eKtab
EN ع
الأرض الثامنة
اقرأ عينة مجانية

الأرض الثامنة

بقلم محمود زعرور

صفحة 1
الفصل الأول

يعيد ممدوح، مجدداً، قراءة الرسالة، ويستعرض الأسماء، ثم يتأكد من العنوان، اسم الشارع، رقم المبنى، وكذلك طريقة الوصول في الوقت المحدد.

إنه الموعد الحاسم الذي انتظره طويلاً، وهو لقاء ليس ككل اللقاءات التي قام بها، فهو، بحق، خاص واستثنائي، وثمة أمور كثيرة ومختلفة ستتحدد به، وبما سيكون فيه.

أجل، لن تكون تلك الأمور بعد هذا اليوم هي نفسها قبله، نعم، بكل تأكيد، سيتغير كل شيء بعد حدوثه، نعم، سيتغير كل شيء تماماً، وعلى نحو سريع!.

الترقب والاضطراب هما ما يعيشه الآن، إنه يتذكر شيئاً من هذا، نعم، لقد عانى ما يشبه هذا القلق والاضطراب عندما كان في حالة انتظار.

في تلك الأيام انتظر ممدوح قدوم صاحبه سديم طويلاً، أجل، لقد انتظره حتى بلغ به ما يشبه اليأس، أو الملل، ولم يأت، كما كان يرجو، ولم يجد، أبداً، سبباً يركن إليه في تفسير أمر ذاك الغياب الذي أرهق روحه بشكل بالغ.

لكنه كان ينتظر مرة أخرى، وأخرى، وبدأب، كان يلتمس له الأعذار والحجج المختلفة، ويمنّي النَّفس، من جديد، بقدومه الذي سيغير كل شيء، وعلى نحو شامل.

ربما كانت وطأة السجن القاسية تمدّ له حبالاً لا تنتهي من الصبر، وكان كلما نجح في إبقاء جذوة الأمل قريبة، ودافئة، كان يتجدّد يقينه الكبير بمجيء صاحبه وملهمه.

لن يترك هذا الأمل يتلاشى، لأن العلاقة مع سديم وقومه تعني أنهم قد تبنوا قضيته، مرة واحدة وإلى الأبد، وتكفلوا بأمره كله، وسيعملون، من دون كلل، على إظهار رده المنتظر، كجواب منه على كل ما كان قد عاشه في زمن الخوف والألم.

يتذكّر ذلك اليوم بكل تفاصيله الموجعة، حيث كان وحيداً بالرغم من وجود الجميع، ولم يكن حضور رفاقه يقلل من وطأة وحدته، أو يخفف من ألمها الضاغط.

تأمل وجهه في المرآة، حدّق ملياً في عينيه، ومرة بعد مرة، وبنفاذ صبر شديد، تطلع إلى جدران الزنزانة، السقف، والأشياء المبعثرة، وجال بعينيه كل شيء، وما من إشارة تنبئ عن قدوم سديم، أو علامة ما تقرِّب له الأمل المرتقب.

انهمك، كذلك، في معاينة أنحاء الساحة، تلك الساحة التي يقضون فيها ساعة كل يوم، وأيضاً ما من شيء جديد، أوأمر ناشئ يبدّد عنه هذا الذي فيه.

صار يردّد في نفسه:

(يأتوك.. يأتوك..).

وهو مسعى يقرّب الاستجابة، ويعجّل في الحدوث، وهذا ما عرفه منذ أمد بعيد.

وخطر له أن يبدل في الصياغة، فبدأ يصرخ بصمت:

(يأتين... يأتين).

- هل من فرق أو من اختلاف في الدلالة؟

سأل نفسه كمن يكتشف أمراً برز لتوّه.

يتذكر الشيخ، وتأتيه، سريعة، وخاطفة، سنوات طفولته الأولى، وفترات تردده عليه، استجابة لطلب، وإسداءً لخدمة، ويعتريه حنين غامض، يمتزج بمشاعر متضاربة، ومتناقضة في نفسه، تبسط له بعض الذكريات الهاربة.
صفحة 2
لا يعلم، بالضبط، المصير الذي طوى جارهم الشيخ، ولا الدروب التي انتهت فيها أيامه، ولم تصله، أبداً، مواقف الشيخ منه، ومن خياراته الجديدة التي اختلفت، وافترقت، بطبيعة الحال، عن أماني الشيخ، وتوقعاته.

وعلى نحو مباغت يتذكر الشيخ يوم طلب منه أن يكتب له سبع مرات (يأتوك.. يأتوك..) بماء الزعفران، وكذلك، سبعاً أخر (يأتين.. يأتين..) بالحبر الأسود.

سأله مستفسراً عن الفرق بينهما، وأيضاً عن حكم إضافة الحبر الأسود، وعن فوائده.

قال له الشيخ بأن الاستعانة بالقرآن اتباع للمعلوم، وهو علم عظيم الشأن مثل البحر، وواسع لا حدود له، فتلك المرأة، أضاف الشيخ، تنتظرعودة معجلة للغائب الذي طال فراقه، ونحن،هنا، لا نفعل شيئاً سوى هذه المحاولة، فنسعى لجلب اللفظ إلى موضع المعنى، من أجل أن يقوم البرهان، وبهذا تنشأ التهيئة، ويكون التطابق المراد، والحلول المكين، والله أعلم.

وتابع الشيخ مفصِّلاً له الفرق بين الصيغتين، مستعيناً بما تركه السلف من الشيوخ، وكذلك بما جاء به بعض المتأخرين، وقد رد الفرق، هنا، إلى اختلاف حاصل في الموافاة الظاهرة، بين من يأتون مشاة، كما في (يأتوك رجالاً)، وبين الركبان الذين يستعينون بكل ضامر، كما تشيرالحالة الثانية (يأتين.. يأتين..).

وعن استخدام الحبر الأسود قال:

- لنا منه اللون، والعتمة التامة.

وتابع:

- الظلمة أصل الكون، وقد تكون الكتابة، هنا، بالحبر الأسود دعوة منا لعودة الغائب إلى معهود علاقته، ثم إن القرآن، كما تعرف، قد كتب بالحبر الأسود أصلاً.

وكانت شروحات الشيخ عن الكتابة بماء الزعفران غريبة، وشكلت سبباً آخر لدهشته.

قال له الشيخ بأن الزعفران يجلب السرور إلى القلب أيضاً، كما تجلب الصلاة السكينة للعبد المؤمن، وأضاف:

- هل تعلم أنه للحصول على دواة من ماء الزعفران كهذه يتطلب زراعة سبعين ألف زهرة؟!.

وبأسىً يهتف في داخله:

- من يجلب السرور إلى قلبي؟!.

وسأل، بحرقة، كمن لا ينتظر جواباً:

- كيف لي أن أسوق اللفظ إلى قلب المعنى؟!.

تعب كثيراً من التذكر، فتلك السنين الماضية، بكل ما فيها، كانت قاسية، مؤلمة، ومخيفة، وقد أصابت منه ما أصابت، والسجن، يقول في نفسه، لم يكن سوى مكان رهيب تتجمع فيه القسوة، والألم، والخوف، والوحدة القاتلة.
صفحة 3
وفي تلك اللجة كان يعيش انتظاراً لا ينتهي، ومع ذاك الانتظار كبر اضطرابه، وامتد قلقه، فصاحبه سديم كان قد احتجب عنه فترة أخرى، وتركه أسير قلقه.

لم يكن يعرف، تماماً، طبيعة تذكّره للشيخ، ولسنوات طفولته الأولى معه، وللأسئلة التي كان يطرحها عليه.

كان لتلك الذكريات بعض الدفء الذي عاشه، وبعض السحر الذي أحبه، وبدايات كونت له الدروب الأولى لصباه.

وكانت لها، أيضاً، مزايا الفقد، والحب الكبير إلى الاختلاف، أجل، لقد افترقت دروبه عنه، والأصح، أنه هو من ابتعد، ونأى، سعياً إلى عالم جديد ومغاير.

ينظر من النافذة، فتنهض أمام عينيه الأشجار والغابات، سامقة، ملتفة، كثيرة الأوراق، خضراء لا حدود لخضرتها، ساحرة، ومبهجة، تنشر الإلفة والأمان.

أطال النظر في المدى الأخضر، ورحل بعيداً إلى آخر آفاقه، كمن يريد أن يقف على نهاية مشتهاة، أو يبلغ ذروة منتظرة.

إنه يعرف أنه ما من نهاية لهذا المدى، وليس هناك من ذروة في هذه البقعة السهلية، المنبسطة، الواضحة والصافية، غيرأنه، يصر، بعناد، على استدعاء أي عون، من أجل الخروج من حالة الترقب التي تمكنت منه، ومن هذا القلق الذي يتركه نهباً لرؤى وأفكار متناقضة.

لقد تأكد له أن تلك الذكريات، وبما تحمل من حالات ومواقف، لا تسعفه، أبداً، في إنجاح المحاولات المتكررة، والمضنية، كي يتحرر من أسر هذا الاضطراب.

ما يهمه الآن أن يتهيأ تماماً لموعده في الغد، لأنه يعقد آمالاً عظاماً على هذه المقابلة، والدور الحاسم لها.

لكنه لم ينجح أبداً في نسيان ذلك اليوم الذي حفل بالترقب والانتظار، وكاد أن يبلغ أقسى درجات اليأس القاتل، ودخل، أو كاد، في خيبة داكنة يسورها الصمت، كتعبير مضن عن تضاؤل آماله.

الفصل الثاني

مرة أخرى ينادي ممدوح صاحبه من جديد، منتظراً قدومه المأمول، وعونه المرتجى في مسعاه.

مشتتاً، وحائراً، راح يفكر ويتساءل:

- هل سيأتي سديم اليوم؟ وكيف سيكون ظهوره؟

وعن كتابه يقول:

- كيف له أن يبسط لي عونه الأدبي؟

ثم يداهمه خوف:

- ماذا سيحل بي لو احتجب عني يوماً آخر؟

لقد تأكد له أن إسهام صاحبه هو الكفيل بإنجاز ما يتوق إليه، وقد تخيل صور هذا الإنجاز، وراح يضيف إليه مواقف الناس منه، وردود أفعالهم، وطرق استقبالهم لعمله المبتكر.
صفحة 4
كان يفكر دوماً في عمله الجديد، أن يكتب رده الأدبي عن أحوال سجنه، بكل ما حل به، وما كابده من صنوف التعذيب، وما لحق به من الألم والأسى.

لقد فكر، كثيراً، بالضربات القاسية، والأصوات المرعبة، وبكل صيحات الخوف، ودروب الدم النازف، وطرق الإكراه المؤلمة، والرهيبة، من أجل انتزاع الاعترافات، وأكد بأنه سيسجل قوائم كاملة بعمليات التعذيب، وفنون القهر والإذلال.

فكر بأشكال السرد، والحوار، والرواة، والشخصيات، وصور الحبكة الأدبية، وكذلك طرائق الوصول إلى الذروة، أو برهة التشويق التي ستجذب القارئ مثلما يجذب السراب الظمآن في الفلاة.

لقد درس، أيضاً، تجارب الكتاب السابقين في هذا النوع من التأليف، ووقف على طرائقهم، واتجاهات أعمالهم، والحظ الذي نالوه من النجاح الأدبي والمعنوي، وحلم بمكانة مثلها، أو أشبه.

لقد فكر أن يسجل ما يعتريه من أفكار، ومشاعر، وما يعانيه، أو يعاينه، كبداية للعمل، وقد استحسن ذلك المسلك، فهو باب يفضي إلى اتجاه معلوم في الأعمال الأدبية.

أجل، سيبدأ من تعلقه بصاحبه سديم، ومن هذا المصير الغريب الذي جمع بينهما.

كان سديم يظهر له بعد كل ضيق، ويرافق حضوره ارتياح بعد ألم، وفرج بعد كرب، وإشراق بعد غم، وسكون بعد قلق.

إنه يذكر لقاءه الأول به، ولا ينساه أبداً، فقد أتاه بعد معاناة رهيبة مع الألم، يوم كان معتقلاً، حيث ألقي به بداية في الزنزانة الانفرادية في فرع الأمن، وعند ظهورسديم انفتحت له نافذة كبيرة قرّبته من آماله.

كان محطماً جراء يوم كامل من التعذيب الرهيب، وقد فتك به ألم لا يوصف من شدة قسوته، ومن تلك الآثار الدامية التي توزعت على أنحاء جسده كله، حتى أنه لم يكن يستطيع مسَّ أي جزء، أو تحريك أي طرف.

كان ملقىً على أرض باردة، قذرة، ولا شيء فوقها سوى مزق متناثرة من بطانية متشققة مجبولة بالعفن، والرائحة الكريهة، والدم اليابس، تضاعف له من قهره واشمئزازه.

كان لا يعرف اليوم، ولا الوقت، وقد فارقته تماماً القدرة على التفكير، وسكنه إحساس ثقيل الوطء، وغائم المعالم، لا ينبئ عن شيء ولا يشي بغاية.

وجوه سجانيه الزاجرة، وقد قدّت من الشتائم المنفرة، وتلك الضربات، والصفعات، والسياط، وما بقي من الأسئلة، هي ما يحاصره، ويواجهه هنا، في هذه الزنزانة الصغيرة، الضيقة، والمعتمة مثل قبر مهجور في أرض مقفرة.

خطوط صغيرة من نور، لكن متقطعة، ولا اتصال فيها، تظهر وتختفي بشكل متواتر من فتحة صغيرة في باب الزنزانة الأسود، هي كل ما يراه، أو يصله، في تلك اللحظات.

لقد صارت خطوط الضوء تلك شغله المقيم لبعض البرهات، وأصبح بصره معلقاً بها على نحو متصل، كأنه ينادي شخصاً غريباً، قادراً، يستطيع أن يوقف هذا القهر الرهيب الذي يعيشه، أو شيئاً مفاجئاً يقطع جريان الألم، ويوقف نزيف الدم، اللذين يلازمانه بقوة، في كل لحظة من لحظات انتظاره وصبره، فيضاعفان عذابه الرهيب، ويتركانه أسير قلقه واضطرابه.

من خطوط الضوء نفسها تكوَّن على هيئة مكتملة لشخص يشبهه في صورته وهيئته وبكامل ملامحه، دخل عليه، كمن يدخل إلى بيته أو بعض أهله.

ومن الأجزاء الصغيرة، والمتقطعة، تجمعت صورته وبانت كاملة، أليفة، ومنسجمة في قسماتها، مصحوبة بصوت هادئ، وحلو الجرس، يسكن إليه من يصله، ويرتاح له من يخاطبه، همَّ إليه باسماً كمن هو على موعد.

علامات متناقضة تجمعت واتحدت دفعة واحدة، وبانت عليه، ووجد نفسه، في الآن ذاته، محلاً لهذا التناقض.

من خوف غريزي وطبيعي صدرت عنه حركات وكلمات غريبة، وغير مفهومة، حاول عبرها أن يواجه ما حصل له.

ومن أمل منتظر عاش به، وناداه مراراً، هلل بصمت للقادم المجهول، كمن يقف على اليابسة بعد أن أشرف على الغرق والهلاك.

بكلمات طيبة، مفهومة، تختزن الثقة والهدوء حياه القادم الغريب، ومن دون أن ينتظر جواباً جلس بالقرب منه معرفاً عن نفسه قائلاً: