صفحة 1
تقديــم
تشارلز ديكنز (1812-1870م)
روائي إنجليزي شهير، يعدّ واحداً من أكثر الكتاب شعبية في جميع العصور. من أشهر مؤلفاته: ترنيمة عيد الميلاد، وديفيد كوبرفيلد، والآمال الكبيرة، وأوليفر تويست، وأوراق بيكويك، وقصة مدينتين.
كان ديكنز دقيق الملاحظة لما يجري في الحياة، كما كان ذا فهم واسع للجنس البشري خاصة الشباب. أبدى عطفاً على الفقراء والضعفاء، كما انتقد وسخر من كل أناني جشع غليظ القلب. وإلى جانب ذلك كان فناناً هزلياً مبدعاً بشكل مدهش.
ولد تشارلز ديكنز في بورت ساوث، وعمل في الثانية عشرة من عمره في مصنع في لندن للصق البطاقات على علب وَرنيش الأحذية.
أخذ ديكنز ينتظم في المدرسة أحياناً ويتركها أحياناً أخرى، إلى أن بلغ الخامسة عشرة من عمره، حيث تركها نهائياً. وانكب على المطالعة، فتأثر بالكتاب الأوائل مثل: وليم شكسبير وتوبياس سموليت وهنري فيلدنج. وأصبح ديكنز مراسلاً صحفياً في أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر.
حاز ديكنز أول شهرة أدبية له عندما نشر كتابه أوراق بيكويك في أجزاء شهرية(1836و1837م) والواقع أن هذا الكتاب حاز شهرة، قلما يحدث مثلها في تاريخ الأدب.
قام ديكنز بإنشاء مجلتين أسبوعيتين وبتحريرهما، نالتا نجاحاً باهراً. وقد ذاعت شهرته في أمريكا إضافة إلى بريطانيا.
في عام 1836م، تزوج من كاترين هوجارث، ورزق منها بعشرة أطفال، إلا أن الزوجين انفصلا عام 1858م. كان ديكنز يتمتع بطاقة عقلية وجسدية فذة، وتعود موهبته في ابتكار مشاهد مثيرة إلى حقيقة حبه للمسرح. في عام 1865م، بدأت صحته في التدهور، ثم توفي بالسكتة الدماغية.
كتب ديكنز عشرين رواية، أشهرها: أوليفر تويست، وديفيد كوبرفيلد، وقصة مدينتين، والآمال الكبيرة، وترنيمة عيد الميلاد؛ وبليك هاوس، وهي رواية رمزية تتحدث عن ظروف الحياة المؤلمة في مجتمع مادي فاسد. وفي المرحلة الأولى، بعد نجاح أوراق بيكويك، اتجه ديكنز إلى الموضوعات الأكثر جدية.
وفي المرحلة الثانية - خلال الأربعينيات من القرن التاسع عشر ازدادت نظرة ديكنز عن المجتمع الإنجليزي (الفكتوري) بل عن العالم كافة، حزناً وكآبة؛ إذ أخذ يؤكد في حبكة رواياته وشخصياتها على الجانب الشرير للتجربة الإنسانية. ثم تحول إلى المغزى الرمزي، ليستعين به في توسيع ملاحظاته، والتعبير عنها في الموضوعات السياسية المحلية والقضايا الاجتماعية، وفي أمور أكبر تتعلق بالقيم والأخلاق.
وفي هذه المرحلة، الثانية، نشر ديكنز روايته الآمال الكبيرة، وهي مثل العديد من رواياته تدور حول الأثر السيئ الذي قد تتركه النقود والأموال في نفوس الناس. وقد ظهرت هذه الرواية أولاً حلقاتٍ مسلسلة نشرت في إحدى المجلات الأسبوعية (1860-1861). وفي هذه الحلقات كان بطل الرواية الرئيسي «بيب» يحكي قصة حياته منذ كان في السابعة من عمره حتى أصبح شاباً يافعاً، ويشرح التحولات العميقة التي طرأت على حياته وحوّلته من إنسان أناني يملؤه الغرور، إلى إنسان طيب يتعاطف مع الآخرين.
وبالإضافة إلى الكتابة والتأليف التي وهبها ديكنز معظم حياته، فإنه كان يلقي المحاضرات التي يتناول فيها موضوعات رواياته، ويدعو من خلالها إلى تدعيم المؤسسات الخيرية التي ترعى الفقراء من الناس، وظل مثابراً على ذلك حتى وفاته.
يعدّ ديكنز في الوقت الحاضر أحد الشخصيات الرئيسية في الأدب الإنجليزي، لكن مركزه لم يكن دائماً بهذا المستوى من التقدير؛ إذ إن سمعته تدهورت بين عامي 1880و1940م. وهذا يعود بشكل جزئي إلى التركيز على الجانب النفسي الذي أصبح شائعاً في الروايات بعد موت ديكنز.
إلا أنه منذ عام 1940م، ظهر العديد من الكتب التي تصف ديكنز بأنه كاتب على درجة كبيرة من العمق والتعقيد. كما نال الثناء بصفته مراقباً حساساً ذا نظرة فلسفية ثابتة في تحليل الصراعات البشرية ضمن المؤسسات الاجتماعية. ولذلك، وُضِع ديكنز في مصافّ أولئك المؤلفين مثل: هيرمان ميلفل وفرانز كافكا وتيودور دوستوفسكي.
هذا، وقد وضع النقاد المعاصرون شخصيات ديكنز جنباً إلى جنب مع شخصيات شكسبير في تنوعها وحيويتها وقوتها.
صفحة 2
1
لما كان اسم عائلة والدي «بيريب»، واسم عمادتي فيليب، فإن لساني الطفولي لم يستطع أن يستخلص من هاتين الكلمتين أطول من كلمة «بيب» أو أوضح منها. وهكذا أطلقت على نفسي اسم «بيب»، وهكذا أصبح الجميع يدعونني بهذا الاسم.
وأنا أطلق اسم «بيريب» على عائلة والدي، استناداً وتصديقاً للكتابة الموجودة على قبره، وثقة مني بكلام أختي، السيدة جو غارجري، امرأة الحداد. ولما لم أكن قد رأيت أبي ولا أمي، بل لم أرَ صورة لهما، لأنهما عاشا قبل وقت طويل من عصر الصور، فإن الفكرة الأولى التي كونتها عن مظهرهما كانت مستخلصة، خلافاً لكل منطق من أحجار قبريهما. واستناداً إلى الأحرف المحفورة على قبر والدي، كنت أتصوره، بشكل غريب: رجلاً سريعاً، قوي البنية، حاد النظرات، ذا شعر أسود مجعد. بينما كنت أستخلص من شكل الكتابة، المنقوشة بعد الكتابة الأولى: «وهنا ترقد أيضاً جورجيانا، زوجة المذكور أعلاه»- كنت أستخلص أن أمي كانت مريضة، في وجهها بعض بقع النمش. أما من المعينات الخمسة التي كانت مصطفة على جوانب القبر، بطول قدم ونصف قدم تقريباً، والتي كانت مكرسة لذكرى خمسة إخوة صغار، تخلوا في وقت مبكر عن محاولة الكفاح من أجل الحياة ،في هذا الخضم العالمي؛ فقد كنت مديناً باعتقادي الديني بأنهم، جميعاً، أتوا على ظهورهم إلى هذا العالم، واضعين أيديهم في جيوب بناطيلهم، وأنهم لم يُخرجوها طوال ممرهم في هذه الدار الأولى.
كانت بلادنا عبارة عن مستنقعات، تمتد على طول شاطئ النهر الذي يسير كالحية، بطول عشرين ميلاً، حتى يصل إلى البحر. ويخيل إليّ أنني أحسست بانطباعي الأول الواسع، الخارج عن الاستياء، في ذات يوم لا ينسى، والوقت يقارب المساء: ففي تلك اللحظة، اكتشفت أن هذا المكان الجليدي الذي تُغير عليه الجنادب لم يكن إلا المقبرة، وأن فيليب بيريب، المتوفى في هذه الأبرشية، وكذلك جورجيانا زوجة المذكور، كانا ميتين في هذا اللحد. وأن الرجل المسطح القائم، الذي يظلل المقبرة، المليئة بالحفر والأعشاب والحواجز، المزروعة بالطيور والدواجن، كانت المستنقعات. وأن ذلك الخط الواطئ، ذا اللون الرصاصي هناك، كان النهر. وأن العلامة الوحشية البعيدة، التي منها ينفخ الريح، كانت البحر. وأن الباقة الصغيرة المرتجفة، التي تخاف من كل هذا وتبدأ بالبكاء، كان «بيب».
- اسكت! صرخ صوت مرعب، وانبثق من بين القبور رجل، قرب باب الكنيسة الصغير. ابقَ هادئاً أيها الرقيع الصغير، وإلا قطعت رأسك!
رجل مَخوف يلبس من رأسه إلى أخمص قدميه قماشاً مبتذلاً رمادياً، تطوق ساقه حلقة كبيرة من الحديد. رجل دون قبعة، ينتعل حذاء ممزقاً، ويلفّ حول رقبته شالاً قديماً مستهلكاً، رجل أغرقه المطر، ويكسوه الوحل، ودعكته الأحجار، وجرّحه الحصى، ولسعته الجنادب، ومزقته الأشواك، رجل أعرج مرتجف، يعنف ويرمي نظرات مفترسة، اصطكت أسنانه عندما أمسكني من ذقني.
وتوسلت:
- أوه! يا سيدي، لا تقطع لي رأسي، أرجوك يا سيدي.
وقال الرجل:
- ما اسمك؟ بسرعة!
- بيب، يا سيدي.
وتابع الرجل وهو يتطلع إليّ بثبات:
- تابع! تكلم!
- بيب، بيب، يا سيدي.
وقال الرجل:
- أرنا أين تسكن. هيا، أرنا المكان!
وأشرت بإصبعي إلى قريتنا، التي كانت تعلو الجبل المسطح، إلى جانب النهر، بين الصفصاف والحور، على بُعد ميل واحد على الأقل من الكنيسة.
صفحة 3
وبعد أن تطلع الرجل إليّ برهة، أرجع رأسي إلى تحت، وأفرغ جيوبي، فلم يجد فيها سوى كسرة من الخبز. وعندما عادت الكنيسة إلى مكانها، لأنه فاجأني بعنف شديد، خيّل إليّ معه أن الكنيسة قد انقلبت، فرأيت الجرس تحت أقدامي. عندما عادت وجدت نفسي جالساً على حجر عالٍ لحد القبور، وأنا أرتجف، بينما كان هو يأكل بشراهة كسرة الخبز.
وقال الرجل، وهو يمسح شفتيه:
- أيها المتشرد الصغير، إن خدودك سمينة.
وأنا أظن أنها كانت كذلك بالفعل، على الرغم من أنني كنت في تلك الفترة صغيراً ناحلاً، بالنسبة لمن هم في سنّي.
