eKtab
EN ع
الأخلاق في السنة النبوية
اقرأ عينة مجانية

الأخلاق في السنة النبوية

بقلم د. هدى علي جواد الشمري

صفحة 1

تقديم بقلك أ.د.سعدون محمود الساموك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد الأمين خاتم المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد، فهذا كتاب مُبَسّط يضم حقولاً ثلاثةً الحقل الأول هو الأخلاق، حيث تشكل الأخلاق منظومة كبرى لكل النظم الإسلامية..بدءاً من قول الرسول«أدبني ربي فأحسن تأديبي» ومن وصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للرسول«كان خلقه القرآن». وانتهاءً بكل نظام من الأنظمة الإسلامية التي لن تقوّم إلا بالأخلاق (فالصلاة) وهي أولى (العبادات) تنهى عن الفحشاء والمنكر و(الربا) محرم في المعاملات الماليّة الإسلاميّة.. (والوفاء) شرط في العلاقات الدولية المختلفة.. إلى غير ذلك.

والحقل الثاني: هو (السنة النبوية الشريفة)، والتي هي ثاني مصادر الشريعة الإسلاميّة، والتي تفسر وتبين لنا ما في المصدر الأول، القرآن الكريم حين تكون هناك حاجة لذلك التفسير..إضافة إلى كونها تكمل ما لم يأت به القرآن والتي هي «وحي يوحى» حالها في ذلك حال القرآن الكريم، نتعلم في هذا الحقل أكثر ما نحتاجه من التعرف على السنة النبوية والتي يتضمنها الحديث النبوي الشريف بأقسامه ومعانيه وكتبه وغير ذلك.

أما الحقل الثالث فيدخلنا في الحديث التحليلي، حيث يستعرض هذا الحقل أحاديث للرسولاختارتها الدكتورة الشمري لتتضمن:

نصوص الأحاديث.

تخريجها أي «نقد الحديث».

معانيها وشرحها.

النتائج التي تخرج بها من خلال فهمنا لكل حديث.

والأحاديث المختارة مجموعة من آداب وأخلاقيات الرسولوالتي يُطلب من المسلمين تنفيذها والعمل بها والاقتداء برسول اللهبها.

وبذلك فإن هذا الحقل يجمع الحقلين السابقين، السنة والأخلاق، وبه يكون الكتاب قد أخذ شكلاً موحداً غير متناثر.

لقد نجحت الدكتورة هدى علي جواد الشمري في إعدادها لهذه الأحاديث وبالتقديم لهما بالحقلين الأوليين..وأصبح كتابها هذا كتاباً صالحاً للتدريس في مواضيع المدخل إلى السنة النبوية أو المدخل إلى الأخلاق الإسلامية أو الحديث التحليلي.

لقد تناولت الدكتورة الشمري هذه المادة بيسر وسهولة واختارت أحاديث مهمة أساسية لتربية الفرد وتأديبه وإكسابه الأخلاق الإسلامية الرائعة..خاصة وأن إعداد هذه المواضيع قد تم من قبل باحثة في الحديث النبوي الشريف تدريس الشريعة الإسلامية إذ يكون الموضوع في صلب اختصاصها. راجياً من المولى الكريم ان يوفقها في إخراج وإعداد هذا الكتاب ونَفَعَ فيه من يقرؤه.

إنه سميع مجيب الدعوات

الأستاذ الدكتور

سعدون محمود الساموك

صفحة 2

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

وبعد،،

فقد عزمت على الخوض في مسألة تهم اختصاصي الأول، الحديث النبوي الشريف، فاخترت من بين أحاديث الرسول الكريم مجموعة من الأحاديث التي تتحدث عن أخلاقيات وآداب الرسولوقدمت لها بفصلين عن الأخلاق الإسلامية والسنة النبوية الشريفة هادفة في ذلك حرصي على التوضيح فيه لأبنائنا وقرائنا الكرام بعضاً من أحاديث رسول اللهالتي تحث على مكارم الأخلاق والتي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، لتشكل في مجموعها جزءاً من الرسالة السماوية التي تحث على الأخلاق الإسلامية السامية.

لقد اخترت هذه الأحاديث من بين مئات غيرها بهدف التذكير بمعاني الآداب التي أراد الرسولمنا أن نتحلى بها، خاصة وأنهمعلم ومربي ومؤدب هذه الأمة.

سنرى في كل حديث من الأحاديث جانباً من الجوانب التربوية أو التعليمية أو النفسية، فالناس معادن يختلف كل واحد منهم عن الآخر، أحدهم يعرف المسؤولية وثانيهم يتواضع وآخر يصل رحمه ورابع يفهم أن الآخرين اخوة له في الله، صادق لا يعقُ والديه ولا ينم ولا يبغض ولا يتجسس ويقدم النصيحة لأخيه تقويماً لأخلاقه، رفيقاً يجتنب الموبقات ويتثبت من قوله إذا أخبر، وربما يتحلى بكل تلك الصفات حيث هي في جملتها صفات يطلب من المسلمين التحلي بها، فالرسولفي كل أحاديثه، يعمل على بناء شخصية المسلم الأخلاقية، وأحاديثه تلك يسهل حفظها والدعوة والتذكير والاستشهاد بها، ولكل حديث يحفظه أجره، لأننا لا نحفظها إلاّ لنتمثلها في حياتنا ونعلمها لغيرنا فكلنا (راعٍ ومسؤول عن رعيته).

فالحفظ والنصح والتعليم هو مسؤولية كل مسلم حيث إن كل مسلم داعية، شاء أم أبى. وترديد هذه الأحاديث، هو من باب الدعوة الإسلامية طالما أنها تدعو إلى إصلاح النفس الإنسانية وتعمل على تقريب العبد من خالقه فإن طبقها حصل على رضاه.

وقد قدمنا للموضوع بتمهيد عن الأخلاق الإسلامية وموقعها في الشريعة الإسلامية وأهميتها وأهداف دراستها وتأثيرها على السلوك الإنساني، وأتبعناها بالحديث عن السيرة النبوية والحديث النبوي الشريف ومعناهما، ثم أقسام الحديث الصحيح والحسن والضعيف ودراسة عن الإسناد وبعض علوم الحديث.

فعسى أن يتقبل الله عملنا هذا وأن ننفع به أبناءنا كما انتفعنا أو نسعى للانتفاع به..إنه سميع مجيب الدعوات.

والحمد لله رب العالمين

د. هدى علي جواد الشمري

صفحة 3

من أخلاق الإسلام

بينما كان جبلة بن الأيهم أحد ملوك الغساسنة يطوف بالكعبة، بعد أن أسلم، وإذا أحد الطائفين يدوس على إزاره، فالتفت إليه مغضباً، ثم لطمه على خده، فقال له هذا الطائف: لأشكونك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

وبين يدي عمر بث الرجل شكواه، فاستدعى عمر جبلة وسأله: أحقاً ما يقول الرجل إنك لطمته على خده؟

قال جبلة: نعم ولولا أننا أمام بيت الله لقطعت أنفه بسيفي هذا.

فقال له عمر: ولم؟

فأجابه جبلة: لأنه داس على إزاري وأنا أطوف بالبيت، عندها قال عمر: اختر لنفسك واحداً من أمرين: إما ان تعتذر له و تترضاه، وإما أمرته أن يلطمك.

فدهش جبلة الملك الغساني من حكم عمر، وقال له: كيف تسوي بيني وبينه إنما أنا ملك وهو سوقه.

قال له عمر: إن الإسلام سوى بينكم فلا فرق بين الملك والسوقه.

فقال له جبلة: اجلني حتى أختار. فأجله عمر ثلاثة أيام. فلما كان الليل هرب مع حاشيته إلى بلاد الروم.

صفحة 4

تمهيد

الأخلاق هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل ويتميز هذا النظام الإسلامي في الأخلاق –كما يرى علماء الأخلاق- بطابعين:

الأول: أنه ذو طابع إلهي، بمعنى أنه مراد الله سبحانه وتعالى.

الثاني: أنه ذو طابع إنساني أي للإنسان مجهود ودخل في تحديد هذا النظام من الناحية العملية. وهذا النظام هو نظام العمل من أجل الحياة الخيرية، وهو طراز السلوك وطريقة التعامل مع النفس والله والمجتمع. وهو نظام يتكامل فيه الجانب النظري مع الجانب العملي منه، وهو ليس جزءاً من النظام الإسلامي العام فحسب وإنما هو جوهر الإسلام ولبه وروحه السارية في جميع نواحيه: إذ النظام الإسلامي –على وجه العموم- مبني على مبادئه الخلقية في الأساس بل إن الأخلاق هي جوهر الرسالات السماوية على الإطلاق فالرسوليقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(1) فالغرض من بعثته هو إتمام الأخلاق، والعمل على تقويمها، والدين هو حسن الخلق.

ونجد أهمية الأخلاق الإسلامية في الجانب العقيدي حيث يربط الله سبحانه وتعالى ورسوله -×- بين الإيمان وحسن الخلق، فقد سئل رسول الله ×: أي المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال ×: «أحسنهم اخلاقاً» وعدّ الإسلام الإيمان برا، إذ قال تعالى: +ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله قرآن واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين" وقد قال رسول الله : «البر حسن الخلق»([2]) والبر صفة للعمل الأخلاقي أو هو اسم جامع لأنواع الخير. وكما نجد الصلة بين الأخلاق والإيمان، نجدها كذلك بين الأخلاق والعبادة إذ إن العبادة روح أخلاقية في جوهرها لأنها أداء للواجبات الإلهية. ونجدها في المعاملات –وهي الشق الثاني من الشريعة الإسلامية بصورة اكثر وضوحاً.

وقد ارتبط الإسلام في جوانبه برباط أخلاقي، لتحقيق غاية أخلاقية، الأمر الذي يؤكد أن الأخلاق هي روح الإسلام، وأن النظام التشريعي الإسلامي هو كيان مجسد لهذه الروح الأخلاقية.

ولقد جاءت الدعوة الإسلامية بالفضائل والأخلاق السامية، فقد روي عن أسامة بن شريك أنه قال: كنا جلوساً عند النبيكأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله تعالى؟ قال: (أحسنهم خلقاً) وحسن الخلق من أكثر الوسائل وأفضلها إيصالاً للمرء للفوز بمحبة رسول الله ×، والظفر بقربه يوم القيامة حيث يقول: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً». وقال«أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً»([3]).

وعلم الأخلاق يبحث عن معنى الخير والشر ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس مع بعضهم بعضاً ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدوا إليها في أعمالهم وينير السبيل لعمل ما ينبغي.

ولا شك أن الأخلاق هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم، ولهذا ترى الباحثين والفلاسفة قد اتفقت كلمتهم على ضرورتها للفرد الصالح نفسه وللمجتمع في جملته، فكما أن الفرد يضيره ويفسد من أعماله أن يكون كاذباً مرائياً حسوداً شريراً ماكراً، كذلك تفسد المجتمعات بشيوع هذه الصفات في آحادها.

لهذا فإن أول ما توجهت إليه عناية الفلاسفة والمشرعين العاملين على إنهاض الجماعات البشرية، هو الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة لأنها الدعامة الأولى في بناء كل مجتمع سليم ولم يبالغ أحد الفلاسفة حين قال: الأخلاق أساس كل مجتمع.

من أجل ذلك كانت رسالة الأنبياء الحث على الأخلاق الفاضلة. وجاء القرآن وسنة الرسولمشددين على الاستمساك بها لأنها هي التي تحقق الفوز بالنعيم.

وقبل أن نستعرض جملة من مبادئ الأخلاق والآداب في حديث الرسوللا بد أن نذكر أن أخلاق الإسلام لها قيمتها العلمية. وسنبين تلك القيمة لنا من خلال الأحاديث التي سنذكرها بعدئذٍ، أن الفضائل التي ذكرها الرسولفي أحاديثه وسيرته وسنته والتي نتناول جزءاً منها هي الفضائل الإنسانية الحقة التي أجمع الفلاسفة ودعاة الإصلاح في العالم على المناداة بها والتي لو عملوا بها لحصلوا على أعظم الخير لعالمهم المضطرب.

صفحة 5

تعريف الأخلاق

لغة: الخلق بضم اللام وسكونها تعني السجية والطبع والمروءة والدين، وجمعها أخلاق، وأنها صورة الإنسان الباطنية وهي نفسها وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها.

اصطلاحاً: عرفها الغزالي رحمه الله بـ «هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأعمال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية» وعرفها العلماء بأنها «مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه»([4]).

يقول الغزالي رحمه الله «إن كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة»([5]).

صفحة 6

أ- مراتب الأخلاق

الأولى: إن الأخلاق سلوك مستمر لا ينقطع ولا يتوقف وهذه الخاصية تميز الأخلاق عن كل الواجبات والفروض الدينية.

الثانية: أن الأخلاق موضوعها ومحلها الإنسان ذاته، وليس ما يملك أو يجوز في أموال وعروض، إن الأخلاق في الحقيقة ليست مجرد قيم معنوية بل هي ذات الإنسان.

الثالثة: أن الأخلاق تقوم على قاعدة العطاء لا الأخذ وعلى أساس التحمل بالواجبات وليس المطالبة بالحقوق وحتى بالنسبة للقيم والقواعد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في مجال الأخلاق لا حدوداً وعقوبات مقدرة توقع على مخالفتها.

ب- الأخلاق في الشريعة الإسلامية

إذا أردنا أن نحدد مكانة الأخلاق في الشريعة الإسلامية فيمكننا القول أنها ليست قسماً كبيراً مستقلاً من أقسام الشريعة الإسلامية فحسب، بل أنها في جملتها تعد أحد أصول الدين الإسلامي الحنيف، بل أنها تعد أهم وأخطر أركان دين الله في مختلف الشرائع وعلى مر العصور، الشرائع السماوية تتعاقب ويتم فيها النسخ والتبديل والتغيير بحيث تجيء كل شريعة مناسبة للعصر الذي نزلت على يد رسول الله فيه، يقول تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) المائدة: ٤٨ أي جعل الله تعالى لكل قوم من أهل الملل المختلفة طريقاً يسلكونه يتناسب مع حالهم وبيئتهم في أسلوب واضح بلغتهم وطرائق استعمالهم، والمنهاج هو الطريقة التي اختصت بها كل شريعة والأسلوب الذي يتم به إبراز أحكامها.

جـ- دراسة الأخلاق

والخلق في الإسلام (عقيدة إلهية) نابعة من الإيمان بالله وطاعته في أوامره ونواهيه وابتغاء رضوانه في سائر مجالات الحياة.

والخلق الإسلامي (فطري) يتجاوب مع الفطرة السليمة ويقر كل معروف عند الناس. وينكر ما ينكرونه من ضار.

والخلق الإسلامي (قيم ثابتة) لا تتغير بالأهواء والمصالح، إذ أن وراءها العقيدة الراسخة التي تحول دون العبث به وكذلك النصوص الصريحة الواضحة في كتاب الله وسنة رسوله.

والخلق الإسلامي إيجابي وإلزامي، لما وراءه في القوة الوازعة التي لا يملكها أي نظام خلقي في الوجود.

والقوة الوازعة في الخلق الإسلامي (نفسية)، تمثلها خشية الله وطلب رضاه في الدنيا وانشراح النفس بحبه والبعد عن معصيته، والخوف من نقمته العاجلة في الدنيا وعقابه في الآخرة، والطمع بالجنة ونعيمه المتوج بالرضا، والقوة الوازعة كذلك (قانونية) بإقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن نفاذ الخلق قسراً، إن رفض بعض الناس الالتزام به طوعاً.

وهي كذلك (عرفية) برقابة المجتمع المنشأ على القيم الإسلامية ونقد المجتمع قاس لا يرحم وأن المسلم ليحسب له حسابه في سلوكه.

فالقوة الوازعة (بجوانبها الثلاث) تشد في عضد الإسلام الخلقي، وتحافظ على كتابه([6]).

وللأخلاق في الإسلام منزلة كبرى وأهمية عظمى نتبينها من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، اللتان تصفان الخلق وصفاً يجعله ملازماً لكل حركات وسكنات الإنسان وملازمته للإيمان بصفة عامة وتتبدى تلك الأهمية من خلال:

1- ارتباط الأخلاق بالعقيدة والشريعة، قال : «إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً».([7])

2- علاقتها ببناء الشخصية الإنسانية فهي تمثل صورة الإنسان الباطنة. قال النبي ×: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»([8]).

3- وأما عن علاقة الأخلاق ببقاء الأفراد والمجتمعات، فهي تزرع في المسلم الأمانة والاستقامة والحياء والعفة والتواضع والإخلاص وكل القيم والفضائل السامية، قال تعالى:"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا،وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الشمس 9-10) والتزكية تعني تهذيب النفس باطناً وظاهراً والأخلاق أساس لبناء المجتمعات الإنسانية قال تعالى: "وَالْعَصْرِ،إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ،إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ،"(العصر). وعلى هذا فالعمل الصالح من شأنه أن يبني مجتمعاً محصناً لا تنال منه عوامل التردي والسقوط، لذا فإن أخلاقنا الإسلامية تسهم في بناء مجتمع موحد بعيد عن التمزق وقد أمرنا الباري عز وجل بذلك بقوله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(آل عمران 103) وقال : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([9]) وقال «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([10]).

صفحة 7

أهداف الأخلاق

1- تربية نفس الإنسان على العزة والألفة والبعد عن السفاسف واحترام النفس ومن احترم نفسه صانها عن الشذوذ والانحراف وعمل على منع ألسنة الناس عنه.

2- تعديل السلوك الإنسان الفردي والجماعي عن طريقين:

- ا لأول: الإصلاح المباشر.

- الثاني: الإصلاح غير المباشر.

3- أن ينغرس في نفس الإنسان حب الله سبحانه وتعالى، لأن حب الله المنبع الأول للأخلاق والسلوك القويم، ومن أحب الله أصبح وازعه على كل حركة منه أو نظرة.

4- تعليمه أن الحياة لا تقوم ولا تستقيم إلا إذا جمع المسلم فيها بين ما هو روحي وبين ما هو مادي فإن لله حقاً وأن للإنسان حقاً على المسلم أن يوفق بينهما([11]).

5- تربية روح التسامح والخير والحب والصبر والتعاون مع مجتمعه وإذا ما اتصف بها هدأت نفسهُ ورضيت وأحس بالأمان.

6- تعليمه الآداب العامة كآداب الزيارة والمحادثة وغيرها.

7- شرح النظام الخلقي في الإسلام وتوضيح جوانبه ليكون ميزاناً يزن به الفرد الأخلاق الوافدة من الغرب والشرق وكذلك التقاليد والعادات الفردية والاجتماعية السائدة كي يقيموا فهمه وسلوكه على ما يتفق مع الإسلام، فلا يزيغ الفرد ولا يضل.

8- بيان حكمة التشريع من حلال أو حرام.

9- دراسة الأخلاق تساعد على مزج العاطفة الإسلامية والغيرة والحمية بالأسلوب العلمي والتذكير بالمعاني الروحية بالقدر الذي لا يوحي بمجرد الوعظ والإرشاد.

10- تبين دراسة الأخلاق الإسلامية أن الدنيا هي دار امتحان.

11- دراسة الأخلاق تكسب السعادة القلبية والاطمئنان النفسي وبعد النظر والحكمة في التصرف.

صفحة 8

سلوك الإنسان والأخلاق

للأخلاق تاثير مهم على سلوك الإنسان، حيث أن سلوك المرء –كما هو معروف- في علم النفس وليد الصفات المستقرة داخل النفس فهناك ترابط بين نفس الإنسان وبين سلوكه، فصلاح الفعل نابع عن النفس الصالحة، فتأتي أهمية الأخلاق إذن في كونها تهذب وتصقل النفس البشرية لما لها من معان سامية.

والأخلاق تغرس في نفس الإنسان، ولغرسها أهمية بالغة، حيث أنها تستطيع أن تغير الإنسان وأفعاله تغييراً جذرياً، فإذا ما تغير الإنسان بفعل الأخلاق الصالحة فإنها ستجعل منه فيصلاً بين الحق والباطل، فيقدم على الفعل الصالح لأنه يرجو منه الخير في الدنيا والآخرة، وينصرف عن الفعل الشرير وبذا فإن الأخلاق ستصبح ميزاناً يزن به تلك الأفعال بخيرها وشرها. ومن الطبيعي أن معرفة الأخلاق وموازينها لا تكفي إن لم تنعكس على أفعال الإنسان، إذ أن المعرفة وحدها غير مجدية ما لم يصاحبها تطبيق لها لتعكس آثارها وتظهر معانيها على الفرد والمجتمع.

والأخلاق الإسلامية ليست أخلاقاً ينتفع بها في الحياة فقط، وإنما ترجح لحاملها والمتحلي بها حسناته يوم القيامة وتتحقق من خلالها، جملة أمور أهمها: إن من يتحلى بها يقلد بها الرسول العظيم (ص) إذ أننا مأمورون بتقليد الرسول ×، فقال تعالى "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " (الأحزاب21).

والرسول (ص) كما قالت عنه أم المؤمنين عائشة«كان خلقه القرآن»([12])، والدين الإسلامي الحنيف ينعكس على الناس من خلال اتباعه وأفعالهم. فقال (ص) يصف المؤمنين «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً»([13]) وقال عليه الصلاة والسلام معرفاً الدين «الدين حسن الخلق»([14]).

لقد مدح الله سبحانه وتعالى، رسولنا العظيم (ص) بقوله وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ".([15])

إن هذه الأمثلة تعكس أهمية الأخلاق وسبب التأكيد عليها في دراستها والإلمام بها، رغم أن التربية الحديثة لم تعد تسأل عن أهمية علم من العلوم لأنها ترى أن الإنسان لا بد وأن يلم بكل العلوم، وكل العلوم لها أهميتها بطبيعة الحال، ولعل الإلمام بها وتطبيقها خير تطبيق سيخرج الناس بنتائج باهرة كما أخرجت لنا أمة قال عنها سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" (آل عمران 110).

صفحة 9

منزلة الأخلاق

1- لقد وصف الباري عز وجل نبيه الكريم بعظيم الخلق فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ " (القلم:4) فحيث أن النبي الكريمالقريب من الله قد وصف بصاحب الخلق العظيم، فإن ذلك يدل على أهمية الأخلاق عند الله تعالى وحيث أن رسولنا الكريم هو أسوة المسلمين فالباري عز وجل يطلب منا إذن أن نتأسى بخلق الرسول : ومع أن الله تعالى قد وصفه بالخلق العظيم، إلا أنهكان يدعو الله أن يبلغه أعلى المراتب فيقول: «اللهم كما حسنت خَلقي فحسّن خُلقي». (رواه أحمد بلفظ مختصر 1/403 عن عائشة وابن مسعود بلوغ المرام، حديث 1565)

2- إن القرآن الكريم لم يدع مناسبة إلا وذكر فيها الأخلاق وصفاتها. ولتكرار معاني الأخلاق في كتاب الله العزيز وهو دستور المسلمين، دليل على عظمة الأخلاق ومنزلتها الكبيرة في الإسلام، حتى أن الله سبحانه وتعالى علل نزول الرسالة لإقامة القسط بين الناس والعدل بين معاني الأخلاق "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ " (الحديد:25) وبين كذلك أن الاستقامة صفة المؤمنين. والاستقامة من معاني الأخلاق فقال تعالى"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" (فصلت: 30).

3- وحسن الخلق يدخل الجنة. سئل الرسولعن اكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وقال الرسول«ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق».([16])

4- تعليل الرسولرسالته لتتميم مكارم الأخلاق. فقال ×: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».([17])

5- تعريف النبيللدين بأنه (حسن الخلق) مشيراً بذلك إلى أن حسن الخلق هو ركن الدين العظيم الذي لا قيام للدين بدونه.

6- جعل النبيالأخلاق مقياساً للتفاضل بين الناس فقال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».([18])

7- وأن سوء الخلق يدخل النار: قيل لرسول اللهإن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها فقال ×: «لا خير فيها هي من أهل النار».

صفحة 10

القيم الأخلاقية

في دراستنا للشريعة الإسلامية نجد أن جميع أوامر الإسلام ونواهيه أخلاقية في معظمها، بالإضافة إلى كونها أموراً قانونية شرعية. فعلى سبيل المثال فإن السرقة فعل مناف للأخلاق، ليس فقط في المجتمع الإسلامي بل في جميع المجتمعات البشرية، وفضلاً عن كونها تشكل جريمة وفقاً للقانون حيث تعرض مرتكبها إلى العقاب بموجب القانون إذا أثبتت التحقيقات ارتكابه لها.

أما أخلاقياً فإن ارتكاب هذا الفعل يعتبر خطيئة ولهذا نجد أن مرتكب السرقة وغيرها من المنكرات مقيد بنوعين من القيود، قيود قانونية و قيود أخلاقية، فإذا حاول هذا الشخص -على سبيل المثال- خداع القانون بأي طريقة من الطرق فإنه يكون ملتزماً أخلاقياً ولا سبيل له للتخلص من المسؤولية الأخلاقية، ويمكن في هذه الحالة اعتبار الوظيفة الأخلاقية بمثابة قوة إضافية للقانون تزيد من قدرته على تحقيق المصالح العامة والحفاظ عليها([19]).

وهناك الكثير من القيم الأخلاقية التي ينبغي على الشخص أن ينميها في نفسه حتى يصبح إنساناً فاضلاً أي أن الإسلام حريص كل الحرص على نشر الفضيلة التي يجب على الناس اتباعها في جميع ضروب سلوكياتهم بصرف النظر عما إذا كان التصرف خاصاً أو عاماً في السر والعلن ومن ناحية أخرى فإن الهدف من وضع القيود الخلقية هو ضمان الحفاظ على حقوق الناس وأعراضهم وشرفهم ومن ا لقيم الأخلاقية المهمة التي تمثل إطاراً نفسياً مناسباً للعلاقات الإنسانية([20]) ولحفظ الحقوق، الصدق والعفو عند المقدرة والتسامح وغير ذلك.