eKtab
EN ع
الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن
اقرأ عينة مجانية

الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن

بقلم د. أمل يازجي

صفحة 1

كلمة الناشر

لم يتوحد العالم في هواجسه وهمومه، كما يتوحد اليوم تحت ضغطالإرهاب..

ولم تتكسر الحواجز بين الحضارات، أو تتهدم الحصون التي تتقوقع وراءها الثقافات، لتقف وجهاً لوجه عارية من كل أسمالها، كما تقف اليوم في محاولة للفهم، والتفهم تمهيداً للتفاهم، بعد صدمةالإرهاب..

ولم تتردد مفردةالإرهابعلى ألسنة الناس، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، كما تتردد اليوم، تحت وطأةالإرهاب..

ذلك ما دفع البعض للتساؤل:

أكان الإرهاب، تُرى، نقمة أم نعمة؟!

وهل كان الإنسان بحاجة إلى إزهاق كل هذه الأرواح، وسفك كل هذه الدماء، ليكسر قواقعه ويخلع أقنعته؟!

وهل كانت الحقيقة بحاجة إلى كل هذه المطارق لتفك شرنقتها وتسفر عن وجهها؟!

ولعل السؤال الأهم كان:هل وعت البشرية الدرس وأفادت من قسوته؟!

صفحة 2

هل تحركت للحفر حول الإرهاب بحثاً عن جذوره لاجتثاثها، ودوافعه ومحركاته للقضاء عليها؛ مُغلبة جانب العلم والعقل والمعرفة التي ميز الله تعالى بها الإنسان، أم بادلته إرهاباً بإرهاب أعنف، لمواجهته بردة الفعل الغريزية التي يشترك فيها الإنسان مع سائر الكائنات الحية؟!

كل الشرائع السماوية، وحكمة الفلاسفة، وعبر التاريخ؛ تؤكد أن الظلم هو مبعث الإرهاب وأصل الفساد في الأرض، ومما هو مستقر في ثقافتنا أن إيمان مجتمع، مهما تشبث به، لن ينفعه ولن ينجيه من الدمار والانهيار إذا مَرَد على ممارسة الظلم..

وأي ظلم أفدح من مساعدة معتدٍ على اقتلاع شعب آمن من أرضه، وتدمير منازله، واجتثاث أشجاره، ونهب خيراته، وانتهاك حرماته، وتدنيس مقدساته، وقتل نسائه وأطفاله، واغتيال رجالاته، وإذلال زعمائه، وحصاره وتجويعه وتهجيره وتمزيقه، لإحلال شعب دخيل غريب محله؟!

وأي زيفٍ وتخليط وافتئات وظلم واغتيال للحقائق أكبر من التصفيق للمعتدي، وتزويده بكل أدوات التدمير والتخريب والقتل، وتشجيعه على الإمعان في عدوانه بوصفه دفاعاً عن النفس، وإنكارِ حق المعتدى عليه بالدفاع عن نفسه، ولو بالصراخ والعويل، وحجرٍ من بقايا بيته المهدَّم يرمي به هادمه، وروح لم يُبق له المعتدي على غيرها، يجود بها مقتاداً قاتله أمامه إلى محكمة الله التي لا تختل فيها الموازين؟!

هل بعد هذاالإرهابمن إرهاب؟!

وهل أميركا بمظاهرتها للظلم تكافحالإرهابأم هي تصنعه؟!

{ولا يجـرمنكـم شـنآن قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 5/8].

ولن تكون العاقبة لغير المتقين العادلين.

صفحة 3

مقدمة

ما الإرهاب؟

من فوائد الإعلام، وانتشار وسائله واتساعها، أنه أطلع كل الناس على مايجري في العالم من أحداث ومستجدات، من ثورات علمية إلى ثورات شعبية وحروب، وتطور وتقهقر أصاب الإنسان ويصيبه في سائر أنحاء الأرض.نال الإرهاب حصته من هذا الاهتمام العالمي، فظهر على الساحة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، بصورة مازالت تتسع، حتى شغلت، في بعض الأحيان، العالم كله عما هو أخطر وأفظع.ولم يعد الإرهاب بمعنى الجريمة التي لها عناصر وأركان تميزها من غيرها من مفاهيم محرمة داخلياً ودولياً، من حيث إنها استخدام للعنف بصورة غير مشروعة، ضد مصالح محددة في خدمة أيديولوجية معينة[1]؛ بل أصبح مفهوماً أعم وأشمل.فهو إرهاب سياسي، اقتصادي، اجتماعي، انفصالي، أيديولوجي، وديني[2].كما أصبح مصطلحاً مألوفاً للتعبير عن كل ظاهرة غير مألوفة أو مزعجة..فهناك إرهاب في الموسيقى وفي الأدب؛ كما أنه يمكن أن يكون حرباً يُردّ عليها بحرب أخرى[3].

لهذه الأسباب وغيرها، وجب تجريد الإرهاب من الأثواب التي أرهقت كاهله، حيث أصبحالسبعينيات بخطف الطائرات، وخرق قواعد القانون الدولي في هذا المجال؛ أو عندما قام جورج إبراهيم عبد الله باغتيال عميل الموساد في3/4/1983م في باريس[4]أو عندما قامت جماعة أيلول الأسود بعملية ميونيخ عام1972م.بالنسبة إلى هؤلاء، من فلسطينيين وعرب، الذين خرقوا قواعد عرفية ومقننة للقانون الدولي؛ فإن توصيف أعمالهم بالإرهابية لم يغير من عدالة قضيتهم.

كذلك فإن قيام إسرائيل بتصفية عناصر أيلول الأسود[5]، لم يجرَّ عليها تهمة الإرهاب؛ ولا حتى عندما قامت بتصفية عناصر غير مقاتلة، مثل غسان كنفاني وكمال عدوان؛ اتهمت بأنها ارتكبت جرائم إرهاب دولي[6].

5-لايشكل عدد الضحايا، أو حجم الخسائر، ركناً يغير من التوصيف الجرمي للفعل.فقد لاينتج عن الفعل أي ضحايا، ويصنف عملاً إرهابياً.كما قد تكون الخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، ويبقى الفعل عملاً إرهابياً[7].

6-لايقتصر العمل الإرهابي على الأثر المباشر الذي يحدثه في العامة من خسائر في الأرواح، أو في السلامة البدنية للأشخاص، أو في الممتلكات، إضافة إلى الذعر الذي يصيب العامة؛ بل إن هناك أثراً غير مباشر يحدثه الإرهاب، وهو الهدف الحقيقي منه أصلاً.فهو الانتقام أو التهديد المبطن مثلاً، كما يمكن أن يكون وسيلة للدعاية لهدف أو مبدأ، حيث يعتمد الفاعل على الفضول الذي تثيره العمليات الإرهابية عند الرأي العام، وبالتالي البحث والسؤال عن منفذي العمليات الإرهابية، والأسباب الكامنة وراء ذلك العنف[8].

صفحة 4

أولاً-الإرهاب والجريمة السياسية

إن طبيعة العلاقة غير الواضحة بين الإرهاب والسياسة تدعو إلى طرح مجموعة من التساؤلات، منها:

هل يمكن الفصل بين الإرهاب والسياسة؟

هل يحتاج جرم ما إلى قصد خاص إضافة إلى قصده العام الواجب توافره في أي عمل إجرامي مقصود حتى يكون إرهاباً(المقصود هنا بالقصد الخاص هو تحقيق هدف سياسي، أو أن يكون الباعث على الجرم سياسياً، وذلك بغض النظر عن كونه نبيلاً أم وضيعاً).أو أنه أيّاً كانت خلفية مرتكب الجريمة(سياسية أم لا)وأيّاً كانت طبيعة الأهداف المقصودة فإن هناك أفعالاً معينة يعدّ مرتكبوها إرهابيين[9]؟

من أجل الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن طرح المثالين التاليين:

المثال الأول:قامت مجموعة من أصحاب السوابق القضائية بخطف طائرة، وطلب فدية لقاء تحرير المخطوفين، إضافة إلى طلب الذهاب بهم إلى مكان آمن.في الوقت نفسه وفي مكان آخر، قامت مجموعة أخرى بخطف طائرة، وطلبت فدية، بهدف تمويل المنظمة التي ينتمي إليها أفرادها، من أجل استمرار نضالها ضد مظالم تتعرض لها.

المثال الثاني:قام صاحب مظلمة بإطلاق النار على رئيس مجلس الوزراء، لأنه أصدر قراراً بتسريحه من عمله.

قام شخص ينتمي إلى مجموعة مسلحة سرية، بإطلاق النار على وزير يمثل تياراً رجعياً، تجب محاربته والقضاء عليه بحسب وجهة نظر هذه المجموعة.

مايمكن ملاحظته في هذين المثالين، أن هناك تشابهاً في الفعل واختلافاً في القصد، وبالأحرى وجود قصد إضافي في الحالة الثانية من المثالين الأول والثاني.فالقصد العام في المثال الأول هو طلب الفدية، بينما يبقى للحالة الثانية من هذا المثال قصد آخر، وهو تمويل تنظيم مسلح، أي قصد سياسي.والقصد العام في المثال الثاني هو اغتيال رجل سياسة.أما في الحالة الثانية فهناك قصد إضافي هو محاربة تيار رجعي.

بالتالي، فإن للإرهاب قصداً إضافياً يمكن أن نسميه قصداً خاصاً يميزه عن الجرائم العادية، والتي تشبهه من حيث الوقائع المادية، وهذا القصد هو العامل السياسي والذي لولاه لما وقع الفعل أصلاً.

من هذا المنظور يمكن القول:إن الإرهاب جزء من الجرائم السياسية، برغم أن هناك معارضة شديدة جداً من الدول لهذا الاتجاه في التحليل، ذلك أن هذه الأخيرة كانت قد منحت المجرم السياسي بعض الامتيازات، وهي لاتريد أن ترى مرتكبي أعمال الإرهاب مستفيدين من هذه الميزات، غير أننا لانشاطر أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم.حيث إن الجريمة السياسية يمكن تصورها أفعالاً تقع ضمن فئات ثلاث:

صفحة 5

أ-جرائم الرأي:وهي الجرائم السياسية البسيطة، والتي يخالف مرتكبوها النظام العام في دولهم بآراء يدلون بها كتابة أو شفهياً، على أن أعمال العنف غير موجودة ضمن هذه الفئة.

ب-الجرائم المتوسطة:وهي تلك الأفعال ذات الطابع السياسي والتي تترافق مع عنف ظاهر دون الوصول إلى حد حمل السلاح والإيذاء الجسيم، كالمظاهرات غير المرخص لها، والتي تترافق مع أعمال شغب وتخريب.

جـ-جرائم العنف السياسي أو الإرهاب:في هذه المرحلة يصبح العنف المسلح جزءاً من استراتيجية النضال، أو قد يصبح أيديولوجيته الوحيدة، حيث يستعير أتباع مذهب سياسي معين أو أصحاب قضية ما أو من يخول إليهم الأمر من أجهزة خاصة تابعة لحكومات أو تعمل لصالحها، أساليب يستخدمها المجرمون العاديون، فيقتلون ويسرقون ويخطفون باسم أيديولوجية معينة، أو خدمة لمصالح دولهم.وعليه، فإن الرغبة في حرمان مرتكبي الفئة الأخيرة من الجرائم السياسية من الامتيازات التي كان المشرع الداخلي أو الدولي قد منحها للمجرمين السياسيين، أمر محتمل ومنطقي، بسبب الآثار والنتائج المدمرة لهذه الأفعال.لكن أن يُخرج مفهوم الإرهاب كله من النطاق السياسي، فقط لهذه الأسباب، فهذا أمر يجانب الصواب، ذلك لأن الإرهاب أمر غير وارد إلا مع السياسة، إضافة إلى أن محاربة الإرهاب عن طريق الوقاية منه تتمثل في جزئها الأساسي في محاربة أسباب اندلاعه، وهي محض سياسية.

لكن التشريع الدولي[10]، كالتشريعات الداخلية، والتي فصلت معظمها بين الإرهاب والجرائم السياسية، لم يذهب هذا المذهب.فالمشرع السوري مثلاً استثنى من الجرائم السياسية((أشد الجنايات خطورة على الأخلاق والحق العام، كالقتل والجرح الجسيم والاعتداء على الأملاك، إحراقاً أو نسفاً أو إغراقاً، والسرقات الجسيمة، ولاسيما ماارتكب منها بالسلاح والعنف، وكذلك الشروع في تلك الجنايات[11].

وكانت الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب لعام1977م، قد نحت هذا المنحى أيضاً، حيث إنها اعتبرت أن مجموعة الأفعال المجرمة في عدد من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية لاهاي لعام1970م، ومونتريال لعام1971م، والمتعلقة بالاستيلاء غير المشروع على الطائرات.واتفاقية عام1973م لقمع أعمال الإرهاب ضد من وفّر لهم القانون الدولي حماية خاصة، كما جرّمت عدداً من الأفعال الأخرى، لتخرجها كلها من إطار الجريمة السياسية بغية حرمان مرتكبيها من الاستفادة من مبدأ عدم التسليم.

على أن هذا الارتباط بين الإرهاب والسياسة، يظهر بصورة واضحة فيما يتعلق بالإرهاب زمن السلم.أما زمن النزاعات المسلحة، الدولية منها وغير الدولية، فإن الإرهاب الذي حرّمه المشرع الدولي هو وسيلة أو تقنية حربية لاترتبط بالسياسة إلا بمقدار كون النزاع المسلح هو قراراً سياسياً أصلاً.

صفحة 6

ثانياً-أنواع الإرهاب

إن استخدام المعيار الزماني للتمييز بين أنواع الإرهاب، يفرز لنا طائفتين من أنواع الإرهاب:

أ-إرهاب زمن السلم.

ب-إرهاب زمن النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

أما استخدام المعيار الجغرافي أو المكاني فيجعلنا أيضاً أمام طائفتين من الإرهاب:

أ-إرهاب داخلي.

ب-إرهاب دولي.

1)الإرهاب زمن السلم والإرهاب زمن النزاعات المسلحة

أ-الإرهاب زمن السلم

تقع معظم أعمال الإرهاب زمن السلم.فهي الوسيلة التي لايستطيع البعض التعبير عن مواقفهم إلا بها.وذلك عائد لأحد الأسباب التالية:

1ً-فشل جماعة ما في أن تطرح أفكارها بصورة مقنعة للمحيط، لكي يلتف الناس حول هذه المبادئ، ويطالبون أن تصبح عقيدة لهم أو نهجاً للتحرير أو غيره من أهداف قد تحددها هذه الجماعات لنفسها.ويصبح هذا الفشل عادة عاملاً للتراجع والانحسار والتقوقع على الذات للسقوط في إيديولوجية الإرهاب[12].

2ً-الضغط الذي تمارسه سلطات حاكمة بحق بعض الجماعات والذي يقمع أي عمل ديمقراطي حر ومنظم ومشروع، قد يدفعها إلى الخفاء واستخدام العنف للتعبير عن الذات.

3ً-أما ماتلجأ إليه الدول عادة من إرهاب، ويكون عادة إما عن طريق أجهزة استخباراتها، أو عن طريق منظمات صورية داخل وخارج إطارها الجغرافي وحدودها، يكون لإرساء سياساتها أو لإبلاغ الآخرين موقفاً ما من قضية محددة، أي إن الإرهاب هنا غالباً مايكون مؤشراً على طبيعة العلاقة بين الدول التي تعكس الكثير من التوتر أو بعضاً منه.

ويعد الإرهاب زمن السلم أحد المؤشرات على أن المجتمع الذي يعاني منه لايعيش، لأسباب داخلية أو خارجية، حالة استقرار، فتصبح الدولة المعنية بالإرهاب مسرحاً لنزاع داخلي لم يحسم بعد، أو مكاناً ينقل إليه جزء من نزاع دولي سواء كان لحكومتها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا النزاع.

ب-الإرهاب زمن النزاعات المسلحة

ميّز فقهاء القانون الدولي بين ثلاثة أنواع من النزاعات المسلحة:دولية، غير دولية، وداخلية(الحروب الأهلية).

1ً-النزاعات الدولية المسلحة والإرهاب

صفحة 7

كان كل من قانون النزاعات المسلحة(قانون لاهاي)والقانون الدولي الإنساني(قانون جنيف)؛ واللذان نظما طرق ووسائل سير العمليات القتالية، ثم حاولا أن يخففا من ويلات النزاع بتأمين الحماية لبعض الفئات والأعيان؛ قد حرّما اللجوء إلى الإرهاب كوسيلة من وسائل الاقتتال.

وما تجب الإشارة إليه في هذا الصدد، هو أن أعمال الإرهاب زمن النزاعات المسلحة الدولية هي فئة إضافية ومحددة، تختلف عن الانتهاكات الأخرى التي حددها كل من القانونين السابقي الذكر، والتي يمكن تصنيفها في ثلاث طوائف من الجرائم:جرائم الحرب[13]، الجرائم ضد الإنسانية[14]، وجريمة إبادة الجنس[15].

أما تحريم اللجوء إلى الإرهاب زمن النزاعات المسلحة الدولية فهو التحريم الوارد على أفراد القوات المسلحة، وكل من يمكن استخدامهم من قبلهم من أفراد ومنظمات باللجوء إليه كوسيلة للقتال.ويتميز الإرهاب في هذه الحالة بالخصائص التالية:

1-أنه استخدام غير مشروع للعنف المسلح، زمن نزاع مسلح، قد يكون مشروعاً وقد لايكون[16].وبالتالي فالإرهاب هنا هو خرق لقواعد القانون الدولي والتي حرّمت اللجوء إليه، إما مباشرة، كالنص الوارد في الاتفاقية الرابعة لجنيف لعام1949م، والمتعلقة بحماية المدنيين كضحايا لهذه النزاعات، والذي حرّ م((جميع تدابير التهديد والإرهاب))[17].أو بنصوص تخص فئة من الأعيان أو الأشخاص، كالتحريم الوارد في المادة الرابعة من اتفاقية لاهاي لحماية الأعيان الثقافية لعام1954م، والتي تمنع أية أعمال عدائية ضد المنشآت الثقافية من تدمير وإتلاف وسرقة وتدابير انتقامية؛ والمادة46من البروتوكول الأول لعام1977م الملحق باتفاقات جنيف لعام1949م، والتي تحمي((المنشآت الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة))كالسدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الكهرباء[18].ويرىHams Peter Gosserأن إجبار أسير الحرب على الإدلاء باعترافاته هو عمل إرهابي لأن الاتفاقية الأولى والثانية لعام1949م في مادتها(12)[19]، والاتفاقية الثالثة في مادتها(13)[20]، قد نصت جميعها على ضرورة المعاملة الإنسانية[21].

2-أن مرتكبي هذه الأفعال، هم عادة من العسكريين.لكن المدنيين الذين يقومون بهذه الأعمال يفقدون هذه الصفة، وبالتالي يفقدون ماقرره القانون الدولي الإنساني من حماية للسكان المدنيين.

3-يقع الإرهاب ضد المدنيين وضد الأعيان المدنية والثقافية التي يوفر لها القانون الدولي الإنساني حماية خاصة، بينما لاتعد هذه الأفعال إرهاباً عندما توجه للعسكريين أو المنشآت العسكرية.

4-ينحصر دور العمليات الإرهابية زمن النزاعات المسلحة الدولية في تحقيق هدفها المباشر(ضرب المصالح أو الأشخاص المعنيين).بينما يحاول الإرهاب زمن السلم تحقيق نتائج أخرى تضاف إلى الضرر المباشر في الأرواح والأعيان.

2ً-النزاعات المسلحة غير الدولية والإرهاب

ويقصد بهذه الفئة النزاعات التي تقوم عادة بين جيش نظامي أو أكثر في مواجهة حركات تحرر وطني، أو حركات ثورية موجودة خارج إقليم دولتها أو داخله.وفي هذا الإطار لابد من التذكير بأن((المنازعات الدولية التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي، وضد الأنظمة العنصرية، وذلك بممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير))تبقى تحت حماية وسلطان القانون الدولي كما استقر عليها((العرف ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام))[22]، وهي تعدّ جزءاً من النزاعات الدولية، ويسري عليها مايسري على هذه الأخيرة من أحكام.مما يعني أن تحريم اللجوء إلى الإرهاب هو حكم يسري على حرب العصابات تماماً كما يسري على الحروب بين الدول.وتعد الأعمال الإرهابية فئة مستقلة عن جرائم الحرب التي عددتها المادة(8/2-ح-هـ)من النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، والتي يبلغ عددها(16)انتهاكاً، كما تختلف عما ورد في المادة(7)من جرائم ضد الإنسانية، والمادة(6)المتعلقة بجريمة الإبادة الجماعية.

وكانت المادة(44)من البروتوكول الأول لعام1977م، الملحق باتفاقات جنيف لعام1949م، قد قررت شرطين لابد من توافرهما حتى يُعدّ المقاتل غير خارج عن قواعد القانون الدولي بهذا الشأن، وهما وضع إشارة مميزة، وحمل السلاح علناً.وإذا كان حمل الإشارة صعب التحقيق أو أنها غير واضحة، فيجب أن يكون حمل السلاح علناً، وبالتالي يمكن لهؤلاء المقاتلين أن يستفيدوا مما قرره القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة من حماية.

وبذلك نرى أن سلوك عناصر المقاومة اللبنانية، وخاصة عناصر حزب الله في حربها الأخيرة لتحرير جنوب لبنان، كانت تتقيد بهذه القواعد، إضافة إلى استهدافها المواقع، وأهداف عسكرية

وعسكريين إسرائيليين، ومن كان يتعاون معهم من جيش لبنان الجنوبي، دون المساس بأهداف مدنية[23].

على أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف يمكن لأهالي مناطق محتلة أن يحققوا، ضمن هذه الشروط ومن دون الإخلال بقواعد القانون الدولي في هذا الإطار، حق تقرير المصير، وتحرير الأرض والنفس؟ لأن ظاهر القاعدة يدل على أن عدم احترام قواعد القانون الدولي بهذا الشأن يعدّ ارتكاباً لعمل إرهابي.وهذا الرأي يشايعه عدد كبير من فقهاء القانون الدولي الإنساني[24].

في الواقع، لنا في هذا الأمر وجهة نظر تعكس الواقع الذي نعيشه، وتقترب كثيراً من العدالة، لكنها لاتبحث في الشرعية الدولية بقدر ماتبحث عن الحق.وهي تتلخص بما يلي:مايطلق عليه البعض عملاً إرهابياً، والقائم به هو إرهابي، ماهي إلا أعمال مقاومة، ومنفذوها أبطال قوميون، وإن قُتلوا فهم شهداء.والعكس بالعكس، أي إن ماأطلقه النازيون من تسمية على مقاتلي الحرية الفرنسيين من أنهم إرهابيون، لم يغير يوماً من كونهم أبطالاً قوميين.ولايزال الأمر حتى يومنا هذا يكرر نفسه في فلسطين، حتى ولو اعتبر من يشاء، أن قاتل المصلين في الحرم الإبراهيمي هو مجنون؛ وأن من قتل مستوطناً في غزة هو إرهابي.

صفحة 8

3ً-النزاعات المسلحة الداخلية والإرهاب

ويقصد بهذه الطائفة من النزاعات الحروب الأهلية.وكانت المادة الرابعة-الفقرة الثانية من البروتوكول الثاني لعام1977م الملحق باتفاقات جنيف لعام1949م، والمتعلق بضحايا النزاعات

المسلحة غير الدولية[25]، قد منع أعمال الإرهاب ضد الأشخاص الذين لايشتركون مباشرة، أو الذين يكفون عن الاشتراك في العمليات العدائية.

وتعد الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام1975م، حتى عام1990م، من أطول الحروب الأهلية في القرن العشرين.وقد عرفت هذه الحرب كل فنون الإرهاب من أخذ رهائن، والتعدي على أشخاص محميين دولياً، إلى خطف طائرات، وغيرها من عمليات تصفية وتخريب.

2-الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي

يمكن نظرياً التمييز بين هاتين الطائفتين من الإرهاب على أساس أن عناصر الفعل كلها تقع ضمن إطار دولة واحدة(إرهاب داخلي)، أو أن عناصره تمتد لتشمل أكثر من دولة سواء أكانت دولة جنسية الفاعل أو الضحية أو مكان وقوع الفعل هو العنصر الأجنبي(الإرهاب الدولي).

أ-الإرهاب الداخلي

لايكاد يكون هناك دولة واحدة نجت من الإرهاب الداخلي، من الشرق الأوسط حتى أوروبة واليابان، وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية.في الشرق الأوسط تعرضت مصر مؤخراً إلى إرهاب جماعات متطرفة، كان لها أسوأ العواقب على الاقتصاد المصري، حيث استهدفت تلك الجماعات قطاع السياحة.وقد دامت الأزمة ثلاث سنوات1997م إلى1999م[26].إضافة إلى ماتعانيه الجزائر من إرهاب بكافة صوره وأسبابه ومسببيه، والذي يسيطر على حياة الجزائريين من بداية تسعينيات القرن الماضي.

على أن ماحصل في أوروبة الغربية من نشاط للجماعات الإرهابية، هو من أكثر الدلائل على أن ديمقراطية الدول، أو بالأحرى الحرية السياسية التي يتمتع بها رعاياها، ليست كفيلة بعدم تعرضها للإرهاب.فكانت فرنسا قد عانت في السبعينيات والثمانينيات من إرهاب جماعات أقصى اليسار، وعلى رأسها جماعة العمل المباشر(Actien Directe)، إضافة إلى نشاط لازال مستمراً لحركات أقصى اليمين..إضافة للحركات الانفصالية في كل من كورسيكا والأقاليم وراء البحار(Dom Tom)، ونشاطها الإرهابي على الأراضي الفرنسية.

عانت ألمانيا الغربية[27]من إرهاب جماعة بادر مينهوف(Baader Meinhof)إضافة إلى إرهاب أقصى اليمين، الذي توسع نشاطه بعد اتحاد الألمانيتين، وازدياد العداء تجاه الأجانب.كما كان لإيطاليا نصيب من الإرهاب، إضافة إلى معاناتها من الجريمة المنظمة(المافيا).فكانت الألوية الحمراء وغيرها من جماعات أقصى اليسار واليمين قد بدأت نشاطها منذ عام1972م، وحتى الثمانينيات.

عانت إسبانيا من إرهاب الحركة الانفصالية لبلاد الباسك(ETA).وكان لبريطانيا نصيب، وذلك لوجود حركة الجيش الأحمر الإيرلندي(IRA)ليذكرها، باستمرار بقضية تقسيم إيرلندة، وحقوق الأقلية الكاثوليكية في إيرلندة الشمالية.

لم تنجُ الولايات المتحدة من الإرهاب الداخلي.وكانت حادثة أوكلاهوما سيتي، والتي نفذ حكم الإعدام مؤخراً بمرتكبها، هي أحد الدلائل على وجود تصدعات في مجتمع يدعي أكثر من غيره أنه غير قابل للاختراق، وبأنه مثال للديمقراطية والمساواة والتجانس بين مواطنيه.كما عرفت اليابان فترة إرهاب عن طريق جيشها الأحمر.وتعاني الهند من تطرف السيخ وغيرهم من حركات تدمي البلاد أحياناً.

هذه الأمثلة وغيرها تعزز وجهة النظر القائلة:إن أي مجتمع من المجتمعات قد يتعرض للإرهاب إذا انقطعت صلة الوصل بين المعارضة والحكم القائم؛ أو بين الشعب والسلطة، أياً كانت أسباب هذا الانقطاع.

حاولت تلك الدول الرد على هذا الإرهاب بتبني تشريعات داخلية، إضافة إلى جهد دولي مشترك لمواجهة هذه الظاهرة.ففي أوروبة مثلاً، انضمت جميع الدول الغربية سريعاً إلى الاتفاقات التي تتعلق بصورة من صور الإرهاب، كما أنها وقعت اتفاقية لقمع الإرهاب عام1977م.ولم تدخر هذه الدول جهداً على الساحة الداخلية، ففي فرنسا مثلاً كانت حقبة الثمانينيات باعثاً على تطوير التشريع الداخلي، وإصدار قوانين خاصة بالإرهاب.وجاء القانون رقم(86/1020)الصادر بتاريخ9/9/1986م، ليعدد مجموعة من الأفعال التي اعتبرها الشرع أعمالاً إرهابية، إذا كانت قد نُفذت بهدف زعزعة النظام العام ونشر الخوف.

كانت إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية نشاطاً في إصدار التشريعات للوقاية من الإرهاب وقمعه؛ فكان هناك القانون رقم(975)لعام1965م؛ ثم قانون ريال(REAL)لعام1975م؛ ثم قانون كوسيكا(Gossiga)لعام1977م..وتعتمد كل هذه القوانين على مبدأ تعداد أفعال تعدّ بمثابة جرائم إرهاب؛ إضافة إلى ماجاءت به من توسيع لصلاحيات رجال الشرطة والقضاء، دون أن تراعي في بعض الأحيان المبادئ الأساسية لحقوق المتهمين[28].

صفحة 9

ب-الإرهاب الدولي

يأخذ هذا النوع من الإرهاب حيزاً كبيراً من الاهتمام الدولي.وكان للإعلام العالمي، وخاصة الغربي، دوراً هاماً في إبراز هذه الظاهرة وإعطائها في بعض الأحيان أبعاداً شيطانية لم تكن في الحسبان، حتى صدق المنجمون وبدأ الأمريكيون بعد أحداث نيويورك وواشنطن يعانون من أعراض باكتريا الجمرة الخبيثة، دون أن يدري أحد، حتى تاريخه، أي شيء عن مرسلي الطرود المجرثمة.

كان الشرط البلجيكي من أول البوادر لقمع الإرهاب الدولي[29]، ثم جاءت اتفاقية عام1937م من أجل((الوقاية وقمع الإرهاب))والتي وقعت في إطار عصبة الأمم لتحاول أن تضع تعريفاً للإرهاب[30]وطرق مكافحته.لكن أياً من الدول لم تصادق على هذه الاتفاقية، لذا لم تدخل يوماً حيز التنفيذ.ولم يكن نصيب الاتفاقية الثانية، والتي تم نقاشها في الوقت ذاته، والتي كانت تهدف لإنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأفراد الذين يقومون بأعمال إرهابية، أفضل بكثير، حيث صادقت الهند فقط على ميثاقها الأساسي.

على أن الحرب العالمية الثانية وما تبعها، كان قد شحذ همة منظمة الأمم المتحدة للتصدي لظاهرة الإرهاب الدولي، فأنشأت لجنة مكونة من(35)عضواً لدراسة مسألة الإرهاب الدولي[31].

شكلت اللجنة الخاصة بالإرهاب الدولي ثلاث لجان فرعية؛ كان على الأولى أن تتصدى لتعريف الإرهاب، وعلى الثانية أن تعرّف الأسباب الكامنة وراء الإرهاب، وعلى الثالثة تحديد الإجراءات الكفيلة بالوقاية من الإرهاب.

وقامت مجموعات العمل هذه، خلال ثلاث دورات عقدت عام1973م وعام1977م وعام1979م، بإعداد تقارير ودراسات، وتوصلت إلى بعض النتائج[32].إلا أن مايظهر بوضوح من قراءة هذه التقارير هو:

1ً-حالَ التناقضُ بين الدول، وتعدد المفاهيم حول الإرهاب، وعدم القدرة على إعطاء تعريف موحد لهذه الظاهرة[33].

2ً-لم تكن الأسباب الكامنة وراء الإرهاب من العوامل التي ساهمت في توحيد موقف الدول الأعضاء.فالبعض كان يرى أن الفقر والعوز، إضافة إلى تدخل الدول بعضها في شؤون بعض، هو سبب كامن وحقيقي وراء الإرهاب، حيث تسعى بعض الدول لخلق فتن داخلية، وتغذي قواعد تعمل على زعزعة نظام قائم بهدف تقويضه مستقبلاً.ورأى البعض الآخر في عدم الحصول على حق تقرير المصير سبباً للإرهاب الدولي.وكان لفريق ثالث رأي بأن نقص الديمقراطية في بعض الأقاليم هو وراء ظهور الإرهاب.

3ً-لم تستطع الدول أيضاً الاتفاق على طرق محددة للوقاية من الإرهاب، فبعضها كان يصرّ على ضرورة التزود بترسانة قانونية دولية لقمع صور الإرهاب المختلفة، إضافة إلى ماتراه الدول ضرورياً من تشريعات في الإطار الوطني.بينما رأت دول أخرى أن خير وسيلة للوقاية من الإرهاب هي القضاء على أسبابه، مثل وضع حد للاستعمار، وعدم تدخل الدول في شؤون دول أخرى، وغيرها من الأسباب الكامنة وراء الإرهاب.على أن توصيات الدورات الثلاث كانت قد اتفقت على ضرورة الانضمام إلى الاتفاقات الدولية الموجودة لمحاربة أية صورة من صور الإرهاب، وعلى ضرورة احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى تشجيع التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب؛ ذلك بعد أن شددت على ضرورة إيجاد تعريف جامع ومانع لهذه الظاهرة، وعلى ضرورة محاربة أسبابه.

ولم يقتصر الأمر على ماقامت به هذه اللجنة من أعمال، بل ساهمت الجمعية العامة بمجموعة من توصياتها بدعم جهود الدول لتعريف الإرهاب والقضاء على أسبابه.كما لم يتأخر مجلس الأمن، وخاصة بعد حوادث11أيلول2001م في الولايات المتحدة، عن الإدلاء برأيه، فأصدر القرار رقم(1373)والمتعلق بحث الدول على الانضمام إلى اتفاقية تحويل الإرهاب[34]والتي كانت الجمعية العامة قد تبنتها عام1998م.

لكن ماترجم من أمانٍ دولية، اقتصر على منحى واحد فقط، وهو تبني اتفاقات قمع لصور الإرهاب الدولي وقريباً تمويله[35]، دون أن تهتم هذه الأدوات بتعريف موضوع بحثها، وإيجاد حلول للأسباب الموجبة لهذا الإرهاب، ولا حتى تحديد هذه الأسباب والاتفاق على خطورتها أصلاً.فأصبح لدى المجتمع الدولي ترسانة قانونية تتعقب الإرهاب بعد وقوعه، دون أن يعي من له القرار أن جزءاً من الإرهاب يمكن القضاء عليه بالقضاء على أسبابه[36].

جـ-العلاقة بين الإرهاب الدولي والإرهاب الداخلي

كشف العديد من التقارير المقدمة من رجال الأمن والاستخبارات في أوروبة، أن ماكانت تعانيه بعض الدول من إرهاب داخلي، كفرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وإسبانيا، في السبعينيات والثمانينيات، ليس إرهاباً داخلياً فحسب، إذ كانت الجماعات الإرهابية تتعاون بعضها مع بعض تعاوناً لوجستيكياً وعقائدياً، إلى حد نشوء ظاهرة سماها بعض المحللين(Euro-terrorisme)أي الإرهاب الأوروبي.ويرى بعض المهتمين بشؤون الإرهاب أن هذا التعاون لم يقتصر على جماعات تحمل الأيديولوجيات نفسها، بل إن هذا التعاون كان قائماً بين جماعات تحمل أفكاراً سياسية متناقضة تتراوح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، لكنها تجتمع على تحقيق هدف محدد ومباشر من خلال بعض العمليات الإرهابية.وبذلك يقترب مفهوم الإرهاب الداخلي من الإرهاب الدولي اقتراباً كبيراً.

ويبدو أن ماعانت منه بعض دول أوروبة من امتداد الإرهاب، تعاني منه الكثير من الدول الأخرى، حيث يعدُّ تدخل بعض القوى في الشؤون الداخلية لدول أخرى ومحاولتها تغذية معارضة في بعض الأحيان مستحيلة، والتي يصبح سلوكها كله عمليات عنف وإرهاب هي ظاهرة يمكن اعتبارها إرهاباً داخلياً ممتداً في مسبباته نحو الخارج.

صفحة 10

ثالثاً-من يقترف الإرهاب؟

إن نظرة سريعة للاتفاقات الدولية بشأن الإرهاب، وإلى معظم التعاريف التي أعطيت له، تشير إلى أن هذه الظاهرة هي أمر خاص بالأفراد والمنظمات، أو حركات التحرر والحركات الثورية دون الدول.وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد قراءة سريعة للأحداث التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية، كشريحة تاريخية، هو:هل يمكن إقصاء الدول عن الإرهاب أم لا؟

في الحقيقة، لايثير إرهاب المنظمات وحركات التحرر الوطني أو الحركات الثورية أي نقاش، لكن المشكلة تكمن في الدول التي تلجأ لاستخدام العنف لتحقيق غرض ما لاتستطيع أن تحققه بوسيلة أخرى.وبذلك يمكن التمييز بين فئتين قد تلجأا للإرهاب:

أ-الإرهاب كأيديولوجية

لاتظهر عادة أية منظمة أو حركة سواء على الساحة الداخلية أو على النطاق الدولي، وكأنها منظمة أو حركة إرهابية، بل إن الأمر يحتاج إلى عوامل بسيكولوجية وظرفية خاصة، تدفع بهذه الحركة أو تلك إلى الإرهاب.ويعد انقطاع الجمهور عن حركة ما وعدم رغبته في تبني ماتذهب إليه، سواء لعدم اقتناعه بنبل هدفها أو مشروعيته، أو لعدم الشعور بالرغبة في التغيير الذي تطرحه الحركة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي كشعار لها.وهذا ماحصل في بلاد الباسك الإسبانية مثلاً عندما رضي عدد كبير من أهالي أقاليم الباسك الأربعة بما عرضته عليهم حكومة مابعد فرانكو من حكم ذاتي بدل الاستقلال، مما دفع مقاتلي حركة انفصال الباسك(ETA)إلى التقهقر والعمل سراً وفق منهج إرهابي بحت، فقاموا بالاغتيالات والتصفيات لرجال سياسة، وصحفيين، ورجال شرطة، وجيش، وعمدوا إلى نسف مبان وسرقة متفجرات وتخزينها، وإلى ضرب مصالح كل من لايشاطرهم الرأي.كما يعدّ تراجع اليسار الفرنسي بعد أحداث أيار عام1969م وخيبات أمله بتطور مجتمع اشتراكي يحذو حذو الكتلة الشرقية، هو بسبب وجود عدد من الجماعات التي تبنت العنف المسلح، فبدأت هذه الجماعات تتبع نهجاً خاصاً بها، كان الكاتب ميشيل فيفيوركا(Michel Wieviorka)قد وصفه بأنه تحول لبعض الحركات الاجتماعية أولاً إلى حركات اجتماعية مضادة، ومن ثم تتطور العقلية الإرهابية لديها، ويتجلى ذلك بانقطاع تام عن الجمهور وراديكالية في الخطاب، واختلاط بين الوسائل والغايات، فلا يعود هناك تمييز بينها، وتبدأ الجماعة بالانفصال التام وجوداً وحركة عن المجتمع الذي تعيش فيه[37].

في هذا الإطار يمكن وضع معاناة العرب الأفغان الذين وصلوا إلى مصر وغيرها من أقطار عربية، في الإطار نفسه، حيث تصبح الأيديولوجية غير ملائمة لحركة المجتمع فيسقط أتباعها في عنف مسلح غير مجد.

لكن لابد من الإشارة إلى أن الانفصال عن المجتمع والتقوقع على الذات، ليس ناتجاً دائماً عن انقطاع حر ومتعمّد عن الجمهور؛ بل قد يحصل ذلك الانقطاع نتيجة ضغوط شديدة تمارس ضد حركات ثورية أو حركات انفصالية وغيرها من تنظيمات، من قبل الحكومات المعنية أو من قوى الاحتلال، والتي تدفع بها إلى الانكفاء على الذات، وتطوير نهج خاص منقطع عن الجمهور، يلجأ إلى العنف المسلح كوسيلة للاستمرار والتعبير عن الذات.وهذا ماحصل مثلاً مع الجيش الأحمر الإيرلندي، الذي أصبح منظمة إرهابية بسبب الضغط الذي مارسته عليه بريطانيا منذ بدايات القرن الماضي وحتى التسعينيات منه، ضغط لم يسلم منه حتى الجناح السياسي لهذه الحركة(شين فين).ويرى الكثير من المراقبين أن ماحصل ويحصل في الجزائر حتى اليوم في جزء منه يمكن أن يصنف في هذا الإطار.

ب-الإرهاب وسيلة

تلجأ بعض الدول إلى الإرهاب عند عجزها عن تحقيق مآربها بصورة أخرى تقل عنفاً أو بالطرق السلمية.كما أن المنظمات وحركات التحرر الوطني والحركات الثورية قد تستعير هذا الأسلوب لقضاء بعض أغراضها.

1-إرهاب الدول

تطلق بعض الدول صفة الإرهاب على دول أخرى وتنعتها بالإرهابية.بل وصل الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية إلى حد وضع قائمة تعدّد فيها الدول الإرهابية.وتعيد تقييمها هذا كل عام ليتغير بحسب تطور علاقتها مع هذه الدولة أو تلك، سلباً أم إيجاباً.

على أن إعداد مثل هذه القوائم لايعدّ دقيقاً أو صحيحاً من الناحية القانونية، وذلك ليس لجهة صحة أو عدم صحة ماورد فيها من اتهامات، لأن الغاية من إعدادها معروفة سلفاً، بل لأن الدول في نظمها السياسية قد تأخذ الشكل الديمقراطي أو الدكتاتوري، وقد تكون دولة غير معتدية أو متعدية، أي استعمارية لاتحترم حدود الدول الأخرى وأمنها، بل ترى حدودها مكان تحقُّق أمنها.لكن كل هذه الدول قد تلجأ، أحياناً أو بكثرة، إلى الإرهاب.فالإرهاب ليس نظاماً سياسياً، بل تهمة قد تلحق بدولة أو بأخرى بسبب شيوع المصطلح، وكثرة تداوله إلى حد التعميم، وخاصة في عالم غلبت عليه مصطلحات سياسية شبه موحدة.