وقال الرجل، وهو يهزّ رأسه مهدداً:
- يا للشيطان! إن كنت لا أستطيع أن آكلها، وحق إيماني إنني أكاد أشعر بالرغبة في ذلك.
وعبرت بحماس على أملي في أن لا يفعل، وانزويت بقوة أكبر، والتصقت بالحجر الذي كنت جالساً عليه، لسببين: الأول حتى أتمالك نفسي من السقوط، والثاني لأتمالك نفسي من البكاء. وقال الرجل:
- لقد جاء دورنا الآن! أين أمك؟
وأجبته:
- هنا، يا سيدي!
وارتجف وتحفز للهرب، ثم توقف وتطلع من فوق كتفه، وشرحت له بخجل:
- هناك، يا سيدي! «وكذلك جورجيانا». إنها والدتي.
وقال، وهو يعود:
- أوه! والدك أيضاً، يرقد هنا، قرب والدتك؟
وقلت:
- أجل يا سيدي، هو أيضاً، المتوفى في هذه الأبرشية.
وتمتم مفكراً:
- آه! مع من تعيش؟ هذا إذا افترضنا أنني سأتركك تعيش، الأمر الذي لم أقرّره بعد.
- مع أختي، يا سيدي .. السيدة جو غارجري، امرأة جو غارجري، الحداد، يا سيدي.
- هيه! الحداد؟ قال هذا، وألقى نظرة على ساقه.
وبعد أن أجال بصره القاتم، مرات عديدة، عليّ وعلى ساقي، اقترب من الحجر الذي أجلس عليه، وأمسك بي بيديه الاثنتين، وقلبني إلى الخلف، وأمسك بي بشكل كانت عيونه معه تغرق بنظرة آمرة في عيني، وكانت عيناي ترتفعان بذلة نحو عينيه.
صفحة 4
ثم قال:
- الآن استمع إليّ، المسألة هي معرفة ما إذا كنت سأتركك حياً. هل تعرف ما هو المبرد؟
- أجل، يا سيدي.
- وهل تعرف ما هي الأطعمة؟
- أجل، يا سيدي.
وبعد كل سؤال، كان يزيد من شدّي إلى الوراء، ليزيد من إحساسي بالضَّعَة والخطر.
- ستحضر لي مبرداً (وقلبني بشدة إلى الخلف)، وستحضر لي أطعمة (وقلبني أيضاً)، ستحضر لي كل هذا (وقلبني إلى الخلف أيضاً)، وإلا فسوف أنتزع قلبك وكبدك.
وكنت أحس بخوف هائل وبضجيج في أذنيّ، إلى درجة تمسكت معها بهما بكلتا يديّ، وأنا أقول:
- لو سمحت طيبتك بأن تتركني أقف على قدمي، يا سيدي؛ فقد يخف ألم قلبي وأستطيع أن أسمعك بشكل أحسن.
وشدني إلى الوراء شدة مخيفة، رأيت معها الكنيسة تقفز فوق رأسه فجأة. ثم أوقفني على الحجر، وهو يمسكني بيده، وتلفّظ بهذه الكلمات المخيفة:
- ستحضر لي غداً صباحاً، في وقت مبكر جداً، هذا المبرد وهذه الأطعمة. ستحضر لي كل هذا إلى ذلك المنزل القديم هناك. ستقوم بهذا، ولن تقول أية كلمة، أو تقوم بأية حركة يمكن أن يستدل منها على أنك رأيتني، أو أنك رأيت أحداً ما. وعندها سأترك لك حياتك. فإذا أخلفت، أو إذا حدت مقدار ذرة عن تعليماتي، فسأنتزع قلبك وكبدك، وأشويهما، ثم آكلهما. وعلى كل حال، إنني لست وحيداً كما يمكن أن تتصور. هناك شاب مختبئ معي، وأنا إلى جانب هذا الشاب ملاك شفوق، وهذا الشاب يسمع كلامي. ولديه سرّ خاص به للوصول إلى قلوب الأولاد الصغار وأكبادهما. ومهما حاول الصبي إقفال بابه، ومهما أحس بالدفء في سريره، ومهما لفّ نفسه في غطاءاته، وغطى بها رأسه، وأحس أنه في أمان، فإن هذا الشاب ينزلق دون ضجة قربه ليفتح له بطنه. وأنا أمنع هذا الشاب في الوقت الحاضر من أن يؤذيك، ولكن هذا ليس أمراً سهلاً. إنني ألاقي صعوبة كبرى في منعه من أن يفتش في باطنك. ماذا تقول الآن؟
وقلت له: إنني سأحضر المبرد وكل المؤونة التي أستطيع الحصول عليها، وإنني سأذهب لملاقاته عند البيدر، في صباح الغد.
وقال الرجل:
- ردّد: فلأمُتْ إذا لم أقم بذلك!
وتلفظت بهذه الكلمات، فوضعني على الأرض، وتابع:
- والآن، تذكر وعودك، وتذكر الرجل الشاب، وعد إلى بيتك!
وغمغمت:
- عمت .. عمتَ مساءً، يا سيدي.
وقال، وهو يتطلع إلى السهل الرطب البارد الذي يجاوره:
- ما أروع هذا المنظر! أودّ أن أكون ضفدعة أو سمكة جنلكيس!
وعندما قال هذا رمى بذراعيه حول جسدي المرتعش - كأنما ليلتصق بنفسه - وذهب وهو يعرج باتجاه حائط الكنيسة الأدنى. ولما كنت أتطلع إليه، وهو يشق طريقه بين الأغصان والحواشي التي تحفّ بالأرض الخضراء، فقد ظهر في عينيّ وكأنه يرد أيادي الأموات التي تمتد ببطء، خارج القبور، لتمسك به وتشده إليها.
وعندما وصل إلى حائط المقبرة الصغير، تسلقه كرجل ذي ساقين بشعتين ثقيلتين، ثم التفت وفتّش عنّي بعينيه. وعندها اتخذت طريقي إلى المنزل، وأنا أطلق لساقيّ العنان. ولكنني، مع ذلك، تطلعت من فوق كتفي: كان يتقدم إلى النهر، عاقداً يديه حول صدره، وهو يتحسس الأرض بقدميه المتألمتين، بين ألأحجار الكبيرة الموضوعة، هنا وهناك، في المستقنعات، لتسهيل المرور في أيام المطر الكثيف أو في أيام المد العالي.
وعندما توقفت لأتطلع إلى الرجل، خيّل إليّ أن المستنقعات تشكل خطاً طويلاً أسود عند الأفق، وظهر النهر كخط أفقي أيضاً، أقل عرضاً وظلاماً. أما السماء فكانت تختلط فيها خطوط حمراء صارخة وخطوط سوداء كثيفة. وكنت لا أكاد أستطيع أن أميز، على ضفة النهر، إلا شيئين قاتمين كانا يظهران وكأنهما بارزان في ذلك الامتداد؛ كان الأول عموداً يستخدم كهاد للسفن، وهو يشبه برميلاً دون حلقات، مفروشاً فوق رمح - وهو ذو منظر بشع إذا رآه المرء عن قرب - والآخر مشنقة تتدلى منها السلاسل، التي كان يعلق بها في الماضي القريب أحد القرصان. وكان الرجل يتجه، وهو يعرج نحو المشنقة، كأنما هو القرصان وقد عادت إليه الحياة، فنزل إلى الأرض وعاد ليشنق نفسه. وأثارت فيّ هذه الفكرة صدمة مخيفة. وعندما رأيت قطيعاً من الخراف يرفع رأسه يتأملها، تساءلت عما إذا كان من الممكن أن تحسّ تلك البهائم بما أحسه. وبحثت عيناي، في كل حَدَب وصوب، عن الشابّ المخيف، ولكنني لم أرَ له أي أثر. ومع ذلك، فقد عاد الخوف والجزع فاستوليا على نفسي، وتطايرت نفسي شُعاعاً، فركضت إلى البيت دون أن أتوقف، حتى بلغته.
صفحة 5
2
أختي، مسز جو غارجري، تكبرني بعشرين عاماً. وقد كوّنت لنفسها سمعة كبرى، لدى جيرانها ولدى نفسها، بأنها ربتني «على يدها» أي بالمصّاصة. ولما كنت مضطراً في ذلك الوقت لأن أكتشف، وحدي، معنى هذا التعبير، مع معرفتي التامة أن يد أختي قاسية ثقيلة، لم تكن تقلل من رفعها إلى زوجها وإليّ، لما كنت مضطراً لأن اكتشف ذلك المعنى ، فقد افترضت أن جوغاجري قد رُبّيَ هوالآخرعلى يدها.
لم يكن هناك امرأة أكثر إقناعاً من أختي، وقد تكوّن لديّ إحساس في أنها لا بدّ قد أقنعت «على يدها» جو غارجري ليتزوجها. كان جو رجلاً حلواً، ذا وجه سمح، تحيطه خصلات ناعمة شقراء، وكانت زرقة عينيه الغائمة تظهر كأنها مختلطة ببياضهما؛ رجل شهم، طيِّع، سهل، بسيط نوعاً ما، وبكلمة واحدة: هو(هرقل) في قوته وضعفه.
كانت أختي، مسز جو، بشعرها وعينيها البنيّتين، ذات بشرة جدّ حمراء، إلى درجة كنت أتساءل معها: عمّا إذا كانت لا تستخدم بعض المساحيق الملونة، بدلاً من الصابون، في زينتها. ولم تكن تترك، بجثتها الضخمة وعظامها البارزة، إلا في حالات نادرة، فوطة مبتذلة تعقدها وراء ظهرها، بواسطة شريطين رفيعين يمسكان من الأمام بها، متدلية على طول فستانها، ومحشوّة بالدبابيس والإبر. كانت تفخر بتلك الفوطة، وتتحجج أمام جو بمئات الحجج، لتبرر لبسها الدائم لتلك الفوطة. والحق، إنني لم أكن أرى لماذا تضعها بالضبط؟ أو لماذا تتمسك بها؟ أو لماذا لم تكن حرة في أن تخلعها في أي وقت تشاء؟
كانت دكان حدادة جو ملحقة ببيتنا، مبنية من الخشب، كما كانت أكثرية بيوت قريتنا في ذلك الوقت. ولما عدت راكضاً من المقبرة، وجدت الدكان مغلقة، وجو جالساً بمفرده في المطبخ. ولما كنت وجو رفاق سوء البخت، فقد أسرّ لي، كشريك في الضراء، منذ أن رفعت مزلاج الباب، ورأيته جالساً في زاوية المدخنة، قائلاً:
- لقد خرجت مسز جو، اثنتي عشرة مرة، للبحث عنك، يا بيب. وها هي الآن مرة أخرى في الخارج لتكمل جولتها الثالثة عشرة.
- حقاً؟
وقال جو:
- أجل يا بيب، وهناك ما هو أدهى من ذلك، فقد أخذت السوط معها.
عند هذا الخبر المزعج الجديد، كنت أحرّك بعصبية، وفي جميع الاتجاهات، الزرّ الوحيد الذي لا يزال في قميصي، وأنا أتطلع إلى النار بنظرة تعبر عن الخيبة الشديدة. والسوط عبارة عن قضيب، في طرفه بعض خيطان الجلد، وقد استُهلك لكثرة ما هدهد جسمي.
وقال جو:
- لقد جلستْ، ثم قامتْ وتناولت السوط، وذهبت وهي في قمة الغضب. هذا ما فعلته. قال جو هذا، وهو يتطلع إلى النار التي أوقدها خلال قضبان الشواء.
لقد ذهبت، وهي في قمة الغضب، يا بيب.
- هل مضى وقت طويل على رحيلها، يا جو؟
وتطلعت إليه كطفل من نوع أكبر، وكنت أعامله دائماً كمساوٍ لي. وقال جو وهو يتطلع إلى كناره الغرّيد:
- وبعد، لقد مضت دقائق خمسة منذ أن خرجت غاضبة، لآخر مرة، يا بيب. ها هي! اذهب خلف الباب يا صغيري، واختبئ وراء المنشفة.
وعملت بنصيحته. وعندما فتحت أختي، مسز جو، الباب فجأة أحست بمقاومة عَرَفتْ توّاً سببها، فاستخدمت السوط لتدير تحقيقاتها جيداً. وانتهى الأمر بها - وكنت دائماً أستخدم كقذيفة بين الزوجين - انتهى الأمر بها إلى رميي إلى جو، الذي سعد لأنه أمسك بي، بأية طريقة كانت، ثم أدخلني إلى المدخنة، وحماني بهدوء وراء ساقه الطويلة.
وقالت مسز جو، وهي تدق برجلها:
- أين كنت أيها القرد الصغير!؟ قل لي، تواً، ماذا فعلت بينما كنت أنا أقلب الأرض بحثاً عنك؟ وإلا، ذهبت إليك وأخرجتك من زاويتك، حتى ولو كنتماخمسين بيبَ وخمسين غارجري.
صفحة 6
وقلت، من زاويتي وأنا أبكي وأحك أطرافي:
- لقد كنت في المقبرة، ليس إلا.
ورددت أختي:
- في المقبرة ! لو لم أكن هنا لأرسلوك إلى هناك منذ أمد بعيد. في المقبرة! حسناً. من ربّاك على يديه.
وقلت:
- أنت.
وصرخت أختي:
- ولماذا فعلت ذلك؟ إنني أتساءل الآن.
وقلت مشرقاً بدمعي:
- لا أدري.
وقالت أختي:
- وأنا كذلك لا أدري. ولكنني متأكدة أنني لن أعيد الكَرّة مرة أخرى. أستطيع تماماً أن أقول: إنني لم أترك هذه الفوطة، لحظة واحدة، منذ أتيت أنت إلى هذا العالم. إنه لشيء محزن تماماً أن يكون الشخص امرأة حداد وامرأة غارجري، دون أن يكون في الوقت نفسه أمَّك!
وتحولت أفكاري عن هذا السؤال، بينما كنت أتطلع بيأس إلى النار. لأن ذلك الهارب الأعرج بساقه الحديدية، وذلك الشاب الغامض، والمبرد والمؤونة والعملية المرعبة التي ارتبطت بها، في أن أرتكب سرقة تحت هذا السقف المضيف، كل هذا انبثق أمام عيني في هذه الجمرات المنتقمة.
وقالت مسز جو، وهي ترجع السوط إلى مكانه:
- آه ! في المقبرة، حقاً! تستطيعان أن تتحدثا عن المقبرة، أنتما الاثنين. (ولم ينبسّ أحد منا بحرف) أنا التي سوف أقودكما إلى المقبرة ذاتَ يوم، وعندها ستكونان، دوني، زوجاً رائعاً!
وبينما كانت تعدّ الشاي، كان جو يتطلع إليّ من فوق ساقه؛ كأنما ليزننا نحن الاثنين، وليحسب أي نوع من الأزواج نشكله في الحالات الشاقة التي ذكرت أمامنا. وبعد هذا مرّ بيده على حلقته الحديدية وشعره الأشقر الفاتح، وتابع مسز جو بعينيه الزرقاوين، كما يفعل دائماً عندما يهب الإعصارعلى البيت.
وكان لأختي طريقة حاسمة في تقطيع خبزنا، الذي لم يتغير مطلقاً: فهي تبدأ بشد القطعة بقوة على صدرها بيدها اليسرى؛ الأمر الذي كان يسبب في بعض الأحيان انتقال دبوس أو إبرة من فوطتها، خلال الخبز إلى أفواهنا، ومن ثمّ تأخذ بعضاً من الزبدة (بكمية قليلة جداً)، على طرف السكين، وتفرشها على الخبز على طريقة البنّاء في توزيع الكلس. وهي تستخدم وجهي السكين، بمهارة متأنية، في إبعاد الزبدة عن الأطراف. وبعد ذلك تقوم بضربة ماهرة على الأطراف، وتنشر قطعة سميكة في آخر الأمر، وتقسمها إلى قطعتين، قبل أن تفصلها عن الرغيف: تعطي قطعة إلى جو والأخرى لي.
وفي ذلك اليوم، وعلى الرغم من إحساسي بالجوع، فإنني لم أجرؤ على أكل خبزي. كنت أحس أنّ عليّ أن أضع شيئاً على حدة، تحسباً للقائي المخيف وحليفه، وللشاب الأكثر إثارة للرعب. كنت أعلم أن مسز جو ربة بيت دقيقة جداً، وأن أبحاثي المذنبة في «النملية» ستظل غير مجدية. وهكذا قررت أن أخبئ خبزي في إحدى ساقي بنطالي.
ولاحظت أن تنفيذ هذا المشروع يقتضي تقريراً وإرادة، كاللتين يقتضيها القفز من سطح بيت عالٍ أو الغوص في ماء عميق. وقد جعل جو، دون قصد، من هذا الأمر شيئاً أكثر صعوبة: ففي هذه المقاطعة من الريف البائس الذي تكلمت عنه، وبرفقتنا المتبادلة التي كانت تجمعنا، كنا قد اعتدنا في المساء، على مقابلة الطريقة التي كنا نقضم بها خبزنا، ونحن نعرضه لنعجب به ولنزيد من وقت إلى آخر من حماسنا. وفي هذا المساء، دعاني جو عدة مرات للمشاركة في مباراتنا الودية، وهو يريني خبزه الذي كان ينقص سريعاً، ولكنه كان يجدني في كل مرة أضع فنجان الشاي على إحدى ركبتيّ، وخبزيَ السليم على الأخرى. وأخيراً، وجدت بيأس أن عليّ أن أتصرف، بالطريقة التي تظهر أقل غرابة، نظراً للأوضاع. وانتهزت فرصة انشغال جو بشيء ما، عندما حوّل عينيه، وأدخلت خبزي في ساق بنطالي.
وعض جو، مفكراً ودون لذة، خبزه. وقد أثار اضطرابه ما ظنه قلة شهية عندي، فأصبح يدير القطعة في فمه أكثر من المعتاد، وبعد تردد طويل يبتلعها كأنها كرة. وكان يهم بأخذ لقمة جديدة، وقد أحنى رأسه ليستطيع ذلك بسهولة، وهنا وقعت عيناه على ركبتي، ورأى أن خبزي قد اختفى.
ولم يفت أختي ما رأته من الاندهاش والحيرة، التي أوقفت جو عن أخذ لقمة ليتطلع بي، فقالت توّاً، وهي تضع فنجانها:
- ماذا هناك أيضاً؟
صفحة 7
وتمتم جو، وهو يهز رأسه إشارة إلى تحذير خطير:
- وبعد، ليكن! بيب، يا صديقي، ستسبب لنفسك الوجع. وسيبقى عالقاً في مكان ما؛ لأنك لم تملك الوقت الكافي لمضغه.
ورددت أختي بلهجة أشد قسوة:
- ولكن، ماذا هنالك؟
وقال جو بخوف:
- إنني أنصحك أن تبصق قطعة منه، إذا كنت تستطيع يا بيب. الأساليب هي الأساليب، ولكن الصحة هي الصحة.
ولكن أختي، وقد ضاق صبرها، انقضّت على جو وأمسكته بيديها، وضربت رأسه بالحائط مرات عديدة، بينما كنت أنا، أراقب المشهد كالمأخوذ، وأنا جالس في زاويتي.
وقالت أختي، وقد ضاقت أنفاسها، وهي تفرك عينيها كأنها خنزير يُذبح:
- قد تقول، الآن، ماذا بك!
وتطلع جو إليها بنظرات يائسة، وأخذ لقمة من خبزه، وتطلع إليّ ثانية، ثم قال، بلهجة فخمة، ولقمته الأخيرة تنفخ خده، وكأنه يتحدث إليّ على انفراد:
- أنت تعرف جيداً، يا بيب، أننا كنا دائماً نِعْم الرفاق، وأنني آخر من يقول عنك سوءاً، ولكن .. (وحرك كرسيه، وأخفض عينيه نحو الأرض بيننا، ثم رفعهما نحوي من جديد) ولكن، أن تلتهمها بهذا الشكل الغريب!
وصرخت أختي:
- لقد عاد للأكل كالمفجوع، أليس كذلك؟
وقال جو، وخده لا يزال منتفخاً، وهو يحدجني أنا بنظراته، لا مسز جو:
- هذا صحيح، إنني أنا أيضاً قد التهمت مثلك، عندما كنت في سنك، وقد رأيت أكثر مِن شَرِِِهٍ، ولكنني لم أر مساوٍيا لك، يا بيب. وسيكون الله رحيماً، إذا لم يسبب لك الموت، لما قمت به. وركضت أختي في اتجاهي، وأمسكت بي من شعري، وهي تتلفظ بهذه الكلمات المخيفة وحدها.
- تعال معي لأحضّر لك جرعة من الدواء.
وفي تلك الفترة، كان أحد الأطباء الملعونين قد أشاع ونشر استعمال ماء القطران، بصفته دواء. وكانت مسز جو تحتفظ دائماً ببعض منه في الخزانة، لأن من جملة فضائلها إيمان يتناسب مع ذوقها القاسي. وكان الأمر يذهب بها أحياناً إلى حد إعطائي جرعة من هذا الدواء كمقوٍّ ثمين، وعند هذا كنت أشتم رائحة الحاجز الخشبي الجديد. وفي ذلك المساء، كانت خطورة الحالة تستدعي إعطائي كمية أكبر أسيلت في حنجرتي لتأمين راحتي وسلامي. وبينما كانت مسز جو تمسك برأسي تحت إبطها، لم يستطع جو أن يتخلص من أن يشرب نصف جرعة على مضض؛ لأنها رأته يرتجف، وهو يمضغ ببطء، ويتأمل أمام النار. وإذا أردت أن أحكم على الأشياء، من خلال تجربتي الشخصية، فإنني أستطيع أن أشهد أنه كان، دون شكّ، يرتجف، لكن بعد تلقيه الجرعة، لا قبلها.
الضمير شيء مخيف عندما يتهم رجلاً أو طفلاً، ولكن عندما يتضاعف هذا الحمل، عند طفل يحمل آخر مختبئا في ساق بنطاله، فإنه (وأنا أستطيع أن أشهد) عند ذلك يكون عذاباً كبيراً. ففكرة أنني مقبل على ارتكاب جريمة سرقة، ضدّ مسز جو - ولم أكن أبداً أفكر في أنني أسرق جو، لأنني لم أكن أعتبر مطلقاً الأشياء التي في البيت ملكه - هذه الفكرة، مضافاً إليها أنه كان عليّ أن أضع يدي على الخبز، عندما أكون جالساً، أو عندما أذهب إلى المطبخ، لأقوم ببعض المهمات، هذه الفكرة جعلتني أشبه بالمجنون. وعندما جاء هواء المستنقعات يؤجّج النار، خيّل إليّ أنني أسمع في الخارج صوت الرجل ذي الرجل الحديدية، وقد حلّفني بأن أحفظ السر، وهو يحتج عليّ أنه لا يستطيع ولا يريد أن يصوم حتى الغد، وأنه يريد الأكل حالاً. وكنت أقول لنفسي، أيضاً: إن الشاب الذي لا يمكن منعه من بقر أحشائي، قد يستسلم لنفاد صبره ومزاجه، أو قد يخطئ في الساعة، ويعتقد أنه قد أصبح يملك الحق، في هذه الليلة بالذات بدلاً من الغد، في قلبي وكبدي.! وإذا كان أحد منكم قد شعر بشعر رأسه يقف منتصباً، فإنه يستطيع أن يتصور حالتي. ولكن قد لا يحدث هذا لأحد.
كانت ليلة عيد الميلاد. وقد كلفت بتحريك الحلوى بملعقة من الخشب؛ لتكون جاهزة في الغد. وحاولت أن أمارس التحريك محتفظاً بحملي على ساقي (الأمر الذي جعلني أفكر مرة أخرى بالرجل، وبالحمل الذي يجرّه هو أيضاً) ولكن الجهد جعل الخبز يظهر قرب كاحلي، وأصبح الأمر صعباً. ولكنني توصلت لحسن الحظ إلى الانزلاق إلى الزاوية التي أرقد فيها في البيت، حيث وضعت هناك هذا القسم من ضميري.
صفحة 8
وقلت، عندما انتهيت من تحريك الحلوى، وذهبت أتدفأ آخر مرة قرب النار قبل أن يرسلوني إلى النوم:
- اسمع، هل هو المدفع، يا جو؟
وقال جو:
- آه! محكوم آخر بالأشغال الشاقة يفرّ أيضاً.
وسألت:
- ما معنى هذا؟
وقالت مسز جو، التي تحتكر دائماً الجواب على الاستفهامات: «يهرب، يهرب» وكأنها تحضر التعريفات، كما تحضر جرعات ماء القطران.
وبينما كانت مسز جو منكبة على عملها، كنت أحاول أن أسأل جو بطرف شفتي: «ما معنى محكوم بالأشغال الشاقة»؟ وردّ جو ، وهو يدوّر شفتيه بجواب صيغ بعناية، فلم أفهم منه إلا كلمة واحدة، هي: بيب.
قال جو:
- لقد هرب محكوم بالأشغال الشاقة بالأمس، وقد أطلقوا المدفع للتحذير، وها هم الآن يطلقون المدفع مرة أخرى، إشارة إلى أن محكوماً آخر قد هرب.
- ما معنى يطلقون؟
وتدخلت أختي، وهي تزوي ما بين حاجبيها مقطبة، وتطلعت إليّ من فوق شغلها:
- تباً لهذا الولد، وتباً لأسئلته! تسأل أسئلة، وسوف لن نقول لك كذباً.
وخيّل إليّ أنها لم تكن مهذبة مع نفسها على الإطلاق، وهي تترك المجال أمامي لأسمع أنها سوف ترد على أسئلتي بأكذوبات، ولكنها لم تكن مهذبة أبداً، إلا عندما يكون هناك بعض الزوار.
وفي هذه اللحظة، زاد جو من حب استطلاعي، عندما فتح فمه، حتى بانت نواجذه، وهو يحاول أن يلفظ كلمة ظننت أنها «تمتمة»، وأشرت بالطبع إلى مسز جو، وأنا أقوم بأطراف شفتي: "هي"؟ وبانَ على جو عدم الرضا، وفتح فمه من جديد على آخره، ليقول كلمة أخرى لم أستطع أن أفهم منها أي حرف.
وأخيراً قلت:
- مسز جو، أريد أن أعرف - إذا كان هذا لا يضايقك - أين يطلقون المدفع؟
وصرخت أختي بلهجة بانَ معها أنها تعني عكس كلمتها:
- فليبارك الله هذا الطفل. من القاعدة طبعاً.
صفحة 9
وقلت، وأنا أتطلع إلى جو:
- أوه! من القاعدة!
