إهداء
الي قادة الأمة العربية وحكامها وزعمائها ونخبها السياسية، والي شعوب الأمة العربية..
أهدي هذا السفر لعله يكون بمثابة جرس الانذار المبكر ولكي لا نستبين الرشد إلا ضحي الغد.
مقدمة الامام الصادق
العمل دون تنظير أعمى والتنظير دون عمل كسيح. وميزة صاحب هذا الكتاب أنه جمع بين عالمي التنظير والعمل فأتحفنا بزبدة تفكيره وتجاربه متبعاً سنة من سبقه في هذا الباب كإبن رشد، وإبن خلدون، وغيرهما من الذين لبوا تطلع إفلاطون لصفة الملك الفيلسوف.
إن في هذا المؤلف قيماً مضافة أخرى أهمها:
• النظرة الموسعة للأمن القومي العربي رأسياً لتشمل عوامل التأثير الأخرى كالإقتصاد، والتكنولوجيا الثقافية وغيرها،وأفقياً لتناول الفضاءات المجاورة التركية،والإيرانية، والأوربية، والأفريقية جنوب الصحراء.
• إحصاء مقومات الأمن القومي العربي وموجبات تشابكه.
• بيان مهددات الأمن القومي العربي
• تناول القرارات الجيدة الكثيرة التي إتخذتها الجامعة العربية في مجالات مختلفة وما برحت محبوسة في الأضابير محجوبة عن التنفيذ.
• المقارنة بين هذا القصور العربي وأداء بعض المنظمات الإقليمية الأخرى الأكثر جدوى.
• الإهتمام بالقمة الإقتصادية المزمعة في الكويت العام القادم وإقتراح توصيات لإثرائها.
مع أن المؤلف تناول موضوعه بنقد لطيف فإنه أبقى علي جذوة أمل مضيئة في آخر النفق.
قال أمير المؤمنين إبن الخطاب: "رحم الله إمرئ أهدى لنا عيوبنا". المقولة التي أرجع صداها بعد مئات السنين عمانويل كانط بقوله: "النقد هو أفضل وسيلة للبناء إكتشفها الإنسان".
نبه المؤلف للمخاطرالمحدقة بالأمن القومي العربي بلغة دبلوماسية ولكن الحالة العربية صارت تستدعي دق نواقيس النذر.
في العام الماضي نظمت في "أبوظبي" مسابقة لإختيار أمير الشعراء العرب. وطلب من المتنافسين مجاراة قصيدة عمرو بن كلثوم الشهيرة ففعلوا وكان المعني الذي رددته قصائدهم واحداً ومؤلماً خلاصته:
تناسل بيننا عمرو بن هند فكنا كمــا أراد لــنا أن نكونا!
أمتنا وأكثريتها من الشباب بلغ بها الإحباط كراهية الذات وصار الشباب يعبرون عن هذا الإحباط بالهجرة إلي الخارج جغرافياً. أو الهجرة إلي خارج التاريخ في صحبة الغلاة. وصار العالم العربي مجالاً لمفارقات وتناقضات مدهشة: فالفجوة بين الحكومات العربية والشعوب هي الأكبر بالمقارنة مع كيانات العالم الأخرى الأكثر ممارسة لآليات المشاركة والمساءلة، والفجوة الطبقية بين الأثرياء والفقراء هي الاوسع بالمقارنة مع الآخرين. هاتان الفجوتان تفاعلتا مع الظلم الوافد بسبب الإستيطان الغاصب، والإحتلال الظاهر والمستور، والإستغلال، لتفريخ حالة فوجت الشباب زرافات ووحدانا إلي صفوف تيارات الغلو والعنف المصاحب له.
ومع أن أغلبية العرب مسلمون والإسلام من أكثر الأديان العالمية حثاً علي الوحدة، ومع إتفاق أهل القبلة علي كثير من الثوابت فإن الأعداء الآن يراهنون علي إستقطاب مذهبي مدمر.
ومع أن دواعي الوحدة بين العرب هي الأكبر بالمقارنة مع المجموعات الإقليمية فإن علاقات كثير من الدول العربية مع مراكز الهيمنة الدولية تفوق العلاقات العربية البينية وهي الأقوى بالمقارنة مع علاقات الدول الأخرى مع مراكز الهيمنة الدولية. ومع ذلك فإن مصالح الولايات المتحدة الحقيقية هي في العالم العربي ورغم ذلك فإن مواقف الولايات المتحدة الحقيقية هي مع إسرائيل الغاصبة للحقوق العربية والمتوسعة علي حسابهم.
ما دامت هذه الفجوات والتناقضات قائمة، فإنها تجهض العلاقات بين الدول العربية، وتجعل القرارات الوحدوية أمنيات ترددها القرارات ويكذبها الواقع، فكما قال نزار رحمه الله:
وإذا السيوف تكسرت أنصالها
فشجاعة الكلمات.. ليس تفيد!
الدول العربية الآن غالباً من أكثر البلدان إعتماداً علي إستيراد الغذاء من الخارج. هذه الظاهرة المستمرة حتي الآن سوف يصحبها إرتفاع هائل في أسعار المواد الغذائية بسبب الوقود الحيوي –الإثنول- الذي سوف يهبط بحجم عرض المواد الغذائية في الأسواق. وهذا من شأنه أن يعصف بالأمن الإجتماعي في كثير من البلدان العربية.
كل ما سبق وعيد للأمة العربية بالويل والثبور وعظائم الأمور مالم تهب الأمة وتتسلح بمشروع نهضوي يفعل طاقاتها المعنوية والمادية، والبشرية والطبيعية.
هذا الكتاب مهما خففت تعابيره الصياغات الدبلوماسية نداء في طريق المشروع النهضوي المنشود: (إن الله لا يُغيرُ ما بِقَومٍ حتى يُغَيِروا ما بِأنفُسِهِم).
الإمام الصادق المهادي
مقدمة أحمد أحمد الجويلي
إنه لشرف عظيم لي شخصياً أن أكتب تقديماً لهذا الكتاب لسببين رئيسيين:
الأول: أن موضوع الكتاب ذو أهمية بالغة في العصر الحالي الذي تواجه فيه الأمة العربية العديد من القضايا القطرية والقومية ذات الأهمية والتي تحدد مستقبلها.
وبحق فإن الدول العربية في مفترق طرق وعليها أن تقوم بوضع سياسات تدعم أمنها القومي ورفعة شعوبها، وهذا الكتاب يضم العديد من المقترحات بسياسات تدعم هذا الأمن.
أما السبب الثاني: فإن مؤلف هذا الكتاب أحد المفكرين العرب ذوي الخبرة الواسعة والعميقة في الشئون العربية، فقد سمحت له مهامه الرسمية بأن يكون في قلب الأحداث السياسية والإقتصادية في الوطن العربي، وأعتقد أن الدكتور مصطفي عثمان قد إقترب من متخذي القرار في الدول العربية والدول ذات الصلة بالمنطقة العربية بما يؤهله لأن يكون خبيراً في موضوعات الأمن القومي العربي، لذلك فإن الكتاب الذي بين أيدينا هو نتاج خبرة علمية وعملية علي مستويات عدة بما يجعله مخطوطاً تطبيقياً ذو أهمية بالغة في فهم الظواهر السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تحيط بالوطن العربي..
ويقع هذا الكتاب في ثمانية فصول تناولت بطريقة علمية موضوع الأمن العربي وتطوره التاريخي. فقد تناول الفصل الأول موضوع "نظرية الأمن القومي الإقليمي وتوازن القوى الدولية " وتضمن ذلك عرضا للاحلاف الرئيسية فى العالم مثل حلف الأطلسي وحلف وارسو وإنتهي إلي تحديد المفهوم المعاصر للأمن القومي العربي. اما الفصل الثانى فتناول موضوع "الحلف العربي" من حيث الخلفية التاريخية والأهداف والدول الأعضاء والمنطقة الجغرافية التي يغطيها هذا الحلف وتقويمه وإنتهى بإستعراض مجلس السلم والأمن القومي.
وتضمن الفصل الثالث موضوع الامن القومي العربي والجوار الاقليمي وذلك للنظر في تاثيرات دول الجوار الاقليمي على الامن القومي العربي.
أما الفصل الرابع فقد تناول تطور النفوذ الغربي في المنطقة العربية وإستخدام النفط كسلاح إستراتيجي، وقد إستعرض الفصل الخامس أزمتا الخليج الأولي والثانية وتداعياتها علي الأوضاع العربية والقمم العربية في الخرطوم والرياض ودمشق.
أما الفصلين السادس والسابع فقد تناول المؤلف فيهما أحد الابعاد الأساسية المكونة للأمن العربي وهو الشراكة الإقتصادية العربية، واقعها والطموح في مستقبل أفضل والخروج من التبعية، كما تضمن أيضاً القمة الإقتصادية العربية المقترحة في أوائل عام 2009 في الكويت.
ويعقد المؤلف وكذلك العرب آمالاً كبيرة علي نتائج هذه القمة من حيث آثارها علي المواطن العربي في كل مكان والحد من الفقر وإحداث تنمية مستدامة.
أما الفصل الأخير (الثامن) فهو خلاصة خبرة المؤلف، فقد وضع إستراتيجية للأمن العربي تشمل عدداً من العناصر هي : حل الخلافات العربية، العمل علي تجاوز حالة التجزئة، التأكيد علي حق الدول في مقاومة الإحتلال، خطة لرفع القدرات الوطنية للدول العربية، تعزيز قدرات المجتمع المدني، خطة متكاملة للعلاقات العربية الإقليمية والدولية، الإهتمام بالأمن المائي والغذائي والبيئي، مراجعة السياسات العربية، تفعيل عمليات الإصلاح السياسي، السعي لإمتلاك العرب برنامجاً نووياً سلمياً، وقد تناول الكتاب آليات تنفيذ هذه الإستراتيجية للأمن القومي.
وقد إستعرض المؤلف عشر نقاط مقدمة للقمة الإقتصادية العربية الأولي والتي ستعقد بالكويت تؤكد جميعها علي تحديث الإقتصاد العربي ودعم مشروعاته الإستراتيجية.
وبعد، يعد هذا الكتاب إضافة قيمة وجديدة للفكر العربي في مجال الأمن القومي العربي فقد كان وافر في معلوماته وإستنتاجاته فضلاً عن مقترحاته العملية لنهضة أمتنا العربية، لذلك أوصى المهتمين بالشان العربي بالإستفادة منه.
وأتقدم بخالص الشكر كمواطن عربي إلي معالي الدكتور مصطفي عثمان إسماعيل علي بذله هذا الجهد المتميز في تأليف هذه الوثيقة الهامة.
الدكتور أحمد أحمد الجويلي
أمين عام مجلس الوحدة الإقتصادية العربية
مقدمة زين العابدين
كتاب "الأمن القومى العربى" للدكتور مصطفى عثمان، مستشار رئيس الجمهورية ووزير الخارجية الأسبق، ليس هو السفر الأول فى مؤلفاته الطبيب الدبلوماسى ومن المؤكد أنه لن يكون الأخير. فقد سبقته مؤلفات عديدة: الدبلوماسية السودانية بين الأمس واليوم (2001)، الطريق إلى مجلس الأمن (2001)، حتى لا يستأسد أصحاب الغيرة المدعاة (2002)، السودان: تلاقى الساحل والصحراء، باتللغة الإنجليزية (2002)، العولمة وسياسة السودان الخارجية (2002)، مجموعة دول الايقاد: رؤية السودان لتعزير التكامل والأمن الإقليمي (2003)، النظام العالمى الجديد: قوة القانون أو قانون القوة (2003)، التضامن الإسلامي فى عالم متغير: الدور المرتجى لمنظمة المؤتمر الإسلامى (2003)، السودان وحركات التحرر الإفريقية (2005)، دارفور: الم اضى، الحاضر، المستقبل (2007)، قضايا أفريقية معاصرة (2008). ولعل الكثيرين يعجبون كيف وجد وزير الخارجية الأسبق من الوقت وفراغ البال ما يكتب به كل هذه المؤلفات فى بلد محاصر تحيط به الأزمات من كل جانب، وهو أمر يتعذر حتى على أهل الاختصاص من الأكاديميين دعك من السياسيين المشتغلين بالشئون العامة. وقد يفسر ذلك أن وزير الخارجية بحكم منصبه يتاح له قدر كبير من المعلومات والتقارير والدراسات السياسية والدبلوماسية التى يمكنه الاستفادة منها فى مادة تلك المؤلفات، ولكن كم من وزراء الخارجيى خاصة فى عالمنا الثالث يستفيد من هذه الميزة الذي يتيحها له منصبه ليحول المواد التى يطلع عليها إلى غنتاج علمةى منشور يغذيه بتحليله الشخصي للأوضاع السياسية وبرؤية بلاد للقضايا المعنية؟ أحسب أن ما دفع الدكتور مصطفى لكل هذا الجهد من التألفيف هو أنه بالإضافة إلى خلفيته الأكاديمية الرصينة كأستاذ فى كلية الطب بجامعة الخرطوم رجل طموح ومجتهد يحاول ومجتهد أن يربط بين مواقف السياسية المتغيرة وبين ثوابت وطنية وفكرية يؤمن بها ويري أنها ينبغي أن تؤثر على علاقات السودان الخارجية، كما أنه نشط فى تجويد كل ما يوكل إليه من مهام. وهذه صفات لا تجتمع لدى كثير من السياسيين!.
يتناول الكتاب الجديد أهم قضية ينبغي أن تشغل وتوحد الدول العربية ألا وهى "الأمن القومى العربى"، ولكنها لم تحقق ذلك طيلة الخمسين عاماً الماضية! والسؤال الهام هو: لماذا لم تشغل قضية الأمن القومى بكل خطورتها بال الحكومات العربية المتعاقبة بالقدر الكافى الذي يدفعها إلى الاهتمام بها و محاولة توحيد الرؤية حولها؟ يحاول الكتاب بصورة أو أخرى الأجابة على هذا السؤال بتتبع المحاولات المختلفة لإنشاء كيان يهتم بالأمن القومي العربي منذ قيام جامعة الدول العربية فى 1945، وعقد اتفاقية الدفاع المشتركم فى يونيو 1950، وقيام مجلس السلم والأمن العربى فى يونيو 2007. ويتعرض الكتاب فى ثمانية فصول لموضوعات مختلفة تمس الأمن القومي العربي:
1) نظرية الأمن القومى الإقليمي وتوازن القوى الدولية.
2) الحلف العربى.
3) الأمن القومى العربى والجوار الإقليمي.
4) بوادر تغلغل النفوذ الغربى فى المنطقة العربية.
5) الأمن القومى العربى وأزمتا الخليج.
6) الشراكة الإقتصادية العربية (الواقع والطموح).
7) القمة الإقتصادية العربية فى الكويت.
8) حاضر ومستقبل الأمن القومى العربى.
رغم حماسة الكاتب لقضية الأمن القومي العربى ورغم منصبه الرسمى فى الحكومة السودانية، إلا أن ذلك لم يمنعه من التقويم الموضوعى لحالة الأمن العربى ومن ذكر الأسباب التى تعترض سبيله. يقول الكاتب فى تقويمه: أن معادلة القوى الكبرى ذات الوشائج الإستراتيجية مع الكيان الإسرائيلي هى الإبقاء على المنطقة العربية خارج معادلة توازن القوى بحيث تصبح إسرائيل هى القوة الكبرى فى المنطقة، وأن مجموعة الدول العربية تعتبر واحدة من أضعف الكيانات الإقليمية بمعايير الأمن القومى الجماعى رغم الروابط القوية والقواسم المشتركة بين الدول والشعوب. ويستشهد الكاتب بتعريف للأمن القومى العربى صدر حديثاً من لجنة الشئون الخارجية والسياسية بالبرلمان العربى التى انعقدت فى أغسطس 2007 فى طرابلس بالجماهيرية الليبية ويقول: هو قدرة الأمة العربية فى الدفاع عن نفسها وعن حقوقها وصون استقلالها وسيادتها على أراضيها، ومواجهة التحديات والمخاطر من خلال تنمية القدرات والإمكانات العهربية فى المجالات كافة. وفى مذكرة للجامعة العربية( يوليو 2007) قالت أن أى مفهوم شامل للأمن القومى العربى لابد أن يأخذ فى الاعتبار الآتى: ربط المفهوم المصالح وتشابكها مع الدول التى تؤثر وتتأُر بأمننا القومي، وضع حدود للسيادة القطرية وتحديد معايير الخطر الماثل والقادم، توظيف كيفية تحويل القوى القطرية إلي قدرات قومية، تحديد الأجهزة التى تتولى شئون لأمن القومى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية. ويحكم الكاتب على المجهودات الكثيرة التى بذلت فى مجال حفظ الأمن العربى بأن فشل الدفاع العربى المشترك أمر بين لا يحتاج لإثبات،واختلافها وضعفها العسكرى والفنى. ويستشهد الدكتور مصطفى بقول صديقهخ فى الدبلوماسية العربية عمرو موسي، الأمين العام للجامعة العربية، فى اجتماع القمة بدمشق فى مارس 2008 مشخصاً أسباب الضعف العربى، "أننا نعانى أزمة ثقة فينا وفيما بيننا، لقد وصل الأمر إلى درجة غير مقبولة من الاضطراب فى العلاقات العربية كما وصل إلى درجة غير مسبوقة فى تلاعب قوى دولية بقضيانا وعلى رأسها القضية الفلسطينية".
