صفحة 1
لأجل أن يفرح قلبك أيتها الملكة
قطع البسكويت
أعرف طالع يومي من الخبر الأول·
واصلتُ حلاقة ذقني بينما حنان تقف بجواري حاملة المنشفة وبصرها مشدود إلى أسلوبي الاكروباتيكي في القضاء على اللحية· كان شقيقها حسن ينتظرني في المطبخ، فقد غافلتني واتصلت به لتعلمه بما حدث لنا، وادعت أنه جاء للاطمئنان على صحتي بعد أن عرف بتوجعي من القولون طوال الأسبوع الماضي· كانت حنان على استعداد لبذل أقصى خضوع لقاء ألا نتعارك، أنا وحسن، كديكين أحمقين· أخذتُ أردد أغنية إيروسية لصباح فخري، فنبهتني إلى أنني أغني وأرقص منذ نصف ساعة· أردت أن أبقيه مركونا في المطبخ مثل مكنسة ما دام يخاف على ملابسه من أثاث بيتي· قلت لها سأركل حسن على مؤخرته إذا تفوه بكلام لا يعجبني، ثم تابعت غنائي بانتشاء ثمل وبصوت مرتفع·
الوضع يشبه أن يروي إحدهم نكتة باردة ثم يتوقف ليسأل: هل سمعتها من قبل؟· بللت وجهي بكالونيا أولد سبايس لتطهير مسالكي التنفسية من رائحة الزيت المحروق التي أشاعها تنفس الجنود الأمريكان في بيتي· أظهرتُ لحسن ودا مبالغا به، ولمت حنان، وأنا أصافحه، لأنها تسببت في إثارة قلقه دون داع؛ فقال إن الأمر يستوجب القلق، وإننا جميعا ضحايا هذا الوضع المعقد· انتبه إلى أنني أوقعته، وأنه نسي أمر قولوني؛ فشد قامته وأبدى استغرابه من إهمالي المتعمد لصحتي· نصحني باستعمال كبسولات عشبية ووعد بأن يوفرها لي من مصدر موثوق به·
حسن أطول من أخته· في السادسة والثلاثين ويتمتع بمزايا تجعلني دائما في توتر· يضع عطرا روحانيا للإيحاء بالالتزام الديني مثل معظم تجار المدينة الجدد· كوّن في خريف عام 2003 ثروة من عقد صفقات لتجهيز الجيش الأمريكي ودوائر الدولة بأجهزة الكومبيوتر بالاشتراك مع ابن خالته الذي يحمل الجنسية الأمريكية· ابتعد عن أجواء الموصل متنقلا من مكان إلى آخر إثر مقاولات عدة أخذها من الأمريكان أوصلته إلى بغداد قبل أن يقضي سنة 2006 في سوريا ليعود بعدها ويدير أربعة متاجر كبيرة في شارع الجامعة·
صفحة 2
انشغلت حنان، وقد أصابتها انفعالات التباهي، بإخراج طقم الشاي الروسي الذي ادعى أبوها أنه هدية من غورباتشوف ووهبه لنا في أول زيارة قام بها إلى بيتنا· جلستُ إلى المنضدة، وأخذتُ أمضغ قطعة من الخبز دون أن أطلب من حسن تغيير حالة الوقوف التي هو عليها· قال بنبرة تهكّم انه يحسدني على استرخائي وتوقّع أنني سأعيش طويلا· الشيء الذي يحبطني دائما هو رؤية حسن دون كرش· أمسك بعقدة ربطة عنقه المارونية وتابع:
ـ لقد عادوا يا جلال من جديد· قل لي ماذا ستفعل الآن؟·
أرجعت الكرسي إلى الخلف ووضعت ساقا على ساق وقلت مع نظرة باردة:
ـ الأمريكان غادروا فجرا، وقبل قليل صحوت من النوم· لا أملك تصورا محددا· سأبلغك عندما تتكون الأفكار في رأسي·
نظر إلى حنان وأومأ لي موحيا أنه لا يريدها أن تسمع حديثنا، فطلبتُ منها أن تحضر لي علبة سجائري ثم سألته إن كانت بدلته الرمادية من منشأ تركي؟· مط شحمة أذنه بسبابته وإبهامه، ثم حدد بهما شاربه الخفيف الأشقر وقال وهو يخطو خطوة قصيرة:
ـ إذا كنت تستهين بحياتك وتنتظر أن يأتي أحدهم ويثقب رأسك برصاصة فهذا شأنك· افعل ما يمليه عليك جنونك لكن تأكد أننا لن ننظر إليك بإعجاب ولن نتكلم عنك كبطل أبدا·
أخذ نفسا عميقا ودار حول المنضدة ليواجهني:
ـ أنا مستعد لتنفيذ ما تراه يحل هذه الأزمة· إذا رغبت بالانتقال إلى مسكن آخر، سأوفره لك فورا· وإذا رغبت بالخروج من العراق، فسأنقلك إلى أي بلد تريد· المهم إنهاء مسألة ملاحقة الأمريكان لك·
شكرته، إلا أنه استمر بتجميل عرضه طالبا أن أعد الأمر بداية تفاهم جديد، وأنه في حال قبولي الذهاب إلى سوريا فسيوفر لي العمل والسكن، وأن هناك حاجة فعلية لوجود شخص مثلي، قريب من العائلة، يدير تجارة الملابس·
عادت حنان بعلبة السجائر، فأشرت إليها أن تتركنا· قلت له إن الأمريكان انسحبوا بسرعة هذه المرة، ومن الحكمة عدم المبالغة في تقييم الأمر· وجدته يضحك بتكلف وهو يخبرني أنهم ما جاءوا بمهمة تفتيش عادية· وأن علي أن أكون واقعيا، وقال، ممعنا في استفزازي، أنهم استطلعوا المكان ليس إلا، وأنهم سيعودون مجددا· اتخذ مظهرا جادا وواصل كلامه بعد أن استند بكفه على المنضدة:
صفحة 3
ـ أخي عمار يريد أن نأخذ حنان والأولاد ريثما تجد الحل المناسب· لستُ مع هذا مطلقا ولكن أرى أن من الضروري أن تعطي الانطباع بأنك تبذل جهدا من أجل ألا يلحق الأذى بك وبعائلتك· أنت تعتقد أننا نريد التحكم بحياتك وهذا غير صحيح· نحن بعلاقاتنا الواسعة نوفر الحماية لك ولأختنا· لا تزعل مني ولكن عليك أن تقدّر الموقف· نحن ندفع نقودا حلوة من أجل ضمان سلامتنا· تحركاتك هنا وهناك مؤمنة رغم أننا لا نؤمن أن مهنتك تستحق كل هذا· ما نقوم به قد لا تكون له قيمة تذكر إذا وصل الأمر إلى الأمريكان· النقود قد لا تنفع في موقف كهذا·
غرست بين عينيه مسمارا بطول سبعة إنش:
ـ هذا غير صحيح· أنت وإخوتك تدفعون المال للتعبير عن الولاء·
تضاربت نظراتنا وبدا غير متيقن من قصدي· عدت لأقول موجها إليه سبابتي:
ـ أنا لا أحتاج حمايتك·
ـ أنت على قيد الحياة بسبب سخاء عائلة الهدوان· جلوسك ها هنا مدفوع الثمن·
ـ لم أطلب منكم هذا وأعتقد أن مصروفات بقائي على قيد الحياة أنا من يدفعها· أنا من اشترى البيض والجبن والخبز ومربى الجزر· اتركوني أموت بعاري يا حسن· قل لعمار هذا· قل له إنني أريد أن أموت بعار الخيانة·
نقر بإصبعه على المنضدة وقال:
ـ أنت صديقي قبل أن تكون زوج أختي· ربما عمار يتحكم بأشياء كثيرة ولكنك تعرف أنني أقدرك واحترمك·
ـ ستقعان أنت وعمار في المزيد من الإحراج بسببي لذا لا تسرفا في حمايتي ووفرا نقودكما· أنا لن أشارك في غسيل الأموال الذي تقومان به مع ابن خالتكما خالد وزوجته الأمريكية، ولن أستطيع أن أربي لحية شبيهة بلحية عمار، ولا أملك المال كي أذهب مثلكما كل عام إلى العمرة· أما حنان فهي حرة· لن أعترض إذا ما اختارت أن تذهب معكما·
أكلتُ المزيد من الخبز مفتعلا التلذذ· أعتقد أنه نطق بكل ما جهز نفسه لقوله· شد قامته ونادى على أخته· كثيرا ما تحزنني تلك الحوارات والهمسات الجانبية التي تجريها حنان مع إخوتها وأجدها تنم عن عدم انتماء لي· تظهر لهفة وتشبثا فيهما غدر· ألصقت على وجهي ابتسامة بلهاء بينما حنان ترجوه أن يبقى ليأكل من كعكها·
صفحة 4
أكثر ما أغاظني أن الأمريكان دمروا قمصاني المكوية· لم يستغرق الأمر أكثر من ساعة ونصف إلا أنهم نفذوا الاقتحام بطريقة هجومية وعبثوا بغرفة نومي مخلفين الدمار الذي تتطلبه التعاسة· كانوا ثلاثة جنود جدد جاءت بهم عربة STRIKER مدرعة بالطين في الساعة الثانية والنصف فجرا لتأدية واجب مراقبة سرعان ما تراجعوا عنه بابتسامات معتذرة· هكذا ببساطة يمكن أن أقع في مصيبة غير منتظرة· بدت غرفة النوم شديدة البرودة ومغبرة· كانوا قد أعادوا السرير إلى مكانه بطريقة سيئة وتركوا لوح الهيكل الأيسر غير مربوط· شاهدت الستارة الخضراء متهدلة من طرفها وعالقة بمقبض الشباك· وجدت غلاف رواية موبي ديك وقد قطع طوليا بأداة حادة، ويبدو أنهم استخدموا الكتاب كقاعدة لشيء ما فقد ظهرت دائرة مقعرة في وسطه· ملابسي رأيتها مكومة في الدولاب ومطعونة بسكين، وثمة دبابيس كنت أحتفظ بها في درج الكوميدينو وجدتها متناثرة على الأرض وقد سحقت علبتها·
ارتديت ملابسي في غرفة المعيشة وجهزت حقيبتي· انتشلت أوراقي من حقيبة الأمومة الأسفنجية ورزمتها بجورب مأتمي طويل· كانت حنان قد أفرغت في لحظة خاطفة الكوميدينو الخاص بي حيث توجد بيانات الجيش الأمريكي، ودفاتر ملاحظات تضم تخطيطات أولية لقصص إخبارية، ومغلف يحتوي معلومات مفصلة عن الفرقة العاملة في الموصل، وهو إصدار تذكاري وزع على العاملين في مبنى المحافظة، وأخذته من مدير الإعلام لقاء علبة سجائر· لا أدري متى فعلت حنان هذا ولكنها كانت سريعة ومتحكمة بذاكرتها حتى إنها نظفت جيوبي من بطاقات التعريف الكاذبة والهويات المزورة التي استخدمها لخداع نقاط التفتيش ورجال أمن مبنى المحافظة·
جلست بانكماش منكسر إلى منضدة الطعام في المطبخ· التهمتُ بيضتي المسلوقة، وأكلتُ مربى الجزر التي أحبها، وأخذت أشرب الشاي في جو مفرغ من الثقة، متجاهلا الكعك الذي بدا محمصا وقوي الرائحة· كانت حنان قد عقصت شعرها على شكل ذيل، وبدت ملامحها الدقيقة أكثر انتعاشا· اكتفت بالجبن الأصفر ولم تقل أكثر من عبارات إرشادية، واستشارات تخص طعام الغداء متجنبة النظر في عيني رغم أنني تعمدت استدراجها كثيرا·
صفحة 5
سألتها:
ـ هل صعدت إلى الأعلى؟·
أجابت وهي تصب الشاي لنفسها:
ـ لم يفعلوا الشيء الكثير· هل رأيت الحمّام؟·
سارعتُ إلى إخبارها أنهم مزقوا البنطلون الجديد بسكين وتجاهلت سؤالها·
ـ سجله في قائمة الأضرار· هذه المرة يجب أن تجعلهم يدفعوا لنا· عليك أن تعد قائمة بخسائرنا ولا تهمل شيئا·إذا كانوا لا يخجلون من استخدام ملابسك الداخلية في تنظيف أحذيتهم فعليك أنت أيضا ألا تخجل من تغريمهم أثمانها·
أكدت لها بأنني سأفعل ذلك، واستغربت اللامبالاة الأمريكية أمام الأضرار التي يحدثونها والمبالغ الضخمة التي ينفقونها كتعويضات· قالت بأنه جيش مسرف، وأظهرت مكرا وهي تبالغ بتحريك فكها·
سألتها وأنا أدفع باتجاهها كوب غورباتشوف:
ـ هل تريدين الذهاب إلى بيت أهلك؟·
ـ سأذهب لنقل أغراضنا·
في العادة هي تتوتر متى ما رأتني وديعا ومتعاونا· قلت دون أن أنظر إليها:
ـ يبدو أنك سمعت ما قلناه أنا وحسن·
حافظت على استقامة ظهرها وثبات رأسها وقالت:
ـ خفت أن تتشاجرا، فبقيت قريبة، وهذا الأمر لا علاقة له بكما، فأنا أخاف على بيتي·
ـ مادمنا سنطبق نظام التعويضات فليس هناك حاجة لنقل أي شيء إلى بيت أهلك·
أعلمتها بخط سيري وتقديراتي حول الوقت الذي احتاجه لإتمام عملي· لم يشجعها هذا على انتقاد سلوكي مع أخيها؛ فقلت واصفا فترة الصباح بأنها مقدمة كئيبة ليوم مزدحم بالانفجارات، والقتلى، والأخبار الحزينة· وأن من يريد أن يحدثني بشيء مهم عليه أن يختار موعد بدء حظر التجوال المسائي لأنه الوقت الذي يخف فيه تشاؤمي·
صفحة 6
تقلباتي العاطفية تزيد من احتقان علاقتي بهذه الأسرة، فندمي المتكرر كان يعمق في حنان قناعة بطلان ادعاءاتي· ولأن قطر الحياة في هذه المدينة أضيق من عنق قنينة كوكا كولا والشوارع غير كافية؛ فإنني في كل يوم ألاقي واحدا ينتمي إلى أغصان عائلة الهدوان سريعة التفريخ· كلهم لا يبادرون إلى إلقاء التحية، ويتظاهرون بعدم الانتباه· إنهم يتشابهون كقطع بسكويت العلبة الواحدة وجميعهم ينظرون إلى مهنتي باحتقار· حتى حنان تميل إلى أنني قد لا أكون الضمان الراسخ لحياتها· واكتشافي أنها أخذت من إخوتها حصتها من ميراث أبيها دون أن تعلمني، وأنها تحتفظ في البنك برصيد كبير يجعلني أنفر من طيبتي الحمارية·
لعقت شفتها العليا وقالت:
ـ الأمريكان سيعودون مجددا وعليك أن تكون مدركا لخطورة أن تتعرض حياتنا لتهديد كهذا·
سألتها إن كانت تريدني أن أحمل السلاح وأطلق النار عليهم؟· سحبت حمالة صدرها، وعدلت من وضع ثديها الأيسر وردت:
ـ استعمل عقلك· أقصد أنك تستطيع أن تستغل معارفك للوصول إلى المسؤولين في مجلس المحافظة· دعك من كلام حسن· عليك أن تبحث لنا عن شخص يقدر على منع الأمريكان من المجيء مرة أخرى·
ـ جورج بوش وحده من يقدر على فعل ذلك·
ـ كف عن السخرية·
ـ أين دماغك؟·· البلد محتل ولا يوجد من يجرؤ على أن يتنفس أمام جندي أمريكي·
شبكت أصابعها تحت ذقنها وقالت:
ـ تكلم مع رامسفيلد·
ـ ما رأيك بكوندليزا رايس؟· إنها أقوى وقادرة على إخصاء أكبر شارب·
ـ أنا لا أمزح· الرجل يأتي كل شهر تقريبا وأنت صحفي وتعمل لمصلحة جريدة بغدادية مرموقة، ويمكنك بسهولة أن تقابله في زيارة من الزيارات التي يقوم بها إلى الموصل· لماذا تستهين بنفسك·
ـ على عيني ورأسي ولكن هذا يكلفني حياتي· إذا كنتُ لا أتمكن من الاتصال تلفونيا بقائد شرطتنا خوفا من أن يغتالني احدهم فكيف أجرؤ على مقابلة وزير الدفاع الأمريكي؟·
ـ يبدو أن شجاعتك لا تظهر إلا أمام أخي حسن·
عادت لتقول مخففة من وقع كلامها:
ـ استخدم الأسلوب الذي تستعمله في عملك·
قلت بجدية:
ـ توجد كتيبة من الأصدقاء يمدون لي العون في الحصول على المعلومات· إنهم يساعدونني لأنهم يعتقدون أنني لا أنتمي إلى عالمهم الرتيب، وأنني بهذه المخاطرة وهذه الأحلام المجنونة أحقق لهم مشاركة مثيرة تكسر حاجز الخوف الذي يتلبسهم· إنه نوع من إشباع الفضول· كما أن الأخ حسن يدفع المال كي يؤمن لي الطريق، وخالتي فطومة تساعدني في إحصاء صواريخ الكاتيوشا التي تسقط على المطار، وفي مبنى المحافظة هناك من يعتقد أنه أبرم صفقة مربحة معي أقوم فيها بتقديم صورة سياسية نظيفة لقاء ضمان سرية تحركاتي· كما ترين أنا لست الصحفي الشجاع والمرموق الذي يمكن له مقابلة رامسفيلد متى أراد·
بالغت حنان مجددا بتحريك فكها وكأنني كلمت حائطا·
صفحة 7
رسالة توفيق
أخذتُ مناسك من بيت خالتها سعدية في محلة الشيخ أبو العلا، وتوغلنا في أزقة ضيقة لنختصر الطريق إلى صيدلية بلسم في شارع السرجخانة، وهو المكان الذي اختارته امرأة تدعى سندس كي تلتقيني فيه وتسلمني رسالة تحملها من توفيق الحداد·
خمنتُ أن دقتي البصرية يمكن لها تحصيل استنتاجات إضافية لذلك رفضتُ أن تنوب مناسك عني وتحملتُ شتائمها وهي تركل ما تصادفه من مكورات· كانت المدينة القديمة تجعلني أسامح قباحة ذوقها في انتقاء ملابسها التنكرية، وأتجاهل طريقة مشيتها، واستفزازات عدم تحسسها الروائح البشرية المقيتة· أحببت فكرتها عن التأمين على حياتنا بأن نعقد اجتماعاتنا في الأزقة ونحن نمشي· كانت أحياء باب لكش، والميدان، والرابعية، والخاتونية، محصنة بفقرها واختناقاتها، وخارجة عن مديات قنص الموت، وكنا نقطع مسافات طويلة بأقدام متوجعة ونحن نراجع خطط العمل ونتخذ قراراتنا بما تشيعه فينا الأبواب المفتوحة·
استولت مناسك على كل الأعمال التي لا يستوعبها وقتي وأظهرت، اعتمادا على ليونتها وموهبة فضولها الشعبي، براعة في جعل الأمر يبدو كنشاط سكرتاري يخضع لقانون الطوارئ· كانت تفتح بريدي الالكتروني وتتولى بنفسها، دون الرجوع إلي، الرد على ما تعتقد أنها توجيهات حمقاء من هيئة تحرير الجريدة، وتعقد صفقات تبادل المعلومات مع مراسلي القنوات الفضائية، وترسل انتقادات لاذعة، وشتائم رجالية إلى مراكز إعلامية تابعة للجيش الأمريكي عبر إيميلات مختلقة، تستخدمها لمرة واحدة، وتقول عن ذلك إنه تنفيس عن غل ما قبل الموت· كانت تعرف كيف ترضي نزعتي الكلاس، وتدرك أنني أقدّر لها تضحياتها في أن تكون مختلفة تماما عن كل نساء الموصل· تجتهد في أن تكون لينة مثل أخيلتي ومستعدة في كل لحظة للإيمان بما أفكر· لديها حس عميق بالتباهي، توجهه لذاتها، وكأنها تقف أمام مرآة· تنتشي بإلهام التوهج العارض فتبدو، ونحن بين الناس، منفصلة عن العالم ومأخوذة بزهوها الباطني، وكأن الكون كله موسيقى· تتفقدني حواسها بين لحظة وأخرى، وحين تغالي، بحكم العمل والاندماج بالحياة اليومية، في أن تكون مثل النساء المحافظات، أجدها ترتد إلى وجودي، وتستعمل حكمتها الأنثوية وطاقتها الإغوائية كي تستعيدني بسرعة· كانت ترفض اعتراضي على عبوديتها العاطفية، وترى أنني واقع تحت قهر تسلط حنان وعائلتها، وأن علي أن أتمتع بأنوثتها الذليلة كي آخذ حقي من الدنيا· تنتهز شرودي المهني لتحمل عني محفظة أوراقي وموبايلي وعلبة سجائري وهي مبتهجة، وقلبها بحجم بطيخة لإيمانها المطلق أن المرأة خلقت لمناهضة شراسة الحياة والرجل ليروح عن بيضتيه· عملنا معا في مبنى واحد· أنا في التلفزيون أعد النشرات الإخبارية وهي في الإذاعة تترجم مقتطفات مما أعده لتقرأه في نشرة منتصف النهار باللغة الانكليزية· تركنا العمل معا هربا من القصف اليومي الذي يتعرض له المبنى بقذائف الهاون، وتمكنتُ من إيجاد مكان لها في صحيفة مستقبل العراق الأسبوعية قبل أن أستعين بها في عملي مع صحيفة الغد البغدادية·
صفحة 8
أعلمتني مناسك أنها تحتفظ لي بمغلف يحتوي ترجمتها لمقالة بوب وودورد الأخيرة المنشورة في الواشنطن بوست، وقائمة بأسماء سبع منظمات مجتمع مدني تقول عنها هيئة تحرير الغد إنها منظمات حقيقية تستحق الإشادة، وأبلغتني أنها تلقت اتصالا من الميجر ويمبر بروس يدعوها إلى حضور مراسيم تسليم خمسين ألف كتاب إلى جامعة الموصل كان ويمبر قد جمعها من لويزيانا كهدايا من الشعب الأمريكي·
طلبت منها، ونحن نقطع آخر زقاق يتصل بالشارع العام، أن تقف على الرصيف المقابل، وأن تراقبني وتتصل بإبراهيم توسان إذا ما تعرضت للاختطاف أو لمحت شيئا مريبا· رفعت مناسك حقيبة يدها إلى مستوى صدري وأرتني مسدسا صغيرا يستقر في عمقها، وقالت إن به أربع رصاصات ستطلقها في قلب من يلمسني·
كنت أعرف أن الرسالة لها صلة بأخي كمال فقد استغرق إيصال المعلومة قرابة شهر عن طريق نرمين، شقيقة توفيق الحداد، التي لـمّحت، عبر اتصالات هاتفية عدة من حلب، إلى أن أخي كمال بات صديقا مقربا لعائلة الحداد، وأنه أمضى شهرين في العاصمة الألمانية، وأن نسرين زوجة كمال أنجبت ابنها الثاني هناك· وأرسلت لي نرمين صورا مفعمة بالحفاوة، على بريدي الالكتروني، يظهر كمال، في إحداها، وذراعه على كتف توفيق وهما يقفان أمام جدارية آشورية من ممتلكات متحف برلين·
لم تكن علاقة كمال وتوفيق وليدة هجرتهما إلى ألمانيا، فبعد مرور خمس سنوات على مغادرة توفيق البلاد إلى تركيا بطريقة غير مشروعة، عاد إلى العراق عام 2001 ليستقر في مدينة زاخو بصفته وكيلا لشركة سورية لبنانية متخصصة بالصناعات الدوائية، وفي تلك السنة كان واضحا أن كمال على صلة قوية بصديق طفولتي، وأنهما يتاجران معا بأشياء كثيرة، ومصالحهما متعاقدة بشكل وثيق· كان كمال وقتها قد صار مديرا لمفتشية آثار الموصل، بعد أن قضى سنوات يعمل ضمن لجنة عالية التفويض مهمتها الكشف على مواقع اختيرت لتكون قصورا ومنتجعات رئاسية· يقود مجموعة من الحفارين مهمتهم التنقيب في الأراضي قبل الشروع بالبناء، وينقل إلى ديوان رئاسة الجمهورية قطعا آثارية جعلته يعاني الصدمة طوال عام قبل أن تخف انفعالاته وينشغل ببناء بيت أحلامه على مساحة ألف متر من أرض مملوكة للمفتشية، وتطل على منطقة الغابات السياحية· لقاء كمال وتوفيق الأول كان في عمّان عام 1998· جمعتهما المصادفة في فندق ماريوت حين كان شقيقي موفدا لحضور مؤتمر ترعاه اليونسكو وقد نقل لي رسالة من توفيق يشرح فيها ما وقع له ولأسرته في تركيا واليونان، قبل أن يستقر بهم المقام في سوريا ويستثمر علاقات والدته اللبنانية في العمل في المجال الدوائي، ويرتبط بمشاريع استثمارية مع الأكراد· حذرني كمال من الاتصال بتوفيق وأخبرني أنه لولا علاقته الطيبة بضابط المخابرات المرافق للوفد والمتنكر بصفة أكاديمية لما جازف من أجل صداقة صبيانية كهذه· أرشدني توفيق، في رسالته، إلى كيفية مغادرة العراق، موحيا بضمانات نجاح مؤكدة، ولكنني وقتها كنت مصدوما بالصورة الجديدة للصديق العتيق، والتي لا تتوافق مع ذلك الذي عاصر عثراتي الدراسية كلها، وكان المرشد العاطفي في كل أوهامي المبكرة· بعدها بسنتين أصر كمال أن أتزوج حنان ابنة سفير سابق في زمن الرئيس أحمد حسن البكر، وكانت تلك صفقته الكبرى في سلسلة من الارتباطات مع ضباط كبار في الجيش جعلتنا، نحن الأسرة التي تعيش بخيرات كمال، نمتثل للمتغيرات الجديدة ونتبع نزواته التوسعية التي أثمرت عن إنقاذ أختي ماجدة من تعاسة عنوستها، غير أن عام 2003 شهد مفاجأة لا تقل حجما عن رؤية الأمريكان في الشوارع وهي وصول توفيق إلى الموصل، عشية استسلامها، ونزوله ضيفا في بيت أسرتنا·
صفحة 9
لم يستغرق الأمر مع السيدة سندس أكثر من دقيقتين فقد ترجلت من سيارة نوع بي· أم· دبليو سوداء وتوجهت نحوي مباشرة· كانت أربعينية ولكنها بأنوثة ممغنطة، ترتدي تيورا بنفسجيا وتضع عطرا غاليا· كانت تعرف أنها لا تناسب الشارع ووجودها يتعارض مع كآبة التراث فقالت إنها ستلتقيني في موعد آخر، وإنها يجب أن تنجز هذا قبل أن تنقلب الدنيا، وأعطتني حقيبة زرقاء من الكتان عليها ماركة زلاطيمو للحلويات وسلمتني مغلفا مذهبا·
سألتني مناسك وهي تلقي نظرة على محتويات الحقيبة إن كنت قد خرجت باستنتاجات أخرى غير الأدوية ومقويات OMEGA 3 وعلبة حلويات QUALITY STREET؟·
فتحت الرسالة ثم قلت لها ما إن انتهيت من القراءة:
ـ نعم ·· إنهم يريدون قلادة الملكة شمشو·
سوق باب الجسر كان منتعشا، وفي الأجواء غيمة سوداء أسقطت ظلا على الأبنية العتيقة، فبدت منارة جامع الأغوات ندية الانحناء وبارزة العروق· هاجمتني تيارات هوائية باردة من جهة الكورنيش الذي كان مختنقا بالسيارات وعربات الحمالين· انعطفت متعمقا في سوق السراي وأنا أتحرك بين بسطات الباعة متجنبا برك الوحل بحثا عن منفذ يوصلني إلى دكاكين المواد الغذائية·
وجدت إبراهيم توسان يضرب على آلة حاسبة وبجواره تجلس امرأة عجوز بيضاء مطموسة الشفتين تشد رأسها بعصابة زرقاء، على طريقة مسيحيات القرى الشرقية، تتفحص بضاعة اشترتها وتدقق في قطعة من الورق المقوى· أشار لي أن أصعد· تسلقت السلم الحديدي نحو المخزن العلوي بينما العجوز تحلف بمحمد معترضة على الحساب، وإبراهيم يرد عليها باللغة السورثية حالفا بروح المسيح·
رأيت يوسف وفتحي وقد جلسا متجاورين كثورين مجنحين· السقف المنخفض يوحي بالكآبة بينما الهواء الراكد يصبغهما بالزرقة· كانا بعمر متقارب إلا أن يوسف يبدو، بوجهه المتيبس، أكثر توغلا في الخمسين· ضرب فتحي كرشه معاينا انتفاخه المعوي المزمن وسألني عن الذي أنجزته من مشروع قصر بني؛ فأخبرته أن الترميمات اكتملت، وأن عليه إضافة ثلاثة ملايين دينار على الميزانية المقررة للديكور· نهض يوسف بحذر نافضا يديه فبدا لي مثل قنفذ استشعر الخطر· تمعن في وجهي قبل أن يضبط نغمة صوته الموشحي، قائلا بأنه اطلع على تقريري الأخير وهو مقتنع أن مكتبة بانيبال يجب أن تحوز على رعاية فخمة· خنق فتحي ضحكته فتابع يوسف قائلا إنه يقصد أن مجلس الأمناء أجمع على هذا الرأي، وقرر أن يتم دفع إيجار المكتبة مدة عام، والاكتفاء باستيراد الكتب من بيروت، مع تأجيل البت في مشروع فتح مكتبة جديدة إلى العام المقبل·
صفحة 10
حاولت الدفاع عن فكرتي موضحا أن هوية شارع الدواسة ثقافية، والشارع فقد في السنوات الأخيرة كل مكتباته وبانيبال هي الأخيرة، ونحن بحاجة إلى مكتبتين إضافيتين· تدخل فتحي قائلا بأن بانيبال كبيرة المساحة، وتقع في منتصف الشارع، وإذا استوردنا الكتب وقدمناها إلى صاحب المكتبة دون مقابل مع دفع الإيجار فإن ذلك سيكون كافيا·
لم أخف خيبتي· حاولت إفهامهما أن بانيبال متخصصة ببيع الكتب القديمة، وأن فتح مكتبة بمواصفات حديثة في الشارع هو التحدي الأكبر·
نظرا إلى بعضهما ثم قال يوسف:
ـ لقد تمت الموافقة على تخصيص مبلغ ثمانية آلاف دولار لاستيراد الكتب·
سألته:
ـ وماذا عن سينما الأندلس؟
رد فتحي:
ـ أعتقد أن السيد صافي يريد التريث قليلا فمشروع السينما ليس بأهمية مشاريع أخرى نعمل على تنفيذها· إنها قضية حساسة ونحن لا نريد تعريض أرواح الناس للخطر·
ـ يبدو أن السيد صافي لم يقرأ التقرير· ما علاقة أرواح الناس بما كتبته؟ إنهم يريدون تحويل مبنى السينما إلى مخازن· وعلينا أن نمنع هذا·
قال يوسف:
ـ إنه أمر وقتي فما إن يزول العنف حتى تعود السينمات إلى الحياة من جديد·
وددت أن ألكمه في عينه:
ـ هل سمعت يوما أن شيئا في بلادنا عاد كما كان؟
نهض فتحي· أوقفه أنين الأرضية الخشبية بعد خطوة واحدة· حضوره يشعرني بالطمأنينة، لكنني أجده اتكاليا، ويسعى بسرعة إلى الخلاص من الأثقال بأي طريقة كانت· ويوسف هو الآخر أراه يفتقد إلى العمق· يمتلك موهبة مراقب بلدية، ولا يصلح أن يكون عضوا في منظمتنا السرية·