eKtab
EN ع
الأرض الطيبة
اقرأ عينة مجانية

الأرض الطيبة

بقلم فؤاد عبد الله كفروني

صفحة 1

مقدمة

قناديل الخير في زمن العتمة...
التاريخ كبد العلوم وموضع استقلاباتها وعنبر حفظها للناس وحصنها من النسيان والاندثار...
وهو كتاب الإنسانية بتطوراتها كافة، لولاه لضاع أكثر العلوم وانعدم تناسقها، ولنسي الناس خبرة الماضي ولما استطاعوا أن يصلوا إلى القادمين على سراب المستقبل.
كتاب الأستاذ فؤاد عبدالله كفروني «الأرض الطيبة» شامل فيما يؤرخه عن بلدة تل عباس (عروس السهل). ولكن لايمكننا أن نصنفه في منظومة تأريخية محددة. فالتاريخ يجري عادة بحسب توالي الزمن أو الأحداث أو الأشخاص، ولدينا من هذه الطرائق نماذج مختلفة، وفي كتاب قصة الحضارة تأريخ يتتبَّع الأثر الحضاري.
في كتاب «الأرض الطيبة»، تتمازج كل هذه الطرق ليكون ما فيها، في الواقع، واضحاً لا لبس فيه. اختار الكاتب من الناس في تل عباس نماذج على اختلاف طبقاتهم، وعلومهم، وعائلاتهم، وأديانهم وانتماءاتهم الحزبية والسياسية؛ فهو لا يكتفي بسرد الأحداث بل يدخل في صميم محركاتها وتداعياتها. وككاتب خبر الناس وخصوصاً في ظروف لبنان الصعبة، وتغيّراته الديمغرافية، نجد عنده في الكتاب هذا أنَّ الفضيلة والرذيلة لا يكونان ولن يكونا حكراً على أصحاب مبدأ معيَّن، وكما يقول المثل (في كل قبيلة هبيلة)، ولا تكون القبيلة مسؤولة عن تصرفات هبلتها. ووجد أن الخير مبذور في قلوب الناس على اختلاف توزع مناطقهم وطوائفهم. يبقى الوطن في كتابه هو العالي محجاً ومختبراً لكل المبادىء والنظريات الفكرية، والوطن الصحيح المحترم قادر على حماية أبنائه بدون تمييز ويدعم الخير فيما بينهم. في كتابه هذا يدمج الخاص بالعام والماضي بالحاضر ويستقدم الأحداث على أطباق الزمن. تحدَّث عمَّا كتبه المؤرِّخون لهذه الحقبة، كما أورد ما لم يتحدَّث عنه غيره، وانتبه إلى دور الصغير والكبير في صناعة المجتمع. تنقَّل بين كل المجالات في القرية مبيِّناً أهمية الإيمان في صنع المجتمع والإنسان وحاجة هذا الإنسان إلى الآخر بفكره ووجوده لأنَّ الروح يهب حيث يشاء وعلينا ألَّا نطفىء الروح. وفي هذا المجال سار في وصف الذين عاكسوا الزمن وهم كثر في عكار وأقل منهم في خارجها؛ لقد استطاع أن يرى قناديل الخير في زمن العتمة واشتداد الظلم والظلامية في الأحداث اللبنانية وبخاصة في حادثة تل عباس التي رواها بحذافيرها. وفي هذا المجال وضعنا من خلال حادثة تل عباس في وضعية المتأمِّل في واقع مشاركتنا في القضايا الوطنية، والسؤال المهم هل غدا المؤمنون في هذا الشرق موضع الاستهلاك النضالي ريثما تمرُّ المخططات؟ وهل نحن المسيحيين بخاصة في البلاد العربية أغبياء مستهلكين في أسواق نخاسة القضايا العربية والشرق أوسطية، وهل علينا في النهاية أن نكون (أمعة)...
إنَّ الكتاب تأريخ في علم الاجتماع، وعلم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاقتصاد، وكذلك فيه نفحات إنسانية. فعلى تشعب المرويات وخصوصياتها ما غاب عنه بعض من الاقتصاد الريفي والذي تميَّز به المجتمع العكاري، وكذلك نفحات العاطفة الأدبية ظاهرة بادية تحلي عنق الكتاب وجيده.
أعتقد أنه لو قيَّض الله من يكتب هكذا للناس الذين صنعوا مجتمعاتهم وليس فقط للسياسيين والرأسماليين والمتسلطين على رقاب الشعوب بالخوف والرهبة... لكان الوضع أفضل بالتأكيد.
الكتاب نموذج لمن يريد أن يسرد الحقيقة بالحق بدون زيغ أو دوران، ويصلح للاقتداء في التاريخ لكل قرية وبلدة ومدينة.
إلى مزيد من العطاء يا أستاذ فؤاد مصحوباً بالبركة ومدعوماً بالمحبة وصدق الوطنية...
المتروبوليت باسيليوس منصور
راعي أبرشية عكار الأرثوذوكسية وتوابعها
في 7/5/2013
صفحة 2

حب القرية، عشق الوطن والبعد الإنساني...

«الأرض الطيبة» كتاب جديد لفؤاد عبدلله كفروني الذي يلفتني فيه إدمانه رحيق الحرف وعشقه حسان الكلم.
بعد تصفحي لهذا الكتاب وتتبعي خفايا ما بين السطور وترصدي زهر المعاني التي تجوب آفاق نفسه، وجدتني أمام كاتب تعملق فيه انسانه لثلاثة.أولها حب القرية مسقط الرأس، وثانيها عشق الوطن سليما معافى، أما ثالثها فذلك البعد الإنساني النبيل الذي يجعل فؤاد كفروني داعية تواصل وتلاق ومحبة في زمن التنافر والتدابر والتنابذ.
وإلى هذه القيم الثلاث أعود الآن لأسلط الضوء من خلالها على قلب لم تستطع عواصف الفتنة أن تطفىء فيه مصابيح المحبة والمودة والسلام، ولم يتمكن ليل الحقد والكراهية من أن يمحق في روحه فجر الأمل والرجاء، ولم تزده الزعازع الهوج إلّا إيماناً بالقيامة والبعث وخلاص الإنسان.
فؤاد عبدالله كفروني عشق قريته حتى الثمالة؛ إنه يحفظ ملامحها المقروءة والمسموعة كما يحفظ الحبيب ملامح حبيبته، يستمد من هذا العشق اللامحدود ما يمكنه من الابتسام في أدق الظروف وأحلكها. كيف لا، وهو يتتبع مسيرة حياتها بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، مصراً على ألّا يفوته حدث من أحداثها بدءاً من نهايات الحرب العالمية الأولى وحتى اللحظة، لكن المحطة الأهم في حياة تل عباس كانت ما عانته هذه القرية الوادعة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت شرارتها في الثالث عشر من نيسان عام 1975، لقد هال الكاتب أنْ تسيطر نوازع الشر في تلك الحقبة السوداء فينسى الإنسان إنسانيته ويقتل الأخ أخاه لتتعرض القيم في وطن الحرف إلى أبشع مذبحة يمكن للعقل البشري أن يتصورها. تل عباس في الحقبة العمياء نموذج لكل قرية لبنانية زحفت إليها قطع الليل في قلب الظلام.
يريد فؤاد كفروني أن يقول من خلال سرده لأحداث تلك المرحلة المؤلمة إنه علينا أن نبحث عن أنفسنا في المحبة لا في الكره، في التسامح لا في التعصب. في التواصل لا الانقطاع وإلّا تحول كل منا إلى عبء على الحياة، وما قيمة المرء إذا انقاد لهمجيته ولبى نداء غريزته واستجاب لعواء ذئاب الشر القابع في نفسه؟
أما الوطن، فالكاتب ناسك متعبد في محاريبه، ولكنه حزين لأنه يحب لوطنه أن يكون في موقع أسمى وأجل، حزين لأن الوطن الرسالة قد ذبحوه وهشموه ونثروا أشلاءه في كل اتجاه. يريد فؤاد كفروني أن يكون لبنان قلعة مثل وحصن مبادىء وواحة شعر، كأني به يخاطب السياسيين هاتفاً على طريقة جبران لكم وطنكم ولي وطني. وهتافه هتاف كل حر كريم يرى بلده يذبح على أيدي حماته وولاته. كأني به يتساءل كيف يمكن أن يبني وطناً من قدم ولاءه لطائفته وعشيرته على ولائه لوطنه؟ كيف يمكن أن يبني وطناً من نحى العقل جانباً ليجعل السلاح حكما في المواجهة بينه وبين أخيه؟ كيف يمكن أن يبنى وطناً من يظن نفسه الوطن كله؟
يرى الكاتب أنّ لبنان جزء من هذا العالم العربي مؤمن بالعروبة الحضارية. عروبة الانفتاح والتجدد. فهو ينعى على قومه العرب تخلفهم عن مجاراة روح العصر وعدم تنبههم لما يحاك ضدهم من مؤامرات وغفلتهم عما يخطط لحاضرهم ويرسم لمستقبلهم في كواليس الدول الكبرى التي تسير عالمنا المعاصر. العالم العربي يعيش الحالة الجاهلية في زمن التحولات الكبرى على كل صعيد، فمتى يعود العقل العربي إلى التفتح ثائراً على قيوده وأغلاله ليسهم في حركة الحياة ويوجه مسارها؟
يبقى حب الكاتب للإنسان في كل أرض وتحت كل سماء، وفي هذا الحب السامي النبيل نجد صدى .
نهاية أقول: في عشقه لتل عباس تسطع شمس أصالته، وفي تعبده للوطن يشمخ إيمانه بلبنان وفي انتمائه لعروبته وعي وثقافة وحضارة وعندما يذوب فؤاد كفروني في الإنسان أينما كان يجد ذاته النقية الصافية تنصت إلى كلمات عيسى على شفاه محمد وتغضي لطيف محمد بين أجفان المسيح.
أخي فؤاد لم أقرأ كلماتك فقط بل تقريت فيها ملامح الإنسان فيك.
الشاعر سعد الدين شلق
في 22/4/2012
صفحة 3

