eKtab
EN ع
الأمن البشري بين الحقيقة والزيف
اقرأ عينة مجانية

الأمن البشري بين الحقيقة والزيف

بقلم فراس عباس البياتي

صفحة 1

المقدمة

من الأوليات الأساسية لديمومة الحياة البشرية هو تحقيق الأمن والطمأنينة وتحقيق الأمن في حد ذاته شيء أساسي للإنسان وللمجتمع، وهو حق وهناك مشروع لشيء شبه إعلان أو اتفاقية حول الحق في الأمن كحق جماعي للإنسانية، هذا الحق نص عليه في أغلب النصوص المتعلقة بحقوق الإنسان، ولكن الأمن أيضا يجب أن ننتبه إلى أنه مسألة شخصية، ومسألة إلى حد ما هناك جانب لا يمكن تحليله ولا يمكن ضبطه وهو الإحساس بالأمن، إذا أنت لم تحس بالأمن فالأمن غير موجود حتى إن كان موجودا، ولذلك هذه الإشكالية مهمة جدا. نحن الآن في إطار طرح الحاجة إلى الأمن نواجه مشكلة جديدة، هذه العولمة، أي أنه في الحقيقة أسلحة دمار شامل من ناحية، المخاطر البيئية من ناحية أخرى، لم يعد الأمن مسألة خاصة ولا حتى مسألة وطنية، وهنا أتحدث عن الأمن الوطني الذي صار في هذا العالم إلى حد ما مقولة لا معنى لها، لأن الأمن لم يعد وطنيا. هناك أمن عالمي وأمن جماعي.

ويعد الظروف التي ألمت بسكان العراق منذ العقود الثلاثة الماضية والمتمثلة بالحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الأولى ومن ثم الحصار الاقتصادي، وأخيراً احتلال العراق والانفلات الأمني، من أهم العوامل التي أثرت سلبا على امن سكان العراق بكافة أشكاله سواء تمثل بالأمن البشري، أو الأمن الغذائي، أو الأمن الاجتماعي والنفسي، أو الأمن الصحي، او الأمن الاقتصادي... وغيرها. هذا جعلت من سكان العراق يعيشون في قلق نفسي في اغلب الأوقات وجعلهم متعطشين إلى الأمن بشكل كبير إلى حد أصبح تحقيق الأمن أمنية، وحلم لا يفارق الإنسان في كل خطواته الحياتية.

وفي مؤلفنا هذا محاولة منا للكشف عن الواقع المرير لسكان العراق لكل من يقرأ ويلم بشؤون العراق وسكانه، ويتكون الكتاب من ثمان فصول ومن ثم الخاتمة والمصادر.

تضمن الفصل الأول (الأمن والأمان، المعنى والأبعاد) وهو إطلالة على مفهوم الأمن وأشكاله ومن ثم أهم المؤسسات التي تفرض الأمن للسكان، وهو يتكون من مبحثين: المبحث الأول (ما هو الأمن)، أما المبحث الثاني (مؤسسات توفير الأمن للسكان ).

وجاء الفصل الثاني بعنوان: (الأمن السكاني (البشري)،وتضمن الفصل مبحثين، المبحث الأول: (الانفجار السكاني العالمي وظهور الإجهاد الديموغرافي)، الذي يعكس واقع الانفجار السكاني ومعاناة سكان العالم وعدم التوازن بين الواقع المجتمعي والواقع الديموغرافي. أما المبحث الثاني: (الأمن السكاني في العراق)، وفيه محاولة جادة لعكس الواقع الأمني لسكان العراق وأبعاده على عناصر النمو السكاني في ظل أبعاد سوسيولوجية.

صفحة 2

وجاء الفصل الثالث بعنوان: (الأمن الغذائي وأبعاده السوسيو ديموغرافية) وتضمن الفصل ثلاثة مباحث جاء المبحث الأول ( أسس قيام الأمن الغذائي) الذي سلطنا الضوء فيه على أسس قيام الأمن الغذائي للمجتمعات السكانية في ظل متغيرات عديدة (السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية)، أما المبحث الثاني (أبعاد الأمن الغذائي العربي) الذي يتناول واقع الأمن الغذائي للوطن العربي وأبعاده المتنوعة على السكان.وأخيراً جاء المبحث الثالث ( تأثير الأوضاع الراهنة على الأمن الغذائي لسكان العراق خلال النصف الأول من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين) وهي دراسة تعكس تأثير الظروف الراهنة على الأمن الغذائي لسكان العراق.

وجاء الفصل الرابع بعنوان: (الأمن الاجتماعي والمجتمعي) وفيه انعطافة للواقع الاجتماعي لمفهوم الأمن ومقوماته المجتمعية، وتضمن ثلاثة مباحث المبحث الأول (الأمن الاجتماعي مفهوم ورؤيا) تناول مفهوم الأمن الاجتماعي من وجه نظر المفكرين الاجتماعيين.أما المبحث الثاني( الأمن الاجتماعي والمجتمع ) نخلص فيه إلى أبعاد التفكك الاجتماعي والبناء الاجتماعي على الأمن الاجتماعي.تناول المبحث الثالث (انهيار الأمن الاجتماعي وسكان العراق) وفيه صورة سوسيولوجية للواقع المجتمعي لسكان العراق في العقد الأخير.

اما الفصل الخامس:(الأمن الصحي) تضمن الفصل مبحثين الأول جاء تحت عنوان (عناصر نشأة الأمن الصحي)، وفيه نسلط الضوء على أهم عناصر تكوين الأمن الصحي.اما المبحث الثاني تضمن(الأمن الصحي لسكان العراق في العقود الثلاث الماضية) وفيه نرسم لوحة المأساة الصحية لسكان العراق خلال العقود الثلاث المنصرمة وذلك من خلال ارتفاع معدلات الوفيات وانتشار الأمراض.

أما الفصل السادس (الأمن الاقتصادي للسكان) تكون من ثلاثة مباحث، تضمن المبحث الأول( الأمن الاقتصادي والتنمية البشرية)، تناول المبحث الثاني: ( الأمن الاقتصادي ومشكلات السكان).وأخيرا المبحث الثالث: (انعدام الأمن الاقتصادي وأزمات سكان العراق).

وأخيرا الفصل السابع الذي تضمن (الأمن البيئي للسكان) تكون من ثلاثة مباحث وهي، المبحث الأول (مفهوم البيئة وانواعها). أما المبحث الثاني ( سوسيولوجية البيئة)، وأخيرا المبحث الثالث (الأمن البيئي لسكان العراق).

والخاتمة مع الفصل الثامن (الفصل الثامن الحلول.... والمعالجات) الذي سطرنا فيه بعض الحلول والمعالجات المقترحة لتحقيق الأمن بأشكاله لسكان العراق

المؤلف

صفحة 3

تمهيد

منذ الخليقة الأولى للسكان يبحث الإنسان جاهداً عن الأمن والحماية والأمان، لحماية نفسه من مخاطر الطبيعة، ومخاطر الحيوانات، ومن ثم مخاطر أقرانه من البشر، وكلما تعقدت الحياة الاجتماعية زاد سعي الإنسان إلى الأمن.

إذ كان ومازال موضوع الأمن بمختلف أنواعه وأشكاله محط اهتمام الباحثين والدارسين والمختصين في مختلف العلوم، إذ تناول المفهوم (الأمن) من جميع التخصصات فظهرت كتابات ومؤلفات كثيرة لهذا المفهوم، تمثلت بـ(الأمن القومي، والأمن السياسي، والأمن العسكري، والأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن البشري، والمفهوم الأحدث هو الأمن الاجتماعي)، ونتيجة للتماس المباشر بين هذا المفهوم والسكان واتجاهاتهم وسلوكياتهم وديمومتهم يعد من المفاهيم المهمة التي لابد إن نوظف منهجا علميا تحليليا في تفسيره والكشف عن أبعاده وانعكاساته على حياة السكان في العالم بوجه عام والمجتمع العراقي بوجه خاص.

صفحة 4

المبحث الأول : ما هو الأمن

قبل إن نتعمق في معنى (الأمن)، تجدر بنا الإشارة إلى إن جميع الأديان السماوية وجبت الأمن للبشر وسعت جاهدة لإنقاذهم من الخوف والرعب إلى الأمن والسلام، فالدين اليهودي أكد على الأمن والسلام والعيش الرغيد، وكذلك الدين المسيحي أكد في النصوص وآيات عديدة على أهمية الأمن للبشرية، ومنها (المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام للحائزين على رضاه)(لوقا / 2، آية: 14)، ( سلاماً اترك لكم سلامي أعطيكم لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا) (يوحنا/ 14،آية: 27).

أما الدين الإسلامي الذين يعد دين الأمن والسلام دعا الإسلام إلى الأمن، فقد وردت معنى مفهوم الأمن في العديد من الآيات القرآنية في مواضع متعددة وفي معان متعددة تشير إلى الإيمان وعدم الخوف، وهي على النحو التالي، قوله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) {البقرة/ 126}.

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) {آل عمران /97}

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) {النساء/83}

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) {البقرة/155}

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) {العنكبوت/67}

(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) {فصلت/40}

(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) {قريش/4}

هذا مؤشر عام وواضح على أهمية الأمن والأمان في المنظور الإسلامي وأبعاد ما أكده الدين الإسلامي في أهمية توفير الأمن للسكان والعيش بسلام دون خوف أو قلق، وان الدين الإسلامي كله دين يحمل في طياته الدعوة الحقيقية لحماية البشر وضمان حقوقهم.

صفحة 5

الأمن لغةً

الأمن لغة:مصدره أمن - الأمان والأمانة بمعنى: وقد أمنت فأنا أمن، وأمنت غيري من الأمن والأمان ضد الخوف، وهو بذلك:"اطمئنان النفس وزوال الخوف ومنه الإيمان والأمانة، المعني الذي ورد فى التنزيل العزيز بقوله تعالى: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) وآمنهم من، ومنه ( أَمَنَةً نُعَاسًا) و (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)، نصب أمنة لأنه مفعول له كقولك فعلت ذلك حذر الشر، " وهذا البلد الأمين " أي الأمن، يعنى مكة وهو من الأمن. وفى حديث نزول المسيح على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام:" وتقع الآمنة في الأرض " أي: الأمن: يريد أن الأرض تمتلئ بالأمن فلا يخاف أحد من الناس والحيوان.([1])

والأمن في اللغة العربية من (أمِن)، آمنا وأمانا، وأمانة، وأمنا، وإمنا، وآمنة: اطمأن ولم يخف، فهو آمن، وامنُ، وأمين، ويقال لك الأمان: إي قد أمنتك، وامن البلد: اطمأن فيه أهله، وامن الشر، ومن سلم، وامن فلاناً على كذا أوثق به واطمأن إليه، أو جعله أمينا عليه،(امن)_ أمانة: كان اميناً([2]).والأمن، ضد الخوف، إقصاء الخوف، والقلق، وتوفير السلامة والطمأنينة، وهي مفردة تقابلها مفردة (الخوف)، والأمانة ضد الخيانة ([3]).

وعن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم:" نزل على جبرائيل فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام: ويقول: اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائي فسميته مؤمناً فالمؤمن مني وأنا منه "، ولقد وصف حال المؤمن في سورة الحشر الآية 23 والمراد بهذا الوصف أنه:" معطى الآمان " من عذاب الدنيا والآخرة.

أما في معاجم اللغة الانكليزية تعني كلمة الأمن (Security) (Safely)، تقابلها كلمة الخوف (Fear)([4]).

ومن مفهوم الأمن نخلص إلى أن بقاء ونماء الأفراد والمجتمعات والأمم قوامه الأمن الذي يقوم على الأمانة والعدل والتحرر من الخوف، والأمانة لا تقتصر على أداء حقوق الآخرين من مال بل أداء ما علينا من التزامات بنزاهة وصدق، وبالأمن صلاح الأمة ونهضتها.

صفحة 6

مفهوم الأمن النشوء والتطور

المفهوم الاصطلاحي: على الرغم من الأهمية القصوى للأمن فإن استخدامه يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في الأدبيات الداعية إلى تحقيق الأمن وتجنب الحرب، والأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعني:" حماية الأمة من خطر القهر على يد القوى الأجنبية "، لذلك فقد تأسست وزارات الأمن القومي في معظم البلاد وقصر اهتمامها بحالة اللا أمن الناتجة عن التهديد العسكري، وعاش العالم مرحلة سباق التسلح بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية والذرية كجزء من سياسات الدول الكبرى لإظهار هيمنتها وقوتها، وأغفلت المعاني الإنسانية للأمن وإن عبر عن ذلك بعض قادتها، ومنهم " روبرت مكنمارا- وزير الدفاع الأمريكي الأسبق " في كتابه " جوهر الأمن " بتعريفه الأمن بأنه:- " يعنى التطور والتنمية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة "، وأن " الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في المجالات كافة سواء في الحاضر أو المستقبل "، وهو ما قال به وزير الخارجية الأمريكي " ادوارد ستاتنيوس " الذي حدد هوية المكونين الجوهرين للأمن البشرى اللازم لتحقيق السلام في:

- الجبهة الأمنية التي لا تكون إلا بالتحرر من الخوف.

- الجبهة الاقتصادية والاجتماعية ؛ حيث يعنى النصر التحرر من العوز.

ولقد تطور هذا المصطلح ليشمل المفهوم العام للأمن الاجتماعي كل النواحي الحياتية التي تهم الإنسان المعاصر، بدءاً من شعوره بالاكتفاء المعيشي والاستقرار الاقتصادي إلى الاستقرار الشخصي في محيطه الأسري و بيئته الخارجية. عليه فأن الأمن الاجتماعي يستلزم تأمين الخدمات الأساسية للإنسان، فلا يشعر بالعوز والفقر والمرض ويشمل الخدمات المدرسية والثقافية والرعاية الإنسانية والتأمينات الاجتماعية وعلى مواجهة الظروف الطارئة وقضاء وقت فراغ يحول بينه وبين العزلة والانكماش أما علماء السياسة فقد عرفوا الأمن في الإطار الفكري تبعا للنظرية التي يتم من خلالها النظر للمصطلح وهي ثلاث: النظرية الواقعية والنظرية الليبرالية والنظرية الثورية، وبحسب النظرية الواقعية فإن الدولة هي الفاعل الرئيس، وهى تتحرك وفق إدراكها للمحافظة على أمنها مما يقتضي الاستحواذ على القوة واستخدامها عند اللزوم، وبالتالي فإن الأمن المستهدف هو أمن الدولة الذي يحقق التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي للدولة. أما النظرية الليبرالية فهي ترفض فكرة أن الدولة هي الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية وأن أمنها لا يقتصر على البعد العسكري فحسب بل يتعداه إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية. أما النظرية الثورية فتسعى إلى تغير النظام وليس مجرد إصلاحه باعتبار ذلك وسيلة ضرورية للقضاء على الظلم. ([5])

ويمكن تقسيم مستويات الأمن إلى أربعة مستويات والشكل أدناه يبين المستويات الأربع:

صفحة 7

ولكل نوع دلالة خاصة تختلف في معناه ولكن الغاية تتشابه وهي على النحو التالي:

- أمن الفرد ضد كل ما قد يهدد حياته وممتلكاته أو أسرته.

- أمن الوطن ضد أي أخطار خارجية أو داخلية.

- أمن قطري " إقليمي " أو أمن جماعي لدول تتشارك المصالح وتعمل على التكتل لحماية كيانها.

- أمن دولي الذي تتولى حمايته المنظمة الدولية للأمم المتحدة.

