eKtab
EN ع
الأمواج
اقرأ عينة مجانية

الأمواج

بقلم فيرجينيا وولف

صفحة 1
تقديم 
 
فرجينيا وولف هي كاتبة إنكليزية شهيرة (1882-1914)، وقد نشرت في الفترة من 1951حتى 1914 واحداً وعشرين عملاً في النقد والسيرة والرواية، مثل رواية السيدة دالاوي، ومثل سيرة الكلب فلاش وهما من ترجمة كاتب هذه السطور· كان كاتب هذه السطور كذلك قد ترجم سيرة هذه الكاتبة بمجلدين والتي كتبها كوينتين بيل، ابن شقيقتها الرسامة فانيسّا، وهي من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1993· إن رواية السيدة دالاوي هي كذلك من منشورات المؤسسة العربية ذاتها عام 8991؛ أما فلاش فهو من منشورات دار الشمس في بغداد عام 1992· والكلب فلاش هو كلب الشاعرة الإنكليزية أليزابيث باريت براوننغ·
 
إن رواية الأمواج التي نقدمها بالعربية الآن للقراء كانت قد صدرت في عام 1931 فاعتبرها النقاد تحدياً للقراء لأنها كلها مكتوبة بلغة شاعرية مرهفة، حتى أن بعض هؤلاء النقاد قال إن الرواية بأسرها هي بمثابة قصيدة شعرية طويلة·
 
كانت فرجينيا وولف تصاب بالجنون بين فترة وأخرى، وكانت كلما أبلَّت من نوبة من نوبات جنونها تأخذ بكتابة رواية جديدة· أما عند إصابتها بالجنون في المرة الأخيرة فإنها لم تعد قادرة على مزيد من التحمل فأقدمت على الانتحار في 18 آذار 1914· يقول كاتب سيرتها كوينتين بيل في ص196-396 من كتابه المترجم المشار إليه أعلاه ما يلي:
 
 صباح يوم الجمعة، الثامن والعشرين من آذار 1914 وكان يوماً بارداً، ألقاً، مشرقاً، ذهبت فرجينيا كعادتها إلى غرفة عملها في الحديقة، وهناك كتبت رسالتين أولاهما إلى ليونارد زوجها والأخرى إلى فانيسّا شقيقتها أوضحت في كلتا الرسالتين أنها تسمع أصواتاً، وأنها تعتقد أنها لن تشفى··· ثم عادت إلى المنزل، وكتبت رسالة ثانية إلى ليونارد، ونصها في ص296 و ضعت هذه الرسالة على رف الموقد في غرفة الجلوس، وفي نحو الساعة الحادية عشرة والنصف تسللت إلى الخارج ومعها عصاها واتخذت طريقها عبر الحقول نحو النهر نهر أوز  Ouse  تركت عصاها على ضفة النهر ودسّت حجراً كبيراً في جيب المعطف· ثم مضت إلى ميتتها فكانت، كما سبق ان قالت إلى فيتا ساكفيل - ويست، صديقتها، هي التجربة التي لن أصفها أبداً·
صفحة 2
إن رواية الأمواج تقع باثنتي عشرة قسماً، ويبدأ كل قسم منها بوصف الطبيعة قُبيل شروق الشمس حتى بُعيد غروبها، ثم تنتهي الرواية بجملة واحدة: الأمواج تتلاطم على الشاطئ لكأن هذا الوصف للسماء والأرض والبحر هو وصف للحياة من الولادة حتى الموت·
 
وفي هذه الرواية ستة أشخاص هم: بيرنارد، رودا، جيني، لويس، نيفيل وسوزان· إن كلامهم ليس حواراً، وإنما هو استكشاف لما يجري في داخل عقولهم على شكل نجوى ذاتية درامية لنفوسهم منذ طفولتهم وخلال دراستهم وحتى وفاة بيرنارد؛ وتتركز هذه النجوى على المشكلة الخاصة بفهم طبيعة الهوية·
 
يتعرف المرء من خلال القراءة على معلومات معينة عن هذه الشخصيات الست· فلويس وبيرنارد يصبحان من رجال الأعمال الناجحين، وتكون لبيرنادر زوجة وأسرة، في حين يتخذ لويس من رودا عشيقة له فتنتحر هذه في نهاية المطاف· أما سوزان فتتزوج من مزارع وتنجب أولاداً· ولكن جيني تنصرف إلى حياة لندن الاجتماعية وتنتقل من حضن شابٍ إلى آخر، على أن نيفيل هو مثليّ النزعي·
 
وفي الختام لا مناص من القول بأن قراءة رواية الأمواج هي ليست قراءة سهلة· ولكن! إذا صبر القارئ على قراءتها فسيحصل على غذاء أدبي رائع يستعصي على التقليد· 
 
 
 
المترجم
 
عطا عبدالوهاب
 
عمان في 28/6/2009
صفحة 3
الشمس لم تشرق بعد· والبحر يمتزج بالسماء، ولا يتميّز عنها سوى بأن فيه شيئاً من طيات، فكأنه قماش متغضن· وبالتدريج، وإذ تبيضّ السماء، يمتد خط قاتم على الأفق يفصل البحر عن السماء ويصير القماش الرمادي مخططاً بتلاطمات كثيفة تتحرك، واحدة تلو أخرى تحت سطح الماء، فتتبع الواحدة الأخرى، تطلبها حثيثاً، إلى الأبد·
 
وما أن يقترب التلاطم من الشاطئ حتى يرتفع كل ضلع من الخطوط، ويهوي بنفسه، فينحطم ويجرف غلالة رقيقة من الماء الأبيض عبر الرمال· وتقف الموجة وقفة انتظار، ثم تنداح مرة أخرى وهي تتأوه كنائم يتنفس بلا وعي· وبالتدريج يغدو الخط القاتم الممتد على الأفق واضحاً حتى كأن الرواسب في قنينة النبيذ القديمة قد ترسبت فجعلت الزجاجة خضراء· وإلى الخلف من الخط أيضاً صفت السماء كأن الرواسب البيض فيها قد ترسبت، أو كأن ذراعاً لامرأة متخفية تحت الأفق قد رفعت سراجاً فانتشرت خطوط بيض وخضر وصفر كامدة الألوان على صفحة السماء وكرياش المراوح· ثم رفعت المرأة سراجها إلى أعلى فإذا بالهواء يبدو ذا ألياف وهو يتقطع أليافاً حمر وصفر كأنها نيران ذات دخان تدوي منبعثة من نار أُضرمت في الخلاء· وبالتدريج انصهرت ألياف النار المشتعلة في غبش واحد، في وهج واحد، يرفع ثقل السماء الرمادية الشبيهة بالأصواف على كاهله فيحيلها إلى ألف ألفٍ من الذرات الزرق الناعمة· سطح البحر غدا، على مهل، شفافاً فامتد يترجرج ويتشعشع إلى أن أوشكت الخطوط القاتمة أن تمحي· وعلى مهل قامت الذراع الممسكة بالسراج برفعه إلى أعلى فأعلى حتى ترائى لهبة عريضة؛ ثمة قوس من النار يشتعل على حافة الأفق، فيتوهج من حوله البحر كله ذهباً·
 
الضياء يسقط على الأشجار في الجنينة، فيحيل ورقة واحدة شيئاً شفافاً ثم يحيل أخرى· طير زقزق في الأعالي؛ وتوقف؛ طير آخر زقزق من الأسفل· الشمس أبرزت جدران البيت إبرازاً حاداً، واستقرت كحاشية مروحة على ستارة بيضاء وبصَمت بصمة إبهام زرقاء من ظل تحت ورقة عند نافذة غرفة النوم· الستارة تحركت قليلاً، لكن كل شيء في الداخل كان داكناً غير ملموس· الطيور شدت بلحنها المرسل الرتيب في الخارج·
 
قال برنادر Bernard إني أرى طوقاً معلقاً من فوقي· إنه يرتعش ويتعلق بعروة من الضياء
 
قالت سوزان إني أرى لوحاً من اللون الأصفر الباهت يترامى بعيداً حتى يلاقي خطاً بنفسجياً
صفحة 4
قالت رودا Rhoda إني أسمع صوتاً، زِق، زَق، زِق زَق؛ ينطلق صاعداً ونازلاً
 
قال نيفيل Nevielle إني أرى كرة سماوية تتدلّى في نقطة واحدة إزاء الأكتاف الضخمة لهضبة ما
 
قالت جيني Jinny إني أرى حلية قرمزية، مفتولة بخيوط ذهيبة
 
قال لويس Louis إني أسمع شيئاً يدك الأرض· إن قدم وحش عظيم قد  غُلت بالأصفاد· إنها تدق الأرض، تدقها، وتدقها
 
قال برنارد انظروا إلى بيت العنكبوت في زاوية الشرفة· إن عليه خرزاً من الماء، قطرات من ضياء أبيض
 
قالت سوزان أوراق الشجر تجمعت حول النافذة كآذان صاغية
 
قال لويس إن ظلاً يسقط على الدرب كأنه عضد ملوي
 
قالت رودا ثمة جزائر من ضياء تسبح على العشب، لقد سقطت من خلال الأشجار
 
قال نيفيل  عيون الطيور براقة في الأنفاق بين الأوراق
 
قالت جيني سيقان النباتات مغطاة بشعيرات خشنة، قصيرة، فالتصقت بها قطرات من ماء
 
قالت سوزان ثمة جرادة قد التفت على شكل حلقة خضراء، ثلمتها أقدام حادة
 
قالت رودا الحلزون ذو القوقعة الرمادية يمر عبر الدرب فيسطح سيقان الحشائش من ورائه
 
قال لويس والأضواء متقدة تنبعث من زجاج النوافذ فتلمع على الأعشاب باطناً وظاهراً
 
قالت نيفيل الأحجار باردة على قدميّ· إني أتحسس كل حجر منها على انفراد، مكوراً أو مسنناً
 
قالت جيني إن قفا يدي يشتعل حرارة، لكن راحة الكف باردة دبقة وندية
 
قال برنارد الآن يصيح الديك كأنه نفثة ماء عسر أحرم في المد الأبيض
 
قالت سوزان الطيور تغني من حولنا، في كل مكان وكل اتجاه
صفحة 5
قال لويس الوحش يدك الأرض؛ الفيل بأقدامه مغلولة بالأصفاد؛ الحيوان العظيم يضرب الأرض بقدمه على الشاطئ
 
قالت جيني انظروا إلى البيت، وكل نوافذه بيضاء اللون بالستائر
 
قالت رودا الماء البارد بدأ يجري من الصنبور في غرفة غسيل الصحون على سمك المكاريل في الدورق
 
قال برنارد الجدران متصدعة بشروخ ذهبية، وهناك ظلال أوراق تسقط زرقاء، على شكل الأنامل، تحت النوافذ
 
قالت سوزان الآن تسحب السيدة كونستابل Constable جواربها السوداء السميكة إلى الأعلى
 
قال لويس عندما يرتفع الدخان يتكور النوم فويق السطح كأنه ضباب
 
قالت رودا الطيور غنت بمجموعها أولاً· الآن رفع المزلاج عن الباب في غرفة غسيل الصحون· وإذا بالطيور تطير· تطير منطلقة كأنها قذفة كفٍ من بذور· لكن طيراً واحداً يشدو عند نافذة غرفة النوم وحيداً
 
قالت جيني الفقاقيع تتشكل في قاع المقلاة، ثم تتصاعد، أسرع فأسرع، بسلسلة فضية إلى الأعلى
 
قال نيفيل الآن بدي Biddy تقشط حراشف السمك بسكين مسننة على قاعة خشبية
 
قال برنارد إن نافذة غرفة الطعام لونها أزرق الآن، والهواء يرف فوق المداخن
 
قالت سوزان السنونو يحط على مانعة الصواعق وبِدي صبّت سطل الماء صباً عنيفاً على الألواح لأرض المطبخ
 
قال لويس تلك هي الدقة الأولى لجرس الكنيسة، ثم تتبعها الدقات الأخرى؛ دقة فأخرى، دقة فأخرى
صفحة 6
قالت رودا انظروا إلى غطاء المائدة، يموج أبيض على المائدة· والآن هناك أطقم من الخزفيات البيض، وخصل فضية بجنب كل صحن
 
قال نيفيل فجأة تطن نحلة في أذني· إنها هنا؛ إنها مضت
 
قالت جيني  إني أحترق، إني أرتجف، خارجة من هذه الشمس، داخلة في هذا الظل
 
قال لويس الآن ذهبوا جميعاً· أنا وحدي· ذهبوا إلى البيت لتناول الإفطار، وتُركت واقفاً بجنب الجدار بين الأزهار· الوقت مبكر جداً، قبل الدروس· إن زهرةً تلو زهرة ترتسم نقطاً في أعماق الساحة الخضراء· التويجات نقوش كأشكال المهرجين· سيقان النباتات تنبعث من الأجواف السود في الأسفل· الأزهار تسبح كأنها أسماك خلقت من ضياء على سطح المياه الخضر المعتمة· إني أمسك ساق نبتة في يدي· إني أنا هذا الساق· جذوري تضرب سحيقة في أعماق العالم، خلال تربة جافة ذات جلاميد، وتربة بليلة، خلال عروق من معادن الرصاص والفضة· إني أنا كلي ألياف· كل الاهتزازات تخضّني، ووقر الأرض مطبق على ضلوعي· هنا في هذا المرتفع عيناي ورقتان خضراوتان، لا تريان أني صبي أرتدي بزة قطنية رمادية مع حزام مشدود بحية نحاسية هاهنا· أما هناك فعيناي هما عينا تمثال حجري بلا أجفان في صحراء عند النيل· إني أرى نسوة يذهبن مع أباريق حمر إلى النهر؛ أرى الإبل تتمايل، والرجال بالعمائم، إني أسمع وطء أقدام، وارتعاشات، وتململاً من حولي
 
ها هم برنارد ونيفيل وجيني وسوزان (لكن من دون رودا) يمرون هناك بشباكهم فوق ألواح الأزهار· ينتُشون الفراشات من رؤوس الأزهار المهتزة· يمسحون سطح الدنيا· شباكهم ملئ بأجنحة مرفرفة· ويصيحون لويس! لويس! لويس! لكنهم لا يستطيعون رؤيتي· إني على الطرف الآخر من سياج أغصان الوشيع· ليس ثمة إلا ثقوب صغيرة للنظر من بين الأوراق· يا إليه، دعهم يمرون· يا إلهي دعهم يضعون فراشاتهم على منديل صغير فوق الحصى· دعهم يحصون ما لديهم من فراشات، شذرية، وحمراء كبيرة، وبيضاء كالقراطيس· ولكن أحجب عني أنظارهم· أنا أخضر كشجرة الصنوبر في ظل الوشيع· وشعري من ورق الشجر· إني متجذر في وسط الأرض· جسدي ساق نبات· أنا أعصر الساق· قطرة تنضح من الثقب عند الفم فتتنامى أكبر فأكبر ببطء، بتكثف· الآن ثمة شيء وردي اللون يمر من أمام الثقب· الآن بريق عين يمرق خلال الشق· بريقها أصابني· أنا صبي ببزة قطنية رمادية، وهي وجدتني، وأنا أصبت في قفا رقبتي، إنها قبلتني، كل شيء قد انهار
صفحة 7
قالت جيني كنت أركض بعد الإفطار، رأيت أوراقاً تتحرك في فجوة في الوشيع، وخطر لي: هذا طير في عشه· مضيت ونظرت؛ ولكن ما من طير في عش· والأوراق تتحرك· ارتعبتُ· ركضتُ مارةً بسوزان، مارةً برودا، وكان نيفيل وبرنارد في سقيفة الأدوات يتكلمان· بكيت وأنا أركض، أسرع فأسرع· ما الذي حرّك الأوراق؟ ما الذي يحرك قلبي، وساقي؟ وهرعت إلى هنا، فرأيتك أخضر كالأكمة· كأنك غصن، في سكون مطبق، لويس، وعيناك جامدتان· خطر لي: هل هو ميت؟ فقبلتك، وقلبي يخفق تحت ردائي الوردي كأوراق الشجر، أوراق ظلت تتحرك، وإن لم يكن هناك ما يحركها· الآن أشم رائحة الجيرانيوم، أشم أديم الأرض، أرقص، أترجرج، وقد أُلقيت عليك كشِباكٍ من نور، إني أستلقي مرتجفة وقد رُميت فوقك
 
قالت سوزان من خلال الشق في الوشيع رأيتها تقبله· رفعت راسي من أصيص الرياحين ونظرت من خلال شق في الوشيع· رأيتها تقبله· رأيتهما، جيني ولويس، يتعانقان· الآن سأضع غرامي في منديلي أغلفه به· ولسوف يشد شداً حتى يتكور· سأذهب إلى غابة الزان وحدي، قبل الدروس· لن أجلس أجمع وأطرح الأرقام· لن أجلس إلى جانب جيني وإلى جانب لويس· سآخذ لوعتي وأضعها فوق الجذور تحت أشجار الزان· سأتفحصها وأتناولها بين أناملي· لن يعثروا عليّ· سآكل الجوز وأبحث عن البيض بين العلّيق وسيكون شعري كامداً لا يلمع وسوف أنام تحت الوشيع وأشرب الماء من الأحافير وأموت هناك
 
قال برنارد سوزان مرّت بنا· مرّت بباب سقيفة الأدوات ومنديلها مكور· لم تكن تبكي، لكن عينيها، وهما جميلتان جداً، كانتا مُزوّرتين كعيون القطط قبل القفز· سأتبعها، يا نيفيل، سأذهب وراءها بلطف، لأكون حاضراً، مع فضولي كي أدخل الراحة إلى قلبها عندما تتفجر غضباً وتقول في نفسها: أنا وحيدة·
 
إنها الآن تمشي عبر الحقل وهي تهتز، وتظهر الهدوء واللامبالاة، لتخدعنا، ثم وصلت إلى المنخفض؛ وهي تظن أنها لا تُرى؛ بدأت تركض وكفّاها مقبوضان حتى تفتح ذراعيها أمامها ما أن تصل إلى الغابة وتتجه إلى الظل كأنها من السابحين· لكنها تعشو بعد الضياء فتعثر وتلقي بنفسها على الجذور تحت الأشجار، حيث يبدو الضياء وكأنه يلهث· الأغصان في جَيشان· ثمة إهاجة هنا واضطراب، ثمة اكتئاب، الضياء متشنج، ثمة عذاب هنا، الجذور تكوّن هيكلاً عظمياً على الأرض، والأوراق الميتة متراكمة في الزوايا· سوزان نشرت لوعتها، منديلها فوق جذور الزان، وسوزان تبكي، وهي محنيّة حيث سقطت 
صفحة 8
قالت سوزان رأيتها تقبله· نظرتُ من بين الأوراق ورأيتها، كانت فرحة مرحة وقد تناثر عليها ماس رقيق بخفة الغبار، وأنا مربوعة القامة، يا برنارد، أنا قصيرة، لديّ عينان تنظران نظراً ثاقباً في الأرض وتريان الحشرات في الحشائش· الدفء الأصفر في جنبي أمسى حجراً حين رأيت جيني تقبل لويس· سآكل الحشرات وأموت في حفرة في الماء البني اللون حيث تعفنت الأوراق الميتة
 
قال برنارد رأيتك تذهبين، وعندما مررت من باب سقفية الأدوات سمعتك تندبين حظك قائلة: أنا تعيسة· وضعت سكيني جانباً· كنت أصنع الزوارق من خشب الوقود مع نيفيل· وشعري غير مصفف، إذ حين قالت لي السيدة كونستابل أن أمشّطه كانت هناك ذبابة في بيت العنكبوت، فتساءلت: هل أحرر الذبابة؟ أم أدعها تلتقم؟ لذا فإني أتأخر دائماً· شعري غير ممشط، وهذه الجذاذات من الخشب تلتصق به· حينما سمعتك تبكين تبعتك، فرأيتك تضعين على الأرض منديلك، مكوّراً، معقوداً فيه غضبه وكراهيتك· لكن هذا سرعان ما سينتهي· إن جسدينا قريبان الآن· أنت تسمعينني أتنفس، أنت ترين الخنفساء أيضاً تحمل ورقة على ظهرها· إنها تجري من هنا، ثم من هناك، وهكذا لحتى رغبتك، وأنت تراقبين الخنفساء، رغبتك بامتلاك شيء واحد بعينه (وهو لويس الآن) لا بد أن ترتعش كالضياء يدخل ويخرج من أوراق شجر الزان؛ وعندئذٍ فالكلمات التي تدور قاتمة في أعماق رأسك، ستمزق عقدة الشدّة هذه المكوّرة في منديلك
 
قالت سوزان أنا أحب وأكره· ولا أشتهي إلا شيئاً واحداً· عيناي جامدتان· عينا جيني تشعان بألف ضياء· عينا رودا هما كتلك الأزهار الشاحبة التي تأتيها الفراشات في الأصيل· عيناك تغدوان مليئتان ومترعتان· لكني حزمت أمري أصلاً على ما أريد· إني أرى حشرات في الحشائش· ومع أن أمي لم تزل تحيك لي جوارب بيضاء وتخيط لي صدارات وإني أنا طفلة، فأنا أحب وأكره
 
قال برنارد لكننا حين نجلس معاً، على قربٍ، يذوب أحدنا بالآخر بما نقوله من كلام· إننا يحفنا الغبش· نحن نصنع إقليماً وهمياً غير ملموس
 
قالت سوزان إني أرى الخنفساء، أراها سوداء؛ أراها خضراء؛ أنا تغلّني ألفاظ محدودة منفردة· لكنك تجوب الآفاق؛ أنت تنسل منطلقاً؛ أنت تتسامى إلى الأعلى، بألفاظٍ وألفاظٍ تفيض جملاً
 
قال برنارد الآن، فلنستكشف· ها هو البيت الأبيض يستقر بين الأشجار، إنه يجثم هناك بعيداًَ جداً تحتنا· سنغوص كالسابحين لا يمسّون الأرض إلا مساً خفيفاً بأطراف أصابع أقدامهم، سنغوص خلال الهواء الأخضر للأوراق، يا سوزان، نغوص إبان ركضنا· الأمواج تطبق علينا، أوراق الزان تتلاقى فوق رؤوسنا، ها هي ساحة الإسطبل بعقاربها المذهبة وهي تلتمع· وتلك هي المسطحات والمرتفعات لسطوح البيت الكبير· ها هو صبي الأسطبل يقعقع في الفناء بجزمة مطاطية· تلك هي إلفيدون Elvedon·
صفحة 9
الآن سقطنا من خلال رؤوس الأشجار إلى الأرض، لم يعد الهواء يدحرج أمواجه الأرجوانية الطويلة، الشقية، من فوقنا· إننا نلمس البسيطة؛ إننا نطأ الأرض· ها هو سياج الوشيع  المقصوص جيداً لجنينة السيدات· هنالك يمشين في الظهيرة، بالمقاصيص، يقطعن الورد· نحن الآن في الغاب المحوّط والجدار حواليه· هذه هي قرية إلفيدون· لقد رأيت علامات في تقاطع الطرق بسهم واحد يؤشر: إلى إلفيدون· ما من أحد ذهب إلى هناك· نباتات السَّرخس تفوح برائحة قوية جداً، وهناك فطريات حمر تنمو تحتها· نحن الآن نوقظ الفجر النائم الذي لم ير بشراً من قبل قط؛ نحن الآن ندوس على عفص البلوط العفن من التقادم وتنزلق عليه الأقدام· ثمة جدار مدور يحيط بهذا الغاب؛ لا أحد يأتي إلى هنا· إسمعي! هذا صوت ضفدع عظيم يرتطم بين الشجيرات؛ هذا صوت شجرة فرّ بدائية تسقط لتتعفن بين السرخس· 
 
ضعي قدمك على هذه الآجرّة· انظري من فوق الجدار· تلك هي قرية إيلفيدون· السيدة تجلس بين نافذتين كبيرتين، تكتب· البستانيون يكنسون ساحة العشب الخضراء بمكانس هائلة الحجم· نحن أول من أتى إلى هنا· نحن مكتشفا أرضٍ مجهولة· لا تتململي؛ إذا رآنا البستانيون فسيطلقون علينا النار· سنُدق بالمسامير كالثعالب ذات الفراء على باب الإسطبل· انظري! لا تتحركي· امسكي نباتات السرخس بقوة في أعلى الجدار
 
قالت سوزان  إني أرى السيدة تكتب· أرى البستانيين يكنسون، لو أننا متنا هنا، فما من أحدٍِ سيدفننا 
 
قال برنارد اركضي! اركضي! رآنا البستاني ذو اللحية السوداء! ستطلق علينا النار! سنقتل كالطيور الملونة ونعلّق على الجدار! إننا في بلاد معادية، يجب أن ننجو فراراً إلى غابة الزان· يجب أن نختبئ تحت الأشجار، لقد قلبت غصناً وأنا قادم· هناك درب سري· إنحني إلى أقصى ما تستطيعين، إمش من دون أن تنظري إلى الخلف، سيظنون أننا ثعالب· اركضي!
 
نحن الآن آمنين· بوسعنا الآن الوقوف منتصبين مرة أخرى، بوسعنا الآن أن نمدّ أذرعنا في هذا العريش العالي، في هذه الغابة الشاسعة· إني لا أسمع شيئاً· ما هذه سوى غمغمة الأمواج في الهواء· هذه هي الحمامة ذات الطوق تبحث عن مخبأ في أعالي أشجار الزان· الحمامة تضرب بجناحيها الهواء؛ الحمامة تضرب الهواء بجناحين متيبّسين
 
قالت سوزان أنت الآن تتدلى بعيداً، تؤلف جملاً· أنت الآن تتصاعد كخيط المنطاد، أعلى فأعلى خلال طبقات من الأوراق، بعيداً عن متناول اليد· أنت الآن تتباطأ· أنت الآن تجر بتنورتي، وتنظر إلى الخلف، تؤلف جملاً· لقد أفلتَّ مني، ها هي الجنينة، ها هو سياج الوشيع, ها هي رودا على الدرب تهدهد التويجات يميناً وشمالً في طاستها البنية
صفحة 10
قالت رودا كل سفني بيض، لا أريد تويجات حمراً من زهور الخطمي الوردية أو زهور الجيرانيوم· أريد تويجات بيضاً تعوم عندما أميل بطاستي· لديّ الآن  أسطول يسبح من ساحل إلى ساحل، سأُسقط غصناً في الماء كقارب نجاةٍ لبحار يغرق، سأُسقط حصاة لأرى فقاعات تتصاعد من أعماق البحر، نيفيل قد ذهب؛ وسوزان قد ذهبت؛ جيني في حديقة الخضراوات تجمع التوت مع لويس ربما· لديّ وقت قصير أبقى فيه وحدي، بينما تضع الآنسة هدسون دفاترنا على منضدة الصف· لديّ أمدٌ قصير من الحرية· لقد التقطتُ كل التويجات الساقطة وجعلتها تعوم· وضعتُ قطرات من مطر في بعضها، سأقيم فناراً هنا، من رأس زهرة أليس البيضاء الفواحة، وسأهز الآن الطاسة البنية من طرف إلى طرف حتى تمخر سفني عباب الأمواج· بعضها سيغرق· بعضها سيرتطم بالمنحدرات الصخرية الشاهقة· سفينة واحدة تبحر لوحدها· تلك هي سفينتي، إنها تبحر في كهوف ثلجية حيث ينبح دب البحر ويهز الستلكتايت سلاسل خضراً· الأمواج ترتفع؛ عبابها يتلوّى؛ انظروا إلى الأنوار على الصواري· السفن تفرقت، السفن غرقت، إلا سفينتي، فهي ترتقي صهوة الموجة وتمخر أمام الإعصار فتصل إلى الجزر حيث الببغاوات تثرثر والطيور الزاحفة···
 
قال نيفيل أين برنارد؟ سكّيني لديه، كنا في سقيفة الأدوات نصنع الزوارق، ومرت سوزان من الباب، فرمى برنارد زورقه وذهب خلفها وأخذ معه سكيني، السكين الحادة التي تقص عارضة قعر المركب· برنارد يشبه السلك المعلق المتدلي، يشبه زر الجرس المعطوف، يطن دائماً· إنه كالطحلب المتعلق خارج النافذة، مرة رطباً، وأخرى يابساً· إنه يتركني وراءه في حالة إحباط؛ إنه يتبع سوزان؛ فإذا بكت سوزان يأخذ سكيني ويحكي لها حكايات· المدية الكبيرة إمبراطور؛ والمدية المثلومة عبد زنجي· إني أكره الأشياء المعلقة؛ إني أكره الأشياء الرطبة· أكره التسكع وخلط الأمور بعضها ببعض· الآن يقرع الجرس وسوف نتأخر· الآن يجب أن نترك أدوات اللعب· الآن يجب أن ندخل جميعاً معاً· الدفاتر وضعت جنبا ًإلى جنب على منضدة الجوخ الأخضر 
 
قال لويس أنا لن أصرِّف الفعل، إلى أن يلفظه برنارد· أبي رجل مصرفي في برسبين Brisbane في أستراليا وأنا أتكلم بلكنة استرالية· سأنتظر وأقلد برنارد· إنه انكليزي، كلهم أنكليز· أبو سوزان قسيس، رودا ليس لها أب، برنارد ونيفيل من أبناء الذوات، جيني تعيش مع جدتها في لندن، إنهم الآن يضعون أقلامهم في أفواههم، يمصونها· الآن يدعكون دفاترهم ويتلصصون بأنظارهم نحو الآنسة هدسون، يعدون الأزرار البنفسجية في ردائها· برنارد في شعره جذاذة خشب، سوزان في عينيها سيماء حمراء· كلتاهما محتقنة احمراراً· لكن أنا شاحب؛ أنا أنيق، والبنطلون القصير الواسع المزموم عند الركبة الذي أرتديه مشدود بحزام ذي حية نحاسية· إني أعرف الدرس عن ظهر قلب· إني أعرف أكثر مما سيعرفون على الإطلاق· أعرف في النحو دروسي عن الحال والتذكير والتأنيث؛ بوسعي أن أعرف كل شيء في الدنيا إذا شئت· لكني لا أرغب أن أقف أمام فصل الدراسة وأتلو درسي· جذوري مظفورة الخيوط، كألياف في أصّ الأزهار، ظفراً متيناً في أرجاء العالم·