eKtab
EN ع
الاغتراب في الشعر العربي في القرن السابع الهجري
اقرأ عينة مجانية

الاغتراب في الشعر العربي في القرن السابع الهجري

بقلم د. أحمد علي الفلاحي

صفحة 1

المقدمة

الحمدُ لله الذي أنشأَ الكونَ الفسيح تنفيذاً لإرادتهِ، وقرن سعادة الأنام بعبادته، والفوز بنعيم جنان الخلد، بامتثال أوامره، وطاعتهِ، والصلاةُ والسَّلامُ على خير العرب والعجم سيدنا محمد النبيَّ الأمين، المرسل بلسان عربي مُبين، وعلى آله أولي النهى، ومصابيح الدجى، وصحبه الأخيار أعلام التقى... وبعد:

فالإنسان كائن يعيش ضمن محيط معين، وواقع مفروض، فهو إذن وليد لذاك المحيط وابن لذلك الواقع، وعندما يشعر بالانسجام والتكيُّف وأنَّه جزءٌ متأثر في ذلك الواقع ومؤثر فيه، فإنَّه يتآلف مع ذلك المجتمع ويغوص فيه غارقاً بواقع وردي جميل، لكن الاغتراب يفرض نفسه بأنواعه، مطوقاً نفس الإنسان حين يبدو الواقع مثيراً لتساؤلات تطرق أبواب النفس الإنسانية، مُستغربةً تلك الآليات التي تتحكم فيه وتفرض عليه قيود الحزن والألم، فتبدأ رحلة الضياع حين يسير الإنسان محاولاً تغيير ذلك الواقع على وفق أحلامه وطموحاته، حين يدرك انفصاله عن مجتمعه، فيبدو في نظر من حوله غير سوي، وهنا تبدأ الرحلة داخل النفس، إذ ينتابها الشعور بالاغتراب حين تتولد بداخلها ثورة تدفعها إلى الرفض والتمرد.

وقد تم اختيار مرحلة القرن السابع الهجري مجالاً لدراسة ظاهرة الاغتراب في الشعر في هذه الدراسة، وذلك للأحداث الجسام التي أُغرق بها ذلك القرن، ولقربها من نفوسنا، كونها مرحلة شابهت في شكلها ومضمونها ما يمر به العراق في الحقبة المعاصرة من اختلال في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولاسيما في النصف الأخير من القرن الماضي، وما تضمَّنه من حروب وتهديدات خارجية، أعقبها إعصار مُدمِّر تمثَّل بعودة الاحتلال الأجنبي، لذلك وجدنا نفسنا أفضل مَن يتفهَّم مشاعر الناس والشعراء في تلك الحقبة، كما أن عزوف بعض الباحثين عن الخوض في أدب تلك الأيام، كان وتداً ثانياً رسَّخ في نفسنا تعاطفها مع تلك المرحلة، علَّني أوقد شمعة تضيء بعض الظلام الذي عشعش على منارات ذلك القرن، وعلَّها تجد مَن يوقد شموعاً بجانبها في مستقبل الأيام.

صفحة 2

إذ امتد لهذا القرن جناحان، مثَّل الأول نهاية حقبة ذهبية كبيرة، شغل روادها الأوائل الأنظار عن مَن لوح براياته في نهايتها، وبداية حقبة سوداوية كبيرة أيضاً شغلت أحداثها الجسام أحداق الكثير من المحدثين عن النظر إلى نتاج مبدعيها لذلك يجد أي باحث صعوبة كبيرة وهو يخوض غمار عن المجاميع والدواوين التي غطاها غبار الزمن، إذ كان بُعد الباحثين عنها سبباً في ابتعاد أصحاب دور النشر والتوزيع عن تداولها مُستثنين ما شمَّر بعض الباحثين عن سواعدهم محققين بعضها تحقيقاً علمياً لكنها بقيت أسيرة في مكتبات تلك الجامعات والدوريات، لذلك كان من أول المهام في هذه الدراسة محاولة جمع تلك الدواوين والدراسات من الجامعات فامتدت رحلتنا بين جامعة بغداد، والجامعة المستنصرية، وجامعة الموصل، وجامعة الأنبار، وجامعة بابل وجامعة تكريت فضلاً عن رصد الدوريات في داخل العراق وخارجه، والدراسات التي عالجت ظاهرة الاغتراب في الجامعات العراقية فضلاً عن الجامعات العربية، كجامعتي القاهرة وعين شمس، وجامعة دمشق وجامعة أم القرى، مع الاستعانة بالمكتبات العامة والمكتبات الشخصية، واعتمدت هذه الدراسة نتاج الشعراء الذين عاشوا في الحقبة بين (610هـ) إلى (710هـ) ولكي تستقيم خطوات البحث كان لزاماً عليَّ الإبحار والغوص في شواطئ علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة، وجداول علم التاريخ لأنها حامت حول ظاهرة الاغتراب، محاولة مسَّها من الخارج أو الداخل، فوجدت تلك الظاهرة حظوراً لها في كثير من ميادين تلك العلوم لذلك نجد ان تلك العلوم قد سايرتنا في أغلب خطوات البحث ولاسيما علم الاجتماع، وعلم النفس محاولاً أن استضيء بنظرياتها على أن لا أكون أسيراً لها. لنخرج لآلئ نُنير بها الطريق أمام مسببات تلك الظاهرة، وقد انتظمت هذه الأطروحة في أربعة فصول يسبقها تمهيد حاول أن يوجز القول في مفاهيم الاغتراب في تلك العلوم المشار إليها، فضلاً عن بواكير الاغتراب ومظاهره في الشعر العربي قبل القرن السابع الهجري، ثم كانت انطلاقتنا في الفصل الأول متناولين الاغتراب الاجتماعي والاغتراب البيئي تحت عنوان المثيرات الخارجية، وقصدنا تلك المؤثرات النابعة من الواقع الاجتماعي والبيئي المعاش. وحاولنا في الفصل الثاني أن نبحث عن بذور الاغتراب العاطفي والاغتراب النفسي وثماره في نفوس الشعراء من خلال المثيرات التي تتكون داخل النفس الإنسانية، أما الفصل الثالث فكان بعنوان الاغتراب السياسي وتوزَّع كذلك على مبحثين، أهتم الأول بالمثيرات الداخلية وقصدنا بها مثيرات القلاقل والفتن التي عصفت بالعراق من الداخل، وكان الثاني بعنوان المثيرات الخارجية وقصد التهديدات الخارجية للبلاد ومن ثمَّ الاحتلال وأثر ذلك في نفوس الشعراء، وحاول الفصل الرابع أن يكون بمثابة إضاءات فنية تلقي الضوء على أهم السمات الفنية لذلك الشعر من خلال اللغة والأسلوب والإيقاع الداخلي والخارجي فضلاً عن أثر تلك المحسنات وذلك الإيقاع في الصورة الشعرية التي تكفل بها المبحث الثالث. ثم ختمنا الأطروحة بملخص لأهم ما توصلنا إليه من نتائج.

وكان لابد من أن تلتهب المشاعر وتتحرق الأكباد، ونحن نتحسس بمأساة الشعراء في تلك الحقبة، لذلك جاءت مقدمات الفصول بمثابة استحضار أو تهيئة لمشاعر المتلقي لفهم تلك النصوص لاسيما وأن أحوال العراق المعاصر تمس خياله وتتربع فيه في الوقت ذاته، كما أنَّ المساحة التي أسير بها ضمن حدود العلمي لا تسمح لي أن أتمطى حسب ما أتمنى، فضلاً عن سهولة لغة شعراء ذلك القرن، فقد كانت ريح الاختصار وعدم الإسهاب في شرح الأبيات تعصف بنا باستثناء بعض القصائد التي ألزمتنا عاطفتها ومشاعرها الاغترابية المكثفة، بتباطؤ الخطى لما فيها من تجسيد لمشاعر ألفها الكثير منا، ولاسيما بعد احتلال بغداد.

وأخيراً هذا جهد متواضع حاول الباحث أن يكون فيه صادقاً وهو ينظر إلى النصوص بمنظار المنهج العلمي المشوب بعاطفة الإنسان العراقي وإحساسه، فإن أصاب طريقه وترك بصمة في قلوب القراء وعقولهم، فذلك مبتغاي، وإن ضلَّ، فرضى الله وأجره غاية المنى... وآخر قولنا:

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)

صفحة 3

التمهيد : مفهوم الاغتراب في اللغة والاصطلاح

شغلَ موضوع الاغتراب الجانب الأكبر من اهتمامات الأدباء والمفكرين والفلاسفة والأنثروبولوجيين والفنانين، إذ نجده قد زاحم المصطلحات في كتب النقد والأدب، وعلم النفس والتحليل الاجتماعي واللاهوت، وظهر موضوعاً أساسياً في كثير من الأعمال، فهو ظاهرة إنسانية وجدت نفسها في مختلف أنماط الحياة الاجتماعية، وفي أغلب الثقافات التي بناها الإنسان، وقد تعددت معاني الاغتراب بمرور الزمن، إذ لابد لكل مصطلح من أنْ ينشأ بسيطاً بدلالته، إلاَّ أنَّه يأخذ مديات أوسع بتطور الزمن، ثم يتحدد وتتعدد معانيه.

والواقع أنَّ مصطلح الاغتراب يُعدُّ الآن من أكثر المصطلحات تداولاً في الكتابات التي تعالج مشكلات المجتمع الحديث، ولاسيَّما المجتمع الصناعي المتقدم، إذ ظهرت في السنوات الأخيرة مؤلفات عديدة وفي مختلف اللغات، حاولت أن تتناول مفاهيم الاغتراب ومضامينه، وأساليب معالجته في مجالات متعددة، إذ عدَّ الكثير من الكتاب والمفكرين ظاهرة الاغتراب من أهم السمات المميزة للعصر([2]).

وللاغتراب معانٍ ودلالات عديدة، تعكس طبيعة النظر إليه، والرؤيا الفنية له، فأن تتبع اللفظ في المعاجم العربية يشير إلى أنَّه مشتق من الفعل غَرَبَ، يغربُ، بمعنى غاب واختفى وتوارى وتنحى وبَعَدَ عن وطنه إذ جاء لفظ الاغتراب في المعاجم العربية بمعنى الغربة عن الوطن، فقد أشار الفراهيدي إلى هذا المعنى بقوله: (الغربة: الاغتراب عن الوطن، وغرب فلان عنَّا أي تنحى وأغربته وغرَّبته، أي نحيته، الغربة النوى والبعد)([3]).

ويؤكد هذا المعنى الجوهري، إذ يقول أن التغريب: النفي والإبعاد عن البلد مشيراً إلى الحديث النبوي الذي أمر بتغريب الزاني منه إذا لم يحصن([4]).

وأشار ابن منظور إلى أن لفظ (الغرْب) بمعنى الذهاب والتخفي عن الناس، وترد الغربة والغرب بمعنى النوى والبعد، ويُقال غرَّب في الأرض إذا أمعن فيها، ورجل غريب ليس من القوم، والغريب الغامض من الكلام، وتبعه الزبيدي في تاجه([5]).

لذلك نجد أن لفظة الاغتراب تشير في أغلب معانيها إلى الغربة المكانية والابتعاد عن الوطن، إذ تشترك هذه الدلالة بجذر واحد هو (الانفصال عن) وبإرادة ذاتية أي حصول الانفصال برغبة الذاهب وإرادته، لكننا نجد في قول ابن منظور (وأغرب الرجل جاء بشيء غريب)([6]) بعض الدلالة التي قد تختلف في مضمونها عن المعاني المذكورة، إذ عبَّر المعنى هنا عن الاختلاف، والتجاوز على المألوف السائد، ذلك أن الشيء الغريب هو كسر للآخر والأُسس والتقاليد أَو التصورات القائمة، ويقال اغترب فلان إذا تزوج من غير أقاربه([7])، إذ جاء في الحديث الشريف: {اغتربوا ولا تضؤوا}([8]). وقيل العلماء غرباء لقلتهم بين الجهال، وجاء في اللسان أنَّ الغريب هو الذهب لكونه غريباً بين الجواهر الأرضية([9])، وفي ذلك معنى التفرد والاختلاف.

لذلك يتبين لنا أن النظر المتعجل قد يقود إلى الظن أنَّ المعنى اللغوي الذي ورد في المعاجم لا يتعدى مفهوم النزوح والابتعاد عن الوطن، لكن عملية استقراء النصوص، وتشخيص المدلولات تشير إلى أنَّ هناك معاني أُخرى يمكن أن تبرز لنا، منها الغربة الاجتماعية والتي تتمثل في غربة الناس، وذلك من خلال قول ابن منظور: الغرب بمعنى الذهاب والتخفي عن الناس، وأيضاً الغربة عن الأهل والأقرباء وربما نتلمس بعض مظاهر الاغتراب النفسي، حين يجد الإنسان نفسه غريباً عن الناس والمجتمع، وذلك في إشارة ابن منظور في أن (الاغتراب افتعال من الغرب، ورجل غريب ليس من القوم)([10]) إذ أنَّ مثل هذا الانفصال لا يمكن أن يتم دون مشاعر نفسية، قد يكوِّنها القلق أو الخوف، وربما الحنين أو أشياء أخرى تعكسها النفس الإنسانية.

كما يشير الاصفهاني (_356هـ) إلى أنَّ (فقد الأحبة في الأوطان غربة، فكيف إذا اجتمعت الغربة وفقد الأحبة)([11])، كما نلمس تداخلاً بين الاغتراب السياسي الذي يؤثر في الاغتراب الاجتماعي، وقد يؤثر كلاهما في الاغتراب النفسي أو الديني، إذ يمكن ملاحظة ذلك التداخل في قول أبي حيان (_403هـ) (فأين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان، بل الغريب من ليس له نسيب... الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة.... إن حضر كان غائباً، وإن غاب كان حاضراً)([12]). ونجد عدداً من المفاهيم الاغترابية في قوله: (أين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه)([13]) إذ نلمس فيه بعض مضامين الاغتراب الاجتماعي الذي مسَّ الاغتراب السياسي أو النفسي فلو لم يكن هناك شعور بالكبت والحرمان وفساد الواقع الاجتماعي لما كان هذا الشعور. وفي قوله (وأين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان)([14]). نلحظ فيه مضمون الاغتراب المكاني الذي لا يخلو من دوافع نفسية واجتماعية وسياسية([15]).

أما في الاصطلاح فقد عدَّ أغلب الباحثين ظاهرة الاغتراب، ظاهرة إنسانية وجدت في مختلف أنماط الحياة الاجتماعية، وفي كل الثقافات ولكن بدرجات متفاوتة، ذلك أنَّ الاغتراب قد يعني الانفصال وعدم الانتماء، ويُعرّف أيضاً بأَنَّه وعي الفرد بالصراع القائم بين ذاته والبيئة المحيطة به، وبصورة تتجسد في الشعور بعدم الانتماء والسخط والقلق([16]).

صفحة 4

لكن على الرغم مما كتب عن ظاهرة الاغتراب، وربما بسبب كثرة مَنْ كتب، وبسبب تداخل التخصصات الذي أدى إلى تضارب الآراء، والاتجاهات، والميول، فأن المصطلح مازال يكتنفه بعض الغموض، وربما كان ذلك أمراً طبيعياً شأنه شأنَ غيره من المصطلحات المثيرة، ومع هذا التباين، وذلك الغموض، وتلك الاختلافات في الرؤى وأساليب المعالجة، فإن أغلب تلك الجهود التي قيلت، نجدها تلتف حول أشياء معينة بالذات وتدور حولها، وتشير أغلبها إلى دخول عناصر معينة في مفهوم الاغتراب مثل (الانعزال) و (الوحدة) و (الغربة) و (الانفصال) و (الانخلاع) و (التخلي) و (الانتقال) و (التجنب) و (الابتعاد) والانسلاخ عن المجتمع، والعجز عن التلاؤم، والإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة في المجتمع واللامبالاة، وعدم الشعور بالانتماء، بل أيضاً انعدام الشعور بمغزى الحياة([17]). إذ أنَّ هذه الظاهرة تختلف من إنسان لآخر تبعاً لطبيعة تلك الشخصية، وحجم معاناته النفسية، فضلاً عن طبيعة علاقته بمن حوله، إذ يتميز كل إنسان بقدرة محددة ومعينة في توجهه لمعالجة المشاكل التي تواجهه والتي تختلف فيها درجات المعالجة واللامبالاة، إذ نلمس في هذا المصطلح تنافراً قائماً بين حال المرء، وما ينبغي أن يكون عليه.

وفي محاولة استقراء البنى السطحية أو العميقة لتلك المعاني نجد أنها تدل على جوانب مادية محسوسة تتمثل بالبعد الحقيقي عن الأهل والوطن بمحض الإرادة، أو بعدمها، من خلال النفي والتغريب، وجوانب معنوية تتعلق بالأثر النفسي والروحي، والمتمثلة بعدم الانسجام أو التلاؤم مع الوسط أو المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان.

وأنَّ هذا التنوع في استخدام مصطلح الاغتراب يُعد نتيجة مصاحبة لتنوع الاتجاهات الفكرية والنفسية والاجتماعية لدى الشخص والمجموع([18]).

كما أنَّ الجذر اللغوي لمفهوم الغربة والاغتراب واحد، لكن ثمة فروقاً واضحة بين المفهومين، فالغربة تعني البعد في دلالتها وذلك ما يوحي إليه مفهوم الاغتراب في بعض دلالاته.

لكننا نجد بعض الدارسين قد خلط بين المصطلحين، وتعامل معهما كأنهما مصطلح واحد([19])، فالغربة يصاحبها الحنين، إذ أنَّ الغربة تولِّد الحنين، فالإنسان عندما يشعر بغربته يحن إلى أهله وأحبابه، وقد يشعر الإنسان بالحنين والحبيب قريب، لكنه لا يشعر بالاغتراب فأن أحسَّ بالغربة معه، فذلك هو الاغتراب، الذي لا يرتبط بحنين وقد يسبق الحنين الغربة، فيشعر الإنسان بالحنين والشوق، عندما يَهِمُّ بالهجرة وقبل وصوله ديار الغربة.

وقد حاول عدد من الباحثين المحدثين تحديد دلالات الاغتراب ومضامينه بالعجز والاستسلام، والهراء، وفقدان المعنى، والتحلل من القواعد العامة المتبعة، أي ضعف الالتزام بالأعراف الاجتماعية المنظمة للسلوك، وكذلك الغربة الثقافية من خلال الشعور بالانفصال عن القيم السائدة في المجتمع، والعزلة الاجتماعية التي تعني الشعور بالوحدة والانفصال، وقطع العلائق الاجتماعية، فضلاً عن الغربة الذاتية التي تمثل القضية الجوهرية، إذ أنها تشير من طرف آخر إلى أن الفرد لم يعد يملك زمام ذاته([20]).

وقد يتداخل المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ليعطيا مفهوماً واحداً هو الابتعاد عن الناس بالجسم والفكر، فالاغتراب عاطفة قد تستولي على المرء ولاسيما الفنانين، الذين –ربما- يعيشون في قلق وضياع نتيجة شعورهم بالبعد عما يحلمون([21]).

وهناك مَن يرى أنَّ معنى الاغتراب هو شعور الفنان بأَنَّ العالم كله سجن أقحم فيه مرغماً فكبله بقيود وأشعره بأنَّه غريب بين أهله وناسه([22])، وينظر إليه بعض الباحثين من زاوية فلسفية إذ يراه تحول منتجات النشاط الإنساني والاجتماعي إلى شيء مستقل عن الإنسان ومتحكم فيه([23]).

وبما أنَّ دلالة الغربة تعني النزوح، فالاغتراب نزوح كذلك لكنه نزوح نفسي داخل مواطن نفس الفرد، كوَّنه الرفض والتمرد، وربما العجز، لكنه نزوح لا يتحدد بوقت أو مكان مستلهماً قواه من قول التوحيدي (أغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه)([24])، فيكون بذلك غربة ذاتية تدعو للانفصال عن المجتمع والعيش في غربة روحية غارقة في عمق الذات الإنسانية يعيشها لشعوره بالانفصال ربما حتى عن ذاته([25]).

لذلك فإنَّ استعراض البحوث المتعلقة بمفهوم الاغتراب يكشف عن تنوع استعمالاته وتعدد معانيه، إذ يذهب بعض الباحثين –ويرافقه صوتنا- إلى أنَّ بعض هذه المعاني تُعاني من الغموض إلى درجة تكاد تنتفي معها قيمتها العلمية([26]).

وعلى الرغم من قدم ظاهرة الاغتراب فقد تفاوتت آراء الباحثين والمتخصصين في ذلك، حيث ذهب بعضهم إلى المبالغة كثيراً حين ادعى أنَّ الإنسان حمل بين جوانحه ضروباً من الاغتراب والإحساس بالغربة منذ أن بدأ يضرب في الأرض([27])، في حين يتخطى باحث آخر تلك الرؤى، ويذهب إلى أنَّ الاغتراب في معناه الحديث هو من حصاد الحضارة الغربية المعاصرة، وهو ثمرة تطور المجتمع الغربي في قرونه المتأخرة، والذي عانى منذ عصر النهضة صراعاًَ حاداً([28]).

يبقى لنا أن نقول: إن عن دواعي الاغتراب يفضي بنا لاكتشاف الأسباب التي تقف وراء الشعور بالاغتراب، إذ ينشأ هذا الشعور نتيجة لظروف الحياة ومشكلاتها، وأزمات العصر، فضلاً عن الدوافع الأخرى المتمثلة في النزاعات، والصراعات السياسية والاجتماعية، وما ينجم عنها من قهر وتعسف لذلك فأنَّ اعتبار الاغتراب من السمات المميزة لهذا العصر، هو اتجاه لا يخلو من تضليل، على الرغم من زيادة وتيرته في العقود الأخيرة، كما تشير الدراسات الاجتماعية والنفسية، بل ولأنَّ الاغتراب اليوم مع ما حققته التكنولوجيا من تقدم هائل ينطوي على احتمالات أشد رهبة وضراوة([29]).

وتلك التوجهات تغرينا بالقول: إلى أن الاغتراب لا يمكن أن يكون ولد مع ولادة الإنسان على هذه الدنيا، لكنه ربما وجد ولكن بمستويات متعددة تبعاً للثقافات الشعبية، والمشاكل الاجتماعية والسياسية، والتطور العمراني والصناعي، والتي قد تدفع الإنسان إلى نوع من أنواع الاغتراب، لذلك لا يمكن الادعاء بأن الاغتراب واحد من خلال شدته ونوعه في كل الشعوب والمجتمعات، فالاغتراب عند الإنسان العربي صاحب النفس الشفافة، والعاطفة الحارة، لا يمكن له أن يتفق أو يتشابه مع الاغتراب المتولد عند الغربيين، نتيجة اختلاف الظروف والمؤثرات الخارجية والداخلية، فضلاً عن الاختلاف بين طبيعة الشعبين.

يبقى لنا بعد ذلك كله أن نقول إن معنى الاغتراب يتجه نحو استلاب الذات عندما يكون اتجاه سلوك الفرد باتجاه مُغاير للأهداف التي يتطلع إليها فيحدث تصادم بين أهداف الفرد، وتعذر تحقيق الاتفاق بينها، فينتج عنه مشكلة خطيرة للفرد تتمثل في صعوبة المواءمة الذهنية مع مفردات واقعة الذي يعيشه([30]).

صفحة 5

الاغتراب في التراث العربي

يذهب بعض الباحثين إلى أن الاغتراب أساسه ديني، إذ ورد في الموسوعة الفلسفية العربية أن دلالات الاغتراب تعود إلى الديانات السماوية الثلاث (اليهودية، والمسيحية، الإسلامية)([31]).

وهناك من يرى أن الإسلام في جوهره ظاهرة اغتراب وتحول اجتماعي نوعي بحكم كونه هجر عبادة الأوثان والأصنام، وثورة على النظام الاجتماعي غير العادل وإبداله بنظام تسوده مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، وثورة نفسية داخلية ضد سلطة النفس الأمارة بالسوء([32]).

ويبدو أنَّ الاغتراب الحقيقي ربما عانى منه الإنسان الجاهلي لعدم التزامه بعرف سماوي عادل، ولهاثه خلف تقاليد وضعية جائرة يملؤها الظلم والطغيان والفروقات الاجتماعية، فهداهم الإسلام وأنهى بذلك اغتراباً اجتماعياً ونفسياً وانتفت بفضله الكثير من مظاهر الاغتراب على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وإن كان المسلمون في أول الدعوة غرباء بين أهلهم وقبيلتهم، فإن ذلك الاغتراب زالت دوافعه ومؤثراته بانتشار الإسلام.

وربما عادت بعض مظاهر الاغتراب بعد قرن من الزمان إذ (نفشت فتنة الشبهات والشهوات، وتغلبت الأهواء السياسية على النزعات الدينية، فتسلل الاغتراب إلى كثير من النفوس سواء أكان اغتراباً ايجابياً أم سلبياً)([33]). لذلك فقد جاء في الخبر أن الرسول r قال: (بدأً الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدا فطوبى للغرباء)([34]).

وشغل الاغتراب حيزاً كبيراً من فكر علماء الإسلام واهتمامهم وقسموه إلى أنواع مختلفة تبعاً لنظرة إسلامية مثل اغتراب الأوطان واغتراب الحال واغتراب الهمة([35])، ولاسيما عند المتصوفة إذ يسمي الخطابي (-388هـ) كتابه (العزلة) فيميز بين نوعين من العزلة، الأولى فكرية والثانية عزلة الأشخاص([36]). إذ أصبحت الكلمة تحمل مدلولين الظاهر والباطن، كما أن الإحساس بالتفرد والغربة يدفع نحو ضمور الذات، لأن الصوفي يسعى إلى أفناء ذاته في الذات الكبرى، فنجد رابعة العدوية (-185هـ) وقد بلغت مرحلة التجرد والاستغراق في حب الذات الإلهية، فغربتها روحية خالصة، زال إحساسها حين وجدت حماها في رحابه ويعرف الهروي الأنصاري (-481هـ) الاغتراب بأنه (أمر يشار به إلى الانفراد على الأكفاء)([37]) فكل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه فأنه غريب بينهم، والانفراد أما أن يكون بالجسم أو بالفعل أو بالهمة.

وتقترن الغربة عند أبي حيان التوحيدي بالمأساوية فقد عبَّر عن الاغتراب بمعانيه المختلفة، وميَّز بين الغربة المكانية والغربة النفسية والتي هي عنده الغربة الحقيقية والتي عكس معايشتها له نتيجة معاناته من الظروف القاسية التي مرَّ بها، فكانت حياة الفقر والبؤس، وقسوة المعاناة التي ولدت لديه حالة من العجز الفكري واليأس من الحياة مما دفعه إلى حرق عصارة أفكاره، وهذا يعكس اغترابه الفكري والروحي ويمثل حالة قطيعة مع مجتمعه الذي لم يفهمه([38]) إذ يقول: (فأين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه وقلَّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان ولا طاقة به على الاستيطان)([39]) إذ يأتيه شعوره بالمحنة وعدم تكيفه مع واقعه من إحساسه العالي بالتفرد والعلو الذاتي لأنه يشعر بالاقتلاع عن هذا العالم.

لذلك نجد في توجهنا لفهم هذا النمط من الفعالية الفكرية والنفسية مؤهلاً لاستيعاب ذلك الخلط في مفاهيم الاغتراب الاجتماعية والنفسية والسياسية. لذلك وصف أحد المستشرقين المنصفين أبا حيان التوحيدي بقوله: (لقد كان أبو حيان فناناً غريباً بين أهل عصره، وكان يعاني وحشة من يرتفع عن أهل زمانه ويتقدم عليهم)([40]).

أما ابن باجة (-533هـ) فقد عاش حياته في غربة عقلية تجلَّت في آثاره، إذ يعطي بعداً دلالياً لمفهوم الغرباء عندما يُشبهه بالزرع الذي ينبت في غير موضعه، ويطلق عليه اسم (النوابت) بقوله: (هم من لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة، وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء، وأن كانوا في أوطانهم، وبين أترابهم وجيرانهم، غرباء في آرائهم، فقد سافروا إلى مراتب أخرى هي لهم كالأوطان)([41]) فهؤلاء سموا بـ (النوابت) تشبيهاً لهم بـ (العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع)([42]).

ويضيف ابن القيم (-751هـ) ثلاثة أصناف من الغربة وهي غربة أهل الله وأهل سنة رسوله r بين هذا الخلق، وهي غربة مدحها الحديث الشريف، ثم غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل، وأخيراً غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن الوطن([43]).

وبرز المفهوم في كتابات بعض المفكرين العرب، كنوع من الهرب من الواقع المعاش، والدعوة إلى عالم المُثل، وذلك حينما يُحلِّق الإنسان بفكره وروحه من عالمه الذي أرهقه وجوده فيه إلى عالم أقرب ما يكون إلى الخيال الذي لا يتحقق، كدعوة الفارابي (-339هـ) إلى أنشاء مدينة فاضلة، بسبب معاناته الخاصة في حياته، وابن سينا (-428هـ) الذي يرى أن الإنسان لا يبرى من غرائزه وانفعالاته إلاّ بغربة تأخذه إلى بلاد لم يطأها من قبل أمثاله، وعبد الرحمن الكواكبي (-1902هـ) في حديثه عن الاستبداد([44]).

صفحة 6

الاغتراب في الفكر الغربي

يبدو أنَّ ظاهرة الاغتراب تتجلى بصورة أعمق عند المفكرين والفلاسفة أكثر من سواهم، إذ أنَّ دواعي ذلك تظهر في المعاناة الفكرية والإدراك المتفرِّد بالوجود، بوصفه حالة خاصة، فقد ورد مفهوم الاغتراب بشكل أو بآخر في الكتابات الفلسفية القديمة، وهناك ما يشير إلى وجود هذا المفهوم في كثير من الملاحظات التي طرحها بعض فلاسفة الإغريق القدامى، أمثال سقراط إذ يردد كثير من مؤرخي الفلسفة الفكرة في كتابات أفلاطون ونظريته عن الفيض، ويتتبعون ظهورها وتطورها في الأفلاطونية الحديثة وانتقالها إلى اللاهوت المسيحي ومعالجتها في كتابات العديد من الفلاسفة الاجتماعيين في أوربا، ولاسيما في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر([45]).

ويعد هيجل من أبرز الفلاسفة المحدثين الذين أولو موضوع الاغتراب أهمية كبيرة، إذ أنَّه (أول من استخدم في فلسفته مصطلح الاغتراب استخداماً منهجياً مقصوداً ومفصلاً)([46])، إذ تعرض له على نحو منهجي مفصَّل في كتابه (ظاهريات الروح) عندما أفرد له باباً بعنوان (الروح المغترب عن الحضارة)([47])، فالاغتراب عنده (عملية تخارج الروح وتحققها في أضرب الحضارة المختلفة من دين إلى فن إلى سياسة إلى فلسفة وكذلك تحققها في الطبيعة، بحيث تصير هذه الأشياء جميعها وكأنها أُمور أُخرى غريبة عن الروح)([48]). وذلك يعني أن للاغتراب عند هيجل معنى مزدوجاً، الأول ايجابي (أبداعي) يتمثل في تخارج الروح وتجليه على نحو أبداعي في الطبيعة أولاً، وفي أضرب الحضارة المختلفة ثانياً، فهو في جوهره خلق وإبداع لشيء آخر يكون عاملاً ضرورياً للمعرفة والتحرر، فقد ميَّز بين معنيين للاغتراب على الرغم من ارتباط أحدهما بالآخر، الأول: الاغتراب بمعنى التخارج أو التموضع، وهو اغتراب ضروري وايجابي يُحفِّز على الإبداع والخلق في العمل، أما الثاني فبمعنى الانفصال أو الانقسام وعدم التعرف إلى الذات وهو اغتراب سلبي([49]).

ويُعد المفكر الاشتراكي كارل ماركس من رواد الهادف لتحليل مفهوم الاغتراب، إذ حاول أن يبحث مفهوم الاغتراب في مجال الحياة الاقتصادية، ونظر إلى هذا المفهوم من زاوية الأشياء التي يتم إنتاجها، كما نظر إلى هذا الجانب كنتيجة لحقيقة أنَّ الإنسان قد أصبح مفصولاً عن عملية الإنتاج نفسها، ورأى أنَّ الاغتراب صورة من صور عجز الإنسان أمام قوى الطبيعة والمجتمع وأن كان العامل يرتبط بنشاطه بعدِّه نشاطاً مقيداً فأنه يرتبط به بوصفه نشاطاً يتم في خدمة إنسان آخر وتحت سيطرته، فهو يظن أنَّ اغتراب العمل يتضمن تسليماً، وبذلك يصف العمل بأنه يغدو مغترباً حينما يكف عن أن يعكس شخصية المرء واهتماماته ويقع بدلاً من ذلك تحت سيطرة أرادة غريبة أي تحت سيطرة شخص آخر([50])، وبذلك فأنَّ ماركس لا يعتقد أنَّ الاغتراب حالة أبدية، إذ أنها نجمت عن تراكم بعض الأوضاع والظروف التاريخية، وبذلك فأنه يمكن تغيير هذه الحالة إذا تغيرت تلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وقام نظام آخر أفضل، ذلك أنَّ الاغتراب حالة وجدت في ظروف تاريخية معينة وترتبط باستمرار ذلك الظرف([51]).

أما فوير باخ –وهو أحد تلامذة هيجل- فقد قصر مجال تطبيق هذا المفهوم على (الوعي الديني والفلسفي والتأملي)([52])، لأنَّه يرى أنَّ الاغتراب الديني (أساس كل اغتراب فلسفي أو اجتماعي نفسي أو بدني)([53])، فالدين في رأيه جوهر كل نظام سياسي، وتبعاً لذلك فهو يرى أنَّ الإنسان في حاجة إلى (شريعة الدولة الفعلية الإنسانية، وليس إلى شريعة الدولة المسيحية)([54]).

ويرى سارتر أن الاغتراب عن الذات أمر ناتج عن ظروف الحياة المعاشة في هذا العالم الذي يتسم باللامعنى والعبثية، لأنَّ الاغتراب في مفهومه ما هو إلا انعدام الحرية الإنسانية، ونظرة الآخرين في نظره عامل من عوامل الاغتراب على المستوى الفردي، والقهر والاستبداد والتعذيب والاستعمار كلها من عوامل الاغتراب على المستوى الجمعي([55]).

وقد سار روسو على وتيرة أسلافه في نظرية العقد الاجتماعي إذ يقول: (إن تغترب يعني أن تعطي وأن تبيع، فالإنسان الذي يصبح عبداً للآخر لا يعطي ذاته وإنما يبيع ذاته على الأقل من أجل بقاء حياته، أمَّا الشعب فمن أجل ماذا يبيع حياته)([56])، إذ أطلق لفظ الاغتراب على ذلك الشيء الذي يتمثل في ضياع الإنسان في المجتمع وانفصاله عن ذاته، وعالج نوعين من الاغتراب الايجابي والسلبي، فالايجابي منه يقصد به أن يُسلِّم الإنسان ذاته إلى الكل، وأن يُضحِّي في سبيل هدف نبيل وكبير كقيام المجتمع، أو دفاع عن الوطن، أما السلبي منه فيعني به أن يتحول الإنسان إلى سلعة تطرح للبيع في سوق الحياة([57]).

صفحة 7

الاغتراب في علم النفس

ويتضح المصطلح من خلال أعطاء مفهوم واضح للذات الإنسانية وعلاقتها بصاحبها، إذ يرى كثير من علماء التحليل النفسي كفرويد، وأريك فردم، وهورني أنَّ الاغتراب حالة نفسية يعاني أصحابها من الشعور بعدم الارتياح وعدم الاستقرار، والقلق والشعور بالضياع والعزلة، وعدم الفعالية، والوحدة والتضاؤل، وهذا الشعور كثيراً ما يؤدي إلى نتائج نفسية منها تفكك مشاعر الفرد وإحساسه بعدم أهميته والفصامية والذهانية ومن ثَمَّ اختلال الشخصية([58]).

إذ يتميز هذا المعنى بكونه ينطوي على شعور الفرد بانفصاله عن ذاته، ويُعدُّ ما كتبه العالم أريل فروم من أكثر البحوث دقة وعمقاً في هذا الموضوع، إذ تناوله من زاوية تكوين الشخصية، ورأى أنَّ الاغتراب هو نمط من التجربة يرى الفرد نفسه فيها كما لو كانت غريبة عنه، فالفرد يصبح منفصلاً عن نفسه([59])، وبذلك يمسي المصطلح فضفاضاً، ولا يرى فروم أنَّ الانفصال عن الذات يتمثل في التباعد بين طبيعة المرء الجوهرية ووضعه الفعلي، إذ لا يعتقد أنَّ للإنسان جوهراً يمكن التحقق من وجوده، إلاَّ أنَّه يقدم مفهوم الذات من خلال معانٍ مماثلة كالفردية والعفوية، فيدعو إلى تطوير الذات والقضاء على أي شيء قد يعوق هذا التطور([60]).

أما المعنى الآخر للاغتراب عن النفس فهو افتقاد المغزى الذاتي والجوهري للعمل الذي يؤديه الإنسان وما يصاحبه من شعور بالفخر والرضا، ومن البديهي أن يخلق اختفاء هذه المزايا من العمل الحديث شعوراً بالاغتراب عن النفس([61]).

ويرى د. محمود رجب أنَّ (الاغتراب في سياق علم النفس متعلق بما يحدث للفرد من اضطرابات نفسية وعقلية وما يستشعر من غربة في العالم، وفتور أو جفاء في علاقته مع الآخرين)([62]).

ويؤكد عبد اللطيف خليفة ذلك المعنى بقوله: (ينظر الباحثون إلى اغتراب الذات باعتباره اضطراباً نفسياً يتمثل في اضطراب الشخصية العصامية حيث يتسم الشخص العصامي بالعجز عن إقامة علاقات اجتماعية، أو الافتقار إلى مشاعر الدفء واللين، أو الرقة مع الآخرين، فهناك تشابه بين اغتراب الذات واضطراب الشخصية العصامية، في أنَّهما يشيران إلى صعوبة استمرارية العلاقات الاجتماعية مع الآخرين من أفراد المجتمع)([63]).

فالاغتراب إذن حالة إنسانية نفسية اجتماعية تسيطر على الفرد فتجعله غريباً وبعيداً عن واقعة الاجتماعي، وهو في الوقت نفسه (تعبير عن توتر نفسي نتيجة شعور المرء بالعزلة أو العجز، وهو الإحساس الفردي بالافتراق في الفكر والوجدان، والتركيبة الذاتية عن المحيط، فيصير الفرد غريباً عن وسطه، وربما غريباً حتى عن ذاته، لشعوره بأنَّ أفكاره صارت فروضاً غريبة، وأنَّه مُقيد بمشيئة عالم غريب عنه)([64]).

صفحة 8

الاغتراب في منظور علم الاجتماع

يرى علماء الاجتماع أنَّ لمصطلح الاغتراب استخدامات متنوعة في التراث اللغوي والفكري السيكلوجي والسوسيولوجي، إذ كان هذا التنوع في استخدام مصطلح الاغتراب نتيجة مصاحبة لتنوع الاتجاهات الفكرية منذ أول استخدام لمصطلح الاغتراب في نظرية العقد الاجتماعي([65]).

ويكتسب المصطلح صفة اجتماعية واعية ملتصقة بصلب حياة الإنسان وتنظيم حياته الاجتماعية مع محيطه، إذ أنَّ من أبرز خصائص الإنسان المميزة هي الرابطة الأخلاقية التي تصله بمجتمعه وليس الصلة المادية القائمة بينه وبين المجتمع، والأمر الذي يجعل تلك الرابطة ذات طبيعة اجتماعية (فالإنسان لا يخضع لظروفه المادية المفروضة عليه قدر خضوعه إلى ضمير يسمو على ذاته، هذا هو الضمير الاجتماعي)([66]).

كما أنَّ العزلة الاجتماعية يمكن أن تُفسر بمعنى غياب العلاقات الشخصية الايجابية، ويمكن أن تُفسر أيضاً بمعنى التحلل من الأعراف والقيَّم والثقافة السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، فحينما تغترب البنية الاجتماعية عن الفرد فأن العقل يتفرَّق داخل ذاته، وتنشأ علاقة الاغتراب بين جوانب القول المتفرقة([67]).

كما تبرز ظاهرة الاغتراب في أوضاع التمرد التي تدفع الأفراد إلى عن بديل للقيم التي يعتمد عليها البناء الاجتماعي لمجتمعهم إذ فسَّر بعض الباحثين الاغتراب حسب وظيفة الفرد في المجتمع لأن (الفرد المغترب هو الذي يشعر بالضعف والعجز إزاء المواقف المصيرية في حياته، والذي يشعر بأن القيم السائدة غير ذات معنى بالنسبة له، أو هو الغريب عن جماعته الاجتماعية وتنظيمات الحياة)([68]).

كما أنَّ حالة الاغتراب أكثر اتساعاً من أن تعد قاصرة على المجتمع الصناعي الحديث، أو اغتراب العمل، أو أن ترتبط بنظام اقتصادي محدد بالذات، إذ أنَّه يُعدُّ ظاهرة إنسانية يمكن أن نلمسها بشكل أو بآخر في مختلف النظم والثقافات والمجتمعات وحيثما يوجد إفراد يشعرون بتفردهم وتميز شخصيتهم وبالعجز عن التجاوب مع الأوضاع العامة السائدة في المجتمع الذي يعيشون فيه، والثقافة التي من المفروض أن ينتمون إليها، ويرفضون القيم العامة التي تسود فيها، والتي يتقبلها أو لا يرفضها بقية أفراد المجتمع.

صفحة 9

مظاهر الاغتراب في الشعر العربي قبل القرن السابع الهجري

إنَّ ظاهرة الاغتراب فرضت نفسها في أن تكون جزءاً مميزاً من العمل الإبداعي، ووجهاً يطل من حين لآخر بين الوجوه المتعددة للثقافة الإنسانية، وأن الاغتراب ظاهرة إنسانية عامة لا ينفرد بها جيل دون غيره.

وإذا عُدَّ مفهوم الاغتراب من المفاهيم الفكرية الحديثة، فأنَّ جذوره ليست وليدة الحياة المعاصرة –حتماً- إذ أنَّ جذوره موغلة في القدم ولها امتدادات في الآداب العالمية، والتي يشكل الأدب العربي جزءاً لا يتجزأ منها، وإن تجنَّى بعض نقده الشعر المحدثين على الشعر العربي القديم بادعائهم أنَّه شعر السطوح الخارجية للنفس والحياة، وأنَّه يُشعرنا بالفراغ الداخلي، كون أصحابه يعيشون خارج الحدود النفسية([69])، إذ نجد في الشعر العربي بعصوره ما يشير إلى زيف ذلك الادعاء، ففيه ما يعكس دواخل النفس، من غير أن يتناسى علاقتها مع ما يحيط بها، فالشعر أداة من أدوات التعبير عن أحاسيس الشاعر وهمومه، وعما يجول في خاطره، وهو المرآة العاكسة لدواخله على حد قول عبد الله بن رواحة: (إنَّ الشعر شيء يختلج في صدري فينطق به لساني)([70]).

فثمة حقائق تغرينا بالقول إلى أننا، وبالنظر الدقيق، يمكن أن نلمس أثر ظاهرة الاغتراب في الشعر العربي القديم، فلم يكن شاعرنا القديم بمنأى عنها، بل نجده غاص بأشكالها المتعددة، فالإحساس المرهف لديه والطموح والتقدير المتعالي للذات، فضلاً عن درجة الوعي المتنامية لكل ما يحيط به، كلها تؤدي إلى زيادة الإحساس بالاغتراب وتعثُّر قدراته في التواصل مع الآخرين –في بعض الأحيان- والانسلاخ من المجتمع أو الانعزال والعجز عن التكيف مع الأوضاع الاجتماعية السائدة، وربما عدم الشعور بالانتماء أو حتى عدم الشعور بمغزى الحياة.

إن من أبرز مظاهر الاغتراب في العصر الجاهلي هي الوقوف على الطلل إذ أنَّ (إطلالة الشاعر على رحاب الماضي هي الأرضية المشتركة لأطر لوحات الطلل دون استثناء)([71]). لذلك يمكن أن يُعدَّ ذلك الوقوف تجسيداً حقيقياً لمشاعر الاغتراب، ويُشكِّل صرخة مؤلمة على الحياة الضائعة، إذ ارتبطت الأطلال بمواقعها وآثارها ارتباطاً وثيقاً بالشعراء، حيث يجد الشاعر فيه عودة لماضيه، وإرهاصاً نفسياً (ينسحب على الطلل (المكان والزمان) ورموزه التي لا تلبث لتغيرها تبعاً لتغير حالة الشاعر النفسية، ولما كان الطلل تعبيراً عن أشجان النفس وآلامها فهو يجسّد غربة الشاعر)([72]).

فالشعر وإنْ كان يأتي من الشعور فأنَّ اللاشعور يلتزم بصياغة أهم ما فيه، إذا ما فهمنا الشعر بمعناه الحقيقي كشعر، لذلك يمكن القول إنَّ ثمة عوامل صغيرة جداً قد تكون لا شعورية تحرِّض وبفعَّالية في تقرير اختيارات الشاعر ونهجه، ذلك أنَّ الأسباب اللاشعورية تسهم إسهاماً كبيراً في تكوين جانب كبير من جوانب العالم الشعري، سواء أكان ذلك في المضمون أم في الشكل([73]).

لذلك غدت لوحات الطلل بعد استقرارها في القصيدة المكتملة (صيغة مفرغة من مدلولها الموضوعي، وإن ظلت مهيأة لاستقبال الزخم النفسي الذي تتطلبه التجربة الآنية)([74]).

ففي تلك المقاطع الطللية نلمس إحساساً بالغربة وحنيناً طويلاً إلى ديار الأحبة، فقد كان للطبيعة الصحراوية، وأسلوب الحياة الرعوية والنظام القبلي القائم على احترام العصبية أثرها الكبير في الشاعر الجاهلي فحياة الصحراء بما تحمله من طابع الحركة والنقلة خلقت في نفسه صورة من عدم الاستقرار وأَصَّلت فيه حالة من القلق والضياع، ورغبة شديدة ودائمة في أيجاد موطن جديد يلقي فيها عصا الترحال([75])، فنجد أنَّ بكاء الديار غدت ظاهرة مشتركة عند الجاهليين، وهي وأن كانت تحمل في طياتها دلالة تقليد، فإنها ترتبط ارتباطاً واضحاً بدلالات نفسية.

لكن ملامح الاغتراب عند الشاعر تميزت بالبساطة والوضوح قياساً إلى ظروف الحياة نفسها، إذ أنَّ نتاجه كان انعكاساً للواقع الذي كان يعيشه أغلب الشعراء، فاغترابهم نما متأثراً بعامل البيئة الطبيعية، والنظام القبلي، فضلاً عن العامل الاقتصادي([76]). ومن ألمع النماذج في الوقوف على الطلل قول امرئ القيس: (الطويل)

قِفَانَبْكِ من ذِكْرى حبيبٍ ومنزْلِ

بِسقْطِ الَّلوى بين الدَّخُول فَحَوْملِ([77

صفحة 10

إذ بدأ لوحته الطلية باستيقاف صحبه، ودعوتهم لمشاركته حزنه وألمه، فقد أخذته الهموم إلى غربة نفسية عميقة، فضلاً عن فشله في استعادة ملك أبيه والثأر لمقتله، إذ كان هو وعنترة من أكثر الشعراء أحساساً بالاغتراب، فغدا شعوره حالة مريرة أصبحت فضاءً لاغتراب الشاعر في حياته. وشعر بثقل الزمان فقال: (الطويل):

وليلٍ كَموْج البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ فَقُلّتُ لهُ لَّما تمطَّى بصُلْبهِ ألا أَيُّهَا الَّليْلُ الطَّويلُ ألا انْجلىِ

عَليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليبتلي وأرْدَفَ إَعْجَازاً وناءَ بكَلْكلِ بِصُبْحٍ وما الأصْبَاحُ مِنك بأِمْثَلِ([78])

فهذا الوعي الكوني جعله مغترباً من الزمان.

وأي اغتراب نفسي عانى منه الشاعر حين رأى جسمه يتناثر، ولا يملك له دواءً، والدار بعيدة، والموت يدنو، وكأنما يحمله جابر التغلبي إلى قبره، فيصف هذا الموقف المؤلم ونهايته الفاجعة، بقوله: (الطويل)

فإمَّا تَريني في رحالة جابرٍ فيارُبَّ مكرُوبٍ كررتُ وراءَهُ إذا المرْءُ لم يحزُنْ عليه لسَانَهُ

على حَرجٍ كالقرِّ تخْفِقُ أكفاني وعانٍ فككتْ الغُلَّ عنه فقدَّاني ليْسَ على شيءٍ سَوِاهُ بخزَّانِ([79])

وتعصف به رياح الغربة المكانية حين رأى قبراً لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأَنقرة، فيسأل عن صاحبته، وعندما يُخبر بخبرها، يقول: (الطويل):

>

أجارتَنا إنَّ المزارَ قريبُ أجارتنا إنَّا غريبان هاهنا

وإني مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ وكلُ غريبٍ للغريب نسيب([80])

ويقول عبيد بن الأبرص في معلقته: (مخلع البسيط):

>

أقفرَ مِنْ أهلهِ مَلْحُوبُ ......................................

فالْقُطَّبيَّاتُ فالذَّنُوبُ ......................................

>

وبُدِّلَتْ مِنْهُمُ وُحُوشاً ......................................

وغَيرَّتْ حاَلَها الخُطُوبُ ........................... ...........

فأن يكن حال أجمعُها أَو يكُ أَقْفَرَ مِنها جَوُّها فكُلُّ ذي نِعْمةٍ مخْلوسُ

فلا بَديٌّ ولا عَجيبُ وعَادَها المحْلُ والجُدُوبُ وكُلُّ ذي أَمَلٍ مكْذُوبُ([81])

ولا شك أنّ الإقفار والأحلاب صورة لانعكاس الواقع في نفسه حينما أحس بتبدل المكان وامتلائه بالوحوش، فينقل الطْرف مستوحشاً بين (محلوب والقطبيات)، ولا يرى أمامه سوى الأمل الضائع. ولا تخرج نماذج المعلقات عن هذا المجرى كثيراً، وإن خالفته في نمط لمعالجة، أو في بعض التفاصيل.

أما عنترة العبسي، فقد اغترب نفسياً، عندما نكره أبوه وعمَّه، فقاسى مأساة لونه وعبوديته اللذين وقفا حائلاً دون المنال من معشوقته، إذ يقول: (البسيط):

العبدُ عبدُكُمْ والمَالُ مالكُم

فهلْ عذابك عنِّي اليومَ مصروفاً([82])

فندرك اغترابه في بيئته وإحساسه العميق بالضياع والهوان وشعر بظلم عمه وقبيلته حينما رفضا الاعتراف به، وتزويجه من ابنة عمه، إذ راح يبث عذاباته التي فرضها عليه واقعه المر من خلال عذاب لونه وعبوديته ورفض حبه، فيقول: (الكامل)

هل غادرَ الشُّعراءُ من مُتّردَّمِ أعياك رسْمُ الدَّارِ لم يتكَلَّمِ ولقد حبستُ بها طويلاً ناقتي يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلَّمي

أم هل عرفتَ الدَّار بعد توَهُّمِ حتَّى تكلَّم كالأصم الأعجم أشكُو إلى سفْعٍ رواكد جُثَّمِ وعَمي صباحاً دارَ عبلة واسلمَي([83])

فلنا أن نتخيل مدى العذاب والحرمان الذي كان يعانيه، وهو يقف يخاطب دار عبلة باثاً شجوه وحنينه وأحزانه، ويبث شكواه إلى الأَثافي الصماء التي لا تعقل، ليعكس لنا شعوراً نبصر به اغتراباً نفسياً عاشه بعزلته عن الناس وإقباله محدِّثاً ما لا يعقل.

وكانت الأعراف والتقاليد السائدة في ذلك المجتمع تحاول أن تمحو الذات لتذيبها في المجموع، وذلك قد يدفع البعض إلى التمرد على أعراف القبيلة، في محاولة منه لتحقيق ذاته، وذلك ما نلمسه في أسلوب طرفة بن العبد الشاعر الثائر الذي أحس بعبثية الحياة وعدم جدوى العيش في هذا الوجود الكائن إلى الزوال، فيحاول أن يدرك سر نفسه([84])، ونلمس في عبثيته هروباً من مواجهة ذاته. إذ يرى أن الحياة ما هي إلاَّ كنز أخذ بالتناقص كل ليلة، فيدعو النفس إلى تحقيق رغباتها في هذه الحياة، معلناً بذلك تمرده على واقعه، إذ يقول: (الطويل)

أرى العيشَ كنزاً ناقصاً كُلَّ ليلةٍ

وما تَنْقُصِ الأيَّامُ والدَّهرُ ينفدُ([85])

فاغترابه ناجم من إحساسه بضياع النفس وحقوقها، فإذا به يبحث عن بديل، من خلال عشقه الحرية والطبيعة وهيامه في الفلوات التي لا تخضع لقانونٍ اجتماعي أو قيود القبيلة المفروضة([86]).

وتتألم نفسه لظلم أقاربه وجورهم، مما جعله يُقبل على اللذات ويتمادى في مجونه، وذلك ما أثار حفيظة قبيلته التي رأت في ذلك خروجاً على أعرافها، فعزلته كالبعير الأجرب، إذ يقول: (الطويل)

وما زال تشرابي الخُمور ولذَّتي إلى أن تحامتني العشيرةُ كُلُّها

وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتلدي وأُفرِدتُ إفراد البعير المُعبَّدِ([87])