eKtab
EN ع
الأوركيديا
اقرأ عينة مجانية

الأوركيديا

بقلم علياء بيضون

صفحة 1

الإهداء

إلى صديق طفولتي العزيز

بشار مهنا

الشكر لوالدي الدكتور إبراهيم بيضون لمراجعته

الرواية وتصويب لغتها.

صفحة 2

الفصل الاول

بيروت هذه المدينة الخلّابة الواقعة على الضفة الشرقية للبحر المتوسط، هي بالرغم من صغر مساحتها تحتل مكانة خاصة في العالم لصفات عدة فيها... ومازالت على الرغم من الحروب التي عانتها والأخطار التي ما انفكت تتربص بها، كالمرأة الحسناء القوية المتكاملة المتجددة، التي تثير غيرة الجميع، والجميع يريدون الحصول عليها.

ذات يوم ـ في أحد أحيائها ـ سُمع دوّي صراخ عال من منزل تسكنه عائلة من آل سعيد. كانت هذه العائلة مؤلفة من الأب والأم وهما طبيبان وأربعة أبناء، ثلاثة منهم مشوا على خطى والديهم في دراسة الطب والأخير الأصغر سناً (نادر)، لم يفلح في العلم ولكنه أصبح من أشهر عارضي الأزياء في العالم العربي بالرغم من صغر سنه.

في ذلك المنزل كانت السيدة سعيد تصرخ: نادر، أرجوك استيقظ يا نادر. لم يستجب نادر لنداء والدته، فقد ظل ممدّداً على أرض غرفته دون أية حركة وعيناه معلقتان في السقف، انهمرت منهما الدموع، وببطء شديد أغلقهما ثم فقد وعيه. ظَل على تلك الحال لمدة أسبوع، لا يستطيع تحريك جسده أو النطق بكلمة. وما لبث أن فارق الحياة تاركاً عائلة محطمة ولغز وفاته الأليمة.

لم يكمل نادر دراسته ولم تكن لديه موهبة خاصة، كان فقط يملك الوسامة، علماً بأن الغيرة كانت تتملكه في معظم الأوقات من إخوته، لكنه لم يعبر عنها قط، وظل يحرص على مقاومتها.

ما كان فعلاً يزعج نادر، هو أن أحداً من أسرته لم يتعامل بجدية معه، ولم يكف إخوته عن السخرية من بعض أحاديثه التي تأخذ منحى التهريج أحياناً للفت انتباه الآخرين إليه، فيزيد ذلك من شعوره بالإحباط إلى حدِّ كراهية نفسه أكثر فأكثر، عندما يلعب هذه الشخصية الفكاهية اللعينة لتبرير فشله ولم يكن لديه حل آخر.

كان نادر الأكثر وسامة بين إخوته، ولكنه لم يكن قانعاً بذلك، لأن الوسامة ليس لها شأن في الوسط الاجتماعي للأسرة. لقد كان يشعر دائماً أن أمه وإخوته يخجلون منه ولا يبدون حماسة لوجوده معهم في المناسبات الاجتماعية. وفي كل مرة كان نادر ينظر إلى المرآة فيرى إنساناً بشعاً، وعندما كان الناس، وخصوصاً الفتيات ينوّهن بوسامته لم يكن يعنيه ذلك.

لقد كان قاسياً جداً على نفسه، وفي حالة صراع معها، واعتاد قبل نومه تذكّر اللحظات الحرجة التى مرت في يومه. كان يكتب كل أفكاره في دفتر، إذ يساعده ذلك على الخروج من غضبه، والسيطرة على المشاعر والرغبات الشريرة في نفسه. كانت طبيعته مسالمة فلم يؤذِ أحداً، حتى أنه حاول كتابة قصائد متواضعة تعكس معاناته، ومنها:

«في مكاني أراوح كمياه صامتة أوقفها السد

‫ كأنني في بئر ليس لقاعه حد ‬

ما هو الهدف؟ أتساءل وليس هناك من رد

سأحاول ان أجد نفسي اليوم كي لا أفقد الغد.»