وأحسب أن عمرو موسي أصاب كبد الحقيقة حين قال أن الدول العربية تعانى من أزمة ثقة فى نفسها وفى علاقاتها مع بعضها البعض، ولكن ما السبب فى أنعدام الثقة؟ أظن أن السبب الرئيسي هو ضعف الأنظمة السياسية فى العلم العربى التى لا زالت تغلب عليها الشمولية.
وأدى الضعف السياسي الداخلى إلى قبول الضغوط الخارجية من أجل الحفاظ على النظام القائم واستمرار النخبة الحاكمة، و لا يمكن أن تكون هناك إرادة سياسية قادرة على مجابهة التحديات والمخاطر فى حالة ضعف سياسى هيكلى. ولا تأتى تجاوز حالة ضعف والاضطراب من غير تقوية النظام السياسي فى العلام العربى حتى يعتمد على أرض صلبة من التأييد الداخلى، ومن صناعة القرار داخل مؤسسات شورية مفوضة من قبل الشعب.
وشأن معظم السياسيين ينتهي الكاتب إلى نظرة شبه متفائلة بمستقبل الأمن القومى العربى ولكن بناءاً على مقترحات إستراتيجية محددة يرى أنها يمكن أن تنتشل الأمة العربية من حالة " التيه والغثائية" التى تعيشها فى الوقت الحاضر. وتتلخص تلك المقترحات فى الأتي:
1) حل الخرفات العربية.
2) تجاوز حالة التجزئة والانشقاق.
3) رفع القدرات الوطنية فى المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.
4) تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدنى.
5) تعزيز العلاقات مع دول الجوار والدول الإقليمية.
6) تفعيل عمليات الإصلاح السياسي بحيث تتبع من الداخل مع التركيز على ترسيخ قيم الديمقراطية والشورى واحترام حقوق الإنسان.(وهذا مربط الفرس وبداية الطريق)!، السعي لامتلاك برنامج نووي سلمى وإخلاء كل المنطقة من أسلحة الدمار الشامل (والبديل أن يمتلك العرب أسلحة الدمار الشامل مثل غيرهم).
ويحمد للكاتب هذه الإضافة النوعية فى قضايا الأمن والسياسة للبلاد العربية، والتى عالجها بجرأة غير معهودة من السياسيين الرسميين.
أ.د/ الطبيب زين العابدين
جامعة الخرطوم
مقدمة د.مصطفى إسماعيل عثمان
ما دفعني إلى تأليف هذا الكتاب هو ما آل إليه الوضع العربي الراهن من تشرذم وعدم استقرار وتباين في الآراء والأفكار. فالوضع العربي الراهن أكثر ضعفا منه في اى وقت مضى، ولعل إسقاطات انتهاء حقبة الحرب الباردة، وبروز نظام عالمي جديد يعمل على فرض هيمنة المنظومة الليبرالية، وبروز مفاهيم جديدة، هذه العوامل مجتمعة أضعفت المقومات الداعمة للأمن القومي العربي. فإسرائيل باتت تفعل ما تشاء دون وازع من ضمير، أو رادع لها، فأصبحت عملية السلام في الشرق الأوسط لا تنبئ بحلول على المدى القريب، ولا توجد حتى استراتيجية واضحة للحل على المدى البعيد. الاحتلال الأمريكي للعراق احد العوامل التي بعثرت التضامن العربي وكذلك ما آلت إليه الأوضاع في بقاع عديدة في العالم العربي.
لما كان الوضع العربي على ما هو عليه، رأيت أن أتقدم بهذا المجهود عله يسهم في إثراء النقاش الدائر حول منظومة الأمن القومي العربي والعوامل المؤثرة عليه وتلك التي يتأثر بها وكيفية تعضيده.
يبدأ الكتاب بفذلكة نظرية لمفهوم الأمن القومي، خاصة في إطاره الإقليمي، وعلاقة الأمن القومي العربي بمعادلات توازن القوى، وهل كان من الممكن أن يشكل العالم العربي، ذو التأريخ والثقافة والمرجعية الدينية المشتركة، حلفاً امنياً متماسكا في وجه الأحلاف والمعاهدات الأمنية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، كحلف شمال الأطلسي، وحلف وارسو، وغيرها من الأحلاف التي أدركت أن طبيعة النظام الدولي آنذاك تتطلب تطوير مفهوم جماعي للأمن عن طريق التكتلات الإقليمية أو المذهبية.
تطرق الكتاب للخلفية التاريخية للحلف العربي، متى نشأ، وكيف تطور وتبلور في شكل اتفاقية للدفاع المشرك. وتناول أهداف الحلف وأجهزته، ومن ثم مقدرته في تحقيق أهدافه، والآليات المستخدمة للوصول إلى هذا الغرض. وكذلك العوامل التي أدت إلى إضعاف الحلف العربي وتفتيته والتغلغل الخارجي في الوطن العربي، وانقسامه بين القوى الدولية المتصارعة، واثر ذلك على منظومة الأمن القومي العربي. ولعل ما يذخر به الوطن العربي من ثروة نفطية هائلة، واعتماد العالم بصورة أساسية على تموينات ومخزون النفط العربي، هو ما جعل المنطقة ساحة من ساحات التكالب والصراع الدولي. نتج عن ذلك أزمات وحروب في فترات مختلفة ولعل أهمها أزمتا الخليج الأولى والثانية والتي كانت لها تداعيات سالبة عديدة على الوطن العربي.