القبرصة

بغزو قبرص سنة 1974 وتقسيمها إلى جزأين على أساس قومي وديني بدأ تسلل المسلسل المعد، إلى قلب المجتمعات العربية التي تتكون من خليط ديني وقومي وعشائري، محركاً التناقضات على كل المستويات موهماً كل جماعة أو فئة بأنها ستنتصر، وهكذا دخلت المنطقة العربية ولاتزال في عتمة أحداث عبثية مثلت وتمثل، على مسرح يمتد من لبنان إلى العراق و اليمن والسودان ومصر و«الحبل على الجرار» ...
في الواقع، إن المؤامرة كبيرة، لكن الحقيقة الجارحة التي لم تعد خافية على العقلاء تجعلنا نقول: إن العلة تكمن في مستوى الوعي الفكري والثقافي المتدني في المجتمع العربي الذي لم يتجاوب كما يجب مع المبدعين المحليين والعالميين على المستويات كافة بما فيها المستوى الاجتماعي – السياسي، مما حولها إلى مجتمعات محنطة وأماكن مناسبة لأن ينفّذ المتآمرون عليها، بها وفيها، ما يريدون!!!
منذ عشرات السنين وهم يخططون لاحتلال المنطقة وطرد من يشاؤون وإنهاء وجود من يريدون... أما نحن، وفي الوقت ذاته، فنيام غافلون إلى أن وقعت الواقعة وبدأت المأساة العامة تخيم على لبنان والمنطقة... وأخذنا نلعق دمنا من جرحنا النازف... وفي سياق المؤامرة الكبرى التي تشكل الإطار العام، جرت أحداث منها حادثة تل عباس وغيرها من الحوادث التي أرهقت الوطن ولاتزال. بالطبع، إن المتآمرين يرسمون الإطار، يحددون الهدف، ويطلقون الآلية، بصرف النظر عمن يسقطون أو تدمر منازلهم وقراهم وأحياؤهم. فكل هذا يشكل الوقود الذي يوصلهم إلى الغاية. وبكل تأكيد لن يذرفوا الدموع.
في النهاية نحن من يدفع الثمن المرتفع الناتج عن الفهم الخاطىء للقيم، وعن عدم تطبيق المساواة بين المواطنين على كل المستويات، فهناك التمييز السافر بعض الأحيان، والمضمر معظم الأحيان على أساس الجنس والدين والطائفة والمذهب والأصل والطبقة والإتنية استناداً إلى دساتير وقوانين وأنظمة مرّعليها الزمن. إن هذا التمييز المتبع في العديد من الدول العربية يزعزع البنيان الاجتماعي، ويجعل تلك الدول عرضة للتفكك والزوال. لذلك يجب أن ندرك أنّ مسؤوليتنا عن الضرر اللاحق بنا لاتقل أهمية عن مسؤولية المتآمرين. لكن الخميرة الجيدة لا تزال تفعل في مجتمعنا، وهي التي تبشر بالقيامة، كما تؤكد الأحداث التي مر بها الوطن.
الكاتب
في 1/10/2010
صفحة 4

