eKtab
EN ع
الأرض الطيبة -  بيرل بَك
اقرأ عينة مجانية

الأرض الطيبة - بيرل بَك

بقلم بيرل بَك

صفحة 1
1
 
كان اليوم يوم زفاف وانغ لنغ، وإذ فتح عينيه في الظلام الناشئ عن الأستار المسدلة حول فراشه، عجز للوهلة الأولى عن أن يتبين السبب في أن فجر هذا اليوم بدا مختلفاً عن غيره.
 
وكان البيت ساكناً ولا يعكر هذا السكون غير السعال الخافت، اللاهث الصادر عن أبيه الشيخ، الذي كانت غرفته مواجهة لغرفته هو، وكان سعال الشيخ أول صوت يُسمع عادةً في كل صباح. وكان من عادة وانغ لانغ أن يظل راقداً يستمع إلى هذا الصوت.
 
ولكنه لم ينتظر في ذلك الصباح، بل هبّ واقفاً، وأزاح الأستار عن فراشه، وكان الفجر لا يزال عتمة مشوبة بحمرة قانية. وخلال فجوة مربعة صغيرة انحسر عنها الورق الممزق في إحدى النوافذ، أومضت لمحة من السماء البرونزية اللون فتقدم من الفجوة، ونزع الورق عنها، وغمغم يقول: «أقبل الربيع ولم أعد في حاجة إلى هذا».
 
ففي اليوم السابق، كان وانغ لنغ قد قال لأبيه إن سنابل القمح لن تمتلئ إذا ظلت تلك الشمس النحاسية متوهجة ولكن كأنما السماء قد اختارت هذا اليوم بالذات لتبدي له الخير. فالأرض سوف تجود بالثمار.
 
وأسرع إلى الردهة الوسطى، وهو يرتدي سرواله الخارجي الأزرق اللون في أثناء مسيره، ويعقد حزامه القطني الأزرق حول وسطه الممتلئ. وترك الجزء الأعلى من جسمه عارياً ريثما يسخن ماء يغتسل به، ودخل الحظيرة التي كانت تستخدم مطبخاً وتلاصق المنزل، فراح ثور يلوي رأسه في الظلام من وراء ركن الحظيرة المجاور للباب، ويرسل خواراً عميقاً في وجهه.
 
وملأ وانغ لنغ هذه القدر كلها - تقريباً - بالماء، بأن غمس وعاء إلى النصف في جرة من الطين المجفف كانت بجوار القدر. ولكنه غمسه بحرص لأن الماء كان ثميناً. ثم لم يلبث - بعد أن تردد لحظة - أن رفع الجرة فجأة، وأفرغ كل ما بها من ماء في القدر فقد كان جديراً به - في هذا اليوم - أن يغسل جسمه كله. ولم يكن قد سبق لإنسان أن رأى جسمه منذ كان طفلاً في حجر أمه. أما اليوم فلا مناص من ذلك. وبالتالي كان عليه أن ينظف جسمه.
 
ودار حول الفرن ساعياً إلى مؤخرته، وانتقى حفنة من الحشائش والعيدان الجافة التي كانت ملقاة في ركن المطبخ، ثم رتبها برفق في فوهة الفرن وأشعلها.
صفحة 2
كان هذا آخر صباح يضطر فيه إلى إشعال النار، التي اعتاد أن يشعلها كل صباح منذ أن ماتت أمه قبل ذلك بستة أعوام. كان يشعل النار، ويغلي الماء ويصبه في وعاء، ثم يأخذه إلى الغرفة التي كان والده يجلس في الفراش بها يسعل ويتحسس الأرض بحثاً عن حذائه. وكان الوالد ينتظر ابنه في كل صباح من هذه الأعوام الستة ليحضر إليه الماء الساخن لكي يخفف من حدة سعال الصباح وقد آن للأب والابن كليهما أن يستريحا، فهناك امرأة قادمة إلى البيت. ولن يضطر وانغ لنغ بعد اليوم إلى الاستيقاظ في الفجر - صيفاً وشتاءً - ليشعل النار بل سيصبح في وسعه أن يرقد في الفراش وينتظر، وسوف يأتيه هو الآخر وعاء من الماء، وإذا قدر للأرض أن تكون مثمرة فسوف تضاف أوراق الشاي إلى الماء. ولم يكن ذلك يحدث إلا مرة واحدة كل بضع سنوات.
 
وإذا ما دبّ الوهن إلى المرأة فسوف يكون هناك من يتولى إشعال النار عنها من أطفالها، - من الأطفال الكثيرين الذين ستنجبهم لوانغ لنغ. وكف وانغ لنغ عن الاغتسال برهة، وقد استهوته فكرة الأطفال وهم يجرون داخل الغرف الثلاث وخارجها. وكانت الغرف الثلاث تبدو دائماً أكثر من الحاجة إذ كان البيت نصف مأهول منذ ماتت أمه.
 
وكان وانغ لنغ وأبوه مضطرين دائماً إلى صد أقاربهما الذين كانت بيوتهم أكثر ازدحاماً من دارهما، كعمه وأطفاله الذين يخطئهم العد، والذي كان يداهنهما قائلاً:
 
- كيف يتسنى لشخصين وحيدين أن يكونا بحاجة إلى بيت بهذا الاتساع؟ ألا يمكن للأب والابن أن يناما معاً؟ .. إن حرارة جسم الشاب كفيلة بأن تهدئ من سعال الشيخ.
 
ولكن الأب كان يجيب دائماً بقوله:
 
- إنني أدخر فراشي لحفيدي، فهو كفيل بأن يدفئ عظامي في شيخوختي.
 
وهاهم أولاد الأحفاد في الطريق.. أحفاد وراء أحفاد! وسيصبح لزاماً أن تصف الأسِرَّة بطول الجدران، وفي الغرفة الوسطى، ألن يمتلئ البيت بالأسرة..؟
 
وشبت النار في الفرن بينما كان وانغ لنغ يفكر في كل هذه الأسرة التي ستملأ البيت نصف الخالي، وبدأ الماء يبرد في القدر. وفجأة ظهر الشيخ كالشبح في الباب، يلم ملابسه - التي لم يحكم ربطها - حول جسمه، وقد راح يسعل ويبصق وهو يقول لاعناً «لماذا لم تحضر لي حتى الآن ماء لتدفئة رئتي؟».
 
فحملق فيه وانغ لنغ، وتنبه، وشعر بالخجل، ثم تمتم من وراء الموقد: «إن هذا الوقود رطب. إن الريح الرطبة...».
صفحة 3
واستمر الشيخ في السعال دون انقطاع، فلم يكف إلا بعد أن غلي الماء، فصب وانغ لنغ بعضاً منه في وعاء، ثم فتح - بعض لحظة - جرة مصقولة كانت موضوعة على رف فوق الفرن، وتناول منها عشر أوراق نباتية جافة مجعدة أو حوالي هذا العدد - ونثرها فوق سطح الماء. ففتح الشيخ عينيه بنهم. وشرع لفوره يقول معاتباً:
 
- لماذا أنت مبذر؟ أما تعلم أن شرب الشاي مجرد إتلاف كأكل الفضة؟
 
فأجاب وانغ لنغ مطلقاً ضحكة قصيرة: إنه اليوم الموعود، فتغذ واهنأ بالاً.
 
وأمسك الشيخ بالوعاء بين أصابعه المغصنة النحيلة، وهو يتمتم ويصدر آهات صغيرة. وراح يراقب الأوراق وهي تنبسط وتنتشر فوق سطح الماء، دون أن يجرؤ على شرب هذه المادة الثمينة.
 
وقال وانغ لنغ: سيبرد الشاي.
 
فقال الشيخ في انزعاج: «حقاً.. حقاً..» وشرع يتناول رشفات كبيرة من الشاي الساخن. وراح في غمرة من الرضاء الحيواني، كالطفل حين يستغرق في ازدراد طعامه. ولكنه لم يذهب في ذلك الاستغراق إلى الحد الذي يغفل عنده رؤية وانغ لنغ وهو يريق الماء - غير حافل - من القدر إلى برميل خشبي عميق، فرفع رأسه وحملق في ابنه ، ثم قال بغتة:ً
 
«هذا قدر من الماء يكفي لإنبات محصول».
 
ولم يجب وانغ لنغ، بل واصل صب الماء إلى آخره قطرة، فصاح والده بصوت عال: «كفى!».
 
فأجاب وانغ لنغ، بصوت هادئ: «إنني لم أغسل جسمي بأكمله دفعة واحدة منذ عام».
 
خجل أن يقول لوالده إنه كان راغباً في تنظيف جسمه لتراه المرأة، فهرول خارجاً وهو يحمل البرميل الخشبي إلى غرفته الخاصة. وتقدم الشيخ مترنحاً إلى غرفة الحمام ووضع فمه عند ثقب الباب وهتف:
 
- لن تستقيم الأمور لو بدأنا على هذا الشكل مع المرأة... شاي في ماء الصباح، وكل هذا الاغتسال!
 
فصاح وانغ لنغ «إنما هو يوم واحد فقط!»، ثم أردف قائلاً: «سألقي الماء على الأرض بعد أن أنتهي، فلا يذهب كله هباء».
 
عند ذلك القول سكت الشيخ. وفك وانغ لنغ حزامه وخلع ملابسه ثم غمس منشفة صغيرة في الماء المغلي، وراح يحك جسمه الأسمر النحيل بشدة على الضوء الذي كان ينساب من خلال الثقب.. ومع أنه كان يظن أن الجو حار فإنه شعر بالبرد عندما ابتل جسمه، فأسرع في حركاته، يغمس المنشفة في الماء ويخرجها ليدلك بها جسمه، إلى أن راحت تتصاعد من جسمه كله سحابة رقيقة من البخار، ثم ذهب إلى صندوق، كان فيما مضى ملكاً لأمه، فأخرج منه حلة قطنية زرقاء نظيفة، وقدر أنه قد يشعر بشيء من البرد في ذلك اليوم دون ثياب الشتاء المبطنة، ولكنه شعر فجأة بأنه لا يطيق أن يضعها على جسده النظيف، فإن الطبقة الخارجية منها كانت ممزقة قذرة، وقد أطل الحشو من الثقوب ولم يشأ أن تراه هذه المرأة للمرة الأولى والحشو يبرز من ثيابه. لسوف يكون عليها أن تغسل وترفو فيما بعد. لكن ليس من أول يوم.
صفحة 4
في أيام الأعياد التي لم تكن تتجاوز في جملتها حوالي عشرة أيام في العام كله، ثم فك - بأصابع سريعة الحركة - ضفيرة الشعر الطويلة المدلاة على ظهره، وتناول من درج المنضدة الصغيرة المتأرجحة مشطاً من الخشب وشرع يمشط شعره.
 
واقترب أبوه مرة أخرى، ووضع فمه في ثقب الباب وقال متضجراً، «ألن أحظى بغذاء اليوم؟ إن العظام تكون - في مثل سني - لينة كالماء في الصباح حتى يتاح لها الغذاء».
 
وأجاب وانغ لنغ، وهو يجدل شعره بسرعة وخفة، ها أنا ذا قادم.
 
وما لبث أن خلع عباءته الطويلة - بعد لحظة - ثم خرج حاملاً برميل الماء.
 
وكان قد نسي الإفطار تماماً، وتذكر أن عليه أن يقلب بعض الحنطة في قليل من الماء ثم يقدمها طعاماً لوالده، أما هو، فلم يكن راغباً في الأكل. وسار بالبرميل مترنحاً إلى العتبة، ثم سكب الماء على أقرب قطعة أرض إلى الباب. وفيما كان يفعل هذا، تذكر أنه استخدم في اغتساله جميع الماء الساخن الذي كان في القدر، وأن عليه أن يشعل النار من جديد فانتابته موجة من الغضب على أبيه، وتمتم في فوّهة الفرن، «إن هذا المخ العتيق لا يفكر في غير طعامه وشرابه».. ولكنه لم يقل شيئاً بصوت عالٍ، فقد كان هذا آخر صباح يعد فيه طعاماً للشيخ، وسكب في القدر قليلاً من الماء، سرعان ما غلى، وقلب الحنطة فيه، ثم حمله إلى الشيخ، وقال: سنتعشى الليلة أرزاً يا أبتاه.
 
فقال الأب لم يبق في السلة سوى قدر قليل من الأرز.
 
وقال وانغ لنغ: «إذن، فسنقتضب من القدر الذي اعتدنا تناوله في عيد الربيع» ولكن الشيخ لم يسمع هذا القول لأنه كان يرتشف الطعام من الوعاء بصوت مرتفع.
 
وإذ ذاك ذهب وانغ لنغ إلى غرفته، وارتدى عباءته الطويلة الزرقاء. ألم يكن يجدر به أن يعيد حلاقة شعره؟.. وبوسعه أن يمر بشارع الحلاقين ليحلق قبل أن يذهب إلى الدار التي كانت المرأة تنتظره فيها. إذا كانت لديه نقود فسيفعل ذلك.
 
وأخرج من حزامه كيساً صغيراً من قماش رمادي اللون متسخ بالدهن، وعدّ ما فيه من مال، فوجد هناك ستة ريالات فضية وحفنتين من العملة النحاسية ولم يكن قد أبلغ والده بعد أنه دعا بعض أصدقائه إلى العشاء في تلك الليلة.
 
فقد دعا ابن عمه الشاب ودعا عمه إكراماً لخاطر والده، كما دعا جيرانه. وترك الشيخ دون أن ينبس ببنت شفة، وخرج ليستقبل تباشير الصباح، وبرغم عتمة الفجر المحمرة، وطغت غريزة الفلاحة على وانغ لنغ برهة، فانحنى وأخذ يفحص السنابل وكانت لا تزال فارغة تنتظر المطر. كان ثمة مطر متوقع، في الغيوم الداكنة وقرر أن يشتري عوداً من البخور ليضعه في المعبد الصغير لرب الأرض، فهذا ما يجب أن يفعله في يوم كهذا.
صفحة 5
وشق طريقه بين الحقول في الدرب الضيق، ولاح له عن قرب سور المدينة الرمادي ووراء البوابة التي تتخلل السور والتي كان سيمر منها، كانت هناك الدار الكبيرة التي كانت زوجته المستقبلية تعمل فيها جارية منذ حداثتها. تلك دار «هوانغ» وكان هناك من يقول: خير للمرء أن يعيش وحيداً من أن يتزوج امرأة كانت جارية في بيت كبير ولكنه لما سأل والده: ألن تكون لي امرأة على الإطلاق؟ رد الوالد بقوله: أما وقد أصبحت الزيجات تكبد ما تكبد من نفقات في هذه الأيام اللعينة وكل امرأة ترغب في اقتناء الخواتم الذهبية والملابس الحريرية حتى تقبل الزواج من رجل، فلم يبقَ للفقير سوى أن يتزوج من الجواري!
 
ولم يلبث بعد هذا أن تحرك وذهب إلى دار «هوانغ» ليسأل عما إذا كانت لديهم جارية يمكن أن يستغنوا عنها وعاد ليقولوا له هناك جارية ليست بالصغيرة جداً، وهي فوق كل شيء غير جميلة.
 
وتألم وانغ لنغ من ألا تكون جميلة، فما أحلى أن تكون للمرء زوجة جميلة يهنئه على اقتنائها الرجال الآخرون. ولما رأى علامات التمرد على وجهه صرخ فيه: «وماذا نفعل بامرأة جميلة؟ يجب أن تكون امرأة تُعنى بشؤون البيت وتنجب الأطفال وهي تعمل في الحقول، فهل تفعل هذا المرأة الجميلة؟ إنها ستظل أبداً تفكر في ثياب تلائم جمال وجهها! لا، لن تدخل بيتنا امرأة جميلة فنحن فلاحون وفضلاً عن هذا فمن ذا الذي سمع عن جارية جميلة ظلت عذراء في بيت موسر؟ لا بد أن ينال شبان هذا البيت نصيبهم منها، فمن الخير أن تكون الرجل الأول لامرأة قبيحة وألا تكون الرجل المائة لامرأة فاتنة. أتتصور أن ترى الجميلة يدي فلاح مثلك في نعومة يدي ابن رجل ثري، وأن ترى وجهك الذي لوحته الشمس يضارع جمال البشرة الذهبية التي يتمتع بها أولئك الذين كانت متاعاً لهم؟».
 
وأدرك وانغ لنغ أن والده قد أصاب في أقواله، ولكنه مع هذا ظل يناضل رغبة جسده قبل أن يتمكن من الإجابة. وأخيراً صاح في ضراوة، إنني لن أقبل، على الأقل، امرأة ذات وجه تشوهه بثور الجدري، أو امرأة مشقوقة الشفة العليا!
 
فأجاب والده، «إن ذلك يتوقف على ما سنجده أمامنا»
 
ولم تكن المرأة شوهاء الوجه من آثار الجدري، ولا كانت مشقوقة الشفة العليا. وكان هذا كل ما عرف، فاشترى - مع والده - خاتمين من الفضة مطليين بالذهب، وحلقاً فضياً. وحمل الأب هذه الأشياء إلى صاحبة الجارية اعترافاً بالخطبة. ولم يعرف أكثر من هذا عن المرأة التي كان مقدراً أن تكون زوجته اللهم إلا أنه بوسعه أن يذهب في هذا اليوم ليأخذها.
 
ومشى وسط العتمة الرطبة إلى بوابة المدينة. وكان السقاؤون - خلف البوابة - يروحون ويجيئون طيلة النهار، يدفعون عرباتهم المحملة ببراميل كبيرة مملوءة بالماء، والباعة ينادون: بشائر خوخ الربيع.
 
فقال وانغ لنغ لنفسه: «إذا كانت تحب الخوخ فسأشتري لها حفنة منه عندما نعود» وعسر عليه أن يصدق أنه حين يعود خلال البوابة، ستكون هناك امرأة تسير في أعقابه.
 
وعرج إلى اليمين خلف البوابة، فإن هي إلا لحظة حتى كان في شارع الحلاقين ولم يكن قد سبقه - في تلك الساعة المبكرة - سوى نفر قليل، مجرد شرذمة من الفلاحين الذين حملوا منتجاتهم إلى المدينة في الليلة السابقة، وتجنبهم وانغ لنغ لئلا يعرفه بعضهم.
صفحة 6
وعلى طول الطريق، وقف الحلاقون في صف طويل وراء منصاتهم الصغيرة. فسار وانغ لنغ إلى أقصى واحد منهم، وجلس على المقعد، وأشار يدعو الحلاق الذي كان واقفاً يثرثر مع جاره. وأقبل الحلاق في الحال، وشرع مسرعاً في صب الماء الساخن. وقال في لهجة مهينة «هل أحلق كل شيء؟» فأجاب وانغ لنغ، «رأسي ووجهي». وسأله الحلاق «وتنظيف الأذنين والمنخرين؟» فسأله وانغ لنغ بدوره في حذر: «وكم يكلف هذا فوق الحلاقة».
 
فأجاب الحلاق وقد بدأ يغمس قطعة من القماش الأسود في الماء الساخن ويخرجها «أربعة بنسات».
 
فقال وانغ لنغ: «سأعطيك بنسين!» فبادر الحلاق قائلاً: «إذن سأنظف أذناً واحدة ومنخراً. ففي أية ناحية من الوجه تريد أن أفعل ذلك؟».
 
وغمز الرجل الحلاق المجاور، فانفجر هذا ضاحكاً. وتبين وانغ لنغ أنه قد وقع بين يدي مهرج، وشعر بالتضاؤل بشكل لا سبيل إلى تعليله، كعادته بإزاء ساكني المدن، ولو كانوا من الحلاقين ومن أدنى الأشخاص، فقال في عجلة: «كما تشاء.. كما تشاء!».
 
وأسلم نفسه للحلاق وصابونه وتدليكه وحلاقته. ولما كان الحلاق على أية حال رجلاً سخياً، فقد قام له دون أجر إضافي بسلسلة من التدليك الماهر للكتفين والظهر لتليين عضلاته. وقال يدلي بتعليقاته على وانغ لنغ، وهو يحلق له أعلى جبهته:
 
«لن تكون فلاحاً قبيح الشكل إذا أنا قصصت شعرك عن آخره. فإن التقليعة الحديثة هي إزالة الضفيرة».
 
وحومت الموسى على مقربة من ضفيرة الشعر في هامة وانغ لنغ، فصرخ هذا:
 
«لست أملك قصها دون أن أسأل والدي».
 
فقهقه الحلاق واكتفى بحلق ما حول دائرة الشعر.
 
وعندما انتهت الحلاقة ذهب إلى السوق، واشترى بعض الحوائج من لحوم وخضار وعودين من البخور. ثم عاد أدراجه نحو دار هوانغ في استحياء بالغ.
 
وما إن وصل إلى الباب الخارجي للدار حتى تملكه جزع شديد، وأخذ يسأل نفسه: كيف أتى وحده؟.. كان جديراً به أن يطلب من والده أو عمه أو - حتى أقرب جيرانه «شنبع» - أو أي امرئ أن يأتي معه، إذ لم يسبق له أن دخل بيتاً كبيراً من قبل. وكيف يدخل وهو يحمل لوازم وليمة زفافه على ذراعه، ويقول: «لقد أتيت من أجل امرأة!».
صفحة 7
ووقف لدى الباب الخارجي فترة طويلة، يتطلع إليه. وكان مغلقاً بإحكام وقد أطبق مصراعان ضخمان من الخشب. لم يكن هناك أي مخلوق سواه. فعاد أدراجه إذ بدا له الأمر مستحيلاً.
 
وشعر فجأة بإعياء، ورأى أن يذهب أولاً ليبتاع قليلاً من الطعام، إذ إنه لم يكن قد تناول شيئاً.. كان قد نسي كل شيء عن الطعام، وقصد إلى مطعم صغير في الشارع، فجلس وهو يضع بنسين على المائدة. واقترب منه نادل قذر يرتدي مئزراً أسود لامعاً، فناداه قائلاً «ائتني بقدحين من العصيدة!»، حتى إذ أحضرهما له، التهمهما بشراهة، دافعاً محتوياتهما إلى فمه دفعاً بعودي الخشب، بينما وقف الصبي يقلب العملتين النحاسيتين بين إبهامه وسبابته السوداوين. وسأله الصبي في غير اكتراث: «هل تريد مزيداً؟».
 
فهز وانغ لنغ رأسه أن لا، واستوى في جلسته وأجال نظره فيما حوله لم يكن في الغرفة الصغيرة المنظمة المزدحمة بالموائد شخص يعرف. وإنما كان هناك نفر قليل يأكلون أو يشربون الشاي، وكان ذلك المطعم خاصاً بالفقراء، فظهر هو بينهم أنيقاً ونظيفاً، بل وميسور الحال، حتى إن متسولاً ناشده، إذ مرّ به قائلاً: «أشفق عليّ يا أستاذ، وأعطني قليلاً من النقود، فإني أموت جوعاً!».
 
ولم يكن قد سبق لوانغ لنغ أن تعرض لمتسول يسأله إحساناً، كما لم يناده أحد من قبل بلقب «أستاذ» فاغتبط لهذا، وألقى في قبعة السائل بقطعتين صغيرتين من العملة تعادلان خمس البنس، فأسرع السائل إلى سحب يده المعروقة السوداء، وأمسك بقطعتي العملة وأخفاهما في أسماله.
 
وجلس وانغ لنغ، إلى أن ارتفعت الشمس في كبد السماء، ودار صبي المطعم حوله وقد عيل صبره، ثم قال أخيراً بوقاحة بالغة: «إذا لم تطلب شيئاً آخر، فسيكون عليك أن تدفع أجراً عن المقعد».
 
واغتاظ وانغ لنغ من هذه الوقاحة، وكاد أن ينهض لولا أن تذكر الذهاب إلى دار هوانغ والسؤال هناك عن امرأة، فتصبب العرق من جميع جسده كما لو كان يعمل كادحاً في حقل. وقال للصبي في وهن: «أحضر لي شاياً!» وقبل أن يعتدل في جلسته، كان الشاي قد حضر. وسأله الصبي في حدة: «أين البنس؟».
 
وما أشد جزع وانغ لنغ عندما اضطر إلى إخراج بنس آخر من حزامه، ودمدم يقول وهو كاره: «هذه لصوصية!».
 
ثم رأى جاره الذي دعاه إلى الوليمة يدخل المطعم، فوضع البنس بسرعة على المائدة وشرب الشاي في جرعة واحدة، ثم خرج مهرولاً من الباب الجانبي للمطعم فوجد نفسه في الشارع مرة أخرى. وتمتم لنفسه في يأس يقول: «لا بد من أداء هذه المهمة!». وتحول ببطء ميمماً شطر البوابة الضخمة.. ووجد المصراعين في هذه المرة مفتوحين، إذ كان الوقت قد فات الظهيرة، وكان حارس الباب جالساً في كسل عند المدخل، ينظف أسنانه بمسواك من الغابة، بعد أن تناول الطعام. وعندما ظهر وانغ لنغ صاح الرجل بخشونة، إذ ظن - بسبب السلة - أنه قد جاء يبيع شيئاً، «ماذا تريد يا هذا؟» وبصعوبة كبيرة استطاع وانغ لنغ أن يقول، «أنا وانغ لنغ الفلاح».
صفحة 8
فقال البواب الذي لم يكن مهذباً إلا مع الأغنياء وحدهم من أصدقاء سيده وسيدته، «حسناً، ووانغ لنغ الفلاح هذا، ماذا؟» فقال وانغ لنغ في لعثمة «جئت.. جئت..».
 
وتظاهر البواب بالصبر بطريقة مسرحية، وأخذ يفتل الشعرات المدلاة من الشامة وهو يقول «هذا أمر أراه..».
 
فتضاءل صوت وانغ لنغ إلى ما يشبه الهمس، وتصبب وجهه عرقاً تحت أشعة الشمس، وقال: «توجد امرأة».
 
فانفجر البواب ضاحكاً، وقال بصوت هادر: «إذن، فأنت هو.. لقد طلب مني أن أرتقب اليوم عريساً، ولكني لم أعرفك وأنت تحمل هذه السلة على ذراعك»..
 
فأجاب وانغ لنغ معتذراً: «إن هي إلا بعض اللحم».. وارتقب أن يقوده البواب إلى الداخل، ولكن البواب لم يحرك ساكناً، فاضطر وانغ لنغ أخيراً إلى أن يقول بشيء من القلق: «هل أدخل وحدي؟».
 
فتصنع البواب إجفالة ذعر وقال: «إن السيد الكبير خليق بأن يقتلك؟».
 
وإذ رأى أن وانغ لنغ كان مفرط السذاجة، قال: «إن القليل من الفضة لهو خير مفتاح»..
 
وتبين وانغ لنغ أخيراً أن الرجل كان يطلب منه مالاً، فقال في ضراعة: «إنني رجل فقير»..
 
فقال البواب: «دعني أرى ما في حزامك؟»
 
وضحك في خبث عندما وضع وانغ لنغ - ببساطته المعهودة - سلته على الأحجار فعلاً. ورفع عباءته ثم أخرج الكيس الصغير من حزامه، وهزه مفرغاً في راحته اليسرى ما تبقى فيه من نقود مشترياته، وكانت ثمة قطعة فضية واحدة، وأربعة عشر بنساً من العملة النحاسية.
 
فقال البواب ببرود: «سآخذ القطعة الفضية».
 
وقبل أن يتمكن وانغ لنغ من الاعتراض، أخذ الرجل القطعة في كمه، ودلف خلال البوابة وهو يصيح بصوت عال: «العريس، العريس!».
 
وبرغم ما اعترى وانغ لنغ من غضب مما حدث، وما تملكه من جزع إزاء إعلان مقدمه بهذا الصوت الجهوري، لم يسعه إلا أن يتبع الرجل، فالتقط سلته وسار وراءه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
صفحة 9
ومع أن هذه كانت المرة الأولى التي يدخل فيها دار أسرة عظيمة، فإنه لم يتذكر شيئاً من ذلك فيما بعد ذلك أنه سار مطأطئ الرأس - ووجهه يكاد يلتهب - مجتازاً الردهة تلو الردهة، وهو يسمع ذلك الصوت يهدر أمامه، ويسمع رنين ضحكات من كل جانب. وفجأة، عندما خيل إليه أنه قد اجتاز مائة ردهة سكت البواب ودفعه إلى غرفة انتظار صغيرة، فوقف فيها وحيداً بينما دخل البواب إلى مكان آخر، ليعود بعد برهة قائلاً: «لقد أمرت السيدة الكبيرة بأن تمثل بين يديها».
 
فهمّ وانغ لنغ بأن يتقدم، ولكن البواب استوقفه، وصاح فيه بامتعاض: «إنك لا تستطيع أن تظهر أمام سيدة عظيم بسلة في ذراعك، سلة بها لحم الخنزير وعصيدة الفول. كيف سيتسنى لك أن تنحني؟».
 
فقال وانغ لنغ في ارتباك: «حقاً.. حقاً..» ولكنه لم يجرؤ رغم ذلك على ترك السلة لأنه خشي أن يُسرق منها شيء..
 
ولاحظ البواب خوفه فقال له باحتقار شديد: «في بيت كهذا نطعم الكلاب هذه اللحوم». وأخذ السلة منه فألقاها وراء الباب، ودفع وانغ لنغ أمامه..
 
وسارا في بهو طويل ضيق، يقوم سقفه على أعمدة رقيقة منقوشة، ثم دخلا قاعة لم يسبق لوانغ لنغ أن رأى نظيراً لها..
 
- والآن، لعلك تتأدب فتنكفئ على وجهك هكذا في حضرة السيدة الكبيرة؟
 
فتمالك وانغ لنغ نفسه في خجل بالغ، وتطلع إلى الأمام.. وعلى منصة في وسط الغرفة رأى سيدة طاعنة في السن، وقد لفت جسدها الصغير النحيل في ثوب من الساتان الفخم، وبجوارها نرجيلة للأفيون مشتعلة فوق موقدها الصغير. وتأملته السيدة بعينين سوداوين حادتين صغيرتين.. وخرّ وانغ لنغ على ركبتيه، ودقّ رأسه بالأرض..
 
فقالت السيدة الكبيرة بوقار للبواب: «أنهضه، فلا داعي لكل هذا الخضوع. هل جاء من أجل المرأة؟» فأجاب البواب: «أجل أيتها السيدة العريقة».
 
وتساءلت السيدة: «لِمَ لا يتحدث عن نفسه؟».
 
فقال البواب وهو يفتل شعيرات شامته: «لأنه أبله أيتها السيدة العريقة».
 
فأثار هذا القول ثائر وانغ لنغ، ونظر إلى البواب في غضب وقال:
 
- لست سوى فلاح جلف يا سيدتي العظيمة العريقة، ولا أعرف أية كلمات تستخدم في حضرة كحضرتك..
صفحة 10
وتفرست السيدة فيه بدقة واهتمام كبير، وبدا عليها أنها توشك أن تتكلم، ولكنها في الواقع لم تفعل أكثر من أن مدت يدها وتناولت النرجيلة، وسرعان ما بدا أنها نسيت وانغ لنغ، فانحنت وراحت برهة تمتص أنبوبة النرجيلة بشراهة، وقد ضاعت من عينيها النظرة الحادة، وغشيتهما غلالة من النسيان. وظل وانغ لنغ واقفاً أمامها إلى أن لمحته وهي تجيل بصرها. فتساءلت في غضب مفاجئ: «ماذا يفعل هذا الرجل هنا؟»، وكأني بها قد نسيت كل شيء.. غير أن وجه البواب ظل جامداً ولم ينبس ببنت شفة..
 
وقال وانغ لنغ في دهشة: «إنني أنتظر المرأة يا سيدتي العظيمة».
 
وأنشأت السيدة تقول: «المرأة.. أية امرأة..» ولكن الجارية الواقفة بجانبها مالت عليها وهمست في أذنها، فعادت السيدة إلى حالتها الطبيعية وقالت: «آه، أجل، لقد نسيت لحظة. إنها مسألة صغيرة.. لقد جئت من أجل الجارية المدعوة «أولان»، أذكر أننا وعدنا فلاحاً بتزويجها له، فهل أنت هذا الفلاح؟».
 
فأجاب وانغ لنغ: «أنا هو»..
 
فقالت السيدة الكبيرة لجاريتها: «نادي أولان بسرعة!». وبدا كأنها تلهفت فجأة على الانتهاء من كل هذا، لكي تبقى وحيدة في سكون القاعة الكبيرة، مع نرجيلة الأفيون.
 
وعادت الجارية بعد هنيهة وبيدها فتاة عريضة المنكبين، أقرب إلى الطول منها إلى القصر، ترتدي سترة وسروالاً نظيفين من القماش القطني الأزرق وألقى وانغ لنغ عليها نظرة، ثم أشاح بنظره، وقلبه يخفق، تلك كانت امرأته..
 
وقالت السيدة في غير اكتراث: «تعالي أيتها الجارية، لقد جاء هذا الرجل من أجلك».
 
وتقدمت المرأة ووقفت أمام السيدة محنية الرأس، متشابكة اليدين.. فسألتها السيدة: «أفأنت على استعداد؟».
 
فردت المرأة ببطء، وكأن صوتها رجع الصدى: «على استعداد».
 
وإذ سمع وانغ لنغ صوتها للمرة الأولى، نظر إلى ظهرها، وهي تقف أمامه كان صوتها طيباً إلى حدٍّ كاف، لا بالمرتفع، ولا بالخافت ولكنه عادي، ولا يوحي بسوء الطبع.
 
قالت السيدة للبواب: «احمل صندوقها إلى البوابة، ودعهما ينصرفان!».
 
ونادت بعد ذلك وانغ لنغ قائلة: «قف إلى جانبها بينما أتحدث». فلما تقدم وانغ لنغ، قالت له: «لقد قدمت هذه المرأة إلى بيتنا عندما كانت طفلة في العاشرة، وقد عاشت هنا حتى الآن، إذ ناهزت العشرين من عمرها ولقد اشتريتها في عام سادت فيه المجاعة، عندما أتى والدها إلى الجنوب لأنهما لم يجدا ما يقتاتان به. ولعلك ترى بنفسك أن لها ما امتاز به نوعها من قوة البنية واكتناز الخدين. وسوف تجيد العمل لك في الحقل، وتجلب الماء إلى آخر ذلك مما تؤديه. إنها ليست جميلة، ولكنك في غير حاجة إلى الجمال، فليس يحتاج إلى الجميلات سوى أهل الفراغ، ليجدوا فيهن تسلية وملهاة. وهي أيضاً ليست ذكية، ولكنها تؤدي ما يُطلب منها خير أداء، كما أنها ذات طبع هادئ وهي عذراء على ما أعلم، فليس فيها من الجمال ما يغري أولادي وأحفادي، حتى لو لم تكن في المطبخ، فإذا كان قد حدث شيء، فلا بد أنه من الخدم فقط. ولكني أشك في هذا لأنه توجد في البيت كثيرات من الجواري الجميلات يمرحن في ساحاته طليقات فخذها وأحسن استخدامها، فهي جارية لا بأس بها وإن كانت بطيئة وغبية بعض الشيء، ولو لم أكن راغبة في كسب ثواب في المعبد ينفعني في حياتي المقبلة، بأن أعمل على اجتلاب نفوس جديدة إلى الدنيا لاحتفظت بها، لأنها نافعة إلى حد كبير في المطبخ، ولكني أزوج جواري إذا طلبن ولم يكن السادة راغبين فيهن!».