eKtab
EN ع
الإرهابي الأخير
اقرأ عينة مجانية

الإرهابي الأخير

بقلم فوزي ذبيان

صفحة 1
الإرهابي الأخير

1

اسمي فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي. أنا روائي روسي من القرن التاسع عشر.

لم يزد كلمة واحدة إلى هذه الجملة الأبدية الموجهة إلى لا أحد.

التفت صوب المنزل العابق بمئات القضبان الحديدية المثبتة فوق نوافذه، ابتسم ابتسامة تنم عن استخفاف جهنمي ثم توجه ناح البيت. جعل يعد خطواته بتأنٍ وقد تدثر معطفاً أسود وذقناً وشاربين خفيفين.

صعد الدرجة الأولى فالثانية فالثالثة فالرابعة فالخامسة، ثم قرع الباب بمطرقة حديدية على شكل يد مضمومة. دج دج دج دج... لم يرد عليه أحد، ولم يُفتح الباب. "أنا أعلم أنك بالداخل"، قال دوستويفسكي، "افتح الباب".

حافظ السكون على مجمل سكونه إلا صوت الهواء الذي كان يتمتم عبر بعض الأشجار الصغيرة وشوشة ليصير صراخاً مرعباً تقوله شجرات ضخام... إنها من تلك التي تُزرع حول القبور.

اقترب من نافذة صغيرة لا تشبه إلا النافذة الصغيرة وجعل، وقد شدّ المعطف حول جسده أكثر، يرقب البيت من الداخل. أشياء البيت، وقد زحط الضجر من كل مكان في العالم ليتجمع هنا، كانت تحادث نفسها بمقت وبجمل قصيرة. كان الأثاث موزعاً داخل قاعات المنزل توزيعاً أبدياً حتى لتظن أن الله بنفسه قد وزع هذا الأثاث كما همس دوستويفسكي في أذن النافذة الجاثمة خلف القضبان.

كل شيء كان في مكانه جامداً لا يتحرك إلا هرة كانت تمشي بتثاقل لا ينتهي كأنها الهم.

دج دج دج... عاود الطرق بالمطرقة الحديدية المعلقة فوق الباب، لكن بلا جدوى. اشتد الهواء حول دوستويفسكي وقد أتى المساء والأشجار صارت كأنها أشباح تحاول الانقضاض.

هرة الهم، تلك التي تمشي بتثاقل خبيث، أرخت برأسها فوق قائمتيها الأماميتين المضمومتين منذ الأزل وجعلت ترمق صاحب المعطف من فوق حافة إحدى النوافذ الخارجية. يبدو أنّ ثمة باباً سرياً للقطط في هذا المنزل الـ... (اختاروا الصفة التي تشاؤون).

كانت القطة وهي سوداء تبلغ من العمر قططاً تتأمل دوستويفسكي بنظرات تتراوح بين الخوف منه ومحاولة تخويفه في آن معاً. تارة تدور برأسها حول رقبتها ببطء، وتارة تشد هذا الرأس إلى الأمام كأنه مفتاح ليل لا ينتهي.

لم يحد دوستويفسكي قيد أنملة من مكانه أمام الباب صاحب اليد المضمومة ولم يرف له جفن في خضم المابينه وما بين القطة السوداء. كانا كالمأخوذين ببعضهما البعض هي الرابضة فوق قائمتيها الأزليتين وهو المتدثر المعطف المشدود بواسطة يديه الاثنتين.

قبل منتصف الليل بقليل، والقمر صار أبيض والريح بعض نسمة بل أخف بكثير... مياو...مياو. لم تبادله المواء، نطّت من مكانها مذعورة وقد انهال عليها دوستويفسكي خربشة. جعلت تعدو في الحديقة بشكل دائري وكأنها قطة دائرية، بينما دوستويفسكي المتدثر يعيد ترتيب نفسه في مكانه عند مدخل البيت فوق أعلى الدرج.

ليس من الضروري أن يكون لهذه القطة أي مرور آخر طيلة هذا الكتاب، لكنها ما زالت تدور حتى اليوم. أما دوستويفسكي، فكف عن أن يكون أمام الباب متدثراً... لقد ولج عتبة البيت، والقصة هي أن جوّان البيت انفتح على برّانه بعد أن دفع دوستويفسكي باب هذا البيت بكتفه حتى بجّه عن بكرة أبيه.
صفحة 2
2

يُلقّب بالأخير. كان في الصف الثالث تكميلي في المدرسة الرسمية للصبيان يوم دخل دوستويفسكي إلى البيت أول مرة. اشتهر بذكائه الخارق وبولعه بقراءة الشعر وحيداً، وكان الأكثر جرأة على سرقة الورود بين كل أترابه.

عارية أنتِ ببساطة مثل إحدى يديكِ.

ناعمة، أرضية، صغيرة، مكوّرة، شفافة.

فيكِ دروب قمر، طرق تفاح.

عارية أنتِ، نحيلة مثل القمح العاري.

عارية أنتِ زرقاء مثل الليل في كوبا.

في شعركِ لبلاب ونجوم

مثل الصيف في كنيسة ذهبية.

صعقته معلمة التاريخ بصفعتها القوية، فاختار أن ينسحب من العالم مؤقتاً ويركن إلى زاوية يقرأ فيها الشعر وحيداً. جاره كاتب أو شيء من هذا القبيل، كان يزوده بكتب الشعر التي ما انفك يلتهمها التهاماً.

لم يكتف عصر تلك الصفعة بقراءة نيرودا، إذ ومع صياح الديكة كان يردد مع لوركا:

...لكن البكاء كلب

البكاء ملاك هائل

البكاء كمان.

لم يرض أن يتناول فطوره، فهو لا يريد الذهاب إلى المدرسة اليوم أيضاً. بحلق في جاره الكاتب وقد مال لون عينيه إلى الأحمر الحزين ثم قال: "لماذا غضبت مني هكذا؟ فهي بالفعل تثيرني!"
صفحة 3
3

جعل يجول بنظره في أرجاء المنزل الفسيح متوقعاً رؤية أحدهم.

"أين أنت؟ لمَ لا تظهر أمامي؟" سأل دوستويفسكي بنبرة قاسية وبإيقاع يؤكد بالفعل أن ثمة من بهذا الداخل الصارم. لكن داخل المنزل اكد بشدة اللابشري المتوقَّع من قبل دوستويفسكي. نقل دوستويفسكي خطاه من أمام الباب حيث تسمّر لدقائق ليجد نفسه أمام مدفأة ضخمة خانتها النار منذ قرون. جعل ينكش رماد المدفأة البارد بواسطة قضيب حديدي وهو يمعن النظر في عدة ساعات معلقة في أنحاء مختلفة من الجدران.

مثل الجدران، لم تكن عقارب الساعات الكثيرة تنم عن أي حركة وكأني بها متواطئة مع هذا المكان المنسلخ عن الفعل المضارع منذ سنوات طوال. انتقل من أمام المدفأة والقضيب الحديدي ما زال في يده لما...

أحدث صوت تحطم المرآة ضجة يبدو أن المنزل لم يألفها منذ سنوات طوال. استمر تساقط الزجاج للحظات استعاد دوستويفسكي أثناءها رباطة جأشه وندّت عن شفتيه ابتسامة من يعترف لنفسه بأنه يجب أن يكون أشد بأساً. ابتعد عن الزجاج المحطم بنصف دائرة خطها بقدميه ليتