلاثة محاور رئيسة هي :
 
1. الشخصية المستغرقة في ذاتها.
 
2. الشخصية الهاربة من ذاتها.
 
3. الشخصية الباحثة عن ذاتها.
صفحة 10
الشخصية المستغرقة في ذاتها
 
لا تعي الشخصيات المستغرقة في ذاتها اغترابها، وتقف عند حد المعاناة والألم، تتصف هذه الشخصية النموذج بحسّ الاسترخاء في همها الشخصي أو
 
أوهامها الذاتية؛ ولذلك تغفل عما يحيط بها، وتفتقد المسافة اللازمة لتأمل آلامها من أجل الخروج بحل لها أو الوقوف على
 
أسباب اغترابها (خليل، 7 9 9 1، 65) أو تتأمّل أن تتعرّف إلى نفسها كـ(أحمد - زهرة)، تلك الشخصية التي تمتد عبر روايتي
 
(طفل الرمال) و (ليلة القدر) ويبدأ استغراقها في ذاتها لحظة ولادتها، إذ يقرر الأب أن يلغي شخصية الأنثى (زهرة) ليبدل بها شخصيّة الذكر (أحمد)
 
لتستمرّ حالة الاستغراق في الذات مدّة عشرين عاما، وتتنوع مظاهر التعبير عن هذا الاستغراق بين إدانة الظروف والحظ والقدر أو اللهاث وراء الرفاهية
 
المادية والاستسلام للدعة والقناعة والرضى بالأمر بالواقع، فحركة هذه الذات نحو الخلاص والتجاوز معدومة، وإذ تستشعر (زهرة) أن المعاناة قدرها
 
الخاص الذي لا دواء له، تلجأ للتبرير ولأحاسيس العجز لتداوي استغراقها في ذاتها، كشخصية أبي فاطمة في رواية (طفل الرمال)، الذي أحس
 
بنفسه ضحية لظلم المصير أو لمؤامرة حاكها القدر. أما في رواية ( نُزل المساكين) فتصل شخصية الروائي - غير المسمى - بعداً آخر، إذ
 
يصل إلى فلسفة يعتقد فيها أننا نتعرض في حياتنا للحظات غياب، حالة من فقدان الوعي تسيطر علينا وتجعلنا
 
نقوم بأمور نأسف عليها فيما بعد. وهذا ما نسميه القدر، والمرء ليس سيد قدره.
 
ويأتينا صوت (مُحَا) الشخصية المحوريّة لرواية (محا المعتوه) من عمق بنية المجتمع كاشفا نماذج لشخصيات مسلوبة الإرادة و الحرية و الوعى، وما هو
 
أسوأ من ذلك أنها لا تعيش حالة اغتراب فقط، بل تقبل بها وتسعى للوقوع فيها، وتدافع عن العلاقات الاجتماعية التى تخلقها، و تمدحها وتقبلها وتحبها
 
وتخاف التحرر منها، وتعدها الوضع الطبيعى والمرغوب فيه، ومن ثم لا تستاء منها و لا تحس بشاعاتها، إذ يقول : إنهم لا يسمعون شيئا. لقد فقدوا القدرة
 
على السماع (محا، 0 6 1 )
 
فالاستلاب هو تعبير عن حالة الإنسان العقلية عندما يدخل في أي علاقة اجتماعية، تجبره على أن يسلك وفق ما يريده
 
الآخر في هذه العلاقة، وليس وفق ما يريده هو، متوهما أحيانا أن ما قد سلكه نابع من إرادته الحرة، ومن هنا يصبح سلوكه
 
ووعيه الظاهري غريبين و منفصلين عن إرادته ووعيه الباطني، فالاغتراب يكتنف الوجود الإنساني في المجتمعات السلطوية، وهو الوصف
 
الشامل للظاهرة الإنسانية المراد التحرر من آلامها تحديدا، هذا لو كان الهدف بحق هو التحرر من هذه الآلام والشقاء. فالاغتراب هو حالة الإنسان العقلية
 
عندما يخضع لسلطة متعالية عليه ومنفصلة عن إرادته الحرة، فكثير من النساء مثلا يدافعن علانية و بحماسة أكثر من بعض الرجال، عن دونيّتهن في
 
المجتمعات الذكورية، ويلاحظ عموما أنهن أشدّ تمسكا بالقيم المحافظة التي تضطهدهن، فوضعهن تحت وصاية الرجال يعفيهن من تحمل مسؤولية أنفسهن،
 
ويعطيهن بعض الامتيازات في مقابل حريتهن المنزوعة وكرامتهن المهدرة وإرادتهن المسلوبة، في حين أن حريتهن ومساواتهن مع
 
الرجال تضعهن في موضع المسؤولية التي يتهربن منها، راضيات بوضعهن كقاصرات تحت وصاية الرجال. ومما لا شك
 
فيه أن وضعهن الاجتماعي المتدني الذي يسلبهن حريتهن وإرادتهن و كرامتهن لصالح الرجال، يعطي معظمهن في نفس الوقت كثيراً من
 
السمات السلوكية والعقلية السلبية التي تميز معظمهن كالذاتية والعاطفية المتطرفة، والتي تعدّ سند الذكور الدائم في استمرار سلطتهم ووصايتهم عليهن،
 
وتلك السمات السلوكية والعقلية السلبية في حقيقتها هي نوع من الاحتجاج المستتر والرفض غير الصريح لهذه الأوضاع التي لا يجرؤن رفضها علانية في
 
نفس الوقت، فضلا عن كونها نتيجة منطقية للتربية المختلفة التي تحظى بها الإناث عن الذكور، و التي تغرس فيهن منذ طفولتهن، كما تشكل نفسيتهن على
 
القبول بالقهر الذكوري لهن عبر التربية والتعليم والعادات والتقاليد، فلم يكن في رواية (محا المعتوه) لا لعائشة الخادمة
 
الصغيرة، ولا لدادة الأمة السوداء الحق في التعبير عما يخالجهما في منزل الأب الشيخ. فكان البكم والعزلة نصيبهما،
 
فلم يكن لعائشة صوت؛ تبعا لقرار الأب الشيخ. ويكثّف الطاهر حالة استغراق عائشة في ذاتها في مشهد الحيض الأول لها، إذ كانت خائفة لا
 
تتكلم، تمكث الساعات الطوال جامدة كالصنم أمام سيدة المنزل التي كانت تسهو عن تكليفها بأي عمل وتسهو كذلك عن إطعامها. فلم يكن لعائشة وجود
 
فعلي في المنزل. حتى أن الخادمات الأخريات كن يتجاهلنها.