صفحة 3

عندما نجح نادر في مجال الأزياء وغدا اسمه لامعاً، لم يختلف شعوره بالنقص نحو عائلته. كان يتعسه جداً ذلك، على الرغم من تشجيع والديه له على إكمال حياته في مجال الأزياء، إذ لم ير فيه سوى الجانب السلبي، فلم يكن يهمه شيء في العالم سوى احترام والديه له. هذا الشعور بالإخفاق ظل يلازمه، مما جعله لعدة مرات يحاول الانتحار، ولكن الشجاعة خانته ، فزاده ذلك احتقاراً أكثر لنفسه.

كما أن احترامه، خصوصاً لوالده، كان يدفع به إلى التراجع، فهو الوحيد الذي يفهمه، وإن لم يصرّح علناً بذلك، كما أنه (أبو نادر) كان يشعر بأن ثمة تشابهاً بينهما، ولطالما كان الأب يكنّ له عاطفة صادقة، ولا ينفك موجّهاً له على تحقيق ذاته في الاتجاه الصحيح، وتشجيعه على الانخراط في الأسرة وبناء علاقة طبيعية معها.

ولكن نادراً لم يستجب لذلك بسبب شخصيته الانطوائية المائلة إلى الاكتئاب والغموض والحساسية المفرطة. خلافاً لذلك، اختار السير في الاتجاه الموائم لمزاجه والانغماس في حياته الخاصة، جاهداً في اخفاء أسراره عن الآخرين.

أما والدته فلم تبخل في إظهار حبها له، وعنايتها به ولطالما حاولت أن تساعده في دروسه، ولكنها في المقابل أساءت له دون أن تدري، واستفزته بأسلوبها حين كانت تقارنه بأشقائه المتفوقين في الدراسة. فقد كان هدفها تشجيعه، ولكنها لم تدرك أنها بأسلوبها هذا كانت تبعده عنها وتزيد في إحباطه، كما تزيد فيه الشعور بالنقص أمام أشقائه.

نادر في داخله كان مرهف الاحساس، صافياً، غير حقود. ولكن عقدة النقص ظلت تلازمه، فتدفع به إلى الهروب، وإلى المزيد من الانطواء والعزلة.

صفحة 4

الفصل الثاني

كان المجتمع كله متفاجئاً بوفاة عارض الأزياء الشهير نادر سعيد. فهو لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره بعد، لاسيما وأن موته جاء بتلك الطريقة الغامضة. فقد كان له حضور بارز في الإعلانات، ما أثار الشائعات والأقاويل حول موته.

بعد أربعة أيام، وفي منزل آل سعيد، كانت الشرطة تجول في المكان. ثم كُلف المحقق آدم للتحقيق قي هذه القضية. كان المحقق لامعاً جداً في عمله وهو يناهز الأربعين من عمره ويتمتع بذكاء حاد، إلى قوة شخصية وبصيرة ثاقبة في عمله الذي تكرس له، وأصاب شهرة واسعة في مجاله. وبعد أن قدّم تعازيه وعرّف عن نفسه، دعا أفراد الأسرة إلى الإجتماع به في غرفة الجلوس، وقد غمرهم جميعاً حزن عميق.

آدم : أقدّر الوضع الأليم الذي تمر به العائلة الآن، ولكن عليّ إعلامكم بنتائج تقرير الطبيب الشرعي. لقد توفي آدم نتيجة سم حاد.

صُعقت العائلة بهذا الخبر! ثم أكمل آدم حديثه عن نوع السم الذي تنشّقه نادر في رئتيه من السجائر، إذ هو نوع من السموم الخطرة جداً التي تفتك بالجسد وتعذب الضحية لعدة أيام. أما اسمه فهو الريسن.

السيد سعيد: ولكن نادر لم يكن يدخّن أبداً.

صفحة 5

آدم: هل أنت متأكد يا سيد سعيد؟ ربما لم يكن يدخن أمامكم، فمن المؤكد أن نادر تنشق السم أثناء التدخين، فنتيجة التشريح في هذا الأمر حاسمة.

لم يجب السيد سعيد، فقط حاول التماسك أمام عائلته وخصوصاً زوجته الممعنة في البكاء دون توقف. ثم طلب آدم الدخول الى غرفة نادر.

عندما دخل آدم إلى الغرفة، فوجىء بأنها عادية جداً. فقد توقع أن يرى غرفة شاب ثري ومشهور ممتلئة بالصور والإلكترونيات الحديثة، ولكن لم ير أياً من ذلك فيها، حتى ولا صورة واحدة لنادر، أو مجلة عَرض نشرت إعلاناً عنه، فلم يكن سوى تلفاز عادي.

فتح آدم الشباك ثم نظر إلى حافة الحوض المليء بالأزهار، كانت هناك كومة تراب متجمعة كهرم صغير، قام بنبشها فإذ بإعقاب كثيرة تتكدّس تحتها... هذا هو الدليل القاطع على تعاطي نادر التدخين.

ثم عاد آدم وسأل العائلة إن كان نادر لديه أصدقاء مقربون وعن أسمائهم؟ نفت العائلة وجود أي أصدقاء له، فلم يزره أحد قط.

أكمل آدم تدقيقه في الغرفة وكان سعيداً جداً عندما وجد دفاتر نادر التي كان يدون فيها أشعاره وخواطره. ثم قام بتفحص خزانته من الثياب حتى الأحذية، فلم يجد سوى علبة سجائر واحدة في أحد قمصانه، فأخذها أيضاً. وأخيراً شكر آدم العائلة وذهب إلى مكتبه في دائرة الشرطة

صفحة 6

الفصل الثالث

لقد كان آدم متحمساً جداً وهو يقرأ دفاتر نادر، ليتعرف إلى أفكاره الشخصية. وبعد ساعة من الوقت كان التأثر بادياً على وجهه، إذ لم يتصور أن نادراً كان بهذه التعاسة. كانت كل الأشعار والخواطر يائسة وسوداوية جداً. ومنها:

«لم تعد الأرض تستطيع حملي فحزني يزيد أطناناً.

كثرة الاحساس تقودك إلى فقدانه.

ليتنا نستطيع الاختفاء دون أن نجرح الأحباء.

اليوم يمضي وبكائي لا يشفي،

حتى الشمس سئمتني وحجبت شعاعها عني.

زحمة أفكاري لا تجعلني ألاحظ أي منظر جميل أمامي.

فكري مليء بالسموم، مما جعل دموعي تساكنها الهموم.

تحليلي بسيط ولكنهم يشعرونني إنني غريب.

ولو لبضع ثوانٍ، التدخين ينسيني آلامي.»

من كتاباته أيضاً:

«الجميع يتهمني بالغرور ولكن الحقيقة التي لا يعلمها أحد، أنني أحاول السيطرة على الوحش الذي يسكنني، ذلك الوحش البشع الممتلىء بالحقد لا يكف عن جلدي يومياً. لقد فقدت الشعور بالخوف من الموت، بل أصبحت أتمناه الآن مما جعل مشاعري مجردة من الإحساس. هذه الحياة لم تعد بالنسبة إليّ حياةً بل نفقاً مظلماً لا ينتهي...»

كتب نادر قصائد عدة عن التدخين، فهو ملاذه الوحيد. كان يحب منظر الدخان المتصاعد، إذ يرى فيه أشكالاً عدة ويغوص في تلك الأشكال ويتخيلها كهمومه التي ينفثها. بدأ آدم يشعر أن نادراً لربما قد انتحر، ولكن كان عليه وضع جميع الاحتمالات أمامه، فهو شاب يحظى بنجاح كبير منذ سن التاسعة عشرة وبالطبع لديه الكثير من المنافسين.

ولكن كان من دون ريب وحيداً وانطوائياً، بالرغم من شهرته الواسعة:

«التدخين يحررني من ذاتي

صديقي الوحيد الذي يخفف أعبائي

يفهمني ولا يبالي بأخطائي

أهرب إليه فأتخفف من سخطي ومعاناتي.»

صفحة 7

طوى آدم الدفتر الأخير وحرص على إرسال جميع الدفاتر إلى العائلة بعد أن صوّر نسخة عنها، فقد كانت تلك الدفاتر شخصية جداً، ولم يكن يريدها أن تتسرب إلى الإعلام.

ذهب إلى مختبر دائرة الشرطة وسلمهم علبة الدخان وطلب تحليلها. كانت الخطوة التالية هي زيارة وكالة عرض الأزياء حيث كان يعمل نادر. لقد كانت تلك الوكالة تمتلكها عارضة سابقـة اسمها دارين في الأربعينيات من عمرها، وكانت صورهـا معلقـة علـى جدران الوكالـة. دخـل آدم إلـى غـرفـة الاستقبال، عرّف عن نفسه وطلب رؤية دارين. بعد عدة دقـائق أتت مساعدة دارين الشخصية مايا وهي فتاة في العشرين من عمرها، خجولة ومظهرها ناعم، ثم قادته إلى مكتب دارين. دخل آدم فرأى سيدة جميلة وأنيقة، وبكل تهذيب طلبت منه الجلوس. عرّف عن نفسه وطلب منها أن تخبره بكل شيء عن نادر وكيف اكتشفته.

دارين: في أول مرة التقيت بنادر كان في سن التاسعة عشرة. كان يحتسي القهوة ويدخن في المقهى، وبالرغم من صغر سنه كانت عيناه حزينتين وذاهبتين إلى البعيد.

صفحة 8

دارين: في أول مرة التقيت بنادر كان في سن التاسعة عشرة. كان يحتسي القهوة ويدخن في المقهى، وبالرغم من صغر سنه كانت عيناه حزينتين وذاهبتين إلى البعيد.

كل الفتيات كن يرمقنه بنظراتهن طوال الوقت، فهو شاب جذاب ولكنه لم يكن مكترثاً بأي منهن، ثم ذهبت إليه وعرّفت عن نفسي وكان مهذباً جداً، وأخيراً عرضت عليه العمل في وكالتي وأعطيته بطاقتي الشخصية ليتصل بي إذا كان يهمه الأمر. وبعد أسبوع اتصل بي وبدأنا العمل معاً.

آدم: حسب البحث الـذي أجـريته عـن وكالتـك التـي لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات، كان نادر السبب الأساسي في شهرتها.

دارين: نعم، ولكن لا أحد ينكر أنني من صنعه، فأنا غيّرت طريقة لبسه وكلامه، وعرّفته إلى الشخصيات الراقية وجعلته يمثل في أهم الإعلانات.

تعجّب آدم من رد دارين، حتى أن طريقتها في الكلام بدأت تختلف. اعتذر آدم منها فهو لم يكن يقصد أن يقلل من تقدير عملها مع نادر، ثم طلب منها أن تصف شخصيته بدقة أكثر.

دارين: كان نادر شخصية غامضة جداً، فلم يتمكن أحد من معرفة مابداخله، وطبعاً فإن ذلك جعله مرغوباً أكثر لدى الفتيات. كانت تغطّي عينيه دائماً مسحة من الحزن، حتى عندما يبتسم، كانت ابتسامته تذكرني بلوحة الموناليزا. لقد واعد نادر معظم فتيات الوكالة، وتستطيع أن تجد صوره معهن في المجلات. لم يكن لديه أصدقاء في الوكالة، فالجميع هنا يحسدونه. ولكن كانت تجمعني به صداقة جميلة، وكان يرافقني إلى معظم الحفلات.

كانت عينا دارين تلمعان وهي تتحدث عن نادر، وآدم يراقبها عن كثب، محاولاً تحليل شخصيتها. هل كانت تعتبر نادر فعلاً صديقاً، أو مشروعاً ناجحاً تتباهى به أمام الناس؟ شكر آدم دارين وخرج من مكتبها.

لم يكن آدم خبيراً بعالم الأزياء وأجوائها، ولكن دارين بالنسبة إليه كانت شخصية مميزة. فقد شعر من طريقة كلامها بأنها تكنّ مشاعر خاصة لنادر، بالرغم من فارق السن بينهما، ولكنها أيضاً، لم تبد أي مشاعر حزن أو حداد عليه. كما لاحظ أن تلك المرأة فخورة جداً بنفسها، ما يبدو في العديد من صورها التي تملأ جدران مكتبها.

عندما كان آدم في طريق الخروج من الوكالة، إذ بعارضة فاتنة يعلو صراخها في وجه مايا (مساعدة دارين)، حتى إنها دفعتها نحو الأرض فسقطت على وجهها أمام الجميع وقد انكسرت نظارتاها. أعلنت العارضة استقالتها، ثم غادرت المكان بسرعة.

لم يتردد آدم في اللحاق بها، فعليه استغلال حالة الغضب التى تتملكها، للحصول على معلومات عن نادر ودارين. في الخارج وعلى الطريق، استوقف آدم العارضة معلناً عن هويته كمحقق في الشرطة، طالباً إذا كان بالإمكان أن يجلس معها في مقهى قريب، لطرح بعض الأسئلة عليها. في البدء التفتت إليه العارضة بارتياب، معتقدة أنه يحاول مغازلتها، ولكن عندما شهر هويته وجدتها فرصة لا تعوض للانتقام من دارين.

بعد جلوسهما في المقهى، عرّفت العارضة عن اسمها وهو ريما، وبأنها تعمل في وكالة دارين منذ سنتين. ودار بينها وبين المحقق هذا الحوار:

آدم: أريدك أن تخبريني بكل ما تعرفينه عن نادر سعيد.

ريما: لقد كان نادر مدلّل دارين الأول، وبالطبع لا عجب في ذلك، فإنه كان صنبورة النقود ومصدر الشهرة للوكالة.

ثم أكملت متحدثة عن مزاجية نادر وغروره، إذ لم يكن يحب أن يبني صداقات أو علاقات خاصة. ثم سألها آدم عن الفتيات اللواتي واعدهن نادر وعن أسمائهن؟ ضحكت وأكملت كلامها قائلة: إن نادراً لم يواعد أيّ عارضة من الوكالة، فجميع العارضات ومن ضمنهن هي كن فقط يرافقنه إلى أهم الملاهي الليلية ويأخذن صوراً معه طوال الليل أمام عدسات المجلات، ثم كان يوصلهن إلى بيوتهن دون أن يستجيب لإغرائهن. تعجب آدم من كلام ريما، فهو يناقض تماماً ما قالته دارين. عاد وسألها عن سبب خروجهن مع نادر تحت ضغط تلك الظروف وما الذي كان يجبرهن على ذلك، فقالت إنها أوامر دارين، ولم تكن أي من العارضات تمانع، بل العكس كان يزيد ذلك من شهرتهن ويظهرهن أكثر في الإعلام.

شكرها آدم، وعندما كان يهم بالرحيل، قالت له ريما إنها كانت دائماً ترى نادراً برفقة شاب جذاب جداً في الملهى الليلى، وهي تعتقد أنه صديقه من خارج وسط الأزياء. فطلب منها وصفه، فقالت له: إن عينيه كبيرتان خضراوان، وكان يصطحب نساء أكبر منه سناً، وتابعت قائلة: إن جميع نادلي الملهى يعرفونه تمام المعرفة، فقد كان يترك لهم «بخشيشاً وفيراً»، ويطلب أغلى الكحول، وكان يتباهى بذلك أمام جميع رواد الملهى.

لم يكن يعلم آدم ما إذا كانت ريما تقول الحقيقة، فهي في حالة غضب من دارين الآن، وهل فعلاً دارين كاذبة، أو أن نادراً كسر قلب ريما وهي حاقدة عليه؟؟

صفحة 9

الفصل الرابع

انتظر آدم بفارغ الصبر حلول الساعة التاسعة مساء للذهاب إلى الملهى الليلي. كان يريد أن يستجوب جميع النادلين قبل مجيء الزبائن، ولديه مذكرة تسمح له بذلك.

عندما دخل إلى الملهى انبهر بضخامته وأضوائه، وعلى الفور التقى المدير وسلمه المذكرة، فكان متعاوناً وطلب من النادلين التجمع في مكتبه. عرّف آدم عن صفته أمامهم، وطلب إليهم أن يخبروه عن نادر وأصدقائه وكيف كان يقضي أوقاته في الملهى.

كانت أقوالهم متشابهة عن الفتيات الجميلات اللواتي كان يواعدهن، وأنه كسائر الشبان يرقص ويأخذ الصور طوال الوقت، وأنه كان مغروراً جداً. وعندما سألهم آدم عن الصديق الذي ذكرته ريما، كان الرد بأن الشاب اسمه حسام وهو ثري جداً، ويحب أن يطلب أغلى الطعام والمشروبات، ودائماً يكرم النادلين بمبلغ كبير. طلب آدم رقم حسام من النادلين، فكونه زبوناً مهماً للملهى لابد أن يكون لديهم رقمه.

شكر آدم الجميع وخرج من المكان وهو سعيد بمعرفة اسم صديق نادر ورقمه. وطلب وهو في السيارة رقم صديق نادر فرد عليه شاب، فعرّفه عن هويته وسأله إذا كان هو حسام، وعن إمكانية لقائه. كان الشاب مرتبكاً جداً، ولكنه لم يمانع في لقاء المحقق، وحددا موعداً يوم الغد في الساعة الثالثة بعد الظهر في منزله.

بعد أن سمع آدم أقوال النادلين شكك بكلام ريما أكثر، فهم أكدوا كلام دارين. ولكن ريما كانت صادقة في ما يخصّ صديق نادر.

في اليوم التالي صباحاً وفي مركز الشرطة ، تلقى آدم اتصالاً من قسم المختبر الجنائي ينبئه ان نتيجة تحليل السجائر أصبحت جاهزة وسيرسلون التقرير إلى مكتبه في الحال. وكم كانت تلك الدقائق طويلة بالنسبة إليه، فكان يريد معرفة النتيجة بأسرع ما يمكن. حتى الآن لم يجدوا السيجارة التي دخنها نادر قبل موته، فلا بد أنه كان يدخن وهو متكئ على حافة شباك غرفته، ثم وقعت من بين أصابعه السيجارة على الأرض في الخارج قبيل وفاته. وأخيراً وصل التقرير:

نتيجة التقرير:

إن السجائر كلها تحتوى على سم الريسن وقد تم تجهيزها ولفها بتقنية عالية تفاديا لإظهار الفارق بينها وبين السجائر الاخرى.

ابتسم آدم للنتيجة، فقد صحّت شكوكه بأنها جريمة قتل متعمدة. أما احتمال الانتحار فقد أصبح مرفوضاً الآن، فلم يتكبد نادر كل تلك المشقة لتزوير سجائره كي ينتحر، فلا منطق في ذلك. هناك من خطط ونفذ وكان يريد موته. وحسب التحقيق حتى الآن، لم يكن أحد من زملائه نادر يحبه أو من النادلين، حتى دارين انتقدته. شاب ناجح بالطبع ولديه أعداء كثر وربما الغيرة هي الدافع للجريمة ( فكّر آدم ).

ولكن آدم كان أيضاً يعلم أن كشف هذه الجريمة سوف يكون صعباً جداً، لأن نادراً لم يكن محبوباً مما يجعل الجميع موضع شبهة.

صفحة 10

هذا العالم المليء بالأضواء كان جديداً بالنسبة إلى آدم، فهو لم يكن اجتماعياً أبداً أو من رواد الملاهي الليلية ولم يتصفح مجلة اجتماعية في حياته، حتى أنه لم يكن يشاهد التلفاز كثيراً أو يتابع أخبار المشاهير، فكان عليه الغوص في هذا العالم الجديد.

عند حلول الساعة الثانية والنصف، قاد آدم سيارته باتجاه منطقة عين المريسة، حيث كان منزل حسام مقابل الشاطىء في مبنى فخم جداً. قاده عامل الاستقبال إلى الشقة وانتظر معه حتى فتحت الخادمة الباب، والتي بدورها شكرت العامل وأدخلت آدم إلى الصالون. كان الصالون كبيراً جداً وفرشه رائعاً وأجمل ما فيه أنه يطل على منظر البحر الخلّاب، إذ يشعر المرء وكأنه في سفينة تبحر وسط أمواجه.

بعد حوالى دقيقتين دخل حسام إلى الصالون، وكما وصفته ريما هو شاب جذّاب جداً، وعيناه خضراوان، بدأ آدم بسؤال حسام عن مدى علاقته بنادر وكيف التقى به. أجاب، وقد ظهر عليه الارتباك، بأنه كان صديقه المقرب، تعرف إليه في حفلة خيرية كانت مملة، وكانا يجلسان إلى نفس الطاولة، وبدءا يتبادلان أطراف الحديث، ثم غادرا المكان واتجها نحو ملهى ليلي ليصبحا صديقين بعد ذلك.

آدم: لِمَ لم يعرّفك نادر على عائلته، ولماذا لا يحبه أحد، من نادلي الملهى أو من زملائه في الوكالة؟

حسام: أنا فعلاً لم أكن أعلم أن نادراً مازال يسكن في منزل والديه، فقد كنا دائماً نلتقي في الخارج. لم يكن أحد يحبه، وأظن أنه كان يتجنب الاحتكاك بالناس، فالجميع يريدون استغلال اسمه وشهرته وينشرون عنه الأقاويل والشائعات المغلوطة، وفي المقابل لم يكن يهمه أمر أحد.

آدم: ولِمَ اختارك أنت صديقاً من بين الجميع ‪ ؟ ‬

حسام: أولاً ، أنا لست أعمل عارضاً أو ممثل إعلانات، فليست هناك منافسة بيننا، وثانياً، كنت أعامل نادر على أنه إنسان عادي وكان يقدّر ذلك كثيراً، فقط كانت المجاملات تتعبه.

وجد آدم كلام حسام منطقياً، وأدرك أن الشهرة كانت تزعج نادر وكانت عبئاً كبيراً عليه. فقد كان شخصاً حساساً جداً، ومنطوياً على نفسه، وعليه طوال الوقت أن يمثل شخصية مختلفة عنه، وذلك مذكور في قصائده. وهذا أيضاً يفسر عدم وجود مجلات أو صور له في غرفته. ثم عاد وسأله عن علاقة نادر بدارين ربة عمله. تغيرت تعابير وجه حسام عندما سمع باسم دارين، وبدأ بالكلام عنها وهو في حالة اشمئزاز، فمن الواضح أنه لا يستلطفها.

حسام: للأسف كان لدارين سحر خاص على نادر، لقد كان مأخوذاً بها، على الرغم من أنها كانت تقوم دائماً باستغلاله.

آدم: وكيف كانت تستغله؟

حسام: لقد كانت دائماً تجبره على الذهاب إلى الحفلات معها، وهناك إعلانات لم يكن يحبّ أن يمثلها، خصوصاً غير اللائقة. كانت تعامله كمشروع أو شيء هي ابتكرته وتعشق التحكم به. للأسف عندما قرر نادر أن يترك وكالتها لينضم إلى وكالة شهيرة وبشروطه الخاصة توفي بعد فترة قصيرة.

تعجب آدم من كلام حسام، هذه المرة الثانية التي يَظهر فيها كَذِب دارين في استجوابها. ولكي يثبت ذلك طلب من حسام إعطاءه اسم الوكالة التي كان سينضم إليها نادر. طبعاً تجاوب معه حسام الذي راح يدخن سيجاراً.

ثم سأله آدم إذا كان نادر أيضاً يدخن السيجار، فضحك حسام وقال له: إن جلَّ ماكان يكره هو التدخين، وقد حاول لمرات عدة أن يقنعه بتدخين السيجار ولكن دون جدوى.

نادر كان يعشق التدخين (فكر آدم) وتوفي بسبب سيجارة مسمومة. ولكنه ربما كانت لنادر حالات خاصة به، والتدخين هو جزءٌ منها. لم يكن يريد أن يفصح عنها أمام الناس حتى المقربين من عائلته أو صديقه الوحيد.

غادر آدم منزل حسام وهو لايزال يتساءل عن مصدر ثرائه الفاحش وكيف لشاب حساس وعميق كنادر أن يكون له صديق مقرّب كحسام؟ وصل إلى مكتبه وطلب من مساعده إجراء بحث كامل عن حياة حسام.