حيثما حلّت الجماعات، برز التزاحم على المناصب، وأدَّى في غابر زمان، ولغاية العصر الحديث إلى تصفيات جسدية وجرائم مكتومة تكشَّفت مع تبدل الأحوال.
فعلى سبيل التعداد، لا الحصر، يُؤرِّخ للتصفيات التي رافقت تمدّد المغول والتتار واندفاعهم نحو الغرب، ولنزاعات أهل البيت مع الأمويين، ومن ثمَّ العباسيين، والمقتلة التي نزلت بالمماليك، وما أضحى تقليداً طوال قرون من تصفيات داخل أسرة بني عثمان.
كذلك أعطت بريطانيا نموذجاً عن قسوة أهل الحكم في ما بين بطون النورمانديين، وتجسّدت إبادة طبقة النبلاء أوروبياً في معركة كريسي (1346)، لتتبعها، بفاصل قرنين، الحروب الدينية على مدى قرن، بلوغاً لمعاهدة وستفاليا عام 1648.
وكانت الإمبراطورية الرومانية، بجناحيها الشرقي والغربي، مسرحاً دائماً للعبة الدسائس والموت وتوسل العنف في أعلى المراتب والهرم، وباتت إنجازاتها الحضارية تنوء بمشاهد المؤامرات وما عُرِفَ بثورات القصور، تلتهم نار العداوات أبناءها، وتضعف قدرتها على الصمود.
وقريباً منا، مع بدايات العصر الحديث، افتتحت الثورة الفرنسية فصلاً دموياً جديداً في التاريخ، وأورثتنا الخوف من المقصلة، بمحموله المادي والجسدي، الإيحائي (الرمزي) المرادف للتنكيل السياسي في الحقبة الحاضرة. لئن أعطت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، منتصف القرن التاسع عشر ، دفعاً للمساواة، فقد سطَّرت مجازر حقيقية بين الاتحاديين والكونفدراليين، وتركت ندوباً قائمة وماثلة في الوجدان. غير أن روسيا، الخارجة من حكم قيصري استبدادي مديد، تفوقت بدورها على سابقاتها، إذ قادها البلاشفة وتخلصوا تباعاً من المناشفة والاشتراكيين الثوريين، ليدخلها ستالين في دائرة الشك من الرفاق المقرّبين، ويلبسهم تهمة خيانة الشعب والدولة، ومختصر الطريق نحو الغولاغ وثلة الإعدام.
نسوق هذه المحطات مثابة مدخل إلى توكيد الحرفية البشرية في هذا المضمار، ودرءاً لإلصاق العنف الأخوي بثقافة أو حضارة أو نظام سياسي على وجه حصري. إنّ نزعة التخلص من ذوي القربى، أتحدَّروا سلالياً وعائلياً أم اتحدوا في الإيمان أو المقاصد الدنيوية، استمرت تؤول إلى تغييب جسدي عبر التاريخ، وتأصلت في فضاءات بعينها، مخاصمة معايير الحداثة وأدواتها، فيما سارت المجتمعات الديمقراطية المعاصرة نحو مزيد من التسامح في فضّ النزاعات والاستهداف، واكتفت بإنفاذ الموت السياسي بديلاً من إراقة الدماء.
وما من شك أن زوال العنف الذي غدا سمة عامة في الحقل السياسي حيثما توافرت قواعد الاختيار الحرّ والرقابة الشعبية المعطوفة على عامل تقريري أساس ، مكسب حضاري سار قدماً مع الرشد المجتمعي وشيوع ثقافة سمحة، عنوانهما المشترك القبول بالآخر، على أن يكون الاحتكام الدوري إلى صندوق الاقتراع الفيصل، مفتاح تداول السلطة وضمان ثبات المؤسسات. جاء ذلك حصيلة مخاض طويل اغتنى بتجارب رائدة خرجت من رحم التنوير، لافظة الأوتوقراطية والفكر الكنسي الجامد، تراكم التجديد والتجاوز الدائم وتتلاقح لبلورة المزيد من الشفافية والعقلانية في السلوكيات. وحيث تفشّت عدوى الفاشية خلال حقبة الردّة ، بانت نقيض الخط البياني الصاعد، وانكسرت شوكة أنظمتها التوسعية في حرب طاحنة أرادتها صناعة لتاريخ جديد يحمل بصماتها، انهار إلى غير رجعة. كان ذلك نذير تحوّلات كبرى سوف يشهدها العالم في زمن الحرب الباردة، جرفت بدورها الشمولية بحلّتها الاشتراكية، وغلّبت حرية الفرد ومفهوم التنوع في الاختلاف، مرجعاً ومنهجاً، على وحدة العقيدة السياسية وزعامة الحزب الطليعي المنوطة بها شرطاً قيادة الأمة، ثمنها إقصاء الآخرين.
بعد مسألة القوميات في القرن التاسع عشر، التي طبعت المشهد الأوروبي بخاصّة، وشغلت الإمبراطوريات المترامية الأطراف قارياً وفي البلدان النامية والمحميات، أذنت حرب عالمية أولى بولادة منظومات أحرزت تبدّلاً جذرياً في المعادلات، منها الاشتراكية مطلعها ثورة أوكتوبر في روسيا القيصرية، ومنها الفاشية بتلاوينها النازية والعصبوية ومشتقاتها. ولئن سقط المحور الفاشي في غضون عقدين، زالتْ نزعته المدانة في الجوهر والتعبيرات، باستثناء قلة من المقلدين، الجالسين على هامش الصيرورة التاريخية، العنصريين المفتونين بمبدأ القوة والزعيم الأوحد. على ضفة الاشتراكية، الواعدة بإنهاء الاستغلال الطبقي، وإحلال المساواة، بدا الأمر مختلفاً من جذوره ومبتغاه، وهيأ لكتلة دولية وازنة شقت طريقها بعيد الحرب العالمية الثانية. يُستدلّ من مجرى الأحداث في ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، أن الأخير اندثر في حدود الضم والفرز حول المركز المسكوبي، سواء في جمهوريات آسيا السوفياتية، أم في دول أوروبا الشرقية التي ترعرعت في كنف الجيش الأحمر وعدلت نظامها السياسي تبعاً لنصيب الاتحاد السوفياتي من تركة ما بعد الحرب. كما يُستخلص بقاء الدول المنبثقة عن ثورات شعبية في شرق آسيا وكوبا على لونها الخاص، وانعطافة الصين وفيتنام تباعاً نحو اقتصاد العولمة الرأسمالي بجرعات انفتاح متفاوتة، فيما غرقت كوريا الشمالية في الانغلاق والعزلة، ووقفت كوبا معاندة بانتظار فك الاشتباك مع جارتها الأميركية العملاقة.
من منتصف أربعينات القرن العشرين، لاحت بواكير تصفية الاستعمار في شبه القارة الهندية بدءاً، ثم كرَّت السبحة بالعشرات. مذ ذاك، دخلت هذه المجموعة المسرح الدولي، عاملة، من حيث المبدأ، على اللحاق بالركب وترجمة التحرر الوطني وئاماً يمحو آثار التبعية والتفرقة كونها مخلفات عهد بائد ووصمة عار. في الحساب البسيط، أقلعت دول معدودة في هذا الاتجاه، وراوح العديد مكانه في البدء، عازياً الجمود والبؤس إلى الطوق الإمبريالي.
من هذا المنطلق، تعاقب عالمثالثيون، عسكرتاريا ونخب حركات انسلخت عن المتروبولات ونادت باختصار الطريق المؤدِّي إلى التغيير الشامل، وما هي إلا سنوات، حتى دارت النزاعات بين أبناء الثورات، أشقاء الأمس القريب ومتعهِّدي التصحيح، على خلفية القبلية والتعصب الإثني والصراع على السلطة بأشكاله كافة وشعارات الخلاص. خنقت الديمقراطية في المهد واقعاً، وأسفرت دعوات التمايز حيال المستعمر القديم ومعاييره، عن اتجاهات استبدادية فردية شخصنت السلطة وأنزلت العقاب بالمناوئين والمعارضين. في المحصلة، ليس من المبالغة القول إن غالب الدول، المسماة نامية، قطع السبيل إلى النمو المطّرد، وأفرغ الوعاء المجتمعي من خواصه، بذريعة زيف الديمقراطية المستوردة واجتراح البديل من خصائص وطنية تقوم على الأصالة وتحاكي المناخ الثقافي النابع من وجدان الأمة وقيمها الأبدية بأساليب مبتكرة بزَّت المعروف من اضطهاد سياسي.
جمع صراع الإخوة الأعداء في الجمهوريات الحديثة العهد ما لم تشهده الملكيات المحافظة من انقلابات دموية وتصفيات داخل الحيِّز الوطني، وعبوراً إلى الاقتصاص من المنافسين المحتملين بعيداً من الحدود. لهذه الغاية، طاولت يد السلطة لاجئين مقيمين في الخارج وهاربين من وطنهم الأم، بعد رصد تحرُّكاتهم، وجنّدَت أجهزتها الأمنية عملاء نفّذوا المهمة الموكولة إليهم بمهارة وازدراء لقوانين الدول المضيفة.
يصحّ في عملياتهم وصف الإرهاب المخطط له والمرعي من دوائر نافذة، والمؤيّد سرّاً من بعثات ديبلوماسية تحظى بالحصانة وتتنكّـر للمواثيق والأعراف. وفي جنّات القادة الملهمين، من لم يُوفَّق بزنزانة في السجن الكبير، لحقت به لعنة الاغتيالات عمداً أو حادثاً عرضياً يرد في سجل اليوميات.
في الذاكرة الجمعية وبلسان العرب، ليس أجمل من الثورات المجيدة، ولا أقدر منها على إعلاء شأن المواطن وإحلال التآخي والمساواة. لقد أدمج، في هذا الباب، خليط من الأعمال المسلَّحة والفورات والانتفاضات والانقلابات، بهيج المحتوى والمراد، نقي من الشوائب، سامي الدوافع وحصين القيادة المنزَّهة عن الأخطاء. يحفل المنقول، رواية وتدويناً، بكمٍّ من البطولات والانتصارات، ملحمي البُنية، وردي الصورة، يحشوه خذلان الأجنبي الطامع وغلبة الخير على الشرّ في معادلة بسيطة طرفاها ملائكة مقابل شياطين.
بدءاً، يلفت المنقِّب، في وجه عام، ذلك الحيِّز المفرد للثورة العربية الكبرى، باعتبارها طليعة التحرّر الشامل في خضم الحرب العالمية الأولى. فباستثناء جبل لبنان، لم يعرف عن المشرق العربي إشغال السلطنة العثمانية بنزعة استقلالية صريحة، وان محدودة، واتخذت الحركات المحلية لوناً من منازعة الولاة والتمرّد على تعسّفهم تحت خيمة الراعي الأكبر، خليفة المسلمين. وغالباً ما رافقت الخروج على طاعة الباشوات مناشدة الآستانة حفاظاً على المصالح العليا، و توكيد الخضوع للإرادة السنية، خشية الظن بالأعيان المناوئين لعمال السلطنة، وإلصاق تهمة الإنسلاخ عن المركز بهم. في هذا المجال، يجدر التوقف عند مقاربة مسألة حاكمية مصر من أسرة محمد علي، حسب الأدبيات المعروفة، والحذر البادي من الدعوة إلى استقلال مصر عن السلطنة آنذاك، والذي انسحب على حملة إبراهيم باشا، وتهديده الإمبراطورية. حتى إن مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي، إنما صوّرت في إطار التصدِّي للأجنبي، العامل على تقطيع أوصال دولة الخلافة والنيل من دار السلام، عوض تظهير طابعها الوطني الخاص بالجزائر ككيان يصبو إلى الانعتاق من كل وصاية واستتباع (*) ويمكن الزعم بصدقية ونزاهة أن فكرة الفكاك عن الحاضنة العثمانية لم تراود أهل الأقطار العربية الخاضعة للحكم التركي، إلاّ على مشارف الحرب العالمية الأولى، إثر جنوح عصبة تركيا الفتاة نحو الطورانية والتتريك القسري، ومسِّها بموقع السلطان ومكانته. أي إن الوعي القومي العربي استيقظ بعد حوالي أربعة قرون من التمدد العثماني، وجاء متأخراً في مقياس عصر القوميات. لذلك، ثمة مبالغة رومانسية حيال الدعوة النهضوية التي أطلقها طليعيون، مسيحيون في معظمهم من بلاد الشام، وأثرها المباشر بين النخب الإدارية والعسكرية التي انتظمت في جمعيات وارتبطت بوشائج خلال قيامها بوظائف رسمية بتكليف من الباب العالي أو بخدمة ضمن وحدات الجيش النظامي العثماني. الحال، كما يُشير سير الأحداث، أنها التحقت بحركة الشريف حسين ولبَّت النداء قبيل انهيار السلطنة، بعدما بان ضعفها العسكري وتراجعت جيوشها على الجبهات كافة تحت ضغط الحلفاء. يضاف إلى ما تقدم انبعاث الثورة الشريفية بمؤازرة المكتب العربي(البريطاني) في القاهرة، خلاصة إعداد دؤوب قام به رحّالة، وترتيبات أشرف عليها ضباط مستشرقون بعناية جهاز المخابرات البريطاني العامل في المنطقة. ولا يُستهان، في تهيئة المناخات، بالدور الذي لعبته الإرساليات الأجنبية على مدار نصف قرن، وحفّزت خلاله معطى المواطنة، والعروبة، وأكملت سياق التحديث البطيء الناجم عن التنظيمات، والنابع من الشروط المفروضة على السلطنة في الداخل، التي زاوجت بين حاجات الإصلاح وطبعة منقحة من نظام الامتيازات. بعد ذلك، يُستفاد من قراءة التاريخ بالمنظار العربي، إنكار للوقائع وتضخيم للمجريات كأنما اتفاقية سايكس-بيكو سوَّغت لاجتهاد ملحمي استقرّ على إجهاضها ثورة شاملة كاملة الأوصاف وتقويض مفاعيلها، وبالتالي حرمانها المشرق العربي نعمة التوحّد والمنعة. في الموازاة، بخَّس الفكر القومي الحقبة الدستورية الوليدة في الكيانات السياسية التي أنجبها تشظِّي الممتلكات السلطانية، واعتبرها، بعد هزيمة الجيوش العربية وفشلها من إنقاذ فلسطين، عاهة حطّت من قدر شعب ممزق وشلّت فاعليته، إذ أودعت مصائره نظم قطرية متخاذلة تلهّت باقتسام الغنائم وبمسايرة المستعمر، ومنعته من تحقيق إرادته وتوقه إلى الوحدة المفقودة، ضمان وجوده، ومحرك صعوده نحو القمة ومكانته بين الأمم.
لقد جرى استثمار مشاركة قبلية محدودة بحكم الاعتبار المعنوي لشريف مكّة، في المجهود الحربي العام إبَّان النزاع الدولي مطلع القرن العشرين، دلالة على نضوج وعي عربي شامل بصبغة تحرّرية وحدويّة ضاربة في التاريخ. تماماً كما جُعل من غرق المركب العثماني في مرحلة الشيخوخة إيذاناً بانبلاج فجر جديد، الأمر الصائب نسبياً من زاوية زوال الاستبداد كبؤرة تخلّف جامعة، والمُغالي في نسبة التحولات إلى يقظة عربية تلتها وثبة أسطورية اصطدمت بمشروع استعماري مُتربِّص بالبلاد والعباد، إتكأ على تبعية الحكّام الجدد له، وخالف منطق التاريخ في حينه. فما من ذمّ بانتفاضة الشريفيين وانتقاص من إسهامات أولئك الذين غادروا موقعهم في تشكيلات بني عثمان واستشرفوا أعراضها وموتها البطيء باكراً، إذا استعيد شريط الأحداث وأنزل نصابه، بالتخلِّي عن المنمّقـات والمساحيق، وصولاً إلى الاعتراف بحقيقة ما جرى وبيان أوزان وأحجام الفرقاء جميعاً. وبالتالي، يصحّ إكبار الروّاد وأصحاب المروءة عند التضحية والصعاب؛ كذلك يُسجل التفاف واحتضان للمسيرة الفيصلية في بلاد الشام، ومن ثمّ ما بين النهرين، على خلفية الالتباس في شأن سايكس-بيكو، والرفض القاطع لوعد بلفور. غير أن الثورة العربية الكبرى لم تكن صناعة عربية في المطلق، بل إنها افتقدت عناصر أساسية بالتعريف، وانتقلت رسالتها كانتفاضة مدعومة بريطانياً من الحجاز إلى عرب الشمال في فترة مفصلية وجيزة، وفي مناخ مؤاتٍ، فكانت حدودها مرسومة من الظافرين تبعاً لهندسة مسبقة آلت إلى تجاذب بين الحلفاء وتغييرات طاولت مناطق النفوذ وخريطة الانتداب.
انتهى فصل النزاع العثماني الأخير بزوال هيمنة السلطنة المفكّكة وبسط النفوذ الانكلو-فرنسي على الشرق الأدنى، تتمة للإمساك بأفريقيا الشمالية من مصر إلى أقاصي المغرب. سوف يسير كل بلد وفق نمط مختلف جرّاء الترسيمة الاستعمارية، وتتعدّد القيود الشادّة إلى المتروبولات بين حماية وانتداب بحراسة قوات مرابطة، أو ضمّ كمقاطعة كما في حال الجزائر الفرنسية، أو مستعمرة كعدن، وليبيا بعد حملة إيطاليا (1912) عشية النزاع الكوني في لعبة الشطرنج المتوسّطي. تماهى المشرق، من الخليج إلى المتوسط مع شمالي أفريقيا، بالخضوع لمشيئة الوصاية الأوروبية، وانفردت الجزيرة العربية بطعم الاستقلال تحت حكم آل سعود(مع اليمن القروسطي الخالي من نعمة البترول)، حيث ما لبث الملك عبد العزيز، قاهر الهاشميين، إن تخلص من عبء الإخوان، أعوان الأمس وسيوفه المشرعة، بقوة السلاح. هكذا، غدا المقيمون المعتمدون والمفوّضون السامون أصحاب الأمر والنهي، وانتشرت القواعد العسكرية والبحرية تملأ الأمصار وتضبط السياسة المحلية على إيقاع الإستراتيجيات.
في المبنى التاريخي، لم يخلف اندثار الإمبراطورية العثمانية نشوء كيانات عربية مستقلة نظير دول الروملي في المقلب الأوروبي. لا تُلام النخب العربية في ذلك، ولا ينسب لها منصف تهاوناً وسوء إدراك. فالذي تحقق، إنما تضافرت عليه عوامل قاهرة، ألقت بثقلها أفريقياً ومغاربياً منذ القرن التاسع عشر، عازلة المتوسط الجنوبي عن مدار السلطنة، في حين رسَّخَت بريطانيا العظمى سلطتها الفعلية على مشيخات الخليج وضفتي مضيق هرمز مع سيطرتها على البحار. وعندما انضمت إسطنبول إلى المحور الجرماني وغامرت بتجريد حملة للوصول إلى ترعة السويس مع تعزيز حامياتها على خط الحجاز بغية الإبقاء على ممتلكاتها العربية، تصدّت لها جيوش بريطانيا المتعددة الجنسيات، فيما اكتنف الغموض مراسلات مكماهون مع الشريف حسين، فجاء العهد المقطوع له منقوصاً تعوزه الدقة ويحيط بمندرجاته إبهام مقصود لا يشي بما احتسبه الجانب العربي واشتهاه من انبعاث أحادية دولتية وشمولية قومية وتحرير مصير على كامل الأرض المنتزعة من النير العثماني. إن ما اعترى البدايات عائد لواقع الضعف العربي والإنهاك الذي حلَّ بالمنطقة جرّاء الاستنزاف التركي. وفي ما بعد، لمّا بات على العرب استخلاص النتائج، داهمتهم الوقائع، ودفعتهم المرارة إلى اختصار العلَّة بمكر الإنكليز وخداعهم.
على الرغم من هذه المحددات والمُعوِّقات، تسنّى للدول العربية الناشئة اختبار نموذج حقوقي دستوري في إدارة الشأن العام، يعتبر تمثيلياً هجيناً بعيداً من الكمال الديمقراطي والشفافية، تشاركت في ظلاله شرائح إقطاعية وعشائرية وبورجوازية مدينية.
حظيت مصر، المتحوِّلة من الخديوية إلى الملكية، بالريادة في بلورة صيغة الأحزاب لتلاشي علاقتها العضوية بإسطنبول منذ عقود استبقت هزيمة بني عثمان، فقارعت باكراً الاحتلال البريطاني لوادي النيل. في المشهد العام، صادرت الدوائر الأنكلو/فرنسية نصاب السلطة العليا، وأمسكت بالقرار السيادي، لكنها، في المقابل، أشرفت على بناء هياكل إدارية بطابع حداثي ومؤسسات قضائية مدنية تتحلى بالنزاهة وتحثّ على احترام مبدأ القانون. كانت تلك التنظيمات بواكير واعدة، إيجابية المرمى والحصيلة، مغايرة للمتبّع التقليدي المتقادم، اعتبارها محمول الخدمة العامة، لا الادّعاء التمديني الذي ألصقه بها غلاة التفوق الغربي، المتشاوفين على أهل البلاد.
بيْدَ أنّ نقلة نوعية بارزة وسمت أيضاً المجال السياسي، قوامها القطع مع ممارسات دهرية دأب عليها الولاة والمتسلمون زمن الباب العالي، وأتقنها جمال باشا السّفّاح، توسّلت العنف الدموي والاقتصاص الجسدي من المخالفين لمجرّد الشك في الولاء والابتزاز والمكائد المحاكة. تبعاً لهذه الأصول، قام تنافس محدود، محكوم السقف بمرجعية الوصاية، أفضى إلى تشكيلات قابلة للاختراق والتكيّف الانتهازي، هيمنت على الساحة السياسية والبرلمانات، وأفرطت في إشاعة الزبائنية رافعة للديمومة واقتناصاً للمواقع.
على مصطلح الدقة، ما غابت المقاولة السياسية والنميمة لحظة، سوى أن مفاعيلهما لن تمهِّد لنهج الاغتيالات وتتجاوب مع منطق الاستبداد البغيض الذي ولَّى وظُنّ أنه دفن مع عهد بني عثمان.
*** الأصل في مصادر العنفوتفشِّي الداء في الأنظمة "التقدّمية"
أسقط مصطفى كمال أتاتورك خلافة بني عثمان منهياً مرجعية دينية اعتاد العرب والأعاجم حضورها، ولو الشكلي، عبر ثلاثة عشر قرناً، من أندونيسيا وإقليم شين كيانغ الصيني مروراً بالقفقاز إلى قلب أفريقيا وضفاف الأطلسي، مع جيب أوروبي بلقاني، تركة الفتوحات التركية واستيطان حامياتها في البوسنة وإلبانيا، بلاد البشناق والأرناؤوط. في الحقيقة، قلَّصت روسيا القيصرية رقعة نفوذ خليفة المسلمين بدءاً من منتصف القرن الثامن عشر، وسيطرت على طريق الحرير في آسيا الوسطى، قبل الإطاحة بخانات التتار، سند السلطنة، تشدّهم إليها رابطة الدين. والمحصلة خضوع القوس الآسيوي وراء جبال الأورال للتاج الروسي في محاذاة التاج البريطاني القابض على جنوب آسيا لغاية الهند الصينية. سيكون لهذه المعطيات التاريخية مجتمعة أثر بالغ لاحقاً على بروز الحركات الإسلامية الجهادية واتصال دعوتها بمرحلتين متعاقبتين، تصفية الاستعمار (البريطاني/الفرنسي تحديداً بكافة أشكاله) أولاً، وتمزّق الاتحاد السوفياتي ثانياً على مشارف الألفية الثالثة.
من مصر التي افتقدت زعيمها سعد زغلول، خرج حسن البنّا بجمعية الإخوان المسلمين على هامش الحركة الدستورية الباحثة في مختصر السيادة بين القصر والإنكليز وسط تأييد شعبي أضعفته المساومة والعثرات. قبل ذلك، ومن دار السلطنة العثمانية المتهاوية، طرح الأفغاني صيغة الجامعة الإسلامية علاجاً لاستعادة العافية، استلهم محمد عبده ورشيد رضا بعض مركّباته. زُرعت بذور استنهاض أمة المسلمين، فيما انشغل الجناح المدني المتمثل بنخب الحركات الوطنية في كيفية انتزاع استقلال كل بلد على حدة ضمن إطار كياني سياسي ذي هوية وشرعية مصدرها الشعب. كذلك أذعنت أسرة القاجار، حاكمة بلاد فارس، لإصلاح محدود انتهى بمشروطة (دستور) أعطت طهران بموجبه مجتهدي الشيعة حق الرقابة على الشأن العام عام 1906، بناءً على تقليد فقهي رافض للإمساك بالسلطة الزمنية في غياب المهدي.
بعد عقدين، عُزل آخر القاجاريين، لكن الجنرال رضا البهلوي القادم إلى السلطة على أنقاض دولة قروسطية البنى سوف يتمثل بأتاتورك، ويسلخ عن رجال الدين صلاحية القضاء والتعليم. وقريباً من فارس التي غدت إيران، نادى أبو الأعلى المودودي، الهندي المنشأ والنسب، بانفصال المسلمين عن الهندوس، توطئة لوحدة الأمة على أساس ديني لا عرقي، لأن الأصل في الانتماء إلى دار الإسلام، وتشدّد في مبدأي الحاكمية والجاهلية، يجاريه أبو الحسن الندوي، ناشراً كتابه المرجعي "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" (1944).
أخذت الدعوات الإحيائية تحاكي الذاكرة، مثالها عهد ذهبي مضى، في انتظار توافر شروط القيامة، المفقودة آنذاك. وحيث أخمدت الحرب العالمية الثانية الحراك الموضعي، فقد تلتها أحداث جسام ثلاثة بالتتابع وبفاصل سنوات، بدَّلت اللوحة العامة، وهزّت المشاعر من الأعماق. قامت باكستان بقيادة محمد علي جناح دولة على دين الإسلام، مكسورة الجناح في جامو وكشمير، وسقط معظم فلسطين بأيدي الصهاينة على مذهب اليهود، ثم انطلقت الثورة الجزائرية عام 1954 باسم من عرّفهم المستوطنون بالمسلمين لا بالجزائريين. مذذاك ربطت نزاعات عديدة تمحورت حول الهوية جرّاء مظالم الغرب الاستعماري، ثأرية الشحنة، سرعان ما ارتابت من الولايات المتحدة وناصبتها العِداء بوصفها قاطرة استعمار جديد، وأجازت انتهاز المدد والدعم من القطب الآخر، السوفياتي، على سبيل إباحة الضرورات للمحظورات، واستثمار العداء المشترك للإمبريالية. فقد نفر دعاة الصحوة الإسلامية بالسليقة من محمول الشيوعية المادية، المكروه شرعاً والملتصق بالأممية، وانفضت عنهم نسبياً وبخفر الحركة القومية العربية الصاعدة مع الناصرية، عمودها الفقري، والمتناسلة فروعاً بعثية وعروبية ممركسة ومشتقات. ولئن حظيت الولايات المتحدة بادئاً بفترة سماح، رصيد أفكار ويلسون ومواقف روزفلت، انقلب الأمر حيالها، مع مشاريع جون فوستر دالس، ورفض البنك الدولي تمويل مشروع السدّ العالي بإيعاز من واشنطن. بدوره، كسب الاتحاد السوفياتي ودّ شعوب الشرق في مرحلة أولى، تميزت بعمق خصامهم مع إمبراطورية لا تغيب الشمس عنها، وإيجابية أتاتورك ورضا شاه تجاه الثورة اللينينية البلشفية التي بادرت أيضاً إلى قرع باب آل سعود. ومن منتصف الخمسينات، عمل السوفيات على إزالة رواسب الاعتراف بإسرائيل، بعد أن انتصروا للناصرية وحركة التحرر العربية، وأغدقوا المساعدات على الأنظمة التقدمية المناوئة للدولة العبرية وللأحلاف.
امتصت الحقبة الدستورية منسوب التطرّف الديني، كما استوعبت معانقة أوساط ناقمة على الإنكليز (والفرنسيين) للنازيّة عشية الحرب، والرهان على الماريشال رومل لدحر مونتغمري وأعوانه في أفريقيا الصحراوية. كانت حركة رشيد عالي الكيلاني ورفاقه الضباط في العراق أبرز مظاهر التمرّد، وتمّ إخمادها بالقوة، فيما رفض المفتي أمين الحسيني الكتاب الأبيض واستمرّ على مغازلة ألمانيا النازية رمزاً للإسلام الجهادي الرسمي بعد فشل ثورة 1936 ومقتل ركنها الشيخ عز الدين القسَّام.
بعيد حرب ضروس حطّت أوزارها عام 1945، ذبل التعاطف مع المهزومين، ولاحت بوادر الاغتيال السياسي كأسلوب بائس لجأ إليه الإخوان المسلمون، فاتحة توسّل العنف سبيلاً إلى تغيير المعادلة القائمة، بينما انفجر الصراع المهووس في الهند، مخلّفاً عشرات آلاف القتلى، تبارى من خلاله غلاة المسلمين والهندوس تحت راية الدين. في الفضاء العربي، جاءت عناقيد الغضب مغايرة، إثر ضياع فلسطين على يد الهيئة العربية العليا بقيادة مفتي الديار، وفشل الجيوش العربية مجتمعة في إنقاذ الوطن السليب، إذ أنجبت السخط على المتخاذلين (والمتآمرين)، وهيأت لنمط قادر على غسل عار الهزيمة، قوامه منظومة تتكىء على الرافعة القومية وتطيح بأنظمة الهزيمة، وأداته من صلب المتطلعين إلى الوحدة ونبذ التبعية، حاملي الفكر الثوري التحرّري في خلايا حزبية وعسكرية سرّية تؤمن بالعروة الوثقى. وعلى وجه المقارنة، يمكن إيجاد رابط مسلكي بين هؤلاء القادمين إلى واجهة الأحداث وأولئك الذين انبروا من قبلهم، عسكريين ومدنيين، في منظمة العهد والجمعيات السرية، للدفاع عن الشرف العربي، وحلموا بدولة جامعة تعيد الأمجاد.
وعدٌ بأحرف عربية ترك العباءة الدينية للمناسبات، وثأر نودي به، وقف عند عتبات إسرائيل من كل صوب. تدحرجت تيجان وهوت عروش ورئاسات على رجاء قفزة نوعية، وختمت عقدين هزيمة مدوِّية جديدة غابت عنها دسائس السفارات، وحفظ ماء الوجه فيها الفيلق العربي المعاد تسميته جيشاً أردنياً موالياً للعاهل المستضعف. ثم تبدّلت الأحوال، وكفلت المقاومة الفلسطينية المراد الشعبي إلى حين غياب عبد الناصر وجلائها عن الأردن غداة أيلول الأسود، تظنّ بالأنظمة التقدمية وترفع شعار الحرب الشغبية بديلاً. إلاّ أن جبهتي مصر وسوريا اشتعلتا عام 1973، خلافاً للمتوقع من القيادة المصرية المعقودة اللواء لأنور السادات، الرئيس المؤمن العامل على تصفية مواقع النفوذ ذوات الصبغة الناصرية، ومطارد اليسار.
ارتاح الإسلاميون المصريون من ثقل ميراث عبد الناصر، وخالوا أن طلب ودّهم قد بان، ليُفاجأ الجميع مجدداً بالحدود المرسومة لحرب التحرير في سيناء، وبولوج مصر الساداتية عصر الانفتاح، وتجاوبها مع صديق زعيمها، هنري كسينجر، الذي أسفرت رحلاته المكوكية عن هندسة تصالحية مع إسرائيل، آلت إلى زيارة القدس من جانب الطرف المصري وخطاب شهير في الكنيست الإسرائيلي، تبعه اتفاق كامب دايفيد برعاية الرئيس الأميركي الجديد كارتر. هكذا غادرت مصر الصف والإيديولوجيا، وعقدت صلحاً منفرداً، تبرَّأَت منه دول الجامعة العربية ونقلت أمانتها إلى تونس، علَّها تعزل المتهاونين.
أضحى السادات فرعون مصر الحديث، تلاحقه لعنة القائلين بحرب الوجود والشرّ الإسرائيلي المطلق باسم الغيرة على الدين، ويعاديه جميع أهل التحدِّي والصمود على خطى الثنائي البعثي في كل من دمشق وبغداد. انتهى مفهوم دول الطوق ومفعول فكّي الكمّاشة المصرية-السورية، لا بخروج مصر من الساحة وحسب، بل أيضاً، باتفاق فصل القوات المعقود على جبهة الجولان، الذي لن يخرق البتة، ويستعاض عن التقاعس السوري بمناوشات جانبية تستهدف الجليل وإصبعه انطلاقاً من لبنان. ولم يجد اغتيال السادات المروّع من جماعة الجهاد الإسلامي في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، سوى أنه أذن بدورة عنف سوف تقود الملاحقين إلى كنف بن لادن وأرض أفغانستان، وتلجم طموحات الإخوان المسلمين في الانقضاض على السلطة، ما ساور إخوان سوريا ورماهم في مغامرة كلّفتهم مجزرة حماه. فعوض سواعد شباب التقوى، بانت أنياب الأسد وقضي الأمر شلاَّل دم تحت أنظار خالد بن الوليد.
على هذا النحو، اختصرت سوريا البعث بسوريا الأسد خلال عقد من الزمن، شهد صعود الغريم التكريتي اللدود صدّام حسين من سيادة النائب إلى سيادة الرئيس، القائد الأوحد على ضفاف دجلة، ذي القبضة الحديدية والباع الطويل. طوال ربع قرن، اختلط فيه البناء بالتنكيل والحروب الصغرى والكبرى، كتب على العراق دفع أغلى الأثمان، وسجّلت كل مرحلة في عهدة الفارس تساقط النشامى من حوله، حتى أفرغ حزب البعث من رفاق الدرب، والتحقت كواكب المغضوب عليهم تباعاً بقوافل المعارضين والمعترضين، فلم توفر آلة القمع مكاناً لهم إلاّ تحت التراب، وغالباً ما حرمتهم الشواهد، لمزيد من التشييئ. هكذا بكى العراق شيوعيين وكرداً وشيعة ومُعمَّمين، كما ناح على بعثيّين أوفياء وقوميين عرب وعدد لا يحصى من البسطاء الصابرين.
خبرت الأنظمة التي أطلقت عليها صفة التقدمية عنفاً عضوياً فاق المرتكب لدى المحافظين. وكلما تستّر انقلابي بالإصلاح الجذري، انقلب على حقوق الإنسان في أبسط تعاريفها، وتولَّى مهمة إقصاء مساويه ومنافسيه المحتملين ضمن حلقة المشاركين في "الثورة". اكتسب كفاح الجزائريين وسام الثورة الشعبية بامتياز، لكن القليل رشح عن التقاتل والتصفيات داخل جبهة التحرير الجزائرية، المجتمعة على استئصال معاوني ومهادني السلطات الفرنسية. الحال أن أمراء الوحدات ونظّار الولايات قسوا وحاكموا ميدانياً وأرعبوا المتلكئين من الالتحاق بصفوف الجبهة، وما تورّعوا عن إنزال العقاب الجماعي حين اقتضى الأمر. ولعلّ رهطاً من شهداء الثورة إنما سقط بنيران صديقة عمداً. فليس ما أوردته الرواية الرسمية بعد نيل الاستقلال بمطابق لمجريات الساحة خلال الكفاح المسلّح، عملاً بأساليب الحرب النفسية المضادة، والشك الذي أحاط بالمعتقلين والمستجوبين، خشية تسلل العملاء إلى التشكيلات المقاتلة، واستثمار الفرنسيين التعذيب لانتزاع الاعترافات وإضعاف مناعة المجاهدين بغية استخدامهم كمخبرين. إن مفاد تلك الحقبة الصمت حيال العنف المنهجي، وتدارك إيقاظ الأحقاد الدفينة في جوف المجتمع الجزائري، لكن جنوح الجماعات الجهادية نحو الصدام الدموي إثر إحباط جبهة الخلاص الإسلامية بداية التسعينات أتى بالدليل على تأصّل نزعة العنف، واتصالها بموروث وممارسات لم تكن غريبة أو لم تدن في المطلق من ذي قبل.
على الرغم من مكانة أسرة السنُوسي الدينية، ووقوفها على طريقة لها مريدون واعتبار، جرف القذافي ورفاقه الضباط حكمها وآثارها في الفاتح من سبتمبر عام 1969. انقلاب لَقَّنَ شعب ليبيا أنه ثورة، انتسب إلى الموجة الناصرية، باحثاً عن تقليعة أوديبية وجدها في الجماهيرية والكتاب الأخضر، وتحرَّرَ من كل قيد بعد وفاة عبد الناصر، فخصَّ العقيد الشاب بالولاية الشاملة على قاصر مدى الحياة. انتدب القذافي نفسه منارة للأمم، بدءاً بشعبه المدجَّن جرّاء تطهيره من أعداء الثورة المنافقين، فاستوى وحيداً على سُدّة الأمر والنهي، وباتَ لا يعرف لليبيا عنوان سواه، وحُرِّم مجرد ذكره من أوته السجون والمنافي، ومن غاب غيلة عن لوحة الأحياء ودفن حياً في الصحراء . يتعذَّر إيجاد مثيل لقائد الجماهيرية (وملك ملوك أفريقيا مُؤخّراً) عبر التاريخ والجغرافيا، ويستحيل قياس أفعاله بمكاييل العصر، حيث نجمت عن حسابات نرجسيّة جامحة تؤول إلى إصدار الحكم الخفيّ بالإعدام نزوة تضاف إلى سابقات. يزيد الأمر إيلاماً، أن غالب الأسرة الدولية طلب رضاه لقاء امتياز نفطي أو استثمار مالي، فهو صاحب ليبيا وسيِّد المكرمات، ما لم توفره موارد اليمن السعيد لقادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إبّان الانفصال.
وفي اليمن الجنوبي، أعلن الحزب الاشتراكي اليمني انتقاله إلى الماركسية اللينينية بأجنحته المؤتلفة القادمة من حركة القوميين العرب والمجموعات اليسارية، وهدم، في لحظة، البيت المشترك على ساكنيه، ليعود إلى قبلية ثأريّة دمّرت الوعي المكتسب، وبيَّنت أن الاشتراكية العلمية قشرة طفت على سطح البناء السياسي. اقتتل الرفاق اليمنيون بضراوة، أين منها صراع الإخوة، وعالجوا الخلاف السياسي بالمدفعية، تدكّ المؤسسات، وتساند الجموع القبلية المسلحة المنحازة غريزياً إلى هذا الفريق أو ذاك. بذلك طويت صفحة مجنونة امتزجت فيها البداوة والطليعية على الطراز السوفياتي، كان للأولى بصمات على منطق التحالفات ومسار الأحداث، وللثانية أدوات نظرية مقرونة بشبق السلطة وامتلاك السلاح الحديث.
وفي المحصلة، ركام ودماء سالت في المهاجع وعلى الطرقات، كأنما استعجال التاريخ عود على بدء، واقتباس من ستالينية داهمت بيئة اجتماعية متخلِّفة، قابلة لحسم النزاعات الفوقية بالاحتكام إلى التصفيات المتبادلة وامتشاق السلاح.
وسط غابة من السلاح ضمنت منظمة التحرير الفلسطينية التمثيل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني على أرضه التاريخية وفي الشتات. ثم لياسر عرفات ما عجز الشقيري عنه بشططه اللفظي المحموم، مستوعباً التفتح الفصائلي تحت خيمة الثورة، وما كان لوحدة الصف، الشكلية غالباً، حظها من المظهرية لولا براعة أبي عمّار وثقل فتح. إنما وجّه أبو نضال(صبري البنا)، المنشق عن فتح، طعنة بليغة لحاضنة المؤسسة الفلسطينية، إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن وانكفاء القيادة إلى لبنان، فاتحة مسلسل دامٍ طال الإخوة، وتشبّه صنّاعه برسل حسن الصبّاح من الحشّاشين. لن توقف الإدانة المتكررة أداة القتل هذه، التي تحولت إلى جماعة مرتزقة يجري توظيفها واستخدام خناجرها من أرباب الأنظمة لتصفية الحسابات، والنيل من استقلال القرار الفلسطيني، وفيما أدار أبو عمار بحنكة لعبة النظريات حول فتح، وشجع أيضاً تناسل الفصائل، غدا الحكم الأوحد في المنازعات داخل البيت الفلسطيني، غير أنه فشل في القضاء على أبي نضال.
ليس مصادفة تزامن الرحيل الفلسطيني الرسمي عن لبنان مع ولادة حزب الله. فلقد ظنّ كثيرون أن الوليد خرج من رحم حركة أمل الشيعية بعد غياب المؤسس السيد موسى الصدر. الصائب على ما أفادت به مفكرة السنوات، بينما جاء تأسيس حزب الله برعاية إيرانية مباشرة، حيث اتخذ من الحرس الثوري عرَّاباً أمسك بيديه وقاد خطاه. بعدئذٍ تولّت أمل حرب المخيمات للإجهاز على حضور منظمة التحرير الفلسطينية في ضاحية بيروت الجنوبية، ما كلف المقاومة الوطنية الكف عن نشاطها ومطاردة مجموعاتها، بناءً على إملاء سوري حازم تبرّم من استقلالية طابعها المدني، ومن رفض محرّكها اليساري المشاركة في قهر الفلسطينيين وتطهير بيروت من شوكة في خاصرة مشروع الهيمنة الشامي العائد إلى العاصمة اللبنانية. نالت أمل حصتها في كنف الهندسة "الأخوية"، ودفعت بدورها ثمناً بشرياً باهِظاً لقاء إسناد المقاومة إلى حزب الله منفرداً، في صدامات دموية معه شملت معظم الجنوب وأرست، في النتيجة، غلبة الحزب الصاعد كوكيل معتمد للمحور الإيراني-السوري، أُنيط به تنفيذ العمليات العسكرية في الشريط الحدودي المحتلّ، وتجسيد المقاومة روحاً ورسالة ومسمّى. مذ ذاك اقتصر دور حركة المحرومين المدجّنة(أفواج المقاومة اللبنانية- أمل) على المحاصصة في السلطة، هياكل وأجهزة، وتوفير الغطاء والإسناد لشقيقها الجهادي الموثوق وفق معادلة بينية ذات وجه ثنائي، واكبت التمدد الشيعي جغرافياً والتموضع المذهبي الفاعل بين سائر المكونات في لبنان الساحة وعلى خطوط التماس مع العدو.
خلال العقد الأخير من قرن حافل بالتحولات، إنقلبت التحالفات وانسحب الجيش الأحمر من أفغانستان، تلاه انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، واحتلال صدّام حسين للكويت، ليطرد منها في حرب الخليج الأولى بتحالف قادته الولايات المتحدة التي رابطت قواتها في المنطقة المتاخمة، وحملت ديبلوماسيتها على عقد مؤتمر مدريد وإجراء محادثات عربية/إسرائيلية شاملة فشلت في إنهاء النزاع. حينها بدأت أفواج الأفغان العرب بمغادرة أفغانستان بعد انتصار المجاهدين، فيما أطاحت حركة طالبان بالفصائل المتنازعة على السلطة، واستقرت في كابول العاصمة. كما سمح اتفاق أوسلو إثر مفاوضات سرية منفردة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بدخول ياسر عرفات إلى الضفة والقطاع، وقيام سلطة وطنية محدودة الصلاحيات. في المجمل، فتحت غير قناة اتصال برعاية أميركية، كادت أن تصل إلى خواتيم بين سوريا وإسرائيل، تعثرت في اللحظة الأخيرة، دون إغلاق ملف المفاوضات.
جلست المنطقة على قاب قوسين من حلول ممكنة، لم تنضج، إنما لاحت معالمها في الأفق غير البعيد، تترنَّح ولا تصل إلى طريق مسدود بالكامل، إلى أن حلّ الزلزال.
فقد صحا العالم في السنة الأولى من الألفية الثالثة على غزوة نيويورك (واشنطن) التي أدّت إلى محو برجي مركز التجارة العالمي(وتدمير جزئي للبنتاغون)، مخلفة حوالي ثلاثة آلاف قتيل في قلب الولايات المتحدة الأميركية، دون سابق إنذار. افتتح القرن، بعد عقد من انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، بعمل إرهابي مروِّع نفذته جماعة انتحارية وتبنّته منظمة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن المتعاون مع طالبان في ملاذ أفغانستان، أثبت ان سقوط الثنائية القطبية، وبالتالي تصدّع معادلة الرعب النووي، لم يمنح القوة العظمى مناعة كافية تضع أراضيها في مأمن من الاعتدادات. سوف تؤكّد عمليتا احتجاز الرهائن في بيسلان وموسكو آفة الإرهاب، وتصيب روسيا في الصميم، بخسارة بشرية كبرى ونتيجة كارثية على صعيد إجراءات المواجهة.
أخذت المعمورة علماً باستحالة تفادي ضربات الإرهاب المتنقل والمعلوم انطلاقاً من بؤر نزاعات مزمنة، استوطنت القوس الممتد من كشمير إلى البحر الأسود، وتابعت تزويد الدول المعنية بالتضييق على نشاطها، عينات مخيفة أوقعت ضحايا بريئة بالآلاف. فكيفما أجريت المقارنة مع سابقات مكائد عرفها التاريخ، تبدّى هول الظاهرة المنبعثة مطلع زمن موعود بالمنجزات العلمية، أفرج عن انتحاريين متمرِّسيـن بالوسائط الحديثة يستخدمون التقنيات ويربطون الأرض بالسماء. رسل الموت الصاعق تهيأوا وقدموا، تاركين وراءهم الرسالات الصوتية المفعمة بعبارات التقوى ودوافع الجهاد، ولا من كابح مصدره الناسوت قادر على إيقاف زاهد بحياة فانية تأبط اللاهوت.
هي السياسة أصل العلَّة، راكمت مظالم شُخص داؤها عصياً عضالاً من جانب سعاة الجنة، ولم يجدوا لها دواءً سوى العنف العشوائي، وان اقتضى العلاج التضحية بالذات، والركون إلى ماضوية تفرز البشر معشر كفر مصيرهم الهلاك، وأهل صلاح لهم الرفعة والبقاء. على قاعدة السفسطائيين، بنيت نظرية قوامها خير مطلق منبته العقيدة على وجه حصري، يقابله شرّ مطلق، نصيب المِلل المغضوب عليها والنحل القابعة في الجاهلية، وجاز إعمال السيف في رقاب حلفاء إبليس. وفي سياق مانوية لفظت الرحمة تمزق جسد شاه مسعود، أسد بانشير، إرباً، إيذاناً بمسير أفراد الغزوة الكبرى إلى قدر محتوم مع ضحاياهم، كما قوبلت بناظير بوتو بحزمة ناسفة أردت بالعشرات معها، عقاباً لنهجها المدني، وتطايرت رؤوس أمراء الجهادية تباعاً في الجزائر. ولم تفلح جماعة المحاكم الإسلامية في درء انشقاق حركة الشباب عنها في الصومال، وإلباسها ثوب الخيانة توطئة للحرب الشاملة عليها. أما في غزة، فقد بلغ المشهد السوريالي أوجَّه بعد طرد فتح من القطاع وتصفية المئات من كوادرها وناشطيها، حيث أمعنت حماس في التصدي للانحراف وجيوبه، وأمطرت جند الإسلام المتحصّنين في المسجد بالقذائف والرصاص، فهلك منهم نفر تحت الركام، وانتهى الناجون إلى استسلام مُذلّ.
تسلّق الإرهاب جدار العولمة، فإذا بهذا النمط يجتاح الجغرافيا البشرية، ويتحوّل إلى طارد لمأسسة السلطة يُغير على الآمنين بذريعة إلحاق الهزيمة بالظالم وتطهير الأمة من المذلة. هكذا بات الترويع مدخلاً إلى نصرة العقيدة والقيامة في يوم الدين على أرض مخضّبة بالدماء، يحتج على مألوف تعاطي القوس السياسي مع مسألة الهوية المؤسطرة، وسبل رفع الظلامة، ويدين انحراف كثرة المتخاذلين من ساكني أرومة السلطة وحملة الأفكار الهدّامة، وكل عامل على طيّ نزاع وإرساء وفاق. إرهاب وليد العنف في أعلى مراحله، حاقد على مدارس السياسية والإدارة والعلوم، منغلق على ذات أبدية محنّطة، توسّل كل صنوف القتل، وأخذ الأبرياء بجريرة المستهدفين، ووجد ملاذاً في كنف نظم الاستبداد وأجهزتها التي أوت صانعيه وضلعت معه في الخفاء، مرجعة إليه الأعمال القذرة والاغتيالات الموصوفة، وهو فخور بوقعها، يعلن مسؤوليته عنها عبر الإنترنت وعلى الشاشات. ولقد نشأت جرّاء هذا التوضيب علاقات زنى ملتبسة غير مستقرة، افتقدت عنصر الثقة المتبادلة، وأدّت عند الضرورة إلى الإخلال بالتفاهمات السرية والارتداد على شاكلة صفقات سوريا حيال كل من أوجلان وكارلوس والمجاهدين المرسلين لمحاربة الأميركيين في العراق. تعريف الإخوة الأعداء
حان وقت تعريف الإخوة الأعداء كما لحظه القاموس المعمول به إقليمياً. يعشق العرب بيان نسب الأفراد، ولهذه الكلمة فعل السحر لديهم إذا جاورها الحسب. كما خصَّت لغة الضاد الأقارب بمسمّيات يفتقدها سائر الألسن مثال الخال والأخ(غير الشقيق) وسواها. لذا، يعتبر عبد الخالق محجوب أو فرج الله الحلو وكذلك شهدا عطية الشافعي إخوة جلاّديهم في حركة التحرر الوطني، وإن انتموا إلى الفصيل الشيوعي، ونالوا جزاءهم على حبل المشنقة أو إحراقاً أو بالأسيد. في الحقيقة، أعطي عبد الخالق محجوب نوعاً من التفضيل حيث أمضى النميري الحاكم آنذاك الليل معه عشية الإعدام في الزنزانة، يناقشه أحوال السودان ومبادىء الاشتراكية العلمية، ما لم يشفع بالسجين المشرف على الموت. دفع الشافعي ضريبة تدجين الحركة النقابية في مصر مع صعود جمال عبد الناصر، فاطمأنّ الجناح الإسلامي داخل حركة الضباط الأحرار إلى إخراس الطبقة العاملة في معقلي كفر الشيخ وكفر الدوار، بينما زُجَّ بكبار مثقفي مصر اليساريين في ليمان طرّة، بمن فيهم نبيل الهلالي ابن نجيب الهلالي رئيس الوزراء في نهاية العهد الملكي، وأعلام الفلسفة والاقتصاد والنقد الأدبي الذي شكلوا طليعة النخبة العلمية المناوئة للفاشية والاستعمار. أما فرج الله الحلو اللبناني، فقد تربَّص به جلاوزة المخابرات الشاميّون بإشراف عبد الحميد السرّاج، صيانة للجمهورية العربية المتحدة وللمد الوحدوي السائر نحو تعقب صانعيه في سوريا بلوغاً لانفصال سريع دمّر تجربة الوحدة وحطّم الأحلام الوردية المعقودة على الأخ الأكبر.
على تخوم حركة التحرر الوطني، يعيد إعدام مؤسس الحزب السوري القومي وزعيمه أنطون سعادة، إلى باكورة منجبات الحلقة الأولى من الانقلابية في سوريا. آمن سعادة بالنهضة القومية وأسس لها حزباً عاملاً على مساحة الهلال الخصيب، مجال سوريا الكبرى الحيوي، فاستلهم تعاليم فلاسفة عصر القوميات الجرمان، واستعار من الفاشية مبادىء التنظيم الحديدي. وليس بمفارقة أن يستمرّ نصير المهزوم ينمو بعد تحطيم ألمانيا النازية وحلفائها، حيث كان الاستقلال عن بريطانيا وفرنسا راية الوطنيين في المشرق العربي، وقضية وجودية في ذاتها طعنها إفراغ فلسطين من سكانها الأصليين واغتصاب معظم أراضيها من مهاجرين يهود أعلنوا دولة إسرائيل كياناً بديلاً شرَّد شعبها المقهور وطمس هويتها العربية. خدع حسني الزعيم الضابط القابض حديثاً على سوريا سعاده اللبناني داعي وحدة بلاد الشام، فوضع خاتمة أليمة لانتفاضة الحزب المسلّحة (الثورة الأولى في أدبيات القوميين الاجتماعيين)، بتسليمه موقوفاً إلى السلطات اللبنانية التي نظمت محكمة صورية على عجل وأعدمت سعاده في اليوم التالي بالرصاص.
من النافل إرجاع مقتل سعاده إلى الثقة التي خصّ حسني الزعيم بها، وتوسم خيراً به في المعتقد والميدان. أقدم الزعيم على خيانة سعاده المستجير به بدافع انتهازي سلطوي، وشارك لبنان الدستوري خطيئته الوحيدة(والصارخة) في هذا المجال. والعبرة في تزامن التصفيات الأخوية على نار قوميّة خفيفة مع بدء مسلسل الانقلابات. لن يتوقف التنكيل عند حدود، وسيتسلق قمم الفظاعة والابتكار بين ذوي الأرحام حزبياً وحركياً حيث دارت سنة دورتها وذرّ خلاف قرنه.
اكتسب أنصاف السحرة الحيطة من أمير ماكيافيلي، والتعصب القومي من أكسل شبرينغر، إنما غفلوا عن سائد أفكار في عصرها ومنحاها الثقافي. وإمعاناً في المغالطة، هربوا من ماركس باسم اشتراكية عربية خالية من علائق الشيوعية، وما راقت لهم اشتراكية دولية رفعت لواء الديمقراطية، لا لتحريفيتها الإصلاحية، بل لاشتباكها الباكر مع الثورة الجزائرية ومن ثم مع مصر الناصرية، وانحيازها إلى حزب العمل الصهيوني المشارك في هيئاتها. هكذا تحوّلت الأصالة النابعة من القيم عربوناً لنهج انتقائي، خلّف تدابير" اشتراكية" لم تعمِّر طويلاً وقطاعاً عاماً أشبه برأسمالية الدولة، وهزائم عسكرية في مواجهة إسرائيل، واعتنى أساساً بأمن السلطة لا بأمن المجتمع وحصانة الفرد، مقلاً في الحقوق العامة ونشطاً في تفريخ أجهزة المخابرات. وعليه، تمخّضت الثورات وحركات التصحيح الخارجة من أرومتها عن مقادير عالية من الكيفية والكيديّة في الحيِّز العام، ما خلت من عامل الانتقام الجاهز والارتياب مما يعدّه ساكنو البيت الواحد في ظلمة الليل.