إلا أن الأمن الكوكبي أفرز مستويين هما: الأمن دون الوطني، والأمن الذي تمارسه الدولة المهيمنة، وقد ساهم ذلك في تطور هذا المصطلح.والأمن الكوكبي الذي استهدف الانسجام مع ما شهده العصر من تقدم تكنولوجي هائل فأصبح للأمن مفهوم جديد يتجاوز الأمن الوطني والأمن الإقليمي وكان هدفه الجوهري متمحورا حول الاقتصاد العالمي باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الكوكبي الذي اهتم بالثورة التكنولوجية في مجالات المعلومات والاتصالات، علاوة على اهتمامه بمشكلة الانفجار السكاني وقضايا البيئة، وقدم رؤية جديدة لمفهوم الأمن الذي لا يواجه أعداء تقليديين " دولا وأشخاصا "، بل يعمل على حشد مقوماته لمواجهة الأخطار التي تواجه البشرية جراء الأشياء أو الأحداث.

إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أحدثت انقلابا في جوهر الأمن الكوكبي الذي لم يعد مهتما بالأفكار التي كان مقررا لها أن تلعب دورا في صنع العالم الحديث، بل باستخدام القوى المسلحة التي اتخذت من مواجهة الإرهاب هدفا لها دون اعتبار لما يلحق حقوق الإنسان من انتهاكات، ورسخ للأمن دون الوطني الذي يفسح المجال لتنظيمات سياسية أو قبلية أو طائفية من لعب دور في تقرير أمنها على حساب الأمن الوطني.كما اكتسب الأمن الإقليمي أبعادا جديدة فلم يعد ينصرف إلى مواجهة التهديد المشترك بل تجاوزه إلى إقامة ترتيبات وهياكل جديدة من أجل تحقيق التكامل والاندماج والتعاون في المجالات كافة خاصة " الاقتصادية والتنموية" وأبرز أنجح التكتلات الاتحاد الأوروبي الذي يعمل جاهدا من أجل التصدي لسلبيات العولمة .

فقد ظهر مصطلح الأمن الإنساني في النصف الثاني من عقد التسعينيات كنتاج للتحولات التي شهدتها فترة ما بعد الحرب الباردة، وقد ركز على الفرد وليس الدولة كوحدة سياسية، وأكد على أن أية سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف منها تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة. ولقد أصبح هذا المفهوم ركنا في السياسات الخارجية ووظف كمبرر للتدخل الدبلوماسي والعسكري وكأداة صنع السياسة في العلاقات الخارجية.([6])

وترتب على ذلك تطور مفهوم الأمن لدى صانعي السياسات الدولية , فأوروبا بعد الحرب الباردة أسست لما يعرف بالمشاركة الأورو_ متوسطة باتفاق أعضاء الاتحاد الأوروبي المتوسطين والشماليين على توسيع الاتحاد الأوربي تجاه شرق أوروبا، وتم التوصل بالإجماع حول التعامل مع التحديات الأمنية القادمة من الشرق والجنوب بهدف إعادة التوازن في توزيع الموارد المالية بينهم بما يتفق مع إدراكهم بأن القضايا الأمنية لا تقتصر فقط على الجانب العسكري بل هناك قضايا أمنية غير عسكرية مثل: البطالة وتزايد معدلات الهجرة غير الشرعية من جنوب المتوسط إلى شماله، وظاهرة الأصولية الإسلامية. وتوالت المبادرات الأوربية مثل: إعلان برشلونة الذي صاغ مشاركة شاملة ترتكز على ثلاثة محاور [ السياسية – الأمنية / الاقتصادية – المالية / الاجتماعية – الثقافية الإسلامية ]، وإذا ما تأملنا الأهداف المرجوة من كل محور لكان ذلك كافيا لمواجهة الانعكاسات السلبية للعولمة.ورغم أن التحديات الأمنية التي عرفها الأوروبيون في المتوسط ضمنت جدول أعمال واشنطن إلا أنه يبقي لأمريكا منظورها الخاص الذي تحدده مصالحها القومية والوطنية رغم اعترافها النظري بأن ما يهدد الأمن يكمن في الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، والبطالة المرتفعة والهجرة غير الشرعية، وأمن الطاقة والتهديد الذي يفرضه الإرهاب والحركات الإسلامية الراديكالية.([7])

من الصعوبة الاجزام بأنه هناك اتفاق بين المفكرين والساسة والخبراء في تحديد مفهوم الأمن ويمكن ربط مفهوم الأمن باتجاهين نظريتين أساسيتين هما

1. المنظور الكلاسيكي

يعتبر (ولتر ليبمان) أول من وضع تعريفا للأمن عام 1943 إذ يرى أن الأمن (إن لا تحتاج الدولة للتضحية بمصالحها المشروعة لتجنب الحرب، وقدرتها على حماية هذه المصالح _في حالة التعدي _ بشن الحرب على الغير فامن الدولة لديه مساوي لقوتها العسكرية، وبالتالي تحقيق الأمن العسكري مع القدرة على مواجهة إي هجوم مسلح ).يركز هذا المفهوم أساسا على:

1. بقاء الدولة يتحقق باستخدام القوة العسكرية وبالتالي يرتبط بمفهومي الردع والقوة.

2. التهديدات التي تواجه الأمن الوطني هي تهديدات خارجية ذات طابع عسكري.

3. إن مسؤولية تحقيق الأمن تتولاها الجيوش وأجهزة المخابرات والشرطة([8]).

2. المنظور التكاملي الحديث

بعد نهاية الحرب الباردة عمت نظرة شمولية للأمن احتوت على الأبعاد العسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ويرجع الفضل إلى دراسة (بوزان) التي وسعت مجال البحث في الدراسات الأمنية إلى أبعاد جديدة اقتصادية، بيئية، وسكانية، إذ ميز بين خمسة أبعاد أساسية للأمن.

صفحة 8

- الأمن العسكري: ويخص القدرات العسكرية.

- الأمن السياسي: ويعني الاستقرار التنظيمي للدول، نظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها.

- الأمن الاقتصادي: ويخص النفاذ أو الوصول إلى الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفات وقوة الدولة.

- الأمن الاجتماعي: ويخص قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج أنماط خصوصياتها في اللغة، والثقافة، والهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد، في إطار شروط مقبولة لتطورها وكذا التهديدات والانكشاف التي تؤثر في أنماط هوية المجتمعات وثقافتها.

- الأمن البيئي: ويتعلق بالمحافظة على المحيط الحيوي(الكائنات الحية ومحيطها) المحلي والكوني كحامل أساسي تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية([9]).

- ونرى من الاجدر إضافة بعد آخر مهما جدا وهو الأمن الصحي: هو توفير الرعاية الصحية للسكان من حيث (الدواء، والمراكز الصحية والمستشفيات، والكادر الطبي المتمرس).

إن مفهوم الأمن مفهوم ديناميكي ليس بالحقيقة الثابتة التي تحققها الدولة مرة واحدة، بل مسالة متغيرة فقد تكون الدولة في مرحلة ما آمنة وفي مرحلة أخرى غير آمنة، كما انه مفهوم متعدد الأبعاد (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية)، ويعرف الأمن العام (هو غياب الخوف والقلق، وهو شعور موضوعي بالثقة)([10]).

إن ضمان الأمن وتحقيقه يعد من أولويات الحاجات التي يسعى إليه البشر حسب تفسير العلماء، فنلاحظ إن العالم (ماسلو Maslow) يعد تحقيق الأمن هي حاجة سامية يسعى إلى تحقيقها الفرد لغرض ديمومته وديمومة جنسه، وان الخوف والتهديد يجعل منه غير قادر على تحقيق الحاجات التي تنعكس على ديمومته،وأخرى هي أكثر ارتفاعا في هرمه للحاجات مثل (تحقيق الذات، أو حاجات المعرفة، أو الحاجات الجمالية)، والمخطط أدناه يوضح ذلك.

صفحة 9

المبحث الثاني : مؤسسات توفير الأمن للسكان

مما سبق اتضح لنا أن مفهوم الأمن مفهومٌ ديناميكيٌ متنوعٌ في مدلولاته ومن هذا التنوع والتعدد في المعنى، نلاحظ تعدد المؤسسات التي تعمل على توفير الأمن، والتي تجسد وظائفها لتحقيق ذلك، إذ تلعب العديد من المؤسسات في توفير الأمن للسكان في المجتمع الذي يعيشون فيه وأهمها (المؤسسة القانونية، والمؤسسة الدينية، والمؤسسة التربوية، والمؤسسة الأسرية وغيرها).

صفحة 10

أولا: المؤسسة القانونية ودورها في توفير الأمن

إن المقصود بالمؤسسة القانونية هنا هي تلك المنظومة من القواعد القانونية والأنظمة التشريعية والنظام الإداري وكافة ما يحتوي عليه من دوائر رسمية كـ(الأجهزة القضائية، والدوائر القانونية، والأجهزة التنفيذية). يتميز القانون عن بقية وسائل الضبط الاجتماعي بأنه وسيلة فعاله لأنه يقترن بعنصر(القوة)، وهي مساندة من قبل الدولة، وامتلاكه الأجهزة التنفيذية التي تمتلك القوة كـ (الشرطة) وما تملكه من أسلحة ووسائل وتقنيات متنوعة، ووسائل نقل وتحرك سريع، وان للقانون قوة عقابية صارمة تبدأ من الغرامات السجن وإلى عقوبة الموت([12]).

إن الحفاظ على الأمن والنظام والاستقرار يتم بتطبيق القانون الذي يهيئ للسكان المجتمع جواً ملائماً للعمل بتوفيره الأمن والاطمئنان والديمومة، إن المجتمعات الحديثة تسعى جاهدة إلى الوصول إلى الاستقرار والأمن لسكانها بشتى أنواعه عن طريق العمل على خلق التعاون والتناسق بين أنظمة المجتمع المتعددة، غاية لتحقيق الأهداف التي وضعها المجتمع لذاته ولسكانه، ومع التطور الحضاري المستمر وتغير العلاقات الاجتماعي تبعاً لذلك قد تبقى النظم الاجتماعية ثابتة ولا تستجيب بصورة ملائمة لهذه التغييرات ([13])،

يعتقد البعض إن الدولة وسلطتها ضرورة للحفاظ والأمان والاستقرار لحماية المجتمعات من المخالفات والشذوذ عن السلوك المألوف وهنا تظهر الحاجة إلى وجود سلطة تعمل على تطبيق العقاب أو التعامل مع هذه الأحوال وتحقيق الأمن والأمان لسكانها فالحكومة تقوم بكل الأعمال التي لا يمكن للأفراد القيام بها بأنفسهم.

· أجهزة القانون وأدائها لمهماتها

للقانون أجهزة متعددة تقوم بوظيفتها من اجل تحقيق الأمن والأمان للسكان أهمها هي:-

1. القضاء

من أهم المميزات التي يمتاز بها القضاء هي النزاهة التامة في إقامة العدل وبسط الأمان وإعطاء ذوي الحق حقه وأنصاف المظلوم وإدانة المعتدي وتحديد العقوبة على الذين يعتدون على أقرانهم من سكان المجتمع، إن مسلمات نشر العدالة والأمان تبدأ بالقضاء وسن القوانين وإفشاء العدالة بين جميع سكان المجتمع وبشكل موضوعي بعيدا عن التمايز والعنصرية والطائفية، وبعيدا عن الضغوطات، لان اي خلل يصيب القضاء تكون آثاره على سكان البلد أثاراً جسيمة.

2. الأجهزة التنفيذية

ويقصد بذلك أجهزة الشرطة التي تقوم بتنفيذ قرارات القضاء والتي تقوم أيضا بحراسة المجتمع والسهر على حماية سكانه وحماية ممتلكاتهم من الخارجين عن القانون والوقوف بوجه المعتدين على كرامة وحريات السكان وتقاليدهم والمنتهكين لآداب المجتمع وقيمه وعاداته وقواعده والانتهاك الصارخ للقواعد الدينية، ان الأجهزة المكلفة بالحفاظ على القانون وامن المجتمع يجب ان تتميز بالحرص التام والأمانة والكفاءة وروح التضحية([14]).