قررت قمة الجامعة العربية التي انعقدت في الخرطوم في عام 2006م إنشاء مجلس للسلم والأمن العربي، يهدف في المقام الأول إلى مواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه الأمة العربية وذلك عن طريق حل الأزمات والخلافات التي تفت في عضد الأمة العربية، التي باتت تعيش في لجة من التناقضات والاضطرابات، مما اقعد من إمكانياتها وطاقاتها لاستغلال مواردها لخدمة أهداف العالم العربي بأسره. على الرغم من القناعة السائدة وسط الدول العربية بأهمية هذا المجلس يبقى السؤال دوما هل يتمكن هذا المجلس في ظل حالة التجزئة التي تعيشها الدول العربية من أداء دوره؟ إن نجاح هذا المجلس مرهون بتحقيق الإجماع العربي، وتمكينه، وتوفير الإرادة السياسية قبل الموارد المادية له حتى لا يصبح أداة دبلوماسية يجوب أعضاؤه هنا وهنالك دون امتلاك الوسائل المناسبة لانفاذ قراراته.
لم تنحصر هذه الدراسة في المفهوم التقليدي للأمن القومي الذي يقوم على القوة العسكرية فقط، بل تناولت العامل الاقتصادي، وأهميته في إرساء دعائم الأمن القومي العربي. اقر مؤتمر القمة العربية الحادية عشر والتي انعقدت بعمان في عام 1980م استراتيجية العمل العربي المشترك. تلا ذلك وضع الخطط والبرامج لتفعيل هذه الاستراتيجية وإنزالها ارض الواقع. إن الوطن العربي بما حباه الله من موارد طبيعية، وإمكانيات ضخمة، كانت له الفرصة في إرساء دعائم عمل عربي اقتصادي مشترك، يكون نواة لكيان اقتصادي جامع للأمة العربية، تضاهى به باقي الأمم. وفى الوقت الذي اتجه فيه العالم إلى خلق تكتلات اقتصادية، خاصة بعد الحرب الباردة، نجد أن العالم العربي مازال يعيش في جو من الخلافات وعدم اتفاق حتى على المبادئ. ومنذ ذلك الحين أصبحت مسالة العمل العربي المشترك مجرد حلم يتناوله القادة العرب والمختصين في أضابير الجامعة العربية، وفى مداولات المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة، دون تحقيق اى تقدم يذكر. وكيف لذلك أن يتحقق والدول العربية فاقدة للرغبة السياسية في العمل المشترك، وتتجه كل واحدة منها إلى إيجاد شراكات اقتصادية مع دول وكيانات خارجية، ولكن ليس في المحيط العربي. ولعل سياسة التبعية التي أرستها القوى الغربية أصبحت ضاربة بجذورها في العمق العربي، حيث بات الانفلات منها ضرب من ضروب الخيال في ظل عدم توفر الإرادة، خاصة وان بنى وهياكل التبعية الراسخة التي أرستها القوى الرأسمالية، لا تلغيها محاولات انفرادية وغير جادة، ولا أمنيات، وإنما بوضع هياكل وبنى اقتصادية قائمة على مبدأ تحقيق الاستقلال الاقتصادي وبناء أسس واطر شراكة اقتصادية عادلة ومنصفة.
أفسحت في هذا الكتاب مجالا واسعا لتناول القمة العربية الاقتصادية، التي اختار القادة العرب أن يكون انعقادها العام القادم في دولة الكويت. ما كان اختيار الكويت محض صدفة، حيث أن الكويت رغم صغر مساحتها، وقلة عدد سكانها، إلا أن لها وزنا اقتصاديا معتبرا، ليس فقط على النطاق العربي، بل وعلى مستوى العالم اجمع. إن فاعلية الكويت، وانفتاحها السياسي والاقتصادي، والدور البارز الذي لعبته في تنمية الاقتصاديات العربية والعالمية، وعضويتها النشطة في العديد من المؤسسات الاقتصادية والمالية العربية والدولية، جعلها الأنسب من حيث المكان والتجربة لانعقاد أول قمة عربية اقتصادية.
يظل الأمل معقودا في هذه القمة لتبحث أسس العمل الاقتصادي المشترك، مستندة على المرجعيات السابقة التي خطتها الجامعة العربية في هذا المجال، ومستصحبة لتجربة العمل الاقتصادي العربي المشترك، وصولا إلى أسس متينة ودعائم راكزة للقضاء على سياسة التجزئة وترسيخ منهج التضامن الاقتصادي، وبناء شراكات اقتصادية راسخة، والتي تعتبر بدورها من أهم مقومات العمل علي صيانة وحماية وضمان الأمن القومي العربي.
كانت خاتمة الكتاب استقراءا لحاضر ومستقبل الأمن القومي العربي، في أبعاده السياسية والاقتصادية. جاءت هذه الخاتمة مستعرضة للخصائص والميزات المشتركة للعالم العربي، وتحديد مواضع الضعف في الجسد العربي، ومهددات أمنه القومي، وقراءةً للأمن القومي العربي في ظل التطورات الدولية الراهنة، التي تبرز فيها بصورة واضحة أنماط جديدة لعلاقات دولية غير متوازنة، تعلى من قيم الرأسمالية الغربية، وتحط من قدر الثقافات والحضارات الأخرى، وتهدف فيما تهدف إلى استيعاب الإرث الحضاري الإنساني بأكمله في قالب واحد.
أوضحت في نهاية هذا الجهد المتواضع رؤيتي لبناء استراتيجية عربية للأمن القومي، تستدرك الموروثات الثقافية والدينية العربية والتجربة التاريخية، ومن ثم وضع مقترحات لاستراتيجية عربية مشتركة واليات لتنفيذها. واستدراكا لأهمية البعد الاقتصادي في الأمن القومي العربي، وضعت نقاطاً عشر آمل أن تصلح كنقطة انطلاق لعمل عربي اقتصادي مشترك، تكون انطلاقته القمة العربية الاقتصادية الأولى التي ستنعقد في الكويت في عام 2009م.
لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من أسهم في أن يرى هذا العمل المتواضع النور، وان تكون صفحات مقروءة لكل مهتم بالشأن العربي، حادب على تعزيزه تطويره، وهو إنما جهد اسأل الله العلى القدير أن يجعله مفيدا يضاف إلى المكتبة العربية. واخص بالشكر كل من الامام الصادق المهدي رئيس وزراء جمهورية السودان ووزير دفاعه السابق، ورئيس حزب الامة القومي، والدكتور احمد احمد الجويلي، امين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية علي تقديمهما للكتاب، و د. الطيب زين العابدين، استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، علي تقديم مراجعته وتنقيحه، ، والدكتور فريق ركن/ عمر محمد الطيب، النائب الاول لرئيس جمهورية السودان في عهد الرئيس الاسبق جعفر نميري، ورئيس جهاز أمن الدولة وقتئذٍ والخبير فى شئون الأمن القومى، والذي كانت له إضافات ثرة وبناءة. واشكر أيضا السيد/ الزبير احمد الحسن، وزير مالية جمهورية السودان الاسبق، والدكتور محمد خير الزبير، وزير مالية جمهورية السودان الاسبق والنائب الحالي لمدير مصرف الساحل والصحراء بالجماهيرية الليبية، اللذين أسهما بآراء قيمة ساعدتني كثيرا في تبين معالم وافق القضايا الاقتصادية والوضع الاقتصادي العربي. والشكر موصول للمستشار بوزارة الخارجية محمد الغزالي التجاني سراج، والمستشار حسن حامد، الذي يعمل بمندوبية السودان الدائمة بنيويورك، على ما بذلاه من جهد مقدر ساهم في إخراج هذا الكتاب على الوجه الذي هو عليه.
د. مصطفى عثمان إسماعيل
* الأمن القومي العربي وتوازن القوى الدولية:
* مدخل أول:
قال تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
صدق الله العظيم
فالأمن ضد الخوف، والخوف بالمفهوم الحديث يعنى التهديد الشامل سواءً منه الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي الداخلي منه والخارجي.
*مدخل ثان:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسـرت آحـادا
هكذا سنة الله الماضية أبداً ومنذ الأزل، رباط وثيق ما تنفكُ عراه بين مقومات البقاء وشروطه، وبين عنصر الأمن، ترابط وتكامل يجعل من الأمن عنصراً فاصلاً في فرضية التمكين بدءاً من الفرد في محيطه الأسرى المحدود، مروراً بالمجتمع كإطار للتعايش تحكمه الخصوصيات، ثم الدولة كإطار قطري، ثم الإقليم أو الإطار الدولي الأشمل ممثلاً في الأمم المتحدة، كهيئة دولية قامت في عقابيل حربين عالميتين، مما يجعل من الأمن أهم المعطيات التي لازمت أزمنة المخاض الكوني الصعب الذي ولدت على إثره عُصبة الأمم، وهكذا يتجسد هذا الترابط بدرجة تجعل الأمن القومي لأي مجموعة من المجموعات الدولية الجغرافية أو السياسية، أو الاقتصادية هو الدافع الأكثر إلحاحاً سواء كان ذلك بمفهوم الأمن الاستراتيجي القائم على المفهوم العسكري ومعادلات توازن القوى، أو الأمن الاقتصادي الذي يقوم على فرضية المصالح، أو الاثنان معاً.
على الرغم من حداثة الدراسات في موضوع الأمن فأن مفاهيم الأمن أصبحت محددة وواضحة في فكر وعقل القيادات السياسية والفكرية في الكثير من الدول. من المدارس الفكرية المعاصرة التي تطرقت لمفهوم الأمن مدرسة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنرى كيسنجر، فمن وجهة نظره فأن الأمن يعنى أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء. كتب روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وأحد مفكري الإستراتيجية البارزين في كتابه "جوهر الأمن" حيث قال "إن الأمن يعنى التطور والتنمية سواءً منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة، وأستطرد قائلاً " إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتنا العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواءً في الحاضر أو المستقبل". يعنى الأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية "حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية".
ويرى الدكتور زكريا حسين، المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية بمصر، أن صياغة الأمن تتم على ضوء أربعة ركائز أساسية:-
أولاً: إدراك التهديدات سواءً الخارجية منها أو الداخلية.
ثانياً:رسم إستراتيجية لتنمية قوى الدولة والحاجة إلى الإنطلاق المؤمَّن لها.
ثالثاً: توفير القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية ببناء القوة المسلحة القادرة على التصدي والمواجهة لهذه التهديدات.
رابعاً: إعداد سيناريوهات واتخاذ إجراءات لمواجهة التهديدات التي تتناسب معها وتتصاعد تدريجياً مع تصاعد التهديد سواءً خارجياً أو داخلياً. يرى البعض أن ثمة تكاملاً بل اندماجا محكم يجعل مفاهيم الأمن القومي واصطلاحاته جميعاً تتحد في عنصر واحد هو رباط المصالح المشتركة. لعل الناظر إلى تاريخ نشأة الأحلاف والتكتلات في السياسة العالمية يُدرك أنه حتى ومن قبل زمان العولمة وثورة المعلومات، كان هناك إدراك عام بأن التمترس في حدود الدولة (القطرية) بمعناها التقليدي لا يفي بضرورات الأمن القومي، بل يصبح ثقل الدولة في ميزان السياسة العالمية مرتبطا بالدرجة الأولى بمدى قوة الحلف، أو التكتل، أو التنظيم الإقليمي الذي تنتمي إليه. وكما دللت أعلاه فإن الأمم المتحدة نفسها قامت أصلاً على نظرية الأمن الجماعي ( Collective Security)، الذي تشترك في تحقيقه كل الأسرة الدولية بهدف أن يستقيم ميزان الكون الذي خرج من الحربين العالميتين مضطرباً بعد أن إنفرطت عقود الشرعية الدولية تحت سنابك الحرب وويلاتها وفظائعها. هذا الأمر الذي جعل بوصلة الجميع تتجه صوب الأمن القومي كضرورة قصوى، ومن ثم حتمية البحث عن الحليف أو الإطار الإقليمي كحصنٍ واقٍ. أن مفردة التحالف(Alliance) قد سبقت بكثير قيام الحرب الأولى، حيث درج إطلاق لفظ تحالف على العديد من أشكال التنظيمات الدولية التي يتعاهد أعضاؤها على صيانة الأمن القومي والدفاع عنه جماعياً، وفي كل الأحوال، فإن مفهوم الأمن القومي الإقليمي لمجموعة دولية تجمعها خصائص مشتركة )مثل اللغة والدين والإطار الجغرافي المرتبط ببعضه) كما في الوطن العربي، يصبح شأناً آخر لأن الحديث عن الأمن القومي هنا يختلف عن أي تكتل أو حلف أو مجموعة إقليمية أخرى، فالحديث هنا عن رقعة جغرافية متماسكة بحسابات الجغرافيا، وعن شعب واحد تجمع بينه روابط الدين واللغة والمصلحة والمصير المشترك، الأمر الذي يجعل مبدأ التحالف، أو الالتزام التعاقدي اوالدفاع المشترك بين الدول عرفاً ماضياً عبر التاريخ دونما استناد إلى مرجعيات أو صكوك بالمعنى الدقيق. يعتبر ذلك سلاحا ذو حدين كما سيأتي بيانه لاحقاً.
نحن في السودان مثلاً ومنذ مرحلة الدراسة الابتدائية وقبل أن نلم بتفاصيل جغرافية السودان وأقاليمه ومدنه وثرواته كان مدرس الجغـرافيا يلقننا أن هناك وطنين، وطـنك الصغـــير (السودان)، ووطنك الكبير (الوطن العربي)، بل ما كنا نلمس فرقاً كبيراً في الأولويات، فقط ننتظر مدرس الجغرافيا ليـقول في بداية الحصــة (حول وطنك الصغير) لنخرج كتاب جغرافية السودان أو (حول وطنك الكبير) لنخرج كتاب جغرافية الوطن العربي، الذي على غلافه خريطة الوطن الكبير من المحيط إلى الخليج.
إن هذا كان هو الفهم السائد وقتها بأن الأمة العربية إنما هي أمة واحدة تعيش في وطن واحد، وأن الحدود السياسية لا وجود لها عند الحديث عن الدفاع المشترك والأمن القومي، ولكن ظل التضامن بينها عرفياً وتلقائياً حسب معطيات مراحل ما قبل حرب 1948م. إن الروابط المشتركة بين الدول مهما قويت عراها لابد لها من أن تستند إلى معاهدات دولية ملزمة وفق معايير التعاقدات الدولية والإقليمية، ولابد أن تنشأ بموجب ذلك هيئات ومؤسسات مشتركة تسهر على دقة وسلامة التزام الدول والأطراف بالبنود المتفق عليها وصولاً إلى الهدف الأسمى ممثلاً في الأمن القومي للمجموعة.
غنى عن القول أن جامعة الدول العربية قد ولدت وهى تحمل أثقالاً تنوء عن حملها الأحلاف الكبرى، إذ أنها تعنى قبل كل شيء بقضية فلسطين التي ظلت البند رقم (1) في دولاب عمل الجامعة العربية منذ إنشائها. إن الحديث عن الأمن القومي في منطقة تمثل أكثر أجزاء العالم التهابا وتوتراً، لابد أن يقوم على معطيات ومتغيرات ترتبط بمصالح أقطاب العالم الكبرى التي لها صلاتها وارتباطاتها الوثيقة بالطرف الآخر ممثلاً في الكيان الإسرائيلي من جهة، والعلاقات العربية على المستوى الثنائي مع دول ترتبط بالكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، ولعلي أوضح أكثر فأقول إن الأمن القومي العربي وبقدر ما تكتنف طريقه من تحديات عظام ممثلة في تقاطع استراتيجيات القوى الدولية الكبرى في المنطقة العربية، إلا أن هذه الرقعة العربية تجلس على رصيد وافر من الضمانات واللبنات الكبرى الكفيلة بصون الأمن القومي. يتمثل هذا الرصيد في الموارد الاقتصادية الإستراتيجية، والثروات البشرية، والموقع الجيوسياسى الفريد، حيث يقع الوطن العربي في قلب العالم تماماً، مع امتلاك أهم الموانئ والمعابر المائية وبالتالي التحكم في حركة النقل المائي العالمي.
إن المتغيرات الدولية خلال الحربين العالميتين، وما تلاهما من تقاسم للنفوذ الدولي بين القطبين الكبيرين في مرحلة الحرب الباردة، كل ذلك جعل كلمة أمن قومي إقليمي في قاموس العلوم السياسية تدل بالدرجة الأولى على علاقات التحالف. يعرف الحلف في القانون الدولي بأنه علاقة تعاقدية بين دولتين أو أكثر تتعهد بموجبها الأطراف بالمساعدة في حالة الحرب أي أن سياسة الأحلاف نقيض من حيث الدلالة لسياسة العزلة التي برزت في تلك الآونة كمفهوم يعنى رفض أي مسئولية عن أمن الدول الأخرى. قامت التحالفات في فترة الحرب الباردة على مبدأ توازن القوى الأمر الذي ترتب عليه حدوث بعض التصدعات أو التباينات داخل بعض التنظيمات الإقليمية، وبالطبع فإن المنطقة العربية لم تكن استثناء من تلك التجاذبات، لذلك فإن مفهوم الأمن القومي العربي بمعناه الأشمل قد بدأ فاتراً شيئاً ما إبان مرحلة الحرب الباردة بالرغم من أن مرحلة ما بين حرب 1948م، وحرب 1967م، شهد العمل العربي المشترك جهوداً مقدرة بل كان هناك تطبيق عملي للجانب المتصل بالدفاع المشترك بصورة أو بأخرى، ولكن ما عدا تلك الفترة فإن سياسة التمحور وانقسام ولاءات الدول بين المحورين الشرقي والغربي ترتب عليها قصور في إدراك ضرورات الأمن القومي العربي الجماعي. وقد برزت مبادرات جريئة لبعض القادة العرب وقتها فارتبط الأمن القومي الجماعي لدى البعض بأطروحات القومية العربية، ولكن الذي لا يختلف حوله اثنان هو أن الدول الكبرى ذات الروابط التاريخية والإستراتيجية مع الكيان الإسرائيلي حرصت أيضاً على القضاء على أي جهود في هذا الاتجاه في مهدها بتوظيف تناقضات الدول و المواقف، والعمل على تشتيت الصف العربي، وتأجيج بؤر النزاعات والتوتر بين دول المنطقة، وكما أشرت أيضاً فإن مفهوم الأمن القومي الجماعي الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية هو الذي نشأت في مناخه الأحلاف العسكرية آنذاك، ونورد أدناه نماذج للأحلاف العسكرية التي نشأت وفق ذلك المفهوم:-
أ. حلف الريو:
معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأمريكية، The Inter American of Reciprocal Assistance، وهو أقوى حلف عسكري تلا مرحلة الحرب العالمية الثانية، حيث تم تشكيله بموجب معاهدة وقعتها الدول الأطراف في مدينة ريودى جانيرو بالبرازيل 1947م، وجماع فكرة تأسيسه هو حفظ الأمن القومي الجماعي لمنظمة الدول الأمريكية التي ترى أنها أقدم منظمة إقليمية في التاريخ المعاصر، وبالتالي فهي الأجدر بتطوير تعاون مثالي بين دولها، ويرى بعض المؤرخين أن تاريخ جهود هذا الحلف في الأمن القومي الجماعي تعود إلى عهد حروب الاستقلال التي خاضتها دول أمريكا الجنوبية ضد المستعمرين البرتغاليين والأسبان والتي تبلور علي ضوئها المـبدأ الشهـيـر المـعـروف بـ (مبدأ مونرو) منذ عام 1823م وبالرغم من أن المادة الأولى من ميثاق تأسيس الحلف تنص على أنه إذا ما هوجمت أي دولة عضو في الحلف فكأنما هوجمت المنظومة كلها وبالتالي فعلى دول المجموعة ممارسة حق الدفاع المشروع فردياً أو جماعياً وفق منطوق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، والشاهد هنا هو أنه وبالرغم من أن التضامن بين دول هذه المجموعة يعود تاريخه لعام 1823م ولكن بروز المجموعة كحلف معنى بالأمن القومي الجماعي لم يتم إلا بعد أن تم تأطير الحلف قانونياً بموجب معاهدة ملزمة وإنشاء الهياكل والمؤسسات المعنية بتنفيذ ذلك.
ب. حلف شمال الأطلسي
(North Atlantic Treaty Organization):
يعرف الحلف اختصارا بـ (NATO)يرى العديد من الكُتاب أن هذا الحلف وبمفهوم الأمن القومي الجماعي لمجموعة دوله كان موجوداً كواقع قبل التعاقد على إنشائه، وذلك في إطار التقارب والتراث المتماثل والقواسم المشتركة بين دول أوروبا والولايات المتحدة، بل ان هناك تحالفاً قائماً بين إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة من قبل الحرب العالمية الأولى. جاءت أهمية تقنين التضامن بين الدول حسب مفهوم الأمن القومي الجماعي عندما احتدمت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، وتمدد النفوذ السوفيتي في أوروبا الشرقية، حينها أدركت كل من( فرنسا وإنجلترا وبلجيكا وهولندا ولكسمبرج ) أهمية تقنين هذا التضامن فوقعت في 17 مارس 1948م على ميثاق بروكسل ، الذي أعقبته اتصالات ومشاورات مع الولايات المتحدة في ضوء عدم مقدرة تلك الدول بمفردها على مواجهة المد السوفيتي في أوروبا ، وانتهت المفاوضات بالتوقيع على معاهدة حلف شمال الأطلسي في 4 ابريل 1949م بعد موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على انضمام الولايات المتحدة التي أصبحت دولة مؤسسة. ومعلوم أن العامل الإقليمي ليس هو الأصل في عضوية هذا الحلف التي تتمدد في قارتين يفصل بينهما المحيط، بل إن الحلف نفسه يضم دولتين غير أطلسيتين هما تركيا واليونان، ولكن وبمفهوم الأمن القومي الإقليمي فإن الحلف في نظر الولايات المتحدة وشركائها يشكل حزام أمان إستراتيجي لكبح جماح المد السوفيتي في أوروبا.
ولعلي - والقول هنا عن الأمن القومي العربي- أقول إن الدول المؤسسة لحلف الأطلسي وبالرغم مما شحنت به ديباجة اتفاقية الحلف في عبارات من شاكلة ( تصميم دول الحلف على المحافظة على حريتها وحضارتها وتراثها المشترك ومبادئها القائمة على الديمقراطية وحرية الفرد وسيادة القانون...... الخ )، إلا أن ما يجمع بينها يبقى في الأصل مطامع ومصالح مشتركة، بعكس ما يتوفر للدول العربية من قواسم مشتركة تمثل أساساً متيناً لبناء الهياكل والمؤسسات اللازمة لصيانة الأمن القومي العربي.
بعد إنتهاء الحرب الباردة، وزوال الإتحاد السوفيتى، وإنهيار حلف وارسو، بدأ حلف شمال الأطلسي يتمدد شرقاً ليحتل مواقع ودول حلف وارسو (الحلف العسكري لمنظومة الدول الاشتراكية). ورغم تهديدات روسيا ورفضها لتمدد حلف الأطلسي وضمه لدول الجوار الروسي، إلا أن الحلف ماضٍ في ضم هذه الدول. ولعل المستقبل ينبئنا بما سيحدث. فهل ستضطر روسيا للإنضمام لهذا الحلف أم ستواصل رفضها الذي قد يقودها لتأسيس حلف آخر في مواجهة حلف الأطلسي الامر الذي يعنى العودة للحرب الباردة مرة أخرى.