وسعل جو، معبراً عن استيائه، كأنه يقول: «لقد قلت لك». وسألتها:
- إذا كنت تسمحين، ما معنى القاعدة؟
وصرخت أختي، وهي تشير إليّ بإبرتها وتهز رأسها:
- أي صبي هذا! إذا رد الإنسان على سؤال من أسئلته، فإنه سيسمع تواً عشرات الأسئلة منه. القاعدة هي مراكب تستعمل، هناك، سجوناً في المستنقعات.
وقلت، بصورة عامة وبهدوء يائس:
- أحب أن أعرف من يوضع في هذه المراكب السجون؟ ولماذا يوضع هؤلاء فيها؟
وكان هذا أكثر من طاقة مسز جو، التي نهضت فوراً وقالت:
- سأرد عليك أنا، أيها الصغير المزعج! إنني لم أُربّك على يدي لتقتل الناس بأسئلتك. أما إذا كان الأمر كذلك، فيجب ألا أهنئ نفسي عليه. يوضع الناس في القواعد لأنهم يقتلون، لأنهم يسرقون، لأنهم يفعلون الشرور وكل الأشياء البشعة. وهؤلاء الناس يبدؤون دائماً بإلقاء الأسئلة. والآن، إلى فراشك !
ولم يعطونني شمعة لأذهب إلى فراشي. وعندما صعدت السلم في الظلام ورأسي يضج - لأن مسز جو قرعت رأسي بإصبعها، الذي تضع فيه الكشتبان، لترافق بهذه الحركة كلماتها الأخيرة - عندما صعدت، أحسست أن القاعدة كانت على استعداد لاستقبالي، وأنني أسير نحوها الآن. لقد بدأت في طرح الأسئلة، وأنا أعتزم سرقة مسز جو.
ومنذ ذلك الوقت البعيد، أصبحتُ أفكر غالباً: أنه لا أحد يعرف إلى أي مدى يستطيع الأطفال، مهما كان تفكيرهم بسيطاً، الاحتفاظ بالسر تحت تأثير الإرهاب والرعب. كنت أحس برعب فظيع من الشاب الذي يريد قلبي وكبدي. كنت أحس برعب قاتل من محدثي ذي الرجل الحديدية. كنت أحس برعب ميت من نفسي بسبب الوعد الرهيب الذي أنتُزع مني. ولم أكن أضع أملي في الخلاص عند أختي، التي كانت تصدني في كل مناسبة. أنا أرتجف الآن من فكرة ما كان يمكنني أن أقوم به من أمور في السر، و من الرعب، اللذين كانا يرهقاني.
وإذا كنت قد نمت قليلاً في هذا الليل، فإنما كان ذلك لأحلم أنني كنت أنزل مع مجرى النهر نحو القاعدة في مد الربيع. وكان شبح القرصان يصرخ فيّ، عبر ناقل صوت، عندما مررت قرب المشنقة، التي أفعل حسناً لو ذهبت إليها وشنقت نفسي، لأنتهي من هذا الأمر! وخفت أن أنام تماماً، على الرغم من رغبتي الشديدة في ذلك، لأنني كنت أعرف أنّ عليّ، منذ تباشير الفجر الباكر، أن أفتش في «النملية»، ولم أكن أستطيع أن أقوم بهذا في الليل؛ لأنه ليس معي أي ضوء. وإذا أردت أن أشعل القداحة، فإن عليّ أن أقوم بصوت لا يقل عن صوت القرصان، وهو يحرك سلاسله.
وهكذا كان. فما كاد الظلام الأسود الحالك يتحول إلى لون رمادي قاتم حتى نهضت، ونزلت السلم. كانت كل درجة تصرّ صريراً تحت أقدامي، وتصرخ: «إلى الحرامي»! أو: «أفيقي يا مسز جو»! ووجدت النملية مليئة أكثر من العادة؛ بسبب عيد الميلاد، وشعرت بالخوف لمرأى أرنب معلق من قوائمه، وخِلت أن عينه قد رفت عندما حدت بنظري عنه. ولكني لم أكن أملك الوقت الكافي لأتحقق من هذا الأمر، أو لأختار، أو لأضيّع أية دقيقة. سرقت بعض الخبز وقطعة من الجبن وكمية من لحم السمك (ربطتها في محرمتي، مع قطعة الخبز التي خبّأتها بالأمس)، وكذلك بعض البراندي، الذي أخذته من وعائه (وقد سكبته في قنينة زجاجية كنت أستعملها خفية؛ لأحضر هذا المشروب المسكر). ومزجت في الوقت نفسه كحول الوعاء بواسطة قارورة، استعرتها من خزانة المطبخ. وسرقت، أيضاً،عظماً، كان لا يزال عليه بعض اللحم، وقطعة رائعة من «الباتيه» مدورة لزجة. وقد كان من الممكن أن أنصرف، دون «الباتيه»، لو لم أكن صعدت على كرسيّ، استطعت منه أن أرى ما وضع بعناية على الرف العلوي، حيث وجدت في الزاوية صحناً منعزلاً. وهكذا وجدت «الباتيه»، وأخذت القطعة، على أمل أن لا تكون معدة للاستهلاك الفوري، بشكل لا يفضح فقدها بسرعة.
وكان للمطبخ باب يفضي إلى دكان الحداد، فأدرت المفتاح، وسحبت المزلاج، وأخذت مبرداً من بين أدوات جو، ثم أرجعت المزلاج، وأدرت المفتاح مرة أخرى، وفتحت الباب الذي دخلت منه في المساء السابق، وأغلقته، وركضت إلى المستنقعات الغائمة.
* * *