eKtab
EN ع
الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ - الجزء الثامن
اقرأ عينة مجانية

الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ - الجزء الثامن

بقلم د. عبد العزيز المفتي

صفحة 1

كلمة الباحث

1. كنت أسأل في الكثير من الأحيان وأمام الأصدقاء في المجالس الاجتماعية والسياسية عن القضية الكردية والوضع في شمالي العراق (كردستان العراق) ... فكانت إجاباتي سطحية لعدم الإلمام بجوانب القضية الكردية وجذور المشكلة .... وكنت ألاحظ في نفس الوقت أكثرية إخواني العرب عندما يسألون ليس لديهم أية فكرة عـن إخوانهـم الكرد (أصلهم، تاريخهم، عاداتهـم، معتقداهـم، إماراتهم، دولهم، مناطقهم، حركاتهـم وانتفاضاتهم، عوائلهم أو العشائر الكردية ... الخ).

2. وفي الأيام القريبة الماضية استفسر مني صديق وفيّ عزيز عليّ: ما هي الأوضاع حاليا في الشمال (كردستان العراق) وبعدما أجبته بما أعرفه بصدق عن الوضع هناك قال إذاً كيف لا نستطيع إيجاد الحلول المناسبة لكل تلك الخلافات والمشكلات، وإلى نقاط التقاطع والخلاف ... وأثناء الحديث عن وجهة النظر في موضوع الأكراد وكردستـان ... قال صديقـي العزيـز إن شاء الله نلتقـي بشكل مستمر لنتباحـث عن هـذا الموضوع الذي أشغل العراق فترات طويلة حيث نبدأ من نقاط الالتقاء نحو نقاط الافتراق، للحيلولة دون قتال الأخوة فيما بينهم. وقال أحاول بكل جهدي أن أوصل الحقائق إلى المراجع والقيادة، عسى أن نصل إلى ما يرضي الطرفين من أجل وطننا العزيز العراق.

3. وعند عودتي فكرت أن أكتب شيء عن الموضوع ولكن كيف أبدأ بهذا الموضوع الشائك الذي كتب عنه الكثير وفي نفس الوقت اللقاءات المستمرة بين الحكومة وعدد من قيادات الأكراد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فقلت مع نفسي سوف أتوكل على الله إذ بدأت بقراءة كثير من المصادر التي كتبت عن الأكراد والحركة الكردية ثم مناقشة الكثير من المثقفين العراقيين (عرب وأكراد) حول المشكلة الكردية فتوصلت إلى هذا البحث البسيط متمنياً أن أكون قد وفقت من أجل إيجاد حلول جذرية للمشكلة الكردية في عراقنا الحبيب وترسيخ أخوة العرب والأكراد.

ومن الله التوفيق

الباحث الدكتور

عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين أول 2012

وخلال تواجدي في الأردن لهذه السنوات كنت أسأل دائماً من قبل العراقيين المتواجدين هنا وهم من جميع الفئات الاجتماعية والاتجاهات المختلفة وكذلك من إخواني الأردنيين عن الأكراد من هم وماذا يريدون (مطالبهم) ... الخ من الأسئلة.. (مما جعلني أن أعود إلى الذاكرة وما كتبته في حينها بالنص الكامل مع بعض الإضافات حسب تطور الموقف خلال هذه الأعوام ... لإمكان إيصال شيء بسيط عن قوميتي الكردية إلى إخواني العرب، فالقليل منهم كانت له معلومات جيدة ومتعاطف مع هذا الشعب المضطهد خلال هذه الفترة الطويلة من الزمن حيث لم ينصفه القريبين أو البعيدين من هذا العالم بغربه وعربه ... وعليه أقدم هذا الجهد المتواضع لكل أولئك الذين يبحثون عن الحقائق والذين يريدون الخير للعراقيين جميعاً ...

ومن الله التوفيق

الباحث الدكتور

عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين أول 2012

صفحة 2

التقديم

في عام 1997 زارني صديقي وزميلي في سلاح الدروع العميد الركن عبد العزيز المفتي مؤلف هذا الكتاب ليأخذ رأيي حول فكرة طرحها عليه أحد زملائنا المعروف بعلميته وواقعيته (اللواء الركن كمال مصطفى) وهو من أقرباء الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، على أن تعرض هذه الفكرة كمشروع بحث علمي وواقعي عن القضية الكردية، إذ يتوقع أن يكون تأثيره مناسبا ومفيدا للقيادة العراقية العليا في أعادة النظر في موضوع القضية الكردية الشائكة، خاصة عندما يعرض هذا البحث من قبل رجل عراقي كردي عسكري وطني مستقل سياسيا عرف بشجاعته الميدانية خلال حربنا الطويلة مع إيران، وكرجل عرف أيضا بمصداقيته وبصراحته، وقد وجدتها مبادرة قيمة ومفيدة لخدمة الأمن الوطني العراقي من رجل أحترمه وأثق به كثيرا، إذ عملنا عن قرب في قوات الحرس الجمهوري لمدة طويلة، وعليه وجدت من المناسب جدا تشجيع صاحبي لتنفيذ هذه الفكرة وإخراجها وفق سياق البحث العلمي الرصين، ونتيجة للظروف الصعبة التي مررنا بها والمسؤوليات القتالية للدفاع عن وطننا آنذاك، لم ألتقي صاحبي ألا بعد احتلال العراق بأربعة أعوام ونحن لاجئان في المملكة الأردنية الهاشمية لكل منا سبب مختلف عن الآخر لكنه متطابق بالنتائج، ومن خلال مراجعة الحوادث فيما بيننا سألته عن ذلك المشروع الذي كلف به آنذاك، فأخبرني أنه قد أعده وسلمه آنذاك للجهة التي طلبته، ثم وعدني بإطلاعي على نسخة منه، وعندي تصفحي لذلك البحث وجدت فيه كل ما ظننت به خيرا، وقد أستقر رأي الباحث بعد وفرة الوقت لديه من تطوير بحثه وتوسيعه ،حتى أتى أكله ولو بعد حين، ككتاب موسع جدا حول حقيقة الأكراد ووقائعهم التاريخية منذ بداية التاريخ الإنساني وليومنا هذا تقريبا، واليوم وقد تغيرت الظروف والسياسات وبات العراقيون الأكراد الجزء الحاكم والمسيطر في النظام السياسي الجديد وفقا للدستور الحالي الذي خدمهم كثيرا.

وحين عرض علي مؤلف كتابنا هذا، موضوع (تقديمه)، تقبلته دون تردد لأسباب أخلاقية ووطنية عديدة، منها إذ أرى نفسي تلميذا مجتهدا في التاريخ بشكل عام، وكباحث في التاريخ العسكري الوطني بشكل خاص، وكذلك لأهمية عرض الحقائق والوقائع بمصداقية لجزء أساسي من مكونات التاريخ الاجتماعي والسياسي والأمني العراقي عبر التاريخ الحديث والمعاصر الذي مثلته القومية الكردية فيه وقد غيب جزء مهم من تاريخها في مراحل من تاريخنا الحديث، وكذلك للمساهمة في تحقيق غاية شريفة تخدم وحدة مجتمعنا ووطننا العزيز العراق في ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية معقدة جدا قد تتسبب في تقسيمه ومن ثم إنهاء وجوده الحي لا سمح الله، وأخيرا احتراماً لرغبة أخ ورفيق سلاح عزيز كريم أفتخر به كثيرا، والذي أستشهد ولداه الوحيدان محمود ومحمد وخسر كذلك وظيفته نتيجة مبدأيته وقيمه الأخلاقية والوطنية السامية.

لاشك أن من يتصدى لمثل هذه الغاية آنذاك لم يكن عملا هينا أو آمنا في ظل ظروف سياسية صعبة ومعقدة وفقا لطبيعة النظام السياسي الذي كان يتصف بالتطرف والشدة في تعميم أفكاره وأيديولوجيته من وجهة نظر قومية عربية أحادية، ومهما حاولت وجهة النظر تلك من تسويغ أطاريحها للقوميات غير العربية التي تمثل مكونات أساسية من الشعب العراقي لغرض احتوائها، ألا أنها فشلت في ذلك إذ شكلت لها اضطهاداً معنوياً غير مبرر، ناهيك عن نتائج حرب الخليج الثانية (أم المعارك) وحجم الأضرار التي لحقت بالعراق وشعبه نتيجة سلسلة من الانتفاضات السياسية إضافة لنتائج الحصار الاقتصادي والسياسي، وكذلك اليوم أيضا لم يكن من السهل تحقيق غاية هذا الكتاب والجزء المتحكم في سياسات النظام السياسي العراقي الحالي هي تلك القيادات الكردية التي قادت سلسلة طويلة من الممانعة المعنوية والإدارية والميدانية وهي تفرض حقائق وسياسات تبررها طبيعة أحزابها وطموحاتها القومية والمتطرفة أحيانا، ناهيك عن مقومات صراعها المستمر مع نهج الأحزاب الدينية المتطرفة في بغداد منذ بضع سنين، وهي مدعومة بالفكر والسلوك القومي السائد في الأوساط الشابة الكردية من مجتمعنا العراقي الذين ترعرعوا في كنف الانعزال عن الوطن الأم منذ عام 1991 وفق آراء ومفاهيم بالغت جدا في (ظلم العرب لقوميتهم الكردية) - الممثلين بالنظم السياسية العراقية المختلفة -، كردة فعل لعشرات من سنين الإهمال والتشكيك والاضطهاد الفكري والاجتماعي للأكراد في غياب الحكمة السياسية لمعظم تلك النظم السياسية السابقة والحالية، حتى نجد اليوم أن قلة من أولئك الشباب الكرد الذين يجيدون التكلم باللغة العربية، ومنهم من بالغ في كرهه للعرب حتى بدا لهم أن الإسلام ليس دينهم لأنه جاء بلغة العرب ومن الأفضل العودة للديانات القديمة كزرادشتية على سبيل المثال ؟مما شاع بينهم بسهولة قناعة جوهرها يشكل مشروع انفصال عن العراق وطننا ومجتمعا، وقد لعبت المصالح القومية الإسرائيلية والإيرانية والأميركية دورا أساسيا في خلق ظروف لبيئة واسعة أنتجت الكثير من الصراع المسلح بين الجانب الحكومات العراقية (تجسدت في العراقيين العرب) والقوى الكردية الثائرة من عشائرية وقومية (تجسدت في العراقيين الكرد) وعلى خلفية الوضع المعقد التي تركته السياسة البريطانية حال انتهاء الحرب العالمية الأولى حين لم تنفذ معظم وعودها للقوميات المختلفة التي كانت خاضعة لنظام الإمبراطورية العثمانية، وما تمخضت عنه اتفاقيتي (سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923).

أن جانبا آخرا من معضلة معد هذا الكتاب هو موضوع التخلص من نزعة التحيز وهي صفة إنسانية يصعب الفكاك منها، كعراقي كردي ينحاز لقوميته مهما حاول أن يكون منصفا، ذات الوقت الذي أتهمه الكثير من أبناء قوميته بأنه كردي بغدادي موالي للنظام السابق وقد تنكر لقوميته؟، ومثلبته الأخرى إذ كان مستمرا بالخدمة العسكرية لحين احتلال العراق وبرتبة لواء ركن، وأنه لم يعاني ما عاناه أبناء جلدته القاطنين في المناطق الكردية؟ مع العلم كان الكثير من أقرانه يعلم بحقيقة عدم انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد نظر أليه البعض من أصدقائه العرب آنذاك منحازا لقوميته على حساب المتطلبات الوطنية للمحافظة على وحدة العراق ،في حين قاوم هذا الرجل الكثير من إغراءات الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي بشكل صريح جدا، وفي مواقف محرجة حين عرض عليه ذلك الرئيس صدام حسين نفسه، ذات يوم حين كان يستمع له مع بعض الضباط عن أسباب خسارتنا لأحدى المعارك خلال حربنا الطويلة مع إيران.

صفحة 3

إضافة إلى جانب آخر من مشكلة المؤلف (المعقدة) هو كيفية الاطمئنان إلى مصداقية المصادر؟ والتي قد يكون قسما كبيرا منها يتصف بالتطرف وفقا لغايات من أعدها؟، كبريطانيون أو روسيون أو أكرادا أو عربا وغيرهم، وحتى في موضوع التسميات التي تطلق على المنطقة والعراق، فالمصادر التي تعتمد تسميات الإغريق تسمي العراق (بلاد ما بين النهرين) وهي منطقة غير محددة جيدا، مما يظن البعض منا بالمقارنة أن أسم (العراق ذو دلالة حديثة)، وزعم من زعم بأن البريطانيين قد صنعوا وطننا يدعى (العراق) عام 1920 ؟، في حين أن قسما كبيرا من المصادر الأخرى تشير إلى العراق كجغرافية وتاريخ إنساني منذ العهد السومري، ولهم حججهم ،وما أنعكس ذلك قديما في تسمية أحد أركان الكعبة المشرفة (الركن العراقي) وذلك قبل آلاف من السنين، ومنهم ما يثبت بأن العراق كان عراقان أحدهما عربي والآخر أعجمي أو كردي؟ وعليه تتطلب من مؤلف كتابنا هذا الكثير من الدقة والمراجعة كل حين.

إن معظم ما دارت عليه حوادث هذا الكتاب ترجع إلى منطقة أعالي ما بين النهرين (كردستان الشمالية) حتى شمالي العراق (كردستان الجنوبية) كما ذكرتها معظم مصادر كتابنا هذا، وهي تقع ما بين بحيرة (وان) في تركيا، وبحيرة (أورمية) في أذربيجان الإيرانية، والمناطق العراقية الشمالية المحاذية لجبال (حكاري) والتي كانت تتبع العراق سكانيا وتاريخيا حتى الحرب العالمية الأولى، إذ ضمت إلى تركيا فيما بعد وفق اتفاقية (لوزان)، هذا المثلث عرف تاريخيا في المصادر العربية والسريانية بـ (إقليم الجزيرة)، ويمتد غربا حتى نهر الفرات في سوريا، وضم جنوبا المدن العراقية المعروفة مثل ( أربع إلو- الألهة الأربعة ) أي (اربيل) و(نوهدرا) أي (دهوك) و(الموصل) و(كركوك) و(تكريت)، وبعد الاحتلال العثماني لمنطقة أعالي ما بين النهرين نظمت هذه المناطق أداريا باسم (ولاية الموصل)، وحسنا فعل المؤلف من تخصيص فصلا كاملا عن (ولاية الموصل). وقد شكل الكلد وآشوريون (السريان) و(اليزيديون) و(الأرمن ) و(الكرد ) و(العرب) المكونات الاجتماعية لولاية الموصل هذه، ثم أضيف إلى أقوام الجزيرة (التركمان) الذين استقروا في كركوك وشكلوا أغلبية في مركزها منذ أكثر من ثلاثة قرون، إضافة إلى بعض المناطق في أربيل وأطراف الموصل، ثم ازدادت نسبة الأكراد في المنطقة هذه حين نزحت قبائل كردية عديدة من كردستان بلاد فارس، والتي قدمت إلى المنطقة بتشجيع ودعوة من العثمانيين بعد وقوف الأكراد إلى جانبهم ضد الفرس في معركة (جالدإيران الشهيرة سنة 1514)، كمـــــا جــــــاء في عدد من المصادر ضمنها كان كتاب بعنوان (عند منابع دجلــــــة) لمؤلفه الروسي (سي . ف . فيغن)، مما يثير العديد من النقاشات الحادة في موضوع كتابنا هذا ألا وهو النسيج الاجتماعي المتعدد المصادر في بيئة جغرافية معقدة جدا، كونها مناطق جبلية منعزلة حضاريا لافتقارها إلى الأدنى من طرق المواصلات ومصادر الاتصالات، وقد اختلفت الادعاءات حول أحقية أي الأقوام فيها حتى يومنا هذا؟، فمنها ما يرجع تلك الأحقية إلى الأقوام الكلد وآشوريين ومنها إلى الأقوام الكردية.

في حين أن تطور المشكلة الكردية وقد زاد من تعقيداتها تلك الحقائق والخصائص التاريخية والجغرافية والاجتماعية العراقية التي تكاد تكون حالة نادرة في طبيعة تكوين الوطن العراقي ضمن إقليمه، وإذا ما أضفنا لذلك، الكم الكبير من ترسبات الثقافات والمعتقدات والمفاهيم العديدة والمختلفة في مجتمعنا عبر التاريخ الطويل جدا للعراق والتي أنتجت ثقافة اجتماعية عراقية جانبها المظلم قد يكون أوسع بكثير من جانبها المضيء، وكنتائج أيضا لجملة من احتلالات متبادلة للعراق لقوى إقليمية شرقية وشمالية ودولية مما جعل النتائج السياسية والاجتماعية في عراق اليوم أكثر تعقيدا، علاوة على ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يقدر للعراق قيادات وطنية قادمة من المستقبل تستوعب إفرازات الماضي وحقائق الواقع وترصين مقومات للنجاح نحو مستقبل زاهر يشمل العراقيين في عراق يكفي العراقيين جميعا لغياب الحكمة خلال المائة عام المنصرمة، مما يجعل اليوم من عملية فرز الحقائق وتعقيب الحوادث بدراسات علمية معمقة بعيدا عن العواطف القومية والدينية الساذجة أمرا صعبا، بل تدخل العاملين عليها في دهاليز الشكوك الظالمة والأحكام المطلقة والمسبقة .

وبالتأكيد أن حركة الزمن وما تعصف به من مفاهيم وأيديولوجيات تكون متباينة حسب التطور الحضاري للأمم والشعوب، بالوقت الذي انتهت المراحل الدينية والقومية منذ زمن بعيد في الشعوب الأوربية بعدما خلفت ورائها الكثير من الحروب والكوارث، وقد اتجهت بعدها إلى المستقبل في تعاون اقتصادي دولي ضمن دول ذات صبغة وطنية تجمع كل التنوعات الدينية والعرقية، في حين بدأت في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية منذ بداية القرن العشرين، موجات عنيفة من الروح القومية حتى انتهت بفواجع ومآسي عديدة للعرب إبتداءا من عام 1967 وانتهاءً باحتلال العراق عام 2003 فانهارت هذه الأيديولوجية وخارت قدراتها الفكرية والأقناعية وبطل سحرها وتلاشت تدريجيا من الذاكرة حتى صور قيادات منها صورتي جمال عبد الناصر وصدام حسين، ورافق ذلك انهيار أيديولوجيات أممية كالماركسية الشيوعية ،لكن من الملفت للانتباه انبثاق أيديولوجيات قومية قوية في صفوف المجتمع الكردي، وقد يرى البعض منهم اليوم القائد الكردي مسعود البرزاني يمثل جمال عبد الناصر الأكراد قاطبة؟ وقد رافق ذلك بروز أيضا أيديولوجيات دينية في صفوف المجتمع العربي شيعية متأثرة بالفكر الثوري الإيراني وسنية متأثرة بفكر الأخوان المسلمين وما أطلق عليها جزافا (الربيع العربي) تشبها بالربيع الأوربي لعام 1848، مما أنعكس ذلك على سياق هذا الكتاب الذي ركز كثيرا على النزعة القومية الكردية ،ولقد حاول المؤلف الوصول إلى قناعات تفضي إلى أعادة تشكيل (كردستان الجنوبية – شمالي العراق) لتكون أساسا لتشكيل (كردستان الكبرى )لتشمل جميع الأكراد ومناطقهم الحالية في إقليم الشرق الأوسط، وقد وجد المؤلف مؤتمر القاهرة لعام 1921 برئاسة السياسي البريطاني الشهير (ونستن تشرتشل) منعطفا أساسيا في ضياع فرصة تشكيل (دولة كردستان) مما أفرد له فصلا كاملا فيه الكثير من التفصيل.

سواء اتفقنا أم لم نتفق مع مؤلف كتابنا هذا، ألا أن هذا الكتاب يمثل موسوعة كبيرة (خزين مصادر مهمة) لحقيقة الأكراد وتاريخ حوادثهم، وقد بذل مؤلفه جهودا كبيرة جدا في أعداده، إضافة للكلف المادية العالية نسبيا من شراء المصادر ومتطلبات التوثيق والطباعة وما رافقها من مشكلات في التصحيح والترتيب، مما يجعل هذا الكتاب جديرا بالقراءة والاستفادة منه ليس للأكراد فحسب بل لكل العراقيين والمتابعين والدارسين للقضية الكردية ولتاريخ العراق الحديث، مع أمنياتي الخالصة لمؤلفه بالتوفيق لتحقيق غاية هذا الجهد العظيم.

الفريق الركن (المتقاعد)

رعد الحمداني

1/12/2012

صفحة 4

المقدمة

1- لسنا هنا بصدد الخوض في موضوع شائك مثل البحث عن أصل الأكراد بشكل موسع كالذي اختلف فيه الباحثون, وجرى نعت الأصل بالفرع, وصاغوا أحواله نظريات وروايات تشبه بعضها الأساطير(*), غير أننا نؤكد هنا بأن أكراد كردستان العراق هم سكان هذه الأرض الطاهرة منذ آلاف السنين, وهذا شرح مبسط عن الكرد وبشكل فصول من تاريخ وأصل وجذور الشعب الكردي, وجغرافية ودين واللغة الكردية وعدد السكان في كردستان, الإمارات والممالك والحكومات الكردية, والمعاهدات والاتفاقيات والمؤتمرات العالمية والأطماع الاستعمارية بكردستان والولاية الحميدية ومؤتمر القاهرة وولاية الموصل والجمعيات الأحزاب السياسية الكردية ومشاهير الكرد والقضية الكردية وحركتها ومشكلة الحكم في العراق وتأثير دول الجوار وهوية كركوك الكردية والتعريب للمناطق الكردية في كردستان والمناطق المتنازع عليها ومحاولة تعريبها وعمليات الأنفال والتهجير القسري والإبادة الجماعية في منطقة كردستان وبيان الحادي عشر في آذار عام 1970م وحق تقرير المصير والمادة (140) إن الدستور العراقي.

2- يعيش الأكراد على الأرض في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا وتنتهي حدودهم الشمالية في تركيا بمحاذاة أرضروم. وفي الجنوب يسكن الأكراد على مناطق واسعة إلى نهاية سهول ما بين النهرين وفي الغرب حدودهم نهر الفرات أو بصورة أدق نهر قرة سو.

وأنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل إن وجودهم هو في أعماق آسيا الصغرى وإنهم لا يشغلون المناطق الجنوبية – الشرقية فمن سيواس فقط بل هناك جماعات متفرقة منهم حتى حوالي مدينة في كليكلية. وبهذه الصورة يصلون إلى البحر الأبيض المتوسط, يسكن الأكراد في روسيا في مقاطعة أريفان في الأقسام التي تصل بـ آرارات ومناطق أخرى من نواحي أردها وقاقزمان في منطقة فارس وكذلك في مقاطعة اليزابث بول.

3- يسكن الأكراد في الأقسام العليا في نهر الفرات ومناطق وآن (أرمينيا القديمة) (ف.ف. مينورسكي – الأكراد)(2) هي مهبط الأرض القديم التي ظهر فيها الأكراد. وان الأقسام الجنوبية من طوروس وسواحل دجلة اليسرى (بوتان – خربوط – الزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكردي في الأزمنة التاريخية القديمة. وعلى ذلك فإن وطن الأكراد في فجر التاريخ هي الأقسام الشرقية الجنوبية للمناطق الثلاثة (السلاسل الجبلية العليا في أرمينيا كردستان تركيا – وجبال فارس الغربية) هو موطن الأكراد.

سلاسل جبال زاغروس وطوروس (جبال زاغروس وجنوب غرب إيران, تمتد من فارس وشيراز جنوباً وحتى كرمنشاه وهمدان شمالاً, وجبال طوروس جنوب تركيا, تمتد من قيصرية ونهري سيحان وجيحان شرقاً وجبال انطالية غرباً وبين زاغروس شرقا وطوروس غرباً تقع سلسلة جبال كردستان شمال غرب إيران وكردستان العراق (الباحث) ويعد مثل هذا الوصف المختصر لأرض كردستان ما يقربنا وكأنها عظام الظهر لهذا الوطن الذي يمتد على مرتفعات كبيرة فوق البلاد المحيطة به. لذلك تشمخ بعض قمم الجبال فوق المناطق المجاورة مثل جبل (آرارات) الكبير الذي ترتاح عليه سفينة نوح (عليه السلام) وهو يصل إلى ارتفاع 16.200 قدم (وجبل الجودي) له نفس المنزلة وارتفاعه يصل إلى 16.500 قدم (وجبل نمرود داغ) يرتفع إلى 10.400 قدم وجبل (سيبان) الذي يتغنى به الجميع يرتفع تقريبا إلى 11.330 قدم وكل هذه الجبال تغطيها الثلوج أكثر فصول السنة.

وهكذا نرى أن الأكراد يعيشون في الوقت الحاضر على ارض واسعة ضمن حدود تركيا وفارس (إيران ) والعراق من مدينة مندلي في العراق وحتى جبل آرارات حيث تتعدى أرضهم حدود روسيا فتدخل قفقاسنا وكما يلي:

أ‌- في بلاد فارس: يسكن الأكراد في جميع أقسام مقاطعات كرمنشاه وكردستان (سنندج) ومنطقة كاروس وقسم من أذربيجان في جميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد) حاليا من جنوب بحيرة اورمية وغرب نهر تاتاو إلى حدود تركيا وهم من السكان القدماء في الأقسام الجنوبية.

أما في الأقسام الشرقي من بلاد فارس فقد كانت تسمى اسم سلماس تشكل مقاطعة مستقلة وكان الأرمن يطلقون عليها اسم (كورتجيا) بمعنى (كردستان).

وهناك مناطق كردية أخرى مستقلة وهي متناثرة في خرسان (شاويلي) وفي قزوين (أمبرلو) وحوالي شيراز (كالون عبدو) حيث هجرهم الملك الفارسي نادر شاه من مدنهم وقراهم قسرا بين عامي (1736- 1778) م.

ب‌- في بلاد تركيا: يسكن الأكراد وبصورة أساسية في ولاية الموصل (العراق الحالي) وهي منطقة كردية خالصة عدا مدينة الموصل العربية, وإما في ولاية وآن وتبليس في ( تركيا الحالي ) فان للكرد أكثرية 60% وهذا يتعلق بالأراضي الواسعة حولي بحيرة وآن التي تتوفر فيها المياه.

إن سنجق حكاري الذي يمتد إلى الحدود الفارسية وكذلك أقسام كثيرة أخرى فالأكثرية الساحقة فيها هم من الأكراد. والأكراد أكثر عدداً في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى وأن مدينة الجزيرة تقع في ولاية ديار بكر وعلى نهر دجلة في منطقة بوتان وهي تعتبر مهداً للأمة الكردية. ومنها توزعوا وفيها ظهرت الحركة القومية الكردية. وأن سكان منطقة درسيم التي تقع بين النهرين الذين يشكلان الفرات فالأكراد فيها الأكثرية بثماني مرات بالنسبة إلى سكان غير الأكراد(3). وفي أودية أرضروم والأقسام الجنوبية الشرقية يشكل الأكراد الأكثرية الساحقة.

ج‌- في بلاد سوريا: يسكـن الأكراد في حلب أيضاً وهنـاك مستعمرات كردية متفرقة في سوريا حوالـي جبال دمشق وفيها محلات كرديـة ويشكلون نسبة 10-12% من سكان سوريا(4).

عرف الجغرافيين الإغريق في أوائل القرون الميلادية بصورة جيدة مناطق (الكوردوئين) وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة ويسمونها (فينيك) وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة (كوردوئين) وكلمة (كورجيا) بلاد الأكراد المذكورة من قبل الأرمن (الأزشاكيين) وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كردستان المركزية كانت واقعة تحت حكم أسرة (هايكان) الأرمنية وكانت مستقلة ولا تدخل ضمن دولة (الأخمينين)، ثم خضعت للاسكندر الكبير والأرمن الازشاكيين وللاسكندر بن مارك انطوني وكليوباترا وللبارثيين وللرومان وللساسانيين (أردشير وشابور) والأباطرة والرومان من جالبيري إلى جوليات وللساسانيين مرة أخرى. وللإمبراطورية البيزنطية فيودوس وللعرب الذين غزوا الإمارات الأرمنية وأخيراً للأسرة الكردية الأولى المروانية المستقلة التي حكمت بين (990 – 1096م).

إذاً نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكردية حيث حدثت فيها غزوات كثيرة، ففي القرن الحادي عشر استولى السلجوقيين على المنطقة ثم اضطر الأكراد أن يناضلوا ضد المغوليين، وفي القرن الثالث عشر ظهر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون)، وفي سنة 1514م بعد معركة جالديران كان مصير الأكراد وكردستان مرتبطاً بالعثمانيين. وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة كردستان بعد احتلالها إلى القريب منه المؤرخ الحكيم إدريس وهو من أبناء تبليس.

وفي الشرفنامة(5) (شرف خان البدليسي - الشرفنامة) كانت الضفة اليسرى من نهر الفرات الغربية وجميع مناطق الضفة الشرقية من (مرادسو) تقريباً تحت حكم الإمارات الكردية وكانت (إمارة تبليس) أكبر الإمارات الكردية وأميرها هو مؤلف كتاب (الشرفنامة).

نلاحظ عدم تمكن السلاطين العثمانيين في السيطرة على الإمارات الكردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان (محمود الثاني) قرار السلطان (سليم الأول) حول الأكراد أي أراد احتلال كردستان وقد تم ذلك سنة 1834م حيث قاد الحملة (محمد رشيد باشا) وأصبح الأكراد فيها من بعدها مواطني الدولة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعليه قام الأكراد بحركة قومية سنة 1843 – 1846م بقيادة بدر خان باشا على أثره أسر بدر خان ونفي إلى (جزيرة كريت) وفي أيام (حرب القرم) ضد روسيا قام (يزدان شير) من أقارب (ابن عم) بدر خان بالحرب في حكاري وبوتان سنة 1855م واحتل تبليس والموصل وانحدر جنوباً حيث استولى على جميع الأراضي التي تقع بين (وآن وبغداد) وبالخدعة العثمانية المعروفة تم أسرهُ من قبل العثمانيين.

صفحة 5

4- وفي كتابي هذا وبأجزائه سأحاول أن ألقي الضوء على الحركة الكردية بتجرد عن المشاعر الشخصية، معتمداً على الحقائق والأحداث التاريخية التي عاش تفاصيلها اليومية جيلنا المعاصر، حيث بذلتُ قُصارى جهدي لإعطاء صورة واضحة وصحيحة لأبعاد الحركة الكردية والتي أصبحت مشكلة مزمنة في تاريخ العراق الحديث بالرغم من الصعوبات التي واجهتها في بحثي وهو كثرة المصادر التي كتبت عن المشكلة الكردية منذ بدايتها وحتى مطلع عام 1909م، وصعوبة استخلاص وفرز الحقائق منها وقلة المصادر بعد حرب الخليج الثانية (أم المعارك) وندرة المعلومات الدقيقة عن المشكلة الكردية وسيرتها. (وتضمن البحث على شكل فصول كما نوهنا عنه).

5- للوصول إلى حقيقة الثورة الكردية وغاياتها كثيراً ما اعترتها الشكوك والأشواك. ولعل ما كتب عن الكرد بشكل متناثر في سنوات الشقاء, قد أخذها رموز وكتّاب بأثر سياسي منقوص, أو هم أقرب لرموز السلطة لنعت الثورة الكردية بنعوت (التمرد) على القانون. وأن مصدر قوّة حمّلة السلاح هي الجبال التي يتحصنون فيها, وكان على العقل البشري الذي ميّزه الله على سائر المخلوقات أن يدرك قوله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم, وقوله (إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله اتقاكم) ولم يكّن الله ليعطي أفضلية للقومية التركية والإيرانية والعربية على قومية الكرد, وهم قبائل مسلمة, إلا تلك النزعة الدونية للحكام لاستغلال الكرد سياسياً لضرب خصومهم تحت مسمّيات الأخوة الكردية, والوطن السعيد، والجهاد ضد الأجنبي. وعندما يقال لهم أن الكرد أمة كما هي باقي الأمم على وجه الأرض, قالوا أن هؤلاء يريدون تقسيم التراب الوطني. وأن الله أوكلهم لان يحافظوا على ما ترك لهم الأولون, وأن المجد القومي لا يبنى إذا ما فرط الحاكم بأي رقعة جغرافية حتى وأهلها لا يجتمعون على قاسم مشترك مع القوميات الأخرى إلا بالدين، وقد سيّس الدين عند الحكام لضمان البقاء على هرم السلطة، ويجب أن لا يسّيسه الكرد وهم يعيشون في جبال ليس لهم فيها صدى.

وإذا كان ما ذَكَرتهُ كتب التاريخ عن أصول للترك والفرس والعرب, ولغة يتفاهمون بها, وممالك حكموها. فذلك موجود لدى أبناء الأمة الكردية وقد حان الوقت لان يكتب المثقفون الكرد عن شعبهم, ولكن ليس بالصيغة المتناثرة التي تذكر جذور الكرد وحياتهم دون الثورات الشعبية التي قاموا بها لحكم أنفسهم، ذلك هو ما دفعني أن أعد هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) في ستة وأربعين فصلاً وهناك بعض التكرار لغرض تنسيق مواضيع الفصول وعدم تسلسل الفصول بسبب إخراج الأجزاء بشكل متجانس مع بعضها البعض. أتناول فصل الأصول وتاريخ وجذور الكرد فهم (كوتي أو جودي) خلال حكم الدولة السومرية. وجوتي أو كارتي أو كاردو أو كارداك عند الدولة السومرية والآرامية. أما عند أهل اليونان والرومان فهم كاردوسوي أو كاردوخي. قبل أن يطلق عليهم الفرس القدماء شعب جبال زاغروس وإجبارهم على اعتناق الديانة الزرادشتية ولأجل تجاوز الجغرافية السياسية لإقليم الشرق الأوسط التي رسمتها اتفاقية (سايكس بيكو) وبعيدا عن الدوافع السياسية, فإن ما ذهبت إليه في فصل جغرافية كردستان من هذا الكتاب لأوضح جغرافية المناطق التي عاشت فيها الأمة الكردية عبر الحدود المصطنعة وخاصة ما بين إيران وتركيا والعراق.

على الآخرين العودة إلى التاريخ, وفيه أن معركة جالديران عام 1514 م التي كسبها العثمانيون ضد الفرس, وكانت بقيادة السلطان العثماني (سليم الأول) قد شكلت البداية لعزل العوائل الكردية عن بعضها البعض تحت مسوّغ, أنتم فرس, أنتم أتراك.

وبموجب معاهده قصر شيرين/ زهاب عام 1639م صار الكردي يعيش تحت سلطتين واحدة فارسية وأخرى عثمانية, قبل أن يعطيها المستعمر البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى صفة الحدود الرسمية, وأصبحت أمة الكرد موزعة على تراب أربع دول هي (تركيا, إيران, العراق, سورية) وهي ذات بعد سياسي واقتصادي أساسه ولاء الحاكم لبريطانيا, واستثمار محددة للكرد طالما الحكام مصنوعين لخدمة بريطانيا كما هو حال العرب العراقيين في عربستان الذين ألحقوا إلى إيران الشاه. وتساءل الكاتب عن مغزى طوي صفحات تاريخ الإمارات والممالك والحكومات الكردية في نهاية القرن السابع الميلادي مثل حكومة (زازا) في درسيم (داخل حدود تركيا) وحكومة الكرد اليزيديين في سنجار (داخل حدود العراق). ولأجل أن يفهم الآخرون ما فاتهم في سنوات القهر والحرمان, أن رؤساء الكرد كانوا يديرون شؤونهم باستقلال عن سلطة الفرس والعثمانيين والعرب, وان نقطة الالتقاء بهم تنحصر في دفع الضرائب, والتعهد بتقديم قوات كردية مسلحة في حالة الحرب .... وكان ذلك هو الأقرب إلى أسلوب الحكم الفيدرالي، وإن لم يكن مكتوباً على الورق. ذلك هو ما تحدثت به في فصول وأجزاء هذا الكتاب. ولم أهمل نفوس الكرد بالقياس إلى نفوس الفرس والكرد والعرب في فصل آخر, ونبّه في فصل آخر إلى أن الأساطير الشعبية الكردية والديانات إنما هي مستوحاة ومتأثرة بما كان سائداً, قبل أن يصلهم دين الإسلام في القرن السابع الميلادي. ويقرؤون قرآن الإسلام باللغة العربية وان اختلفت لهجات اللغة الكردية. وهي حالة طبيعية بين الفرس والأتراك وحتى العرب في ديار المغرب والمشرق.

والأساس لما رغبت فيه, أن اللغة الكردية ليست اللغة الفارسية، التي أرادها الحاكم الفارسي لأغراض سياسية لاحقاً وقد نوهّت إليها في فصل آخر. أن الشعب الكردي يعيش على أرضه وموصول بالتاريخ دون جغرافية. والجغرافية تعني وجود لمقومات الدولة (الحدود والحكومة والجيش, وفرض القانون). والمعاهدات السابقة بين الفرس والعثمانيين مثل معاهدة قصر شيرين/زهاب عام 1639م، وأرضروم الثانية 1847م, وسيفر عام 1920م لم يحققوا الذات الكردية وقد كتبت من خلف ظهورهم أي (الأكراد) طمعاً بهم. كما دونتها في فصل آخر من أجزاء هذا الكتاب. ولم يكن ما ذهبت إليه في فصل آخر منه فيه مبالغة، عندما أشار إلى أطماع الفرس والأتراك والانكليز بأهل ومنطقة كردستان وبهدف استثمارهم سياسياً (كورقة ضغط) على الحكومات أو استثمارهم للقتال بالنيابة, وقد باتت أكثر أهمية (كردستان) من النفط الشحيح على ارض كردستان وربما التفسير أن استثمار الكرد (سياسياً وعسكرياً) يقود إلى إذعان الحاكم, ومتى توسل الحاكم تحت غطاء أن الكرد لهم مطالب, تتحقق المصالح للآخرين, وليس للكرد. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل آخر, وآخر سلاطين الدولة العثمانية (عبد الحميد الثاني) يشكل ألوية عسكرية عمادها الكرد تحت اسم (الألوية الحميدية) لقهر الخصوم دون وعود لإصدار (فرمان) لحدود جغرافية لكردستان, وجمعية الاتحاد والترقي التركية تغازل رموز عسكرية ومدنية كردية لإزاحة السلطان العثماني من السلطة, وكثير من جمعية الاتحاد والترقي التركية وهم من يهود (الدونمة).

وعندما نقترب من اهتمام الساسة البريطانيين في ولايات الدولة العثمانية, واثر الضباط العراقيون – (خريجي المدارس العسكرية العثمانية) على أبناء العشائر الكردية والعربية للثورة ضد المحتل الأجنبي , نجد أن وزير المستعمرات البريطاني (ونستون تشرشل) والوفد المرافق له, قد عزموا السفر إلى القاهرة للالتقاء بوفد آخر قادم من العراق برئاسة المندوب السامي البريطاني في العراق (برسي كوكس, وسكرتيرته مس بيل)، ومعهم الفريق جعفر العسكري (وزير الدفاع) وساسون حسقيل (وزير المالية) في آذار عام 1921م. وفهم المطلوب من (مؤتمر القاهرة) إنشاء جيش عراقي يكون واجبه محدد لأغراض الأمن الداخلي, وحراسة خطوط مواصلات القوات البريطانية, بغية تقليل النفقات المالية, وبقدر ما كان الكرد على موعد لمناقشة قضيتهم في (مؤتمر القاهرة)، سمع الحاضرون تصفيق داخل أروقة فندق (سميراميس) مكان عقد مؤتمر القاهرة وكان مشفوعاً, عندما ذكر ونستن تشرشل وزير المستعمرات أن الأمير فيصل بن الشريف حسين هو الأنسب لحكم العراق ولم يقل أن الكرد أمة بحاجة إلى حكومة كما هو شأن العرب. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل بذلك. وعلاقته المباشرة لما جاء في الفصل لاحق مستقل الذي تحدثت فيه عن (ولاية الموصل والمسألة الكردية) ويعتقد الكرد, والاعتقاد بيقين, أن سكان (ولاية الفصل) المكونة من محافظات (السليمانية – اربيل – كركوك – ودهوك لاحقاً) هم من الكرد. وفَرَحْ الأكراد لا يوصف, خصوصاً والجنرال البريطاني (مود) قد نبّه أهل بغداد عام 1917م انه أتى (محرراً للشعوب وليس محتلاً). كما روج الرئيس الأمريكي (ويلسون) لمبادئه الأربعة عشر الداعية لحرية الشعوب وحق تقرير مصيرها قبل وصول الدول المنتصرة بالحرب إلى مدينة فرساي الفرنسية عام 1919م لمناقشة حاجات الشعوب ومنهم الكرد.

لقد باعت لندن حليفها في الحرب الأمير فيصل بن الشريف حسين بثمن نفط ولاية الموصل مقابل إطلاق يدّ حليفتها فرنسا على سورية, وباعت كفاح الشعب الكردي لثلاث قرون في الزمن، وضيعت ذاتهم على جغرافية لا تحتاج إلى علامات هي (كردستان الجنوبي) لان رغبة لندن في الاستحواذ على نفط ولاية الموصل أهم من حرية الشعوب وخاصة الشعب الكردي, وهم في كل ذلك يقولون أن الشيخ محمود الحفيد الذي يقود ثورة كردية ويألب العشائر الكردية ضد المحتل البريطاني انه (متمرد) ولا يؤمن بالديمقراطية التي تؤمن بها بريطانيا.

وبات الكرد يسألون وماذا يقصد الحكام السياسيون البريطانيون بالديمقراطية بعد معاهدة (سيفر عام 1920م) قيل, أن المطلوب هو تأسيس أحزاب وجمعيات سياسية كردية ينتخبها الشعب لحكم الشعب. ودانت الرقاب لحرية الرأي, والرأي الآخر, وبعض الأحزاب الكردية كانت موجودة قبل وبعضها بعد الحرب العالمية الأولى وأخرى تيقنت لأن تكون ممثلة في البرلمان العراقي بعد الحرب العالمية الثانية, ذلك ما شملهُ فصل مستقل حول ذلك.

إن إشكاليات القضية الكردية في ظل الاحتلال البريطاني للعراق قد أخذت البعد التضليلي تارة والغموض تارة أخرى، لهدف أن لا يرى الكرد نوراً على طريق الحكم الذاتي رغم أن مشاهير الكرد من الأدباء والكتاب ورجال الدين وقادة الجيش قد برهنوا على لياقتهم في الإدارة وكان ذلك مجزيا لان يقولوا أن قضية الكرد هي قضيتهم وهم أدرى بمتطلبات شعبهم بعد كفاح مرير مع السلطات التركية والإيرانية والعربية, كما جاء في فصل مستقل آخر، أما في الفصول الأخرى نلاحظ قد برهنت بريطانيا الاستعمارية على تهميش القضية الكردية، واتجهت لبناء جدار أمني ضد الشيوعية في (معاهد سعد آباد عام 1937م) وحلف آخر هو (حلف بغداد عام 1955م)، فهم منه وروّجت له الشيوعية (المدعومة من السوفيت) باتت على أبواب العراق أن بريطانيا وتركيا وإيران والباكستان. وعليهم حراسة المصالح الأميركية والبريطانية في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة نفط الخليج بعد الحرب العالمية الأولى.

صفحة 6

وابتهج الكرد بظهور الزعيم عبد الكريم قاسم على قمة السلطة في العراق عام 1958م, في إدراك أن دستور العراق لعام 1958م يعترف بوضوح بالقومية الكردية باعتبارها القومية الثانية بد العرب في العراق. وهو ما يعني المشاركة في القرار قبل أن يذهب عبد الكريم قاسم في سياسته (القاسمية) لمكونات المجتمع العراقي. وعودة الكرد إلى حمل السلاح دفاعاً عن صدق نيّة الزعيم الكردي الخالد (الملا مصطفى البارزاني) للدفاع عن الجمهورية الفتية. وفي ذروة تحكم الضباط العسكريون القوميين بالسياسة عام 1963م، ومنهم الرئيس القومي المشير عبد السلام عارف, انه تداول القضية الكردية مع القائد والزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر, وأحرار الأخير عراباً للقضية الكردية, قبل أن يجتمع الوفدان الكردي والحكومي (العراقي) في العاشر من شباط عام 1964م وفيه انحدرت القيادات الكردية من محطة الكفاح للقضية الكردية إلى محطة الرغبة في الزعامة, افترق على أثرها الزعيم الكردي الخالد الملا مصطفى البارزاني عن السيد إبراهيم احمد ونسيبهُ جلال الطالباني, وعندما اختار الاتفاق إيران ملجأ لهما, بات الحديث الذي روجته لندن وطهران, أن القومية الكردية تأخذها العربية في رحابها الواسعة. وان وجود جمال عبد الناصر على خط القضية الكردية قد يدفعه إلى إنشاء دولة كردية تكون حاجزة بين الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي. وإذا ما حدث ذلك فإن من حق إيران وتركيا تقسيم كردستان بينهما والقول لا زال لساسة لندن, وهي في تشاور مستمر مع طهران وأنقرة عام 1956م. وربما وجدت بريطانيا أن خسارة تأثيرها على الساسة العراقيين بعد ثورة 14 تموز 1958م سيعطيها الحق لإثارة المجتهدين في النجف على حكومة بغداد, وفرض اكبر تأثير إيراني على إعطاء الحزب الديمقراطي الكردستاني لكي لا يصنعوا سلاماً مع بغداد.

فهي أزمة حكم، ولدت مع ولادة الدولة العراقية عام 1921م ولم تنتهي فصولها لا بثورة الفرات الأوسط، ولا بالثورات الكردية ولا المفاوضات المباشرة، ولا باستخدام السلاح. وإذا ما أخذنا اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970 كخطوة متقدمة على طريق إعطاء الحقوق القومية للكرد, إلا أن سوء التقدير, وضعف البصيرة والقرارات الفردية من قيادة حكومة وحزب البعث قد ضيعت على الكرد فرحة لحقن الدماء , كان بالإمكان استغلال واحدة من خواص الرئيس صدام حسين (وقوله الفصّل) لتطوير مؤسسات الحكم الذاتي كلما سنحت الظروف بذلك. وباع شاه إيران محمد رضا بهلوي القضية الكردية في اتفاقية الجزائر في السادس من آذار عام 1975م , كما باعها الساسة الانكليز بنفط ولاية الموصل عام 1922م.

لم يبطن القول جلال الطالباني، وهو يوظف قرارات الحزب البارتي (الديمقراطي الكردستاني), التي قادت إلى الانهيار. كما لم يبطن النيّة وهو في طريقه إلى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد لأن يكون الزعيم الديمقراطي, صاحب الرؤية والمرونة السياسية التي توظف الأحداث السياسية لصالح القضية الكردية. فيما وضع الرئيس صدام حسين حدّ سيفه بالقول أن كل من تخلف عن الدفاع عن تراب الوطن وقت الحرب مع إيران لا يستحق المجّد. ولكنه وبقراراته الفردية ضيع المجد القومي العربي عندما غزا الكويت في آب 1991م، وكان قاب قوسين لأن يجعل من العراق دولة إقليمية كبرى في منطقة عرب المشرق. ولم تتمكن أي حكومة عراقية التوليف بين مكونات المجتمع العراقي, وكل ينشد المغانم وكراسي الحكم حتى وإن أُريقت دماء العراقيين على صخور كردستان الداكنة. أو في صحراء الكويت الغابرة عام 1991م.

لم يعد الكرد في خشية من إعلان الحكم الذاتي, وإدارة مباشرة من قبل الحزبين الكرديين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) عام 1991م. كما لم تعد سورية (حافظ الأسد) خصم صدام حسين, وإيران (الخميني) التي خاضت حرب الثمان سنوات على تردد في الحديث عن إسقاط صدام حسين، وتشكيل حكومة تقترب في علاقاتها مع إيران ودمشق. ذلك هو ما تحدث عنه بفصل مستقل آخر من كتابنا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) رغم أن الملك الهاشمي فيصل الأول (ملك العراق) قد حذر في عواقب نهج الطائفية في فصل لاحق. والعمل على كشف عمليات التطهير العرقي للكرد في كردستان وخاصة في محافظة كركوك لتغيير هويتها القومية الكردية في فصل مستقل, والمناطق المتنازع عليها في الأقضية والنواحي الكردية مثل (خانقين وتلعفر وسنجار ... الخ)، وعلى أطراف مدينة الموصل في فصول أخرى ولأجل بلوغ الهدف في كتابنا هذا (الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ), فقد ركزت على عمليات الإبادة الجماعية للكرد فيما يسمى بعمليات (الأنفال) وبيان الحادي عشر من آذار عام 1970م, وحق تقرير المصير, والمادة (140) من الدستور العراقي الخاصة بمدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها.

كما أفردت فصولاً أخرى, عبرت عن استجابة لما طرحهُ الشاب الكردي, الذي عبرته الأحداث السياسية, والعسكرية وتطوراتها اللاحقة. فكان له ما أراد في فصل لاحق (الخلط بين القومية والطائفية والدين)، والمواقف الأخرى من المسالة الكردية في فصل لاحق أيضاً لهُ. والكرد مع الواقع العراقي المتقلب بين أعوام 1963 – 1972م. كما أفرد الكاتب مجمل حركات الشيخ محمود الحفيد (ابن مدينة السليمانية) وحركات الشيخ عبد السلام البارزاني والملا مصطفى البارزاني والبارزانيين انطلاقاً من منطقة بارزان (على الحدود المشتركة بين العراق وإيران).

ولعل ما أتركه، هو أن يقوم الآخرون بتكملة ما حصل من أحداث وتطورات بد الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003م وهو غزو عسكري وليس تحرير كما خاطب الجنرال (مود) أهالي بغداد عام 1917م ولم يشفع التاريخ للرئيس الأمريكي (بوش الابن) و(توني بلير) رئيس وزراء بريطاني دونيتهم وانحطاط سلوكهم في العراق والقادة الأمريكان يقولونها للملأ (نعم إنها عملية غزو واحتلال) دون وازع أخلاقي.

ثم اختتمت كتابي هذا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) باستنتاجات وتوصيات آمل أن أكون قد وفقت في التوصل من خلالها إلى حل قابل للتطبيق لإنهاء هذه المشكلة (المسألة الكردية في العراق) التي أدمت قلوب العراقيين (من جميع القوميات) ولسنين طويلة.

ومن الله التوفيق

الباحث

الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين الأول، 2012

الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ

صفحة 7

الجزء الثامن

الفصل الحادي والعشرون

القضية الكردية

عملت الدولتان المتنافستان بلاد فارس والعثمانيين على استمالة الكرد لمقاتلة الطرف الآخر منذ منتصف القرن الخامس عشر. وبانتصار العثمانيين في معركة جالديران عام 1514 أصبحت أرض كردستان مقسمة بينهما، وصار للدولة العثمانية المسلمة الكلمة المسموعة في تجنيد الكرد لمقاتلة خصومها وخاصة الأرمن، وهو ما أثار حفيظة الدول الأوروبية التي انتظرت ضعف الدولة العثمانية للتغلغل وسط أرض كردستان تحت ذرائع متعددة.

كان لبريطانيا وروسيا على وجه التحديد الشهية لدراسة طبيعة المجتمع الكردي، والرموز العشائرية المتنفذة لاستمالتهم، حيث كثيراً ما عبر (قناصل) الدولتين عن استعدادهما للتوسط بين السلطان العثماني والثوار الكرد، وكانت بريطانيا التي تعمل تحت (الستار) تناصر السلطان العثماني ضد روسيا القيصرية في حرب القرم عام 1854 لضمان عدم توسع القيصر الروسي في ولايات الدولة العثمانية الضعيفة ريثما يحين الوقت المناسب لتقاسم ثرواتها.

وبهزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى صار لبريطانيا المنتصرة في الحرب الكلمة العليا لشحن القومية العربية على الكردية، والعرب السنة على العرب الشيعة وفق سياسة ذكية للغدر بوحدة الكرد ومنعهم من تشكيل دولة خاصة بهم.

صفحة 8

* الأقليات في العراق

إن الشعب العراقي منذ القدم يتألف (من أقوام مختلفة: عربية، وكردية، وتركمانية)، فيـؤلف العرب (75) في المئة والكرد (20) والترك (2,25) في المئة و(2.5) أقليات أخرى ... وأن في العراق ديانات متباينة: إسلامية وإسرائيلية ومسيحية، وأقليات مختلفة: يزيدية وصابئةوبهائية"(6) ولكن جميع هذه الأقوام، والديانات، والأقليات، تذوب في بوتقة الوحدة العراقية فلا تسمع في العراق ذكراً للأقليات أو نحو ذلك. (عكس ما هو عليه الآن مع الأسف الشديد من الطائفية وغيرها مما يجعله شعباً ممزقاً).

وقد توطن في العــــراق في غضون الحــــرب العالمية الأولى "حرب 1914 – 1918م" عنصران جديدان: الأرمن الذين أجلاهم الترك عن بلادهم، والنساطرة الذين نزحوا من جبال حكاري وأورمية بحكم الظروف السياسية التي حاقت بهم، ولكنهما أقلية ضئيلة لا يحسب لها حسابها ولكن شاءت سياسة الاستعمار البريطاني أن تكون من وجود الأقلية النسطورية المسيحية مشكلة سياسية خطرة في العراق. كما شاءت السياسة العامة أن تنتج من وجود الكرد في العراق مشكلة عظمى أتعبت الإنكليز والعراقيين على حد سواء. وقد رأينا التركيز على القضية الكردية في العراق لأهميتها لمستقبل العراق.

* الأقليات الكردية

لا يعرف عدد الكرد في العالم على وجه التحقيق، ففي (التقرير البريطاني الخاص عن تقدم العراق) أنه نحو ثلاثة ملايين نسمة(7) وفي مقدمة كتاب الشرفنامة أنهم سبعة ملايين نسمة(8)، وفي رسالة للدكتور بله ج شيركوه أن الأكراد في العالم 8,378,280 نسمة، ويقولأن هذا مبني على رأي مسيو الكسندريابا في كتابه (مجموعة الحكايات والملاحظات الكردية) الذي نشر في (بطرسبورغ) سنة 1860م(9). أما السيد محمد أمين زكي، العالم والمؤرخ الكردي المعروف، وصاحب كتاب (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) فيقول:

(وخلاصة القول أن يؤخذ مما تقدم من المباحث أن التعداد العام لنفوس الأكراد عامة هو كما يلي:

أكراد إيران 2,000,000 أكراد روسية وسورية 230,000

أكراد تركية 1,500,000 أكراد بلوخستان الهند 350,000 (10)

أكراد العراق 600,000 المجموع 4,600,000

أما عددهم في العراق فقد جاء في (التقرير الذي رفعته البعثة المؤلفة وفقاً لقرار مجلس عصبة الأمم، عن مسألة (الحدود بين تركية والعراق) أنه 491,050 نسمة كما يلي:

في السليمانية 189,900 في إربيل 170,650

في كركوك 47,500 في الموصل 83,000 (11)

ويرى السيد محمد أمين زكي أنه في العراق أكثر ستمائة ألف(12) وللشيخ الملا مصطفى نعمة الله الكردي أبحاث جغرافية عن (كردستان العراقية) نشرها في مجلة كلاويز التي كانت تصدر في بغداد باللغة الكردية أدعى فيها أن عددهم لن يقل عن مليون نسمة، لأن الإحصاءات الرسمية لم تتناول القبائل الرحالة(13).

وكما أن عدد الكرد في العالم وفي العراق موضوع خلاف بين الباحثين، فأن أصلهم محل خلافهم أيضاً.

والمؤرخون الكرد يدعون أنهم من "العنصر الآري" أما الجنة الاستفتاء الأممية، المار ذكرها، فتقول في ص 27 من تقريرها، أن البحث في منشأ الأكراد لا يزال غامضاً، وأن الآراء لا تزال متضاربة في أصلهم ومنشأ لغتهم،وأخيراً فهي تظن أنهم يمتون إلى عنصر الهندو- أوروبي، وقد تغلبت عليهم بعد أن استولى الماذيون والفرس على بلادهم(14).

يقطن الكرد في العراق مدناً وقرى يبتدئ من الحدود الإيرانية - العراقية على خط مستقيم، يمتد من (جبل حمرين) حتى (جبل سنجار) حيث يتصل بالحدود العراقية - التركية - السورية، ويؤلفون فيه أهم قومية. وقد صانهم احتفاظهم بمعاقلهم الجبلية من غزوات العالم الخارجي، ومن مؤثراته، فكان ذلك من الأسباب التي جعلت لهم مزايا خاصة، فهم "كشعب جبلي" أقويا ذووا بأس شديد(15)، يتعصبون لقوميتهم تعصباً شديداً، وينقادون لرؤسائهم ومشايخهم انقياداً تاماً، ويتمسكون بأهداب الدين الإسلامي الحنيف تمسكاً قوياً وفيما يلي بحث موجز لمشكلتهم السياسية:

صفحة 9

* أكراد العراق

أكراد العراق هم جزء مكمل للأمة الكردية التي تقطن في أرض كردستان الممتدة من لورستان إيران جنوباً إلى اورمية شرقا ومن ثم إلى سيواس غربا داخل الحدود الرسمية لتركيا الحالية مرورا بشمال العراق وشمال شرق سوريا. أن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للكرد في الجزء العراقي هو الأفضل مقارنة لوضع الكرد في الجهات الأربع ... وهذا يعود بالطبع إلى أن العراق قد تأسس أصلا من التحام الجزء الجنوبي من كردستان المنفصل حديثا من الهيمنة العثمانية الآيلة للسقوط، بالدولة الجديدة المسماة العراق التي شكلها الإنكليز بعد اتفاقية سايكس بيكو حيث أن إلحاق الكرد بالعراق الجديد حافظ على التوازن المذهبي وشكل حجر أساس لعراق قوي قادر على الديمومة. ورغم أن العلاقة بين المركز في العراق والكرد قد مرت بحقب من الخلافات العميقة أدت إلى نشوب حروب طاحنة شرخت العلاقة المتينة التي تربط المكون الكردي مع بقية مكونات العراق.. إلا انه يبدو أن الكرد يفضلون البقاء ضمن العراق الديمقراطي الفدرالي ويعارضون فكرة الانفصال عن العراق الموحد التي يحاول الشوفينية المتسلطة والأبواق الدعائية إلصاقها بهم. وفي مقابلة مع الزعيم الكردي جلال طالباني أجراه تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية يوم 8 ابريل 2006 صرح طالباني أن فكرة انفصال أكراد العراق عن جمهورية العراق أمر غير وارد وغير عملي لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكردية بعد، وإذا ما قررت هذه الدول غلق حدودها فإن ذلك الإجراء يكون كفيلا بإسقاط الكيان الكردي المنفصل من العراق. تم استعمال القضية الكردية في العراق كورقة ضغط سياسية من الدول المجاورة فكان الدعم وقطع الدعم للحركات الكردية يعتمد على العلاقات السياسية بين بغداد ودمشق وطهران وأنقرة وكان الزعماء الأكراد يدركون هذه الحقيقة وهناك مقولة مشهورة للزعيم الخالد الكردي الملا مصطفى بارزاني مفاده "ليس للأكراد أصدقاء حقيقيون" بل صديقهم هو الجبل فقط".

تاريخياً هناك قناعة لدى بعض الأكراد أن أكراد العراق هم أحفاد موجات متعاقبة من الشعوب التي استوطنت المنطقة منذ القدم، أما عن طريق الغزو أو الهجرة ويرى أكراد العراق أن وجودهم في المنطقة منذ آلاف السنين يجعل الجدل حول الجذور العريقة للأكراد أمرا غير مثمرا على الإطلاق فحتى إذا كانت الجذور الأصلية لأكراد اليوم تقع خارج الحدود الحالية للعراق، فإن هذا الجدل لن يغير من الواقع السياسي والتاريخي شيئاً. هناك العديد من النظريات حول العمق التاريخي لتواجد الأكراد في المنطقة ومنها:

• حسب المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان" يتألف من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى التي كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ "ويسميها محمد أمين زكي" شعوب جبال زاكروس" وهي وحسب رأي المؤرخ المذكور شعوب "لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري" وهي الأصل القديم جدا للشعب الكردي والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو- أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم "الميديين والكاردوخيين"، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معا الأمة الكردية ويبدأ التاريخ الكردي في أصولهم التالية: (تاريخ الأكراد) من [مانيون، كاردوخيون، ميديون، هزوانيون، شداديون، حسنويون، عنازيون، مروانيون، أيوبيون، بدليسيون، أردلانيون، بهدينانيون، سورانيون، بابانيون].

• الهوريون أو شعب هوري الذي كان يقطن شمال الشرق الأوسط في فترة 2500 سنة قبل الميلاد ويعتقد بأن أصولهم كانت من القوقاز أو ما يسمى القفقاز التي هي منطقة آسيو - أوروبية بين تركيا وإيران والبحر الأسود وبحر قزوين وسكنوا أيضا بالقرب من نهر الخابور وشكلوا لنفسهم ممالك صغيرة من أهمها مملكة ميتاني في شمال سوريا عام 1500 قبل الميلاد. ويعتقد إن الهوريون انبثقوا من مدينة أوركيش التي تقع قرب مدينة القامشلي في سوريا. استغل الهوريون ضعفا مؤقتا للبابليين فقاموا بمحاصرة بابل والسيطرة عليها في فترة 1600 قبل الميلاد ومن هذا الشعب انبثق الميتانيون أو شعب ميتاني الكردي ويعتبر المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان" شعبي هوري وميتاني من الجذور الأولى للشعب الكردي. كانت نهاية مملكة شعب هوري على يد الآشوريين.

• ذكر المؤرخ اليوناني زينوفون (427 - 355) قبل الميلاد في كتاباته شعبا وصفهم "بالمحاربين الأشداء ساكني المناطق الكردية الجبلية" وأطلق عليهم تسمية الكاردوخيين الذين هاجموا الجيش الروماني أثناء عبوره للمنطقة عام 401 قبل الميلاد وكانت تلك المنطقة استنادا لقول لزينوفون جنوب شرق بحيرة وان الواقعة في شرق تركيا. ولكن بعض المؤرخين يعتبرون الكاردوخيين شعوبا هندوأوروبية انضمت لاحقا إلى الشعب الكردي الذي باعتقاد البعض يرجع جذوره إلى شعوب جبال زاكروس الغير هندو-أوروبية.

• استنادا إلى د. زيار في كتابه "إيران...ثورة في انتعاش" والذي طبع في نوفمبر 2000 في باكستان فإنه بحلول سنة 1500 قبل الميلاد هاجرت قبيلتان رئيسيتان من الآريين من نهر الفولغا شمال بحر قزوين واستقرا في إيران وكانت القبيلتان هما الفارسيين والميديين الكردية وأسس الميديون الذين استقروا في الشمال الغربي لإيران مملكة ميديا الكردية. وعاشت الأخرى (الفارسية) في جنوب إيران في منطقة أطلق عليها الإغريق فيما بعد اسم بارسيس ومنها اشتق اسم فارس. غير أن الميديين الكرد والفرس أطلقوا على بلادهم الجديدة اسم إيران التي تعني "أرض الأريين". هناك اعتقاد راسخ لدى الأكراد أن الميديين الكرد هم أحد جذور الشعب الكردي وتبرز هذه القناعة في ما يعتبره الأكراد نشيدهم الوطني حيث يوجد في هذا النشيد إشارة واضحة إلى إن الأكراد هم "أبناء الميديين" واستنادا إلى المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان" فإن الميديون وإن لم يكونوا النواة الأساسية للشعب الكردي فإنهم انظموا إلى الأكراد وشكلوا حسب تعبيره "الأمة الكردية". يستند التيار المقتنع بان جذور الأكراد هي جذور آرية على جذور الميديين حيث إن هناك إجماعا على إن الميديين هم أقوام آرية. استنادا إلى كتابات المؤرخ الكبير هيرودوت فإن أصل الميديين يرجع إلى شخص اسمه دياكو الذي كان زعيم قبائل منطقة جبال زاكروس وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد حصل الميديون على استقلالهم وشكلو إمبراطورية ميديا الكردية وكان فرورتيش (633 -665) قبل الميلاد أول إمبراطور كردي وجاء بعده ابنه هووخشتره.

صفحة 10

* موقف الأكراد من نشأة المملكة العراقية

جاء قرار تشكيل دولة العراق الحديث بموجب مؤتمر القاهرة الذي عقدته المملكة المتحدة في مارس 1921 في القاهرة لبحث شؤون الشرق الأوسط وتم القرار والموافقة على إنشاء دولة ملكية في العراق وتنصيب الأمير فيصل بن حسين ملكا عليها في 23 أغسطس 1921 بعد استفتاء وحسب كتاب "المسألة الكردية" للمؤلف م. س. لازاريف "لم يرحب به معظم الكرد". واجه الكيان الجديد منذ تأسيسه مشاكل متعددة فلم يألف سكان الولايات العثمانية الثلاث (الموصل، بغداد، البصرة) كيانا سياسيا متماسكا من قبل وكانت الولايات الثلاث تتميز بخصائص قومية وطائفية خاصة تختلف كل منها عن الأخرى وكان الإسلام هو الرابط الرئيسي بين هذه الولايات الثلاث ولكن الدين وحده لم يكن كافيا في ذلك الوقت لتوحيد هذه الولايات الثلاث حيث عارض وجهاء البصرة الانضمام إلى الدولة العراقية وقاموا بإرسال رسالة إلى المندوب السامي البريطاني السير بيرسي كوكس في 13 أغسطس 1921 وطالبوا فيها بإنشاء إدارة سياسية مستقلة في البصرة وفي ولاية الموصل سعى الأكراد بمن فيهم كبار خطباء المساجد وعلماء الدين الأكراد إلى تشكيل دولة مستقلة تحت الانتداب البريطاني واستنادا إلى كتاب "المفكرة الخفية لحرب الخليج" للمؤلفين بيار سالنجر وإريك لوران فإن "العراق كان كيانا مصطنعا ومن صنع وزير المستعمرات البريطانية آنذاك (ونستن تشرشل) الذي خطرت له فكرة الجمع بين حقلي نفط متباعدين بدمج فئات مختلفة من الأديان والأعراق والطوائف" وقد أدرك هذا الملك فيصل بن الحسين نفسه واستنادا إلى عبد الكريم الأزري في كتابه "مشكلة الحكم في العراق" وناجي شوكت في كتابه "سيرة وذكريات 80 عاما" فإن الملك فيصل الأول كتب في عام 1931 مذكرة مشهورة جاء فيها "إن البلاد العراقية هي جملة من البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والقومية والدينية فهي والحالة هذه مبعثرة القوى منقسمة على بعضها وبالاختصار أقول وقلبي يملؤه الأسى إنه في اعتقادي لايوجد في العراق شعب عراقي بعد بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي".