صفحة 1
استهلال
هذا العمل مستل من مخطوطة سلالة الطين، وهي سيرة ذاتية، غير منشورة، بسبب فصولها الأخيرة التي أتت على تفاصيل محنة طويلة مررت بها، والظروف غير مواتية لنشرها الآن·
ومع أن سياق هذا العمل يندرج في أسلوب أدب السيرة كما هو واضح من السطر الأول منه، إلا أن ما يرد فيه يركز على ما خبرته شخصياً من عملي في الديوان الملكي في بغداد في 7 5 9 1 - 8 5 9 1، وتتجلّى في طياته صورة قلمية للأمير عبدالإله كما رأيتها من خلال العمل·
وبعد أن صدر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب أكاديمي بعنوان: الأمير عبدالإله / 9 3 9 1 - 8 5 9 1 للباحث الدكتور عبدالهادي الخماسي، وهو بالأصل أطروحة دكتوراه نال عليها الباحث درجته العلمية بامتياز من جامعة بغداد، آثرت أن أنشر هذا القسم بالذات من سلالة الطين لأنه بنظري يكمل ذلك البحث·
ولعل من المفيد أن أذكر أنني حين كتبت هذا القسم لم أكن أدون تاريخاً سياسياً كاملاً لما شهدته من أحداث أيامئذٍ، وإنما حاولت فيه رسم ملامح إنسانية للأميرعبدالإله قد تكون خافية على الكثيرين·
هذا فضلاً عن أن هذا القسم يدحض ضمناً التخرّصات التي رمينا بها بدون وجه حق في ظرفٍ ليس هذا مجال الخوض فيه·
ع · ع·
تموز 1 0 0 2
صفحة 2
المقدمة
من القواعد الذهبية في قراءة التاريخ، أننا كلما ابتعدنا عن زمن وقوع الحَدَث، كلما تسنّى لنا النظر اليه ببرودة أكثر وعقلانية أكبر·
لقد أتاح لي الاستاذ عطا عبدالوهاب مجال الاطلاع على الصورة القلمية التي رسمها للأمير عبدالآله، من معين معرفةٍ شخصية وثيقة، استمرت نحو عامين· ألفيتُ صورةً عميقة التقاطيع، تنبض بالحيوية والحياة، نتعرّف من خلالها على شخصية رجل كان صاحب المقام الأول في نظام الحكم، وصياً على عرش العراق، ثم ولياً لعهد مليكه فيصل الثاني، لفترة تقارب عشرين عاماً· هذه الصورة ليست تاريخاً، إلا أنها ترفد التاريخ وتلقى أضواء ساطعة على جوانب منه، وتساعدنا على مزيد من الفهم، وبخاصة لأن الكاتب روى ما شاهد وما عرف، بأمانة وتجرّد، مروراً بالجوانب الايجابية، وعدم اهمال للجوانب السلبية·
على خلفية هذه الصورة، أراني أحاول النظر إلى شخصية عبدالآلة، في نظاق المؤثرات الفاعلة التي تركت بصماتها في تكوين تلك الشخصية·
وحيد والديه بين أربع بنات· الأم ابنة عم زوجها، وكلاهما لم يُتح له مجال الخروج من الدائرة التقليدية للأسرة الهاشمية· كان والده، الملك علي، أقل اخوانه اطلاعاً على أحوال العالم ومعرفةً به· شقيقاه عبدالله وفيصل كانا عضوين في مجلس المبعوثان في استانبول، وقد اتسعت ثقافتهما في التردّد على القاهرة ودمشق· كلاهما خاض معارك الحرب في نجد وعسير· كلاهما خاض تجارب سياسية وعرف الأحزاب والحزبيين، بينما بقي علي منزوياً، يتبحر في علوم الدين، ولا يخوض كثيراً في أمور الدنيا· في نطاق هذه الأسرة المحافظة، نشأ عبدالآله محاطاً بالعناية الفائقة والتدليل·
تفتّح وعيه في ظل جدّه الحسين الكبير، زعيم الثورة العربية الكبرى، وحامل لواء القومية، وصاحب الطموحات الكبيرة في بعث أمة العرب وقيام الدولة القوية القادرة على أن تخلف الدولة العثمانية في المشرق· ولكن هذه الصورة الزاهية لا تلبث أن تتهاوى وتنهار، على حين غرّة، يوم شاهد الصغير عبد الآله، جدّه العظيم يغادر عاصمة ملكه، كسير الجناح· وتُلقى على كاهل أبيه ــ علي ــ أعباء الدفاع عن مملكة لا تملك من مقومات الثبات الا القليل القليل· وبعد سنة يُضطر الملك علي إلى الرحيل عن الحجاز، ويلجأ مع أسرته إلى العراق، يعيش في المنفى إلى جانب أخيه فيصل، في وقت كان المنقذ الأكبر يمضي سنواته الأخيرة منفياً في قبرص· هذه النشأة المضطربة، وما رافقها من دراسة غير منتظمة، تركت بصماتها في نفس عبدالآله، وهو يجتاز سنوات الصبى إلى مرحلة الشباب·
ويتولى غازي، ابن عمه فيصل، سدّة الملك، بينما يبقى هو، وريث التاريخ الضخم، والطموحات الواسعة، بعيداً عن دائرة النفوذ· حقاً، أصبحت شقيقته عالية، ملكةً للعراق، ولكن غازي، الملك وصاحب السلطة، لم يعره اهتماماً خاصاً·
ومضت سبع سنوات· وعلى حين غرّة تدخّل القدر مرة أخرى· فقد لقي غازي حتفه ذات ليلة، عندما ارتطمت سيارته بعمود كهرباء· وفي ساعات معدودة، تلفّت عبدالآله حواليه، ليجد نفسه وصياً على عرش العراق· فيا لها من مفارقة مذهلة، أن ينتقل في غمضة عين، من عتمة الظلال الداكنة إلى دائرة ضوء ساطعة يبهر ضياؤها الأبصار·
في موقع المسؤولية، موقع القوة والنفوذ، حيث يتطلع الآخرون اليك كي تقول: نعم، أو تقول: لا، اغراءٌ ومتعةٌ لا حدود لها· ورويداً رويداً يزداد الشعور بحضور الذات وأهميتها· فلا عجب أن يستمتع عبدالآله بما أخذ يملك من قوة ومكانة· الا تحمل الصور التي نُشرت له وهو يرتدي البزّة الرسمية البيضاء، ذات الأشرطة البرّاقة، والخوذة العالية ذات الريش المزركش - دليلاً على الزهو والاعتلاء؟
ولكن كان هناك جانب آخر لا بريق فيه· يحدثنا المؤلف عن غمٍّ يشبه السوداوية، كان يبدو أحياناً على قسمات وجه الأمير· ذلك الجانب كان راسخاً في أعماق النفس· الحسرة على الملك الضائع في الحجاز، الزيجات الثلاث دون أبناء وبنات· من يصدق أن عبدالآله كان لا يريد الانجاب؟ ثم فوق هذا وذاك: القلق من المستقبل، مستقبله الشخصي· عشرون عاماً وهو يتمتع بالسلطة، وبما تحمل السلطة من امتيازات· وها هو فيصل قد شبّ عن الطوق وأصبح ملكاً· وها هو يوشك أن يتزوج، ولن يلبث أن ينجب ولياً للعهد· وماذا بشأنه هو؟ أيعود إلى الفراغ، إلى الظلال الداكنة، مرة أخرى؟·
صفحة 3
وعندما نلقي نظرة شاملة عريضة على سيرة حياة عبدالآله، وصياً على العرش، ثم ولياً للعهد، فإننا نلقي تلك النظرة وفي الذهن مقولة الاستاذ عطا: إن فيصل الأول كان مثله الأعلى· ثم لا نلبث أن نتساءل: هل هناك وجه للمقارنة بينه وبين عمه فيصل؟
هناك محطات فاصلة في حياة عبدالآله السياسية· من أهم تلك المحطات عودته مع نوري السعيد وعدد من أركان العهد الملكي الأوائل، إلى بغداد، في أيار 1 4 9 1· هل يختلف اثنان في أن تلك العودة تحققت، نتيجة حملةٍ عسكرية شنتها بريطانيا على بغداد، من البصرة جنوباً ومن الحبانية شرقاً؟ كان يجدر بعبد الآله، ونوري ومن معهما، أن ينعموا النظر ويطيلوا التأمل في رؤية الوقائع الأساسية، الوقائع الماثلة في أذهان العراقيين· كانت الكراهية للانكليز في نفوس العراقيين عميقة الجذور، ابتداءً من ثورة 0 2 9 1 ومروراً بغرس الوطن القومي لليهود في فلسطين·
من الواضح أن ذلك الحَدَث الكبير، لم يُعالج بما يستحق من رويّة وبعد نظر· كان رشيد عالي والضباط يمثلون قضيةً ذات أهمية في نظر قطاع واسع من العراقيين· ومن هنا كان الحكم على الضباط بالاعدام، وتنفيد ذلك الحكم، خطأ سياسياً بالغ الأهمية بعيد الأثر· كم يتمنى المرأ لو أن عبد الآله جنح إلى العفو· الذين أُعدموا ــ ومن بينهم السبعاوي ــ أصبحوا شهداء في نظر جمهرة العراقيين· وقد عومل الشريف شرف بقسوة بالغة، لقاء الشهر الذي أمضاه وصياً على العرش، بديلاً لعبد الآله· أمضى أربع سنوات منفياً في روديسيا ثم أُلقي في أحد سجون بغداد، إلى أن توسط له الأمير عبدالله فانتقل الى عمان· كان يجدر بعبد الآله أن يذكر جهود الرجل في الثورة الكبرى وفي مقاومة الهجوم السعودي على الحجاز·
حدث في عام 8 6 9 1 أنني سألت الأمير زيد بن الحسين عن الأسباب الكامنة وراء انقلاب 8 5 9 1· كان الجواب بعد فيصل الأول ابتعد الحكام عن الشعب· صاروا لا يعرفون ما يريد الشعب· أعتقد أن هذا صحيح إلى حدٍ كبير (الدكتورة عصمت السعيد ــ زوجة صباح نوري السعيد ــ لم توافق على رأي الأمير زيد)· للانصاف، علينا أن لا نوجّه الملامة لعبد الآله وحده· نوري ــ بحكم تجربته الطويلة ــ أجدر بالملامة· لقد ظل وعدد من رجال فيصل الأول، يمارسون الحكم في العراق نحو أربعين عاماً متصلة· كان ذلك أمراً غير معقول وغير مقبول· ألا يأسن الماء اذا بقي راكداً؟ كان يجب تطعيم الحكم بدماء جديدة·
هناك أمر آخر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، ألا وهو الشعب العراقي· يُقال إن طقس العراق ــ الشديد الحرارة في الصيف، الشديد البرودة في الشتاء ــ يؤثر على طبيعة العراقيين· ثم ان العهد الملكي في العراق اتسم بالليونة· كثيرون اعتبروا تلك الليونة ضعفاً·
على ان الليونة تجاوزت حدودها المعقولة اذا قيست بالمسؤولية التي يتحملها الحكم· خذ مثلاً على ذلك أن باسل الكبيسي (موظف صغير في الخارجية) حاول في نيسان 8 5 9 1 أن يضع قنبلة في الطائرة الأردنية التي تقل وفداً أردنياً رفيع المستوى برئاسة رئيس الوزراء· ولكن شاء الحظ الحسن أن حدث بعض التأخير في موعد اقلاع الطائرة، فانفجرت القنبلة الموقوتة في سيارة الكبيسي نفسه· قال نوري السعيد: ليقم عبدالناصر بالتعويض عليه· وتُرك الكبيسي في وظيفته· ألم تبلغ الليونة هنا حدود الميوعة والاهمال؟ وبلغت نوري أقوال وتقارير عن لقاءات يعدّها بعض الضباط للقيام بانقلاب· وبدل أن تقوم الأجهزة المعنية بالتحقيق، اكتفى نوري بمخاطبة عبدالكريم قاسم قائلاً: أتتآمر علينا يا كروّمي؟ ونفى قاسم التهمة· ووقف الأمر عند ذلك الحد·
ثم ظهر التحدي الكبير في ظهور عبدالناصر، منادياً بالتحرر من هيمنة بريطانيا، يؤكد هذا بتأميم قناة السويس، ويتحدّى بريطانيا علانية وعلى رؤوس الأشهاد· هل نلوم العراقيين ــ الذين اكتوت قلوبهم بنار الانكليز ــ اذا ما هللّوا وكبروّا لعبد الناصر؟ هل نلومهم اذا ما نظروا بمقت وكراهية لفلسفة الحكم العراقي القائمة على السير في ركاب الانكليز؟
في سيرة حياة عبدالآله الكثير الكثير من عناصر المأساة· إلا أن المأساة المتعلقة بشخصٍ واحد، لم تكن إلا جزءاً صغيراً من المآسي التي ألمّت بالأمة العربية في القرن العشرين: مآسي التجزئة، والتمسك بها، مآسي العداوات الصغيرة والكبيرة بين أعمدة الحكم، مآسي الاجتهادات العرجاء والقرارات الهوجاء·
أخيراً ــ وليس آخراً ــ أشدّ على يدي الاستاذ عطا عبدالوهاب، اعجاباً بالصورة التي رسمها لواحدٍ من رجال التاريخ العرب· لقد برهن أنه الفنان الأديب والمفكر الطامح للتقدم والاصلاح· أشدّ على يديه للمحاولة التي يقدم عليها في نشر هذا الكتاب الجميل· وكل ما أرجوه أن يجد القارئ في صفحاته، ما وجدت من متعة وفائدة·
سليمان موسى
عمان، الأردن، أيلول 1 0 0 2
صفحة 4
1
نحن الآن في آواخر سنة 0 5 9 1· وأنا في منهاتن، قلب العالم الجديد· جئت أحمل أحلاماً كثيرة بعد أن تركت ورائي منصباً في القضاء خلّفت فيه أثراً يقال إنه كان ولم يزل حسناً· ودخلت في خدمة السلك الدبلوماسي يحدوني أمل كبير بأن أوفِّق بين أداء عملي على خير وجه وبين تلبية التوق إلى استكشاف آفاق أخرى في المعرفة والحضارة وأنماط العيش بذهن منفتح يحاول الفكاك من قيود الوسط القديم·
جئت متخفّفاً من أحمال كثيرة· فلأول مرة في حياتي أستقل مادياً، أنفق على نفسي بمالٍ أكسبه بنفسي· ولأول مرة أنظم شؤوني العاطفية، فقد وصلت متزوجاً زواج المحبة· ولأول مرة تنداح أمامي السبل المؤدية إلى تحقيق طموحاتي الفكرية، بعضها على الأقل·
وهكذا بدأنا، بتول وأنا، نخوض في تيارات الحياة الجديدة بانبهارٍ وتفاؤل وتصميم على الارتقاء بالذات إلى مستويات تكاد تكون خيالية· كان الخيال عندي مناراً يجذبني دائماً إلى سواحل حقيقية، ما أن أصل إليها حتى أكتشف أن ماكنت أسميه خيالاً ماهو إلا المسافة بين موقع قدمي اليوم وموقعها بعد غد، وما الغد إلا الزمن الذي تبذل فيه النفس جهدها· ثم ينير لي خيالي مناراً آخر يهديني إلى غدٍ جديد، قريب أو بعيد·
كان ذهابي أشبه بالهجرة· وما الهجرة ؟ إنها فعل ينجم عن شعور بالمحاصرة ينافح في الوقت ذاته فكاكاً عنها· نعم، كنت في بغداد محاصراً : محاصراً في عملي في القضاء، فالعمل في القضاء كشف لي عن مفارقات مؤسية، ولم يكن تطبيق القانون ليسهم في إزالتها فكأن النصوص قشرة باهرة تغطي لباً واهياً· كنت في زمن الفورة الوجدانية لا أقتنع بالتدرج في التطور وأردّ الفتور في نهضة المجتمع إلى تفسيرات مادية بعينها تسطرها الكتب فنصدّقها أنا وأقراني ونأخذها مأخذ القول الفصل· وأورثتني تلك القناعة اعتقاداً بأن القانون الذي أطبقه ليس مرآة صادقة لحياة الناس، فكان تطبيقي العادل للنصوص يورثني شعوراً بالزيف، وبالتفاهة، لأنني أداة على القشرة لا في اللب، بل يورثني شعوراً بالذنب لأن جهدي لايخدم إلا سفاسف الأمور· بمثل هذا التضخيم، الذي لم أكن أجده آنئذٍ مبالغاً فيه، نظرت إلى دور القاضي في بلادنا، وكانت نظرتي مناقضة لواقع الحال ومنطق الأشياء· ومن هنا المحاصرة في حياتي العملية، قاضياً لأربع سنوات·
وكنت محاصراً في منزلتي في منزل الأسرة· فقطب البيت الوحيد هو أخي الأكبر جميل، وكان رجلاً كريماً· كريماً في بذله وكريماً في رعايته وكريماً في احترام الأخوين الآخرين، زكي وأنا، دون تدخل في التوجهات الفكرية أو في العلاقات الشخصية، لابل حتى ولا في أي شيء آخر· كان البيت فردوساً يرفل بالنعم إلا من نعمة الاستقلال المادي· لم تكن هناك منّة من أحدٍ على أحد· ولكن هوسي بالاستقلال في معيشتي كان قد أحالني، بيني وبين نفسي، إلى ضيف في المنزل ينشد الاستئذان بالمغادرة· ومن هنا المحاصرة في حياتي المنزلية، يافعاً وشاباً حتى السادسة والعشرين·
صفحة 5
وكنت محاصراً في حياتي العاطفية· فزمن الأربعينات لم يكن قد انفتح بعد على شيء من العلاقات الحرة بين الجنسين، مهما كانت تلك العلاقات طبيعية، أو بريئة، أو حتى سطحية· ثم أنني كنت أفرض على نفسي مثلاً أخلاقية تجعل من الترويح تهتكاً، ومن المتعة المتسترة فجوراً ينخر في العظام، عظامي وعظام الناس· وإذا بالحب المجنح يرف من حولي، فأرخي برأسي الحائر وقلبي المعذب على رياشه المزوقة بأماني العشق والاستقرار وتحقيق الذات· ومن هنا جاءت بداية الفكاك من حصار التقشف العاطفي والتواكل المادي، وكان التغيير في مسلك عملي من القضاء إلى الخارجية كالانفجار الذي حطم أسوار الحصار الثلاثي الذي كنت فيه فكسر جميع الأغلال ·
غادرنا الوطن وأنا مشحون بفكر خاص : فكر فتحته براءة الصبا على قبول المستحيل، ووجّهته مطالعات الكتب في بواكير الشباب نحو الإيمان بالمساواة المطلقة بين الناس، مساواة ترفض نعتها بالطوباوية ولا تقر بوجود أي فارق بين بني البشر يميّز هذا عن ذاك· وكان ذلك الفكر الخاص يتأثر من حيث لايدري بمجموعة من أصدقاء التلمذة، وعلى رأسهم صديق العمر وآية الوفاء محمد زينل، وكانت تنشد الإصلاح بمفهوم تجريدي وتتلهف إلى تغيير الأوضاع، كل الأوضاع، فهي جميعاً أوضاع فاسدة، فتصب تلك المجموعة عامدةً في نهر التطرف الجارف· فكرٌ كنا ننعته بالتقدمية لأنه يؤمن بحتمية التقدم إيماناً تاماً لايأخذ بتجارب التأريخ ولايسترشد بمنطق الأشياء فهو إيمان منزّه عن الشك وعن الخطأ معاً، ولايرتضى مراجعة الذات في شيء لأنه إيمان حسم كل شيء وقعد ينتظر النتائج انتظار المطمئن لمعادلات الأرقام· فعندما ركبنا الباخرة نمخر بها أوقيانوس الأطلسي كان في ذهني تصور ثابت عن نظام الدولة التي اعتُمدتُّ للعمل فيها· ولم يكن ذلك التصور حسناً بالطبع· كان صديقي الوحيد في الباخرة ساقي الحانة الزنجي أتبادل معه أحاديث المعاناة الإنسانية لمحنة العبيد بمجتمع السحنة البيضاء ولمآسي الفقر في دنيا الأغنياء· والفقر من هواجسي التي طالما عذبتني في مطلع التفتح على الفكر التقدمي المتعصب، فكنت أغادر البيت، وكان يعدّ في الصليخ قصراً منيفاً في مقاييس تلك الأيام، لأسير وحيداً على شاطئ دجلة وهو بعد شاطئ ريفي لم تمتد إليه جعجعة العمران، أتغنى بجمال الغروب وأعنّي نفسي بما أشاهده من مظاهر الفقر في الأكواخ المتناثرة هناك، وأمنّيها، نفسي، بالمجهول الجميل·
وطئنا جزيرة منهاتن يقودنا ساقي الحانة الزنجي إلى المستقبلين من زملاء العمل، وفي الحال اُخذنا بالمدنيّة البادية في المباني والطرقات والأضواء، ولكني أنا شخصياً لم أكن مأخوذاً بها إلا على أنها قشرة فاتنة تبطن جوهراً مريضاً· ومضت الأيام دون أن تزعزع المظاهر الخلابة، اللطيفة بذاتها، شيئاً من تصوراتي الدفينة، فكنت أتعمد في البداية إخضاع ماأرى لنظريات ذلك الفكر الخاص الذي حملته معي في ذهني، عزيزاً عليّ، وأحلل ظواهر الأمور على هديه مقتنعاً بصواب التحليل مصراً على رفض المراجعة وإعادة النظر مطمئناً إلى رسوخ تصوري بشكل لايقبل الجدل·
وتمر السنين وأنا منغمس في عملي الرسمي ودراستي الخاصة ومنغمس في الحياة أيضاً، والحياة هناك واسعة الأطراف، شديدة الفتنة، كثيرة الإغراء، متعددة الجوانب، لطيفة المعاشرة كأنها حلم لايسلّم نفسه للمشتهي· ونحن نُقبل على هذه الحياة بشكل يوفّق بينها وبين العمل والدراسة، ننهل من حيوية الشباب ونرحل في مغاني تلك القارة المترامية، فنشاهد ونتأمل ونتحدث ونحلل إذ نغترف من مباهج الدنيا بملء اليدين· والتجارب تتراكم في ذهنٍ أخذ بالتدريج يقبل بمراجعة ما يختزنه من أفكار، بعد أن هدأت نزوة التطرف فيه وابتعد عن ضغوط الأصدقاء، واقترب من ملكة التفكير الموضوعي التي تبصر الأشياء كما هي دون أن تلونها نزعة المخالفة من أجل المخالفة أو لوعة التحرّق لآلام المحرومين أو متعة الإنسجام مع رأي الانشقاق، وهو في العادة رأي ينشر المخافة منه فكأنه من أدوات الإرهاب الفكرية، وطالما أدى بالمقربين من حلقته إلى إيثار السلامة ونوال الثناء، على الخصومة في الجدال وتراشق الطعون· ولاأدعي أنني في حياتي اليومية في ذلك الإطار الجديد كنت دائماً على وعي بإخضاع مشاهداتي وتجاربي إلى مطارحات فكرية· كلا· ولكن، كانت المشاهد تترى، فهي أمام الناظر اليقظ في كل مكان، تثير فيه الانتباه، فالحيرة، فالمقارنة بين واقع يراه ورأي يتشبت به؛ بين نظرية في موضع التطبيق اليومي العملي ونظرية في بطون سجّل الفلاسفة والمصلحين· كنت ألاحظ أن الديموقراطية في ذلك النظام الرئاسي تعمل بكل مؤسساتها عملاً حسناً نسبياً رغم ما في النظام من ثغرات، وصمام الأمان الواقعي من بعض آثار العيوب في تلك الديموقراطية يكمن في مبدئها الدستوري الذي يأخذ بالرقابة والتوازن بين السلطات الثلاث· وكنا نتحدث في هذا، ضمن أحاديثنا المتواصلة عن مسألة الإصلاح في العراق، نحن مجموعة الزملاء من رفاق العمل الرسمي وطلاب البعثات· ولاأنسى حديثاً لي مع الصديق طلعت الشيباني الذي كان يعد أطروحته عن الدستور العراقي في جامعة نائية وطالما التقينا في نيويورك، فقد كاشفته، وهو من أنصار الرأي التقدمي في مجموعة أصدقاء بغداد، بما أجده من تناقض بين آرائنا النظرية وما أشاهده من واقع ملموس في الحياة العملية في بلاد غربتنا· قال طلعت : أنا أيضاً اكتشفت ذلك، ولكنني لا أستطيع المصارحة به (استوزر طلعت في عهد قاسم)·
صفحة 6
كانت المقارنة بين نظم الحياة المختلفة السائدة هنا وهناك تشغل حيّزاً من الأحاديث التي تدور بين المقربين سواءً من ذوي الميول الفكرية المتقاربة أو المتباعدة· ومحور الأحاديث يدور حول سؤال معين : ماهو النظام الأصلح للعراق في الوضع الذي كان قائماً فيه؟ والمجاذبة في الآراء تجري بين ماقرأناه في الكتب من نظريات وبين مانشاهده من تطبيقات في الحياة، أو ما نسمعه عن تلك التطبيقات : بين الماركسية والديموقراطية؛ بين نظام رئاسي نشهد تطبيقاته فعلياً، وآخر پرلماني ينتشر في أورپا الغربية خاصةً، وثالث يطبق في الاتحاد السوفيتي فنقرأ عنه ونسمع ويخيّل لنا أنه النظام الأمثل لحل مشاكل الإنسان والمجتمعات والدول· وكنا قبل مغادرة الوطن نميل إلى هذا النوع الثالث من الأنظمة، ولاتكاد تشوب قناعاتنا عنه شائبة· ولكن قناعاتي أنا أخذت، بعد سنين من الإقامة، الحرة فكرياً، في خارج البلاد، تتقلقل وتتململ وتكاد تتزعزع· حدث هذا شيئاً فشيئاً إذ تتراكم المشاهدات والمقارنات، والقراءات أيضاً، فتعرض أمام الإدراك السليم صوراً جديدة لاتخطئها العين ويستسيغها الذهن فتولد بذلك جنيناً لقناعة جديدة· وذات يوم فاجأتنا صحف العالم بنشر خطاب قيل إن خروشوف ألقاه في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي· خلنا في الابتداء أن هذه خدعة من خدع الدعاية تلجأ إلى التحريف بل إلى الاختلاق سلاحاً في الحرب الباردة المحتدمة بين العملاقين· وكان الخطاب طويلاً جداً، وصريحاً جداً، كشف فيه زعيم الشيوعية الحاكم مآسي النظام في العهد الستاليني كشفاً مفصلاً ومذهلاً· ثم اتضح أن الخطاب صحيح، وبدأت آثار التصحيح تظهر في تلك البلاد فتشمل إزالة آثار ستالين نفسه· أحدث ذلك الخطاب في ذهني تأثيراًعميقاً وأدركت فيما بعد أنه كان نقطة التحول في قناعتي، وخلّفني الذهول الفكري الناجم عما كشفه الخطاب نهباً للحيرة والتساؤل وإعادة النظر· وكان موئلي الأخير في النزاهة الفكرية التي تملي على المرء قدراً غير قليل من الشجاعة ليصارح نفسه على الأقل بقناعةٍ أخرى تكاد تفرضها الأحداث فرضاً· عندئذٍ شعرت أن ذلك النظام الأمثل الذي عوّلنا عليه طويلاً فقد مركزه الأول في قائمة الأفضليات·
في عام 2 5 9 1 جاء إلى أمريكا الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله الوصي وولي العهد، وكانت زيارتهما رسمية وقيل أريد لها أن تتم قبل أن يتوج الملك في العام التالي ويتسلم سلطاته الدستورية· كنت قبل مجيئهما أحمل هماً كبيراً· فالصورة التي حملتها معي عن الملك أنه صبيّ غرّ، مغلوب على أمره، وقد لايرى اليوم الذي يتوج فيه؛ والصورة التي حملتها عن الأمير أنكى بكثير، فقد كنا نقول عنه في مجموعتنا، مجموعة الغلاة، في بغداد، أنه تآمر على العرش لكي يجلس عليه وأنه لايعرف من شؤون الدنيا إلا ملذاته حلالها وحرامها، وأنه ألعوبة طيعة بيد الغير· كنا نصبّ كل غضبنا من أوضار الوضع العام على رأسه· لذلك حين تخرجنا في كلية الحقوق سنة 4 4 9 1 ودعينا إلى حفلة التخرج لم نحضرها نحن مجموعة الغلاة لأن هذا الذي نكرهه هو الذي يسلمنا شهاداتنا العلمية· فكيف سأتصرف خلال هذه الزيارة الملكية الرسمية وأنا من موظفي الدولة؟ قررت مع نفسي أن أتفحص كلا الشخصين من بعيد وأن أمحصهما بتجرد لأرى ما تكون عليه النتيجة التي سأتوصل إليها· لم يكن الاختبار صعباً بالنسبة للملك، فقد كشفته شاباً متعلماً، ذكياً، دمثاً، بسيطاً، سريع البديهة، متفتح الذهن، وممتلئاً بآمال الخدمة العامة دون جعجعة، مع هوايات متعددة كالرياضة بأنواعها والمطالعة في فروع معينة وغيرهما· إنه باختصار فتى يدخل القلب رأساً، وقد عجبت من نفسي كيف أن حقيقته البيّنة للعيان تخالف تماماً ماتلوكه الإشاعات عنه فترميه بالغباء وانعدام الشخصية والعجز· على أن حيرتي النفسية لم تكن تجاه ذلك الشاب الذي لم يكن قد تولى بعد شيئاً من المسؤولية· حيرتي إنما هي تجاه خاله المهيمن عليه، الذي لايدخل إلى القلب رأساً· أخذت أراقب تصرفاته من بعيد، وأحصي عليه حركاته وسكناته وأنا في الظل، وكبار الموظفين يتهالكون عليه، ويتلعثمون إذا سأل سؤالاً ويداورون في أجوبتهم، وكان الرجل قوي الملاحظة، كثير السؤال، محباً للنقاش، فلم تكن ترضيه أجوبة المحيطين به من الكبار· وفي خلال فترة وجيزة شعرت أنه هو الذي كان يراقبني إذ يجدني ألوذ بالانكماش· كان إذا لم يقتنع بجواب وجه السؤال إليّ فأجيبه بصراحة وبساطة بلا لف أو دوران غير عابئ سلفاً إن كان جوابي يروق له أم لا· والغريب أن جوابي كان يروق له في الغالب، فإذا لم يرق له لاينفك يناقشني ويوغل بأسئلته طمعاً في الحصول على إجابة مقنعة لوجهة نظره· وأخذ يفتش عني إن لم أكن موجوداً، وهو لايعرف من أكون· لم يكن يعرف أنني شقيق أحد وزرائه المقربين إليه· ولم يعرف ذلك إلا في الايام الأخيرة من الزيارة بعد أن سأل عني من عضو في الوفد· كنت أراجع نفسي وأنا أجد أن ثمة صفات جيدة في هذا الرجل وكنا نظنه مجرداً عنها وعن كل صفة حميدة· وما لبثت الصورة القديمة عنه أن اهتزت في ذهني· ولكنني كنت أقول لنفسي إن هذا الذي أشاهده لايكفي لتغيير قناعتي وأن هناك أعماقاً أخرى يجب أن تسبر· وذات مساء اتصل بي هاتفياً عميد الجو جسّام الشاهري، الطيار الخاص وكان من أعضاء الوفد الزائر، وقال إن جلالة الملك خرج مع عبدالله بكر وأن سمو الأمير يدعوك مع زوجتك إلى عشاء مختصر في مطعم يترك لك اختياره· اخترت مطعماً إسبانياً معروفاً في منهاتن إسمه فلامنغو، ويعزف فيه عازف غيتار شهير، ويقدم طبقاً يجيد طبخه هو البايلاّ· (إن صورة الغلاف التقطت تلك الليلة في ذلك المطعم، ويظهر معنا العميد جسّام في أصل الصورة وهي موقعة من الأمير بتاريخ 1/9/12 5 9 1)· في تلك الليلة تبسط الأمير في أحاديثه وكان يحب رواية ذكرياته عن أيام صباه في الحجاز، وعن الملكة عالية، شقيقته أم الملك، وكانت قد توفيت قبل سنتين وهو لايذكرها إلا وتترقرق في عينيه الدموع، وإذا به يسألني فجأة : ما هو رأيكم بي أنتم الشباب؟ فلم أتردد· أجبته فوراً: نحن نعتقد أنك إنسان لئيم؟ فقال بحدّه: أنا لئيم؟ لو كنت لئيماً فكيف أوافق على تعيين موسى الشابندر سفيراً للعراق في واشنطن ؟ (كان الشابندر وزيراً للخارجية في حكومة رشيد عالي الكيلاني سنة 1 4 9 1، وبعد خروجه من السجن أعيد إلى السلك الخارجي وعين أولاً وزيراً مفوضاً في الشام ثم نقل سفيراً إلى أمريكا، ولم يكن قد التحق بعمله الجديد بعد عند القيام بالزيارة الملكية)· وظل الأمير يردد : أنا لئيم ؟ كيف إذن أعيد جماعة رشيد عالي المشتركين في حوادث 1 4 9 1 إلى الوزارة؟ (وكان يعني علي محمود الشيخ علي، ومحمد علي محمود، ومحمد حسن سلمان والشابندر نفسه وغيرهم ممن سجنوا بعد الحركة ثم عادوا بعد ذلك إلى عالم السياسة وتولوا وزارات مختلفة)· قلت له : أنت سألتني ما هو انطباعنا نحن الشباب فأجبتك بصراحة· لم أزد ولم أتوسع· وكنت أظن أن غضبه سيتفاقم· ولكنه طوى ذلك الحديث سريعاً، وعاد إلى تبسطه وفكاهاته وذكرياته· وكانت ليلة لطيفة· ولكن سؤاله وجوابي ومناقشته للجواب دعتني إلى إعادة النظر في شخصية الأمير· وعندما غادر أمريكا كنت من الشجاعة مع نفسي أن أغيّر رأيي فيه كشخص، إذ لم تسنح الفرصة للتعرف على جوهره الآخر كرجل عام· على أنه حين غادر لم يفته أن يعبّرلي عن مدى توددّه لي وذلك بأن طلب بأن أكتب له على عنوانه في لندن، وأعطاني العنوان، وقال : أرسل لي نسخاً من التصاوير الفوتوغرافية التي تلتقطها وتجدها حسنة، ذلك أن هواية التصوير كانت نقطة التقاء بيننا، وكان اطلع على بعض إنتاجي في تصوير الطبيعة وأعجب به·
صفحة 7
ما أن غادروا نيويورك حتى طويتُ تلك الصفحة ، بل مزقت العنوان الذي زودني به الأمير ، لكي لاتسوّل لي نفسي أن أبادر إلى استعماله · كنت لاأزال أرى أن العلاقات الشخصية مع رجال السياسة العامة قد تشوش الذهن، وتؤثر على النظرة الموضوعية إلى الأمور ، وقد تؤدي بالمرء من حيث لايدري إلى منزلقات في الرأي والعمل ، إذ تختلط عليه صفات الإنسان الخاص ونوايا الرجل العام فيحيد به هذا الاختلاط عن الرأي السليم في الشؤون العامة· لم يكن موقفي هذا وليد الساعة، بل كنا قد تشرّبنا به منذ نعومة أظفارنا، حتى أدى بنا الغلواء في مطلع الشباب إلى تحريم العلاقات الخاصة مع رجال الدولة، سواءً كانوا في الحكم أو خارجه، لئلا تؤثر العلاقة الخاصة، بما تكشف عنه من مزايا إنسانية طيبة، على الحكم على موقف الساسة وآرائهم في إدارة البلاد· كان ذلك التحريم تاماً بشكل لايسمح إلا بوجود لونين : الأبيض والأسود فقط، أما مابينهما من ظلال متدرجة فلا وجود لها، وهي إن وجدت صارت مدخلاً للانحراف· وكان هذا من مواقفنا الحدية، فالموقف الحدي عندنا من أساليب المقاومة السلبية· كنا في تمسكنا بهذا الموقف تمسكاً أعمى نتأثر بوعي أو بدون وعي بمؤثرات كثيرة ومختلفة منها حسن النية وتغليب العاطفة على العقل والرغبة في التمرد على كل ما هو سائد والطموح نحو حياة مثلى لاتعرف ما معنى الممكن لأنها لاتعترف بالمستحيل· ولعلنا كنا في كل هذا نقع فريسة سهلة ومؤاتية لفئات ظهر أنها كانت تُظهر خلاف ماتبطنه فتتمادى في بث التطرف في نفوسنا وتتخذ من سلامة طويتنا سلاحاً في معاركها الخفية والمعلنة ضد كل ما هو قائم في الدولة والمجتمع معاً· ربما كانت تلك الزيارة الملكية أولى الفرص التي تتاح لي لكي أعيد النظر بذلك الموقف الحدي بما ينطوي عليه من تجريد ملكة الحكم على الأمور من القدرة على التحكم بما يحيط بكل أمر من جوانب متعددة، دون إفراط أو تفريط· أجل، كانت فرصة تجلى لي فيها أن الحياة لايمكن أن تكون ذات لونين فقط، لونين متناقضين ومتضادين لاظلال بينهما ولا توافق· ودعتني نزاهتي الفكرية، وقد تحررت من كثير من مؤثرات المغالاة، إلى الاعتراف بالفصل بين النواحي الشخصية والنواحي العامة· ولكنه فصل بمقدار· فصلٌ يبقي كل جانب في موضعه وفي حدوده وفي معناه ومغزاه· ومن هنا تمزيقي للعنوان·
ومضت سنين عملت فيها في مكتب العراق الدائم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بمعية المرحوم عوني الخالدي، وكان يشغل رئاسة المكتب· وكثيراً ماناقشته، كما كان يفعل بعض المساعدين الآخرين، عن المواقف التي يتخذها في اجتماعات اللجان هناك تنفيذاً لتعليمات وزارة الخارجية مناشداً أن يتخذ مواقف مغايرة، فكان الرجل يستغرب ويقول لنا : أنا موظف تابع لحكومتي، ومن واجبي أن أنفذ تعليماتها، وينبغي أن يكون موقفكم كذلك، وإلا استقيلوا واشتغلوا بالسياسة وانضموا إلى المعارضة· فكنا بدورنا نستغرب موقفه، ولم نستقل، وأقمنا على معارضة تلك المواقف دون أن نحاسب لا من قريب ولا من بعيد· وكان المرحوم موسى الشابندر يأتي من واشنطن إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة السنوية، وعملت معه مساعداً في اللجنة السياسية الخاصة، وكان موقفه مشابهاً لموقف الخالدي· لم أسمع من الشابندر طيلة عملي معه لثلاث دورات متتالية، رغم تقاربنا الحميم والصميم، كلمة واحدة تمس نظام الحكم القائم آنئذٍ بسوء، أو تمس رجاله ملكاً أو أميراً، رؤساء أو وزراء· وإذا جاء ذكر أحداث 1 4 9 1 ارتسمت عليه علامات الحيرة النادمة دون كلام كمن يريد أن يمحو من ذاكرته حكومةً شارك بالمسؤولية فيها وزيراً لخارجيتها· لقد حل الشابندر في واشنطن محل عبد الله بكر الذي كان وزيراً مفوضاً قائماً بأعمال السفارة، وهو رجل فاضل، دمث في تعامله، كريم في سجاياه، مستقيم في سلوكه وفي تفكيره معاً· وقد اكتشفه الأمير عبد الإله أثناء الزيارة الملكية، وأعجب به، وكان يردد أمامي أنه يريد دائماً أن يضم إلى الديوان الملكي رجالاً من ذوي الكفاءة والنزاهة والسمعة الطبية، فنقل عبد الله بكر إلى الديوان الملكي في بغداد·
صفحة 8
2
في خريف 5 5 9 1 نقلت إلى بيروت سكرتيراً لسفارتنا هناك· وكان قد انتدب سفيراًفيها قبل أشهر من ذلك جميل عبدالوهاب، وهو شقيقي، وهو كذلك من رجال السياسة، وكان آنئذٍ عضواً في مجلس النواب وثمة قانون يجيز مثل هذا الانتداب مع الاحتفاظ بالعضوية الپرلمانية· كنت في طريق العودة أقارن بين نفسي عند الذهاب إلى العالم الجديد وأنا أصطحب عروساً وقد تخففتُ من كل أحمال الدنيا سوى هموم الفكر المتطلع إلى الصقل، المتحرق إلى النهل من المعارف ، وبين نفسي عند الإياب وبصحبتي أسرة من زوجة وابنين اثنين ، وقد حققت شيئاً من طموحاتي الذهنية وتخففت هذه المرة من نزعة التمسك بآراء قديمة تمسكاً لايقبل المراجعة ولايرضى بالتطوير ، واقتربت من مدار التفكير الموضوعي الذي يحاول النظر إلى الأمور كما هي لاكما تحولها المغالاة إلى أشياء أخرى · ولكنني في طريقي إلى عملي الجديد كنت أحمل هماً جديداً من نوع آخر · فالسفير أخي ، ولم أكن على توافق معه وتطابق في توجهه السياسي · وهذا السفير قد عيّن في لبنان لاسفيراً بالمعنى التقليدي بل سفيراً سياسياً ، وهو يرتبط بعلاقات وثيقة مع عميد الساسة في العراق نوري السعيد ومع رمز السلطان الأمير عبدالإله· ماذا سيكون مركزي في السفارة وكيف سأتصرف ؟ لم يكن من الصعب عليّ أن أجيب نفسي على هذه التساؤلات قبل أن أباشر عملي ، إذ ماعليّ إلا أن ألتزم باستقلالي في التفكير واستقامتي في العمل وإثبات ذلك عملياً لاأمام نفسي فقط بل أمام زملائي الآخرين في السفارة · وما أن باشرت عملي فعلاً حتى استطعت أن أفرض استقلالي بلا صعوبة تذكر · وقد ربطتني بمجموعة زملاء العمل هناك رابطة صداقة وود واحترام ، وكانت تضم المجموعة أولاً سرية الخوجة وسعيد الهنداوي ونزار القاضي ، ثم التحق بنا عبد الحسين الجمالي منقولاً من سفارتنا في الشام · وكما كانت العادة في نيويورك ، وسرية وعبد الحسين كانا معي هناك أيضاً، كنا نتحادث ونتناقش ونرصد مايجري في العراق والعالم العربي في تلك الحقبة المتشنجة كسطح الأرض التي تحتها بركان يوشك أن يثور · كنا نلتقي فنعارض هذا الإجراء أو ذاك ونهاجم هذا الاتجاه أو ذاك مما تتخذه حكومتنا أو تلتزم به وتسير على هداه ، دون أن يعترض على معارضتنا أحد ·
لم يكن عملي في السفارة سهلاً· ولو لم يكن السفير أخي لكان الوضع أسهل بكثير· فالسفير جم النشاط، كثير الحيوية، حاد الذكاء، قوي الشخصية، يجمع بين متطلبات العمل الدبلوماسي والتحرك السياسي والحياة الاجتماعية باندفاع يطوي الليل بالنهار· وكل هذا يتبلور بتقارير وبرقيات على السكرتير أن يكتبها أو يبرقها رمزياً، والسفير يحمّل هذا السكرتير أعباءً إضافية لابحكم المركز الوظيفي فقط بل لما تنطوي عليه علاقة أخ بأخيه من تسويلٍ للتكليف بمزيد من الواجبات حتى إبّان الليل فكنت كالخفر الدائم· وبالتدريج أخذت أحس بالمحاصرة مرة آخرى· لا في المنزل كما كنت محاصراً في بغداد، بل في دار السفارة وفي خضم العمل الذي لاتحده ساعات الدوام، وتفرضه علاقتي الشخصية بالسفير·
كان المتنفس الوحيد من هذا الحصار هو اللقاء بمجموعة الزملاء كلما استطعت أن أختلس سويعات من الفراغ، أستلّها من ساعـات العمـل· كانت مجموعتنا متجانسة في مشاربها، والأهم من ذلك في تفكيرها، إذ يجمعنا الإخلاص في الرأي، والجدية في أداء الواجب، والرغبة في أن نجد النظام في بلادنا يطهّر نفسه من الشوائب التي كانت تعلق به، والحماسة في حب الإصلاح· ولاأذكر أن أحدنا كان يؤمن بالتغيير العنيف مع أننا كنا نتساءل هل سدّت جميع السبل بوجه الإصلاح السلمي فلم يبق أمام المصلحين سوى طريق الثورة ؟ وكان يرافق مثل هذا التساؤل أحياناً نوع من الحيرة أمام الأحداث الحاسمة الجارية، وتجاه ماكانت تتخذه حكومتنا في بغداد بشأنها، حيرة تكاد تتاخم اليأس، ولكنها كانت دائماً حيرة تنجلي عن ترجيح كفة الإصلاحات التدريجية الهادئة التي تكاد تكون مضمونة النتائج رغم طول الزمن الذي تستغرقه لكي تؤتي أكلها، على كفة التغيير الثوري العنيف، المغامر، المجهول المصير، المحفوف بالمآسي والذي قد ينقل البلاد من سيِّىء إلى أسوأ· ووقع العدوان الثلاثي على مصر فأصبنا بالذهول أولاً، وهزّ أعماقنا وكاد يزلزل إيماننا بالإصلاح السلمي، ثم تحولت مشاعرنا إلى السخط العميق تجاه حكومتنا في بغداد إذ كنا نطمع، ونحن على مبعدة من مراكز القرار، بمواقف تشفي غليلنا وتأسو الجرح الذي أصابنا به العدوان· ولكن مرور الزمن كان كفيلاً بأن يعيد ثقتنا بقناعتنا السابقة الأساسية ·
وحدثت ثورة المجر سنة 6 5 9 1، فقمعها الجيش السوفيتي، وكان ذلك الحدث أمراً فاصلاً في تفكيري بشأن التطبيقات الماركسية كما تجري فعلياً في الأنظمة الماركسية· وتحولت شكوكي وتحفظاتي تجاه تلك التطبيقات إلى قناعة بعدم صلاحها، فتراجع نوع النظام الذي كنا نحسبه أيام رومانسية الشباب نظاماً أمثل للعالم أجمع، تراجع في ذهني إلى أدنى موقع في تسلسل الأفضليات ·
صفحة 9
وفي تلك الآونة التي خدمت فيها في لبنان، وناهزت سنتين ونصف السنة، اشتدت الخصومة بين نظام مصر والعراق، وكان للناصرية في الساحة اللبنانية القدح المعلّى، فهي تصول وتجول في الأزقة، ويتعالى صوتها على غيرها في الصحافة، وتتغلغل في المنظمات، وتمتد إلى الأروقة السياسية ونوادي المجتمعات· فكان مما يلفت نظري وأنا أتابع تلك التطورات في جيشانها المتعاظم يومياً أن الخصومة مع النظام العراقي كانت تخرج في كثير من الأحيان عن أصول الخصام السياسي والخلاف العقائدي· ثم أخذتُ أمتعض وأنا أكتشف الكذب والمغالطة والافتراء والتأليب في حملات دعائية على بلد أنا أحد أبنائه · ولعل مما يحز في نفس المرء وهو خارج وطنه أن يسمع من يطعن فيه وإن صدقاً، فكيف إذا كان الطعن كذباً في بعض الحالات ؟ عندئذٍ يكون الامتعاض مشروعاً· وعندما تفاقم الافتئات على الحقائق وتمادى التدنيس لحرمة الصدق وكاد ينغلق باب المحاججة المنطقية أمام المكالبة الغوغائية انقلب امتعاضي إلى استياء شديد· وهو استياء ينطوي على الشعور بالعجز أيضاً أمام حلبة لايتكافأ فيها المتصارعون ولايتجرد فيها المحكّمون لأنهم أصلاً من أنصار هذا الفريق أو ذاك، ولايتمالك فيها مشاهدو النزال أنفسهم، وأكثريتهم الساحقة من المصفقين لفريق بعينه، فينحدرون إلى درك الشغب المهين، وتنهزم أمامهم الأقلية المطالبة بتطبيق النظام، لاتلوي على شيء·
في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر انعقد في بيروت مؤتمرلقمة عربية حضره ملوك ورؤساء الدول العربية جميعاً· وكان المفروض أن يحضره الرئيس عبدالناصر شخصياً ولكنه اعتذر في اللحظة الأخيرة لضرورة بقائه داخل مصر، فمثله سفيره في بيروت، عبد الحميد غالب، وكان يعتبر مندوباً سامياً هناك· وكان الوفد العراقي برئاسة الملك فيصل الثاني وعضوية أحمد مختار بابان نائب رئيس الوزراء وعبد الله بكر رئيس الديوان الملكي وآخرين بضمنهم سفير العراق في لبنان· وعهدوا إليّ مهمة العمل سكرتيراً للوفد، فحضرت جميع الجلسات بهذه الصفة· كنت ألاحظ أن الملك فيصلاً كان يتابع المناقشات بعناية وانتباه تامين ولكنه لايشارك في المناقشات، بل يتداول أحياناً مع بعض أعضاء الوفد الجالسين من خلفه· أما الملك حسين الذي رأس الوفد الأردني، وكان يضم بعض الحزبيين المتطرفين، فقد كان يتداخل في المباحثات بحيوية وحماس، وقد ألقى في الجلسات خطباً ارتجالية متعددة دلت على تمكنه من ناصية اللغة وعلى تمسكه باتجاهه القومي وهو بعد شاب يافع لم يمض على توليه العرش سوى ثلاث سنوات· وكنت ألاحظ أيضاً على أعضاء الوفد العراقي، مما يرتسم على وجوههم من خلجات وما تندّ عنهم من همسات، أنهم يتضايقون من المزايدة الكلامية في الخطب الرنانة وينفرون من ركوب الموجة ويعتبرون الانسياق معها نوعاً من الرياء السياسي الذي ينبغي التنزه عنه ويعتقدون أن سبيل الحكم الصالح هو مصارحة الناس بوقائع الامور كما هي وبواقع الحال في البلاد العربية· وعندما دنا موعد اجتماع الجلسة الختامية انتحى بي أحمد مختار بابان جانباً، وهو يعرفني موظفاً في وزارة العدلية التي كان يشغلها في سنة 5 4 9 1 وأعجب بأسلوب كتابتي آنئذٍبصفتيملاحضاًللتحرير في الوزارة، كما أعجب بموقف صريح لي معه يناقض موقفه مما أوردت تفاصيله في (سلالة الطين (1))وقال لي : أريد منك أن تتفرغ بعد ظهر اليوم لكتابة كلمة ليلقيها صاحب الجلالة في الجلسة الختامية على أن تعرضها عليّ مساءً قبيل افتتاحها· وزودني بتعليمات الحكومة لكي أسترشد بها في الكلمة، وتتلخص بأن العراق مع مصر ومع الإجماع العربي في كل ماتقرره القمة· اختليت مع نفسي، وأخذت أكتب مبيحاً لنفسي أن أعبّر عما يجول في خلدي ومايجول في نفوس أبناء جيلي، ولم أتمسك حرفياً بعمومية التوجيهات وحدها بل طورت الخطاب إلى تسمية الأشياء بأسمائها وإلى تحديد المطالب العادلة التي كانت مدار الحديث في محافل كثيرة خلال تلك الأزمة الخطيرة · عرضت المسودة على ذلك الرجل المهذب، فقرأها بإمعان ، ثم قال : هذا خطاب طويل ونحن نريده مختصراً ، والذي كتبته جميل وأنا أشاركك فيه، ولكن الذي سيلقيه هو الملك، والملك عندنا دستوري، يملك ولايحكم، فلا ينبغي له أن يقرأ مثل هذا الكلام· لابأس أن يلقيه أحد الساسة· أنا شخصياً كنت سألقيه· ولكن ليس الملك· ثم طوى أوراقي، وكتب بنفسه مسودة مختصرة لاتخرج عن نطاق التعليمات المقتضبة التي زودني بها، وكانت تلك الكلمة هي خطاب الملك الوحيد في تلك القمة ·
ظلت ترن في أذني كلمة بابان وهو يقول : الملك عندنا دستوري· أحسست أن هذه كلمة حق يراد بها باطل· وأنها تمثل مفارقة تعيسة إذ أن البنود الأساسية المتعلقة بالحريات السياسية خاصةً لم تكن مطبقة تطبيقاً حسناً مما كنا نتمناه أحياناً، نحن مجموعة الزملاء في بيروت، عند حديثنا عن الإصلاح السياسي في العراق · ولكني كنت أقول في نفسي : إن التمسك بمبدأ دستوري، مهما كان هذا التمسك منطوياً على المغالطة، خيرٌ من عدم التمسك بشيء إذ قد يحين الوقت لاتخاذ مثل هذا التمسك الشكلي كلبنة أولى في بناء توجّه متدرج نحو تطبيق المبادئ الدستورية الأخرى بشكل سليم ·
صفحة 10
حدث بعد ذلك أن تقرر في بغداد قيام وفد رفيع المستوى بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، وعُلم آنئذ أن ذلك الوفد سيجتمع أولاً بالرئيس آيزنهاور في واشنطن ثم يلتقي هناك بالملك سعود في عملية مصالحة بين الأسرتين نظّمها دالاس وزير الخارجية الأمريكية· ومرّ الوفد ببيروت، وكان برئاسة الأمير عبدالإله وعضوية توفيق السويدي وغازي الداغستاني وآخرين· كنا، أعضاء السفارة العراقية، في استقبال الوفد في المطار، وأخذ الأمير يصافح المستقبلين، فلما وصل أمامي دهش وقال مبتسماً : ( هاي إنته هنا ؟)أي: أأنت هنا؟· وعلى مائدة الغداء التي أقامها السفير للوفد في بيته كنت أجلس في الطرف الأقصى من المائدة وفق أصول القدم الوظيفي· كان السويدي على يمين الأمير، وأخذ يتحدث أثناء الغداء عن كتاب قرأه كان قد صدر حديثاً وهو عن هارون الرشيد بقلم الدكتور عبدالجبار الجومرد · وتحدث عن الكتاب بإعجاب وقال إن المؤلف قد أنصف ذلك الخليفة العباسي وأظهره كرجل دولة من الطراز الأول معتمداً على المراجع التأريخية، وقال السويدي أيضاً إنه بعد أن قرأ الكتاب طرح من ذهنه عدداً من التصورات عن هارون الرشيد مما علقت به عن حياته المترفة ونزواته في الحكم· كان الامير عبدالإله يصغي باهتمام، والكل يسمعون، ثم قال : الظاهر أن التاريخ مليء بالتحريف، وياحبذا لو يصدر أيضاً كتاب ينصف السلطان عبد الحميد، فهو أيضاً مظلوم· كنت وأنا أصغي أقول في نفسي إن سبب بعض المظالم التي تلاحق الحكام يعود إلى عدم تجنبهم لبعض الأمور الصغيرة وإن كانوا في عظائمها على سواء السبيل· وكان الصمت سائداً· فقلت من طرف المائدة الأقصى: لهذا على الحاكم أن يتجنب الحبَّة لكي لايجعلها عليه الناس قُبَّة · فلم يعلق أحد، والأمير ينظر إلي من بعيد نظرة غامضة ، والسفير إلى جانبي يبدو عليه التذمر· ماأن انتهى الغداء فنهضنا حتى ناداني الامير وأنتحى بي جانباً في الشرفة المطلة على البحر، وفي ظني أن تذمر السفير سيكون بمكانه· لكن الأمير قال لي فوراً: أنا أتفق معك، ثم أخذ يسألني عن أحوالي متبسطاً في أحاديث أخرى· وعندما تركت الشرفة كان السفير في الصالة ينتظر على مضض، وانفرجت أسارير وجهه حين أعلمته بما جرى ·
بعد سنتين من خدمتي في بيروت استدعاني السفير ذات يوم إلى مكتبه وناولني رسالة وهو يكبت غبطته قائلاً : إقرأ· كانت الرسالة موجهة إليه من رئيس الديوان الملكي عبدالله بكر وفيها يستأذنه بأن يوافق على إعفائي من عملي في السفارة وإعارتي من الخارجية إلى الديوان الملكي بوظيفة سكرتير خاص لصاحب الجلالة الملك وسمو الأمير، ويقول في الرسالة ايضاً إن هذه هي رغبة الملك وسمو الأمير معاً، وإنها ليست أمراً بل اقتراح متروك لعطا· شعرت وأنا أقرأ الرسالة أن الأرض تميد بي حيرةً ، ولاحظ السفير تجهمي فبادرني يقول بقطعية: متى تنفك ؟ قلت : هذا الاقتراح يحتاج إلى تفكير· فقاطعني: أمثل هذا يحتاج إلى تفكير ؟ وقالها بانفعال، ولكنه على عادته معنا دائماً ترك المسألة لي ورجاني أن أسرع في البت فيها لكي يجيب على رسالة البلاط ·
لم أسرع في البت فيها· وكانت الحيرة مستولية عليّ : أول مافعلته أن حملت الرسالة إلى زملائي في بيت أحدهم وقلت لهم : أفتوني فأنا حائر· وبعد تقليب الأمر على وجوهه المختلفة أنعقد إجماع أولئك المقربين إلى قلبي وعقلي: سرية وسعيد وعبدالحسين ونزار، على أن عليّ أن أوافق لأن وجودي قريباً من مركز القرار قد يكون نافعاً ، وأن عملي هناك لن يضيرني بشيء في كل الأحوال· ولكن الحيرة مستولية عليّ· فكتبت إلى أخي زكي وأرفقت له رسالة الديوان وعبرت له عن حيرتي ورجوته أن يجمع عنده أصدقائي المشتركين الموجودين في بغداد ليستشيرهم· كان زكي مثلي الأعلى في نزاهة الفكر ونظافة اليد وحساسية الضمير ورفعة الخلق واستقامة الاتجاه، ورصانة الحكم على الأمور مع اعتدال، ورزانة المحاججة مع عمق في التفكير ووضوح في البينة ورجاحة في العقل · وكنت أعلم أن أول من سيدعوه زكي هو صديق العمر محمد زينل، مثل الصداقة الأعلى، وأنه سيدعو كذلك الصديق طلعت الشيباني المحسوب دائماً على يسار اليسار النشط · وهكذا فعل زكي· إذ جاءني جوابه يقول إنهم اجتمعو ا في داره وتداولوا في الأمر وأجمعوا على أن أوافق على الاقتراح· فصّل لي زكي آراءهم· فهو شخصياً يرى أنني موظف وأن هذا الاقتراح هو بحكم النقل من عمل إلى عمل، ومحمد يرى أن عطا ماسة، كان ماسة في القضاء وماسة في الخارجية وسيكون ماسة في البلاط، أما طلعت فكان أشد المتحمسين للعودة وتولي العمل الجديد وهو يرى أن هذا سيكون نافعاً جداً·(2)