إضاءة

مرت تل عباس، كأية قرية لبنانية، بمحطاتٍ هامة منذ العهد العثماني وحتى اليوم. إن الحديث عن «تل عباس» هو حديث عن أنموذج يشكّل منطلقاً للدعوة إلى التسامح والمحبة وبناء المجتمع بطريقة متينة، وبناء الوطن بشكلٍ أفضل عن طريق تطوير دستوره وقوانينه، لعلّ اللبنانيين ينعمون بعد العذابات التي عاشوها بحياة راقية مبنية على احترام القانون والتعلق بالوطن.
إن المحطات الهامة التي مرّت بها هذه البلدة لم تأتِ من العدم، فليست هي قطعة مسلوخة عن محيطها ومجتمعها العكاري بشكل خاص واللبناني بشكلٍ عام، لذلك كان لا بد من التحليل في سياق السرد. وبما أنني أحد أبنائها الذين عايشوها منذ نشأتهم وحتى الآن، الذين ذاقوا حلاوة العيش فيها حيناً ومرارته أحياناً، كان لا بدّ من بث بعض الوجدانيات الصادقة بين السطور.
فمنذ خمس وثلاثين سنة، كنت، كغيري، مجبراً على مغادرة ضيعتي، تركت منزلي وما فيه، ومشيت هائماً تعانقني عتمة الليل، تريد إخفائي عن أعينٍ تختبئ في الظلمة، تبحث عن ضحية، تريد سلبي هنائي وما أحمل من ذكريات.
أذكر أنني كنت في ذروة الضياع في ذلك اليوم الكالح، كان الوضع زرياً محزناً مأسوياً تتقطّع له نياط القلوب، وكانت مشاعري وأفكاري تتلاطم كأمواج بحرٍ هائج، أنا في اتجاه، زوجتي، أمي، أنسبائي، أبناء بلدتي، كلٌ في اتجاه، لا أحد منا يعلم عن أحد شيئاً، ولا أحد قادرٌ على مساعدة الآخر، زمنٌ فاقت مرارته حدّ التصوّر.
ضيعتي، تل عباس الغربي، عروس السهل، عبث فيها ولها على صدرها أناسٌ من وطني، أضاعوا البوصلة، وتاهوا عن درب الحق، خلعوا القيم ونسوا أننا كلّنا مواطنون، وأننا كلّنا بشر من الطين ذاته.
لصوص العتمة في ذلك الزمن القاسي، اقتسموا المعابر، غرسوا الخوف والرعب، أصدروا أحكاماً بالإعدام والنفي والتهجير.
المقرِّر مجهّل، مستنفرٌ خلف الحجاب، وهؤلاء الناس من بسطاء سُذَّج وزاعمي معرفة، ومدّعي ذكاء، ومتبوئي مراكز، ليسوا سوى أدواتٍ تحركها الغرائز والشهوات.
أمّا الطيبون فلا حول ولا قوة لهم، فتأثيرهم الاجتماعي ينعدم في مثل هذه الظروف القاسية.
منذ خمس وثلاثين سنة، سكبت أحاسيسي ومشاعري وما رأيت وما سمعت على الورق، إنه التعبير الصادق، وليد الحدث واللحظة، عن تلك المرحلة المحزنة.
أنا، وبينما أبث فيها الروح باعثاً إياها إلى الحياة بعد سباتٍ طويل وعميق، فرضته اللياقة الاجتماعية والفكرية والسياسية والقوانين الناظمة لحسن سير الحياة منعاً لإيقاظ المشاعر المدفونة والذكريات المرّة، إنما أفعل من أجل العبرة والتاريخ، لا نكأ للجراح، فقد مرّ الزمن وأصبح ممكناً الحديث عما كان ممتنعاً.
مع ذلك، ولبلوغ الغاية المرجوة فإنني لن أتطرق إلى ذكر الأسماء والوقائع إلّا إذا كان ذكرها مفيداً وضرورياً.
تل عباس، ضيعتي، أحببتها، أحبها وسأحبها، وإنني أحاول نقل صورتها منذ القدم وحتى اليوم مروراً بكل المفاصل الهامة التي مرت بها منذ أواخر العهد العثماني إلى ما بعد خروج الجيش السوري من لبنان مع التركيز على ما جرى لهذه البلدة الرائدة في بدايات ما أطلق عليه اسم:«حرب السنتين»، أو الحرب الأهلية في لبنان التي امتدت لأكثر من خمس عشرة سنة والتي لا نزال نحيا آثارها حتى اليوم.
إنّ ما تعرضت له هذه البلدة خلال تلك الحقبة، كاد يزيلها من الوجود، والحديث عن هذا الموضوع أمرٌ شائك وصعب إذ لا بُدّ من التطرق إلى ذكر قرى وجماعات وأطراف وأحزاب ومنظمات وأشخاص جلاءً للحقيقة بعيداً عن التجريح .
فالحدث في حد ذاته لا قيمة له إلّا إذا نظرنا إليه بموضوعية من أجل استخلاص «العبر» وتعلم «الدرس»؛ فالإنسان العاقل يسعى إلى تصحيح أخطائه مستفيداً من الماضي، مساهماً في إرساء أسس متينة لمستقبل المجتمع.
لقد تعودنا في لبنان، الهروب من الحقيقة، علماً أنّ الهروب الدائم يساهم في إضعاف منعة المجتمع، لذلك لا بُدَّ من قول الحقيقة توخّياً للأفضل ومن أجل أن يبنى الوطن على المعرفة والوعي، وفي كل الأحوال يجب ألّا تُطمس الحقائق والأحداث، بل يجب أن يُسلّط الضوء عليها، فهي على درب التاريخ حفرٌ واجبة الرؤيا منعاً للسقوط.
وبما أنني ككاتب، أنتمي إلى الجيل التقليدي المرتبط برباط العائلة والقربى والمصاهرة، فلا بدَّ، وخلال الحديث عن البلدة، من ذكر البعض ممن أتصل بهم برابطة الدم أو القربى أو المصاهرة، إلّا أنّ ذكر هؤلاء لا يحصل على أساس الروابط المنوّه عنها بل على أساس الدور الذي قاموا به.
صفحة 5
فأسما سيدي والدتي - وهي من الأمهات اللواتي لعبن دوراً هاماً في المحافظة على أولادهن وتنشئتهم تنشئة جيدة - تذكر في السياق مع غيرها من الأمهات والنسوة، كرحمة متري، وزهية فضول، وسارة بشور، وأمينة نعوس، وغيرهن. ووالدي عبدالله كفروني (أبو طنوس) يُذكر لأنه أحد الفاعلين في مجتمع القرية منذ مطلع الشباب وحتى النصف الأول من السبعينيات من القرن العشرين، إذ كان له دور قبل الانتفاضة التي حدثت سنة 1955 وبعدها، وأثناء أحداث سنة 1958 ترأس محكمة باسم الثورة وكان أحد النواطير الثلاثة الذين كانوا يتنافسون ويديرون سياسة البلدة، وقد شارك في كل مفاصل حياتها. وبحكم العيش معه في سكنٍ واحد اطلعت على كثير من الأمور التي ذكرت القليل منها، بالإضافة إلى ذلك، فأنا من جيل أمضى طفولته ومراهقته وشبابه فيها، وما إن أطل النصف الثاني من الستينيات حتى كنت أحد المشاركين في نشاطات البلدة، إن من خلال الانتساب إلى جمعيتها أو إلى ناديها الذي ترأسته لمرة واحدة قبل أحداث سنة 1975، التي شكلت تحولاً هاماً في مجتمعها على كل الصعد، وكنت على احتكاك دائم مع محازبيها على مختلف مشاربهم ونسجت علاقة طيبة وصادقة مع معظم شبانها بصرف النظر عن انتمائهم السياسي والعائلي. ودرّست في مدرستها أربعاً وعشرين سنة، وترأست «نادي الطليعة» في أهم حقبة من حقبات حياتها بعد الأحداث، ما كوّن لدي معلومات جمّة وجعلني جزءاً من تاريخها، فأنا عندما أذكر وقائع لها علاقة بأحد أفراد عائلتي أو بي إنما أفعل بكل بساطة وتجرد وواقعية، لأنني عشت تلك الوقائع وشاهدتها وترسّخت في ذهني، فحضنها فكري إلى أن اختمرت وأتى الظرف المناسب لإخراجها إلى الحياة.
مع لفت النظر إلى انعدام وجود الوثائق عن الحقبة التاريخية القديمة، وإلى أن الحديث المروي من كبار السن هو المصدر الأساسي لكثيرٍ مما هو وارد في هذا الكتاب، بالإضافة إلى المشاهدة والمعاصرة، وإلى أحاديث مروية مباشرة من أصحاب العلاقة.
إن هذا الكتاب، ليس تأريخاً بالمعنى الدقيق، إلّا أنه يتحدث عن تطور البلدة وما مرّت به من أحداث ومدى ارتباط هذه الأحداث بالأوضاع العامة في المحيط المباشر وفي المجتمع اللبناني، ولا يخلو السياق من بعض الوجدانيات التي تظهر في مواطن متعددة خصوصاً في المناجاة والرسائل.
أما بالنسبة إلى المحطات الهامة في تاريخ البلدة، فقد استعرضتها وأشرت إليها متوخياً العبرة.
أمّا الحديث عن التدخلات الخارجية في البلدة في الماضي والحاضر، فلا يهدف إلى منعها من نسج علاقاتٍ مع الآخرين خصوصاً في هذا العصر بل إلى التنبه من التدخل المهيمن على إرادة وقرار وحرية الناس في المفاصل الحياتية الصعبة.
إنني أكتب بصفتي مواطناً متعلقاً بالوطن، يرغب في أن تكون دولته قوية متماسكة حاضنة لكل الناس دون تمييز، لا دولة متراخية، هشة متخلية عن دورها الاجتماعي وعن واجباتها تجاه مواطنيها، لأن ما نشهده من استقالة الدولة من كثير من مهماتها أمرٌ مؤسف للغاية،كشق الطرقات وبناء المدارس الرسمية والضمان الاجتماعي والصحي وغير ذلك. ونحن مع تقديرنا لبعض المتمولين لما يقدمونه من خدمات على المستوى الأكاديمي والمهني والصحي وغير ذلك إلّا أننا نفضل أن تقوم مؤسسات الدولة بهذه الواجبات ليكون ولاء المواطن لدولته ووطنه لا تابعاً مسيطراً عليه.
وعلى أمل أن يشهد الوطن نهضة فكرية فلسفية قانونية تمهّد لتغيير سلمي على كل المستويات، نقدم هذا العمل الذي أردناه للعبرة.
صحيح أن ما أوحى بهذا المؤلَّف، هو ما شهدته البلدة من أحداث، خصوصاً ما جرى سنة 1975، إلّا أن هذا الكتاب يأتي في سياق ما نتمنى من نهضة فعلية للمجتمع اللبناني في كل الميادين، لذلك امتدت مواضيعه فجاءت شاملة بعضاً من التطورات اللبنانية والعكارية، حاضنة لذكرى بعض من ضحوا بإخلاصٍ خلال الأيام الصعبة!! ومن تحلّوا بروح المواطنة الحقيقية، مع لفت النظر إلى أنه، عندما يتكلم أو يكتب أي شخص على بلدة، عليه أن يضعها في الإطار الجغرافي والاجتماعي والسياسي لكامل البلد، لكي تفهم الواقعة أو الوقائع على حقيقتها، فكل شيء ومهما كان صغيراً مرتبطٌ بما حوله.
إلّا أنه ومهما كان الكاتب أو المحلل يمتلك من معطيات، فهو لن يتمكن وبكل تأكيد من الإحاطة الكاملة بكل شيء، فهو يعلم أشياء وتغيب عنه أشياء.لذلك، وإذا ما كان ثمة أحداث أو شخصيات هامة أُغفل ذكرها، فهذا ليس مقصوداً، ونحن في هذا المجال نعتذر عن نقصِ معلوماتنا خصوصاً وأن غياب الوثائق أمر مؤثر.
لقد اعتمدنا في سرد الأحداث التي ذكرت، على التواتر، وعلى استنطاق الكثير من الشهود وقد تم ذكر بعضهم، كما اعتمدنا على الخبرة الذاتية كوننا عايشنا مرحلة هامة من تاريخ البلدة والمنطقة ولبنان، أقله منذ سنة 1958 وحتى تاريخه، وكوننا ننتمي إلى عائلة شاركت في كل أحداث البلدة المعروفة على المستوى العائلي أو الفردي، وكوننا واكبنا مسيرة تل عباس من خلال مؤسساتها خصوصاً نادي الطليعة.
وفي كل الأحوال، ومهما فعل الإنسان يبقى مقصراً في بعض المجالات لذلك نأسف ونعتذر عن كل تقصير مهما كان، فلا يوجد من يلم بكل شيء!!
المؤلف
في 1/10/2010
صفحة 6

تل عباس غربي

الموقع، المحيط والسكان([1]):
تل عباس([2]) قريةٌ قديمة تتألف من قسمين منفصلين جغرافياً بمجرى نهر الخريبة أو الأسطوان الذي يروي قسماً واسعاً من سهل عكار.
القسم الأول معروف باسم تل عباس الشرقي وتبلغ مساحته 376 هكتاراً، عدد السكان فيه يتجاوز الألف وهم من المسلمين السنة والعلويين، لأن المسيحيين الذين كانوا يسكنون فيه غادروه إلى تل عباس الغربي وبعض القرى الأخرى.
القسم الثاني هو تل عباس الغربي، وهذه البلدة تبعد عن حلبا مركز القضاء خمسة كلم وعن الحدود السورية عند منطقة الدبوسية اثني عشر كلم تقريباً، وعن طرابلس ثلاثين كلم وعن بيروت ماية واثني عشر كلم، تبلغ مساحتها خمسماية هكتار تقريباً تزرع فيها الحمضيات والخضار وخلافه.
ورد اسمها في بعض المدونات «دابورة تل عباس» ودابورة كلمة آرامية تعني الناحية الخلفية، وهذه التسمية تجعلنا نستنتج أن هذه البلدة مسرفة في القدم.
يبلغ عدد سكانها حالياً ستة آلاف نسمة وفقاً لبعض المراجع معظمهم من الطائفة المسيحية الأرثوذكسية مع بعض العائلات المسيحية المارونية والكاثوليكية وعددٍ من الأشخاص يؤلفون جماعة تنتمي إلى شهود يهوه بالإضافة إلى بعض السنة من آل عباس([3]) وهم يقيمون حالياً في بلانة الحيصة إلّا أنهم مسجلون في البلدة وأخيراً نُقلت إلى سجلاتها عائلات سنية من «عشيرة اللهيب» خصوصاً من «آل عبود».
تشرف على تل عباس غربي عدة قصباتٍ وقرى منها منيارة وجديدة الجومة والشيخ طابا والزواريب وحلبا والشيخ محمد، وسكان هذه البلدات بمعظمهم من المسيحيين، وهذه البلدات تشكل ما يسمى منطقة «الشفت»، وقد تكون هذه اللفظة محوّرة عن كلمة «الشفق» كونها تشفق أي تطل على السهل، أو من كلمة «الشفة» لأنها تمتد بمحاذاة السهل على شكل شفّة الفم.
كما تشرف عليها أيضاً كل من البلدات التالية: كروم عرب والخريبة وكوشا والكويخات التي يعتنق سكانها المذهب السني، وتحيط بها عدة قرى ودساكر منها ما هو بعيد نسبياً كسعدين ودارين وتل معيان وهذه القرى على المذهب السني، والمسعودية على المذهب العلوي، ومنها ما هو ملاصق لها كتل عباس الشرقي (مختلطة علوي سني) والحيصة (علويون) وبلانة الحيصة وقسم من حي الزفير ودسكرة لآل مراد معروفة بتلة الزفير أو السفير أو الظافر (مسلمون سنة).
في ذلك الوقت كان آل عبود مسجلين في سجلات نفوس قرى أخرى، أمّا دسكرة آل مراد فكان سكانها ولا يزالون مسجلين في سجلات بلدة الخريبة، خصوصاً وأنها تابعة عقارياً للبلدة المذكورة في جزءٍ منها، أما الجزء الآخر فيقع ضمن منطقة تل عباس غربي العقارية. مع الإشارة إلى أن هذه القرى منتشرة في السهل وكان يتواجد فيها المسيحيون في الماضي إلى جانب المسلمين من سنّة وعلويين إلّا أنه لم يبق فيها حتى سنة 1975 أي مسيحي مقيم إذ ارتحل هؤلاء باتجاه تل عباس الغربي وغيرها من البلدات المسيحية.

عائلات تل عباس الغربي

يتواجد حالياً في تل عباس الغربي العديد من العائلات منها: داود، متري (ويلقبون بالجمَّال)، الجمَّال، عوض، فرح، سابا، كفروني، نقولا وجريج (العائلة ذاتها) وهناك عدة عائلات تعرف أيضاً بجريج، قاطرجي وفارس، فارس سليم، دعبول، الضهر (وفدت من قرية ضهر ليسينة – عكار)، الحلو، نادر، حنّا، الكفوري، خرما، قيصر، الشحمينة، المعما ري، بردقان، بشور، مكاري حاوي، حلبي، خليل، الحنا، زمق، زيبق، حداد، بولاد، اسحق، أيوب، نعوس، فضول، حيدر، وهبة وطعوم (العائلة ذاتها)، دبول والبياض وملكي (العائلة ذاتها)، سوسان، وسوف، مسوح، سعد، زيّود، الياس، ديب، موراني، طعمة، سلّوم، يونس، شحود، شهلا، حداد، مخول، موسى، ابراهيم، عباس، عبود وخضر.
وهناك عائلات فقدت تواجدها في البلدة إن بسبب الانقراض أو الهجرة أو النـزوح؛ منها: هلالي، نصار، فضول، اسحق، سقالم، باشا، مجبر، صافي، الزمّار، المصامعي، جروج، هيّا، خرما وحلبي.
كما أن عائلات أخرى استوطنت فيها، بينها من قدم من قرى لبنانية كهيتلا والعبودية والدبابية، وبينها من قدم من بعض القرى السورية كإدلين والشبرونية والعامرية.
وقد قدمت هذه العائلات بين أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين، وبعضها في النصف الأول من السبعينيات (كعائلة بركات دبول). وأخيراً أي منذ سنة 2005 نقل بعض سكان حارة الزفير من آل عبود وخضر وأحمد نفوسهم إلى البلدة.
ومن العائلات التي نزحت نهائياً منها: آل اسحق وقد غادروا البلدة إلى بيروت على أثر مقتل أحد أفراد عائلتهم المدعو اسحق إبراهيم اسحق على يد مسلحين في بداية الأحداث.وقلما تجد عائلة لايقيم أكثر من نصف عددها في منطقة بيروت الكبرى وسائر المناطق اللبنانية بالإضافة إلى المهجر إلَّا ان هؤلاء لم يقدموا بعد على التخلي عن منازلهم وبيعها من الغير باستثناء عدد قليل جداً.
ومن العائلات النازحة منذ القدم والتي لا تزال تتواجد في بيروت والمهجر ويتردد بعض أفرادها إلى البلدة عائلة فضول، وهناك قسمٌ من أبنائها نقلوا نفوسهم إلى أماكن إقامتهم؛ فعائلة كفروني المقيمة في الزواريب قرب منيارة، هي من تل عباس الغربي، وكذلك عائلة حيدر المقيمة في كفرعقا – الكورة.
إن عائلات تل عباس الغربي، كعائلات أية قريةٍ لبنانية، كانت ترتبط بروابط القربى الناتجة عن المصاهرة لأن التزاوج كان كثير الحدوث بين عائلات البلدة الواحدة. أمّا اليوم فقد خفّت وتيرته وأصبح التزاوج أوسع نطاقاً ونستطيع أن نقول إنه أصبح عالمياً بسبب من انفتاح الدول والشعوب على بعضها بعضاً، وصرنا نجد في البلدة زوجاتٍ من مختلف المناطق اللبنانية وعربياتٍ خصوصاً من سوريا، وأجنبيات من مختلف دول العالم، من كندا، الولايات المتحدة، فنزويلا، البرازيل، فرنسا، أوكرانيا، روسيا، جورجيا، اليابان إلخ، وهناك زيجات مختلطة (مسيحية–إسلامية)... لذلك لم يعد طابع العلاقات ضمن البلدة كما هو، وهذه الحالة ليست حكراً عليها بل هي منتشرة في العديد من القرى اللبنانية. وهكذا أصبحت المشاعر والروابط تتجاوز الحدود العائلية التي كانت سائدة منذ نصف قرن تقريباً،ما سبب خللاً في العلاقات، أضعف الروابط إلى حد كبير.
صفحة 7

ملاكو تل عباس الغربي

منذ العهد العثماني وحتى سنة 1975 كانت غالبية أراضي تل عباس مملوكة لآل عطية ونادر ومكاري وغيرهم من أهالي بينو إلّا أن الملاكين الكبار كانوا من آل عطية.
ثم نشأت بعض الملكيات الصغيرة لبعض عائلات تل عباس غربي كآل هلالي وفضول وسابا وفرح وديب وبردقان وحيدر وبولاد.
إلّا أن آل عطية وبحكم ملكيتهم الكبيرة التي امتدت على معظم أراضي البلدة ومنازلها كانوا يتحكمون بكل شيءٍ، بالأرض والبشر والحجر والمواشي.

النفوذ

لقد خضعت تل عباس الغربي كجاراتها لحكم الإقطاعيين من بكوات وأفندية، وقد مارس السيطرة السياسية عليها البكوات من آل مرعبي لا سيما وأن تل عباس الشرقي المجاورة كان يتزعمها غالب العلي المرعبي أسوة بـ«الحوشب» التي لا تبعد كثيراً عن «تل عباس» والتي كانت مركزاً لبكوات آل مرعبي ومنهم النائب والوزير سليمان العلي وشقيقه مالك العلي الذي كان الحاكم بأمره لمدة طويلة، وكان يجاوره في سعدين ودارين بكوات من آل الرشيد، وقد امتد نفوذ البكوات إلى أنحاء سهل عكار متلاقياً مع نفوذ البكوات القاطنين في منطقة القيطع كآل عثمان المرعبي وعبد الرزاق المرعبي وغيرهم.
إنه لأمر طبيعي أن تتأثر تل عباس كغيرها من البلدات بالنفوذ الإقطاعي على المستوى السياسي والمعيشي والاقتصادي والوظيفي، فهم أصحاب السلطة على مستوى الواقع وعلى مستوى النظام، فمنهم: النواب، والوزراء والموظفون.
وكذلك كان لآل عطية نفوذٌ هام لأنهم أيضاً من رجالات النظام ومن الملاكين الكبار في الوقت عينه، إلّا أن آل عطية لم يكونوا على الخط السياسي ذاته، بل انتهجوا سياسات مختلفة. في حقيقة الأمر، كان النفوذ الأشد على أهالي تل عباس هو نفوذ آل عطية لأنّ علاقة الأهالي كانت علاقة مباشرة معهم خصوصاً وأنهم كانوا يعتاشون من الزراعة ويسكنون في منازل تعود ملكيتها لهؤلاء أيضاً.
إن آل عطية كانوا يعتبرون بينو مصيفاً لهم وتل عباس غربي مشتىً، علماً أنّ مناخ تل عباس الغربي كان قاسياً خصوصاً في الشتاء لكثرة ما تهب عليها الرياح الشمالية اللاذعة، أمّا صيفها فرطب وحارق.
أمّا حول تملّك آل عطية لأراضي تل عباس غربي،يروي بعض كبار السن كرشيد نقولا (العماري) وهو ملقب بالعماري لأن والده نزح من بلدة عمار البيكات واستوطن تل عباس غربي والياس دعبول (الذي تزوج من لطيفة القدوم من جبيل التي وفدت إلى البلدة خلال المجاعة التي ضربت جبل لبنان ولم يرزق منها أولاداً فتبنى ابن اخته ميلاد الملوحي)، وعبود جرجس ديب، والأب أغابيوس نعوس([4]) الذي عاش مختلف مراحل البلدة، وخليل سابا وغيرهم؛ لقد روى بعض هؤلاء ما يلي: «أن سيدة من البكوات كافأت الكاتب في ديوانها يوسف بربر عطية لأنه أنقذها من موقف حرج، فقدمت له مساحة لا بأس بها من أراضي تل عباس غربي، ثم أخذ يتوسع ويستقدم العائلات المسيحية من القرى المجاورة ومن بينو.بينما قدم آخرون رواية مختلفة».
لقد أثبت يوسف بربر عطية قدرة في التملك والتوسع متحولاً ونسله من بعده إلى «أفندية»([5])، وقام آل عطية باستقدام العائلات الإضافية من بينو وغيرها من القرى المجاورة وقد شكَّلت تل عباس نقطة جذبٍ للمسيحيين المنتشرين في تلك القرى لأنها القرية المسيحية الوحيدة في السهل التي كان يوجد فيها كنيسة ومدافن وكاهن، ففيها يلبي رغباته وحاجاته ويعيش متجانساً مع الآخرين لأنه وكما يبدو كان يحمّل المسؤولية عن أخطاء غيره في كثيرٍ من الأحيان، فلقد روى أحد هؤلاء الكبار: «أن أحد البكوات طلب من فلَّاحيه أن يقوموا بسقاية أراضيه، وكان الفلاحون في تلك الأيام متنوعي المعتقد الديني، فمنهم العلوي والسني ومنهم المسيحي، وتشاء المصادفات أن يكون بين الذين سقوا الأراضي «نصرانياً أي مسيحياً».
بعد أن انتهى الفلاحون من السقاية، وقبل أن يسدد لهم أجرهم قام ذلك البيك بجولة في أراضيه يرافقه بعضهم، فوجد أقساماً عديدة غير مروية موزعة هنا وهناك، وكان كلما سأل: «لماذا لم تسقوا هذه القطعة، أو هذا القسم أو هذا الجزء؟ كان الفلاحون يجيبونه: «هذه البورة من النصراني» أي حمّلوا النصراني (المسيحي) المسؤولية عن التقصير.
وعندما حان وقت الحساب، اجتمع الفلاحون، وأرسل البيك خلف «النصراني» الذي أقبل خائفاً لأنه علم أنّ الكل حمّلوه مسؤولية التقصير في سقاية الأراضي.
توقع الجميع أن يقوم البيك بمعاقبة النصراني، إلّا أن هذا الأخير نادى على النصراني وأجلسه قربه قائلاً: يبدو أنك كنت تعمل وهم يتفرجون، فأنت تستحق بدل الأتعاب منفرداً.
هذه القصة تدل على أمرين، الأمر الأول: أنّ النصراني كان في تلك القرى الحلقة الأضعف ولا مانع من تحميله المسؤولية، وتعني أيضاً، أن المالك الذي هو البيك، كان منصفاً بحق النصراني وقاسياً بحق الباقين الذين أرادوا التنصل وتحميل المسؤولية للأضعف، إلّا أنه لم يكن يوجد دائماً بكوات على مستوى كهذا من الفطنة والحنكة. طبعاً ليس هذا هو السبب الوحيد، لأن السبب الأهم هو توافر الخدمات التي يحتاجها عند الزواج والولادة والعمادة والوفاة، فوجوده في قرية مكتملة الخدمات تريحه من كثيرٍ من الأعباء، وفي تلك الأيام لم يكن بمقدور المسيحيين المنتشرين في قرى السهل أن يقوموا ببناء الكنائس والمدافن وسيامة الكهنة.
صفحة 8
ولعل الرواية التالية تسلط الضوء على سبب من جملة أسباب أخرى كانت تدفع المسيحيين إلى الهروب من مكان إلى آخر: قالت أنيسة كفروني زوجة ابراهيم حيدر: «في يوم من الأيام وبينما كان والدي يصلي تحت شجرة في مكان لاي بعد كثيرا عن المنزول حيث كان البيك يجلس محاطاً بأزلامه، لاحظ البيك أنّ والدي غير موجود في الديوان فناداه إلّا أنّ والدي لم يقطع الصلاة، فأرسل في إثره أحد رجاله الذي لم يلبث أن عاد قائلاً: إنه يصلي يا بيك.
- يصلي ! أجاب البيك غاضباً.
- أجل يا بيك.
بعد قليل أقبل والدي ملقيا التحية فقال له البيك: لماذا لم ترد على النداء؟
- كنت أصلي يا بيك. أجاب والدي.
- تصلي ؟ ألا تعلم أنني أهم من صلاتك؟
- لا يا بيك .لاتخطىء. لست أهم من الله عز وجل.
- وتتطاول عليّ أيضاً؟
يبدو أن البيك قد أحسّ بالإحراج أمام أتباعه إذ لم يعتد على مناقشة من هذا النوع ولم يلبث أن انتصب وتقدم باتجاه والدي غاضباً محاولاً صفعه، إلّا أنّ والدي لم يسمح له بذلك ونشب عراك بين الاثنين أدى إلى سقوط البيك على الأرض أمام الجميع بينما انكفأ والدي حزيناً خائفاً من بطش البيك وراح يتعرض للمضايقة .وفي أحد الأيام جاءه أحد الأزلام سراً طالباً منه الرحيل لأن البيك أصدر تعليماته التي تقضي بتعذيبه، فما كان من والدي إلّا أن حمّلنا مع الأغراض على الجمال وغادر تحت جنح الظلام إلى بلدة الحوشب التي كانت تحت سلطة بيك أقوى، وراح يتردد إلى تل عباس الغربي إلى أن توفاه الله فرحلت أمي إلى جوار أخيها يوسف أسعد داود الذي كان قد وفد من الكنيسة». وتتابع أنيسة: «لولا ذلك الرجل لكان عذّب والدي حتى الموت، لكن الفقراء كانوا يشعرون مع بعضهم لأن الظلم كان يقع على الجميع».
ومهما يكن من أمر لقد وفدت تلك العائلات إلى البلدة، واستوطنتها، وعايشت العائلات التي كانت موجودة منذ القدم كآل توما، وسلوم، ونصّار وغيرها التي بادت بالوفاة والهجرة وتبديل المكان.
ومن العائلات التي استقدمت من بينو إضافة إلى آل فارس، آل مكاري وقاطرجي، وهاتان العائلتان لا تزالان مسجلتين في سجلات بينو حتى تاريخه، أمّا آل متري فقد قدموا من بلدة «المزينة» السورية وآل الحلو من «مشتى الحلو» في سوريا، وآل المجبر من منطقة «الصفصافة» السورية، وآل دعبول من قرية دعبول الدارسة قرب الكويخات، وآل نعوس وفدوا من عزقي في الضنية إلى تل عباس الشرقي ثم إلى تل عباس غربي، وآل زمق من تل عباس الشرقي، وآل بشور (الملقبون بالشربالي من شربيلا) إلخ...
لقد حدث تزاوج بين العائلات الوافدة والمقيمة، وبين عائلات البلدة بشكل عام وعائلات سائر البلدات كالشيخ محمد وكفرحرة وبينو ومنيارة ورحبة وضهر ليسينة والشيخ طابا والزواريب وجديدة الجومة والحاكور وغيرها، إلّا أن العلاقة بين بينو وتل عباس غربي كانت مميزة، فالعائلات التي تقطن البلدتين كانت عائلات مشتركة كآل فارس وسابا وطعمة وكفروني وداود ومكاري ونادر وزيبق وغيرها، وعلى الرغم من التطور الديموغرافي الذي حصل في كل من البلدتين بسبب وفود عائلات جديدة إليهما فلا تزال العائلات المشتركة بين البلدتين على حالها.
وبالفعل، لقد استوطنت بلدة بينو في الحقبة الأخيرة عائلات جديدة متنوعة، منها السنية والعلوية والمسيحية وهم يشكلون حالياً نسبة 10 % من سكانها. وكذلك وفدت إلى تل عباس غربي عائلات جديدة مسيحية منها عائلة الزيبق التي هجرت موطنها الأصلي في بداية الستينيات من القرن الماضي في بلدة الدورة – عكار والتحقت بفرع عبدو الزيبق الذي، وكما يبدو، كان قد سكن تل عباس غربي قبل ذلك الوقت، بالإضافة إلى عائلات أخرى وفدت من الداخل اللبناني كعائلة مسوح والياس الملقبة بعوض القطّاعة (من تل حميرة) وسعد (العبودية) والمصري (العبودية) ومن بعض القرى السورية كإدلين والشبرونية والعامرية كآل دبول وسوسان وملكي، وفي المدة الأخيرة، استوطنتها بعض العائلات المقبلة من جبل محسن في طرابلس وهي سورية الأصل كآل العوض ووهبة وغيرهم.
كما أنّ عائلات أخرى كالشحمينة وفدت إليها في بداية الستينيات من القرن الماضي وآل قيصر الذين يرتبطون بآل الشحمينة برابطة القربى (في النصف الأول من السبعينيات) وهاتان العائلاتان نزحتا عن الدبابية، وآل معماري، وهذه العائلة سورية الأصل من بلدة عمار الحصن ويسكن قسم منها في بلدة الشيخ محمد المجاورة. ويروي موسى محفوض ملكي (أحد الوافدين من الشبرونية): «إنّ العامرية وإدلين والشبرونية هي قرى سورية محاذية للحدود اللبنانية، كان يعيش فيها المسيحيون والمسلمون من مذاهب مختلفة وكان يوجد في الشبرونية آغا ظالم؛ وكان جدي لأمي أبو مخول يحيا فيها وقد ربيت أنا في كنفه لأنه لم يرزق ولداً ذكراَ . لقد كان جدي مختاراً كريماً ومضيافاً إلى درجة أن بيته تحول إلى منزول، وأصبح ذائع الصيت. وفي أحد الأيام غضب الآغا منه فشتمه طالباً منه الرحيل خلال يوم واحد؛ حزن جدي ولم يلبث أن انتشر الخبر فعلم بالأمر عزيز سوسان ابن أخت جدي، وكان عزيز رجلاً شجاعاً مرهوب الجانب، فلم يلبث أن وصل إلى الشبرونية واعتلى سطح بيت جدي، ولما لحقت به انتهرني طالباً مني النزول فامتثلت. كان بيت الآغا مواجهاً لبيت جدي وقريباً منه، بعد قليل نادى عزيز الآغا بأعلى صوته، طالباً مواجهته، موجهاً إليه سيلاً من الشتائم أتبعها باطلاق النار من بندقية صيد مهدداً إياه بالموت إذا لم يعتذر من خاله (أبومخول). وفي اليوم التالي قدم الآغا اعتذاره من جدي الذي صمم على الرحيل، كان ذلك سنة 1959. وهكذا أرسلني إلى بلدة التليل لأتدبر له منزلاً، وقد فضل التليل على غيرها من القرى المسيحية اللبنانية والسورية بسبب وجود أقرباء له من آل جلول وبذلك يكون جدي أول الوافدين من الشبرونية وكنت أنا معه؛ بعد ذلك بقليل بدأ والدي وأقرباؤه يفكرون بالرحيل إلى أن اتفق مسيحيو القرى الثلاث على بيع مواشيهم وأرزاقهم والتوجه إلى لبنان؛ واستقر الرأي أن تكون وجهتهم تل عباس غربي لأنها بلدة مسيحية وكانت في ذلك الوقت مزدهرة ومجال العمل فيها متوافر، فوفد إليها آل ملكي ودبول وسوسان والبياض. وهكذا ارتاح الجميع من اضطهاد الأغوات والبكوات ووجدوا فيها من الخدمات الدينية ما يريحهم».
صفحة 9

تل عباس عبر الزمن

تل عباس الغربي، بلدة قديمة، وقد تعرّضت خلال تاريخها الطويل إلى العديد من التقلبات، والشاهد على قدمها اسمها «دابورة تل عباس» كما سبقت الإشارة.
إن فقدان الوثائق التاريخية يشكل عقبة في وجه التأريخ، تدفع بالكاتب إلى اعتماد مصادر أخرى لعل أهمها الأحاديث المنقولة من جيلٍ إلى جيل على الرغم مما يعتري هذه الأحاديث من تحوير في بعض الأحيان.
بالإضافة إلى ذلك، لا وجود لمعالم أثرية فيها، إلّا أن هذه البلدة قد ذكرت في الأرشيف العثماني منذ القرن الخامس عشر.
بكل تأكيد، لقد شهدت البلدة تطوراً منذ العهد العثماني ولنقل منذ أواخر العهد العثماني لأنّ كبار السن الذين ننقل عنهم معظم المعلومات قد عايشوا تلك المرحلة، مروراً بعهد الانتداب الفرنسي وصولاً إلى الاستقلال، وهذا التطور كان على كل المسارات الروحية والتعليمية، والتجارية، والزراعية والسياسية والعمرانية والاجتماعية.

الوضع العمراني والاقتصادي

في البداية، استوطنت البلدة عائلات لم نعد نعرف عنها شيئاً، كالصافي والمصومعي وهلالي وتوما ونصار وغيرها، وكانت تلك العائلات تقيم في منازل متلاصقة مبنية من الحجر البركاني الأسود ومسقوفة بأغصان الأشجار والتراب وكانت تلك المنازل سميكة الجدران، ويبدو أنها كانت أكثر انسجاماً مع البيئة لأن تلك البيوت، التي لا يزال بعضها قائماً حتى الآن، تخفف وهج الحرارة في الصيف، وقساوة البرد في الشتاء، وكانت الأزقة فيها تكاد لا تتسع إلّا لمرورشخص واحد ودابته.
لم تكن تربط البلدة بالجوار طرقات بل كان ثمة ممرات ترابية للدواب من حمير وبغال وطنابر وجمال، التي تشكل مجتمعة وسائل النقل في تلك المرحلة.
وتطوّر هذا الوضع نسبياً بعد تملك آل عطية لتل عباس غربي مع بعض العائلات الأخرى، إذ عمد بعض «الأفندية» إلى بناء الغرف لإقامتهم فشهدت البلدة مادة «الباطون» في تلك الحقبة، وصار حلم الناس فيها أن تكون لديهم غرف مشابهة سهلة التنظيف، ناعمة الملمس، عوض المنازل التي تتصف بالخشونة، ومن هذه الغرف ما يعرف بدار «الأوضة».
لقد كان كل بيت من بيوتها مقسماً من الداخل إلى ما يسمى المصطبة وهي مكانٌ مرتفع نسبياً، مخصص للعائلة، يجاوره مربط البقرة خصوصاً في فصل الشتاء، بالإضافة إلى جزءٍ منه تجمع فيه المؤونة وأدوات الطبخ، من طناجر نحاسية وأوانٍ فخارية.
وكان أمام كل منزل، مربط صيفي للبقرة، وموقد يتألف من حجارة توضع على شكل مثلث لتتمكن من حمل ثقل «الطنجرة» أو «الدست» أو «اللكن»، وكان الوقود يتألف من الحطب ومن روث الحيوانات أو ما يعرف «بالجلّة».
أما الحياة الاجتماعية، فقد اقتصرت على السهرات على ضوء «سراج» أو «قنديل»، وكانت تقضى بالحكايات وقراءة سيرة الزير وعنترة وألف ليلة وليلة.
ومنذ أن تملك آل عطية معظم أراضي البلدة، أخذوا يديرون عجلة الحياة فيها على هواهم، أمّا الأهالي الذين كانوا يشكلون في الواقع جزءاً من الآلات في يد «الأفندية» إلّا أنها آلات حيّة، تستطيع أن تئنّ من التعب، فقد كانت تتألم وتعرق وتشقى، إذ كانت تعمل بصبر وجلد، أدواتها الزراعية، صمدٌ ومسّاس ومجرفة، ومنجل، ونورج، بالإضافة إلى الثيران والبغال والحمير والجمال. هؤلاء الأهالي كانوا يشعرون بالظلم فتولدت في نفوسهم مع الزمن نقمة داخلية.
كانوا يحسّون بالظلم وينتابهم الشعور الحقيقي بالرغبة في الوصول إلى حياة أفضل، خصوصاً عندما كانوا يقومون بزيارة بلدة بينو فيجدون المنازل النظيفة الفخمة التي بكل تأكيد بني جزء كبير منها من عرقهم هم، لأن ثمار الأرض التي كانوا يزرعون، كانت تجتمع في يد «الأفندية» الذين تمكنوا من إقامة المنازل الفخمة، واقتناء الأثاث الفاخر، كما تمكنوا من متابعة حياتهم التعليمية في سائر مجالات الحياة، وقد توصل أهالي بينو من آل عطية إلى مراتب علمية متقدمة في وقتٍ مبكر، ولعل معظم ما توصلوا إليه من علم ورقي ومراكز مؤسَّسٌ على الوضع الاقتصادي الجيد الذي تمتعوا به، معتمدين على زنود أهالي تل عباس غربي وعرق العمال والفلاحين فيها.
إن ملاحظات فلاحي تل عباس لم تبق مجرد ملاحظات بل بدأت تتحول إلى سببٍ أساسي دفعهم إلى التفتيش عن الأفضل والسعي إلى مجالات أخرى، من هنا، سعى بعضهم باتجاه تأسيس المحال التجارية.
عندما تنشأ أية جماعة وتتكوّن بلدة أو مدينة، لا بد وأن يستتبع ذلك وجود أشخاص أو مؤسسات، تقوم بتأمين الخدمات والحاجيات، وهكذا عمد البعض ممن يمتلكون القدرات الفكرية والمالية المناسبة إلى افتتاح محال تجارية صغيرة أو ما يعرف بالدكاكين. لعلّ أقدمها دكان إبراهيم فرح والد كل من عبود ونجيب فرح اللذين استمرا بعد والدهما، ودكان جرجس فارس، الذي ظل يعرف بهذا الاسم إلى الماضي القريب.
بعد تلك الدكاكين القديمة أُنشئت أخرى منها دكان أمين سابا ودكان خليل سابا ودكان عبود ديب، ودكان سليم وسالم بردقان.
وتلاها فيما بعد دكان يوسف نادر، وخليل نادر، ونقولا عبدالله متري الذي خصص جناحاً من دكانه لبيع الكتب المدرسية، وكان مع والده عبدالله جرجس متري لحامين، إذ كانا يعلقان الذبائح مرة في الأسبوع، كما امتهن هذه المهنة إبراهيم رشيد نقولا لمدة من الزمن. أما عبدالله جرجس متري فقد كان بالإضافة إلى ما تقدم «كندرجي» ويقتني «كَلَبَة» من أجل قلع الأضراس.
والتجارة كما هو معروف تقوم على التداول والتبادل، وتخلق علاقات اجتماعية جديدة وانفتاحاً أوسع وأشمل، ولم تلبث أن شهدت تل عباس إنشاء أول محطة للمحروقات (سالم بردقان)، وأول فرن للخبز (فرن نجيب فرح) في الخمسينيات من القرن العشرين. وقد أنشأ هذه الأخير دكاناً في محطة القطارات في الزمن ذاته.
وكان التبضع يتم في مدينة طرابلس التي كان يقصدها أصحاب الدكاكين مستعملين الحمير والبغال والطنابر، وهي كناية عن عربات تجرها البغال وكانت وسائل النقل هذه تستعمل أيضاً لنقل الغلال والبضائع إلى المدينة. وفي خمسينيات القرن العشرين بدأت الشاحنات تحلّ محل تلك الوسائل خصوصاً بعد أن أصبح لتل عباس طريق يصلها بالجوار وبمدينة طرابلس التي استمرت مركز الاستقطاب الرئيسي حتى اندلاع أحداث سنة 1975 التي دفعت المناطق إلى النمو على حسابها لكثرة ما جرى فيها من أحداث أمنية واضطرابات اجتماعية وسياسية.
صفحة 10
إن أول من أدخل الشاحنات إلى تل عباس غربي كان سليم متري وأولاده، وخليل إبراهيم فارس، ثم زاكي نجيب فرح وسليم وسالم وساسين بردقان، وفي الآونة الأخيرة اقتنى مطانيوس خليل وإخوته عدداً من الشاحنات...
لعلّ الحديث عن المسار الزراعي هو الأهم لأنّه المؤسس في تلك الحقبة لبقيّة المسارات.
لقد أشير سابقاً إلى كيفية تملك معظم أراضي تل عباس غربي من قبل عائلات بينو خصوصاً عائلة آل عطية وكيفية استقدام الأهالي من قرى متعددة للعمل في هذه الأراضي.
إبان الحكم العثماني وما عرفته منطقة عكار من نفوذٍ إقطاعي شديد القسوة، لم يكن الفرق كبيراً بين العمال والفلاحين والآلات الزراعية.
من تلك الآلات: الصمد، والنير، والنورج، والمسّاس ...
فالصمد مصنوع من الخشب وينتهي بـ«سكة» أي قطعة حديد مثلثة رأسها في التراب وقاعدتها إلى أعلى وملتصقة بالخشب بشكلٍ متين، تعلوها قبضة خشبية يمسك بها الفلاح بيد ويمسك المسّاس الذي كان ينتهي بما يشبه الإبرة، ويستعمل لوخز الثورين اللذين يفصل بينهما الصمد المرتبط بالنير الذي يتألف من قطعة خشبية محفورة من الجانبين بما يلائم رقبتي الثورين وكان كل جانب مخصص لعنق ثورٍ. وكانت تشدّ بطريقة تلزم الثورين، بالتحرك بناءً على تعليمات الفلاح.
وأمّا النورج فهو آلة خشبية متينة مسننة في أسفلها، كانت تربط إلى بغلٍ أو ثورٍ، وكان العامل أو الفلاح يقف على هذا النورج ويأمر البغل أو الثور بجره بطريقة دائرية فوق كومات القمح المحصود بالمنجل، فيقوم النورج بفرط سنابل القمح وتحويل السنابل الفارغة إلى تبنٍ ناعم، لا يلبث أن يذرّى بالمذراة عندما يهب الهواء الذي يحمل التبن إلى مسافة أبعد من مكان سقوط حبات القمح بتأثير جاذبية الأرض.
هذه العملية كانت تتم على البيادر حيث يقوم حالياً مبنى البلدية والنادي، وكانت تستعمل أدوات أخرى كالمعول والمنجل والمجرفة والفرّاعة وشوكة الضرب التي تشكل مع العصا زاوية 90 درجة، والشوكة العادية أو شوكة «الدعس» التي تكون مع العصا على المستوى ذاته، ولا يزال استعمال بعض هذه الأدوات مستمراً حتى يومنا هذا.
كانت هذه العناصر والآلات إضافة إلى الحيوانات والعمال والفلاحين تتشارك في العمل والإنتاج، وكانت تشكل في نظر المالك ورشة واحدة لا تنفصم. وكان صاحب الأرض وعند قسمة الإنتاج، يحسم الكلفة من أصل إنتاج الأرض بعد أن يأخذ العشر، ثم يقسم البقية بينه وبين الفلاح الذي لا يبقى له إلّا نذرٌ قليل لا يكفي لسد قوته وقوت عياله.
إضافة إلى ذلك، كانت الأبقار وإنتاجها من حليب ولبن وقريش وسمن ملكاً لـ«الأفندية» يجمعونها ويأخذونها مجاناً ساعة يشاؤون.
أمّا النسوة فكنّ يلجأن إلى إعارة الحليب لبعضهن بالدور، أي كل أسبوع لواحدة منهن لتتمكن من تأمين مؤونة العائلة من السمن و«القريش»، وهذه الإعارة كانت تعتمد على قياس كمية الحليب بعيدان، (جمع عود) وهي بمثابة سندات الدين، فكانت المرأة المُعيرة تحتفظ بالعيدان حتى الإيفاء الذي كان يتم بالعيدان ذاتها.
في ذلك الوقت لم تكن توجد برادات ولا غيرها من الآلات والأدوات الحديثة، فكان اللبن والقريش والسمن يحفظ تحت «المكبات». و«المكب» سلة كبيرة من العيدان أو القصب، تسمح للهواء بالدخول وتمنع الحيوانات من فئران وقطط وخلافه من الوصول إلى الغذاء.
وكان السمن يحفظ في أوانٍ فخارية تسمى «الدن» والقريش في «الجرار»، أما الزيت ففي«الخوابي الفخارية».
ولاستخراج الزبدة من اللبن، كانت كل امرأة تقتني جرة كبيرة تسمى «الخضة» وهي مصنوعة من فخار، ولها إضافة إلى فتحتها الأصلية فتحة صغيرة في أعلاها لتعرف من خلالها حين تخضّ اللبن ما إذا كانت الزبدة قد انفصلت أم لا.
وهكذا تحصل السيدة على السمن، بينما تلجأ إلى غلي العيران أي ما بقي من اللبن بعد انفصال الزبدة لتصنع منه القريش الذي يحوّل إلى أقراص تجفّف بواسطة أشعة الشمس ثم تخزّن مؤونة للعائلة. والعيران شراب لذيذ الطعم، وكثيراً ما كان يخلط بالقمح المدقوق لصنع أكلة لذيذة تدعى «المتبلة».
أما مياه الشرب فكانت تنقل من بعض الأعين المحاذية للنهر أو من بعض آبار محفورة في القرية كبئر المجبر وبئر خليل فارس وبئر عبود فرح وبئر سليم بردقان، وكان استمدادها يتم بواسطة البكرة والحبل الذي ينتهي بدلو معدني لتوضع من ثم في الجرار الفخارية التي كانت تسحَّر: «أي تترك ليلا في العراء».
لقد كانت هذه الجرار تحفظ المياه باردة خصوصاً في فصل الصيف لأن المياه كانت ترشح إلى الخارج عبر مسامها وتتبخّر ممتصة الحرارة، تاركة البرودة.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ النسوة كنّ يقمن بجمع روث الأبقار من الطرقات ويجعلن منه كوماً ويدلكنه بالتبن ثم يلصقنه بالجدران حيث ينشّف متخذاً شكل الأقراص التي تعرف بـ«الجلَّة» التي كانت تستخدم وقوداً للطبخ.
لقد كانت جدران منازل البلدة مملوءة بأقراص «الجلّة»، أمّا أزقتها فكانت موحلة في فصل الشتاء ومغبرة في بقية الفصول.
لقد كانت كل الغلال تجمع على البيادر، واستمرت هذه العادة حتى الستينيات وبداية السبعينيات حيث أصبح كل فلاح يجمع الغلة على سطح منزله، لأن شكل البناء كان قد تبدّل وحل الباطون المسلح محل التراب بشكل شبه كامل.
وكان يوجد قرب كل بيتٍ مزبلة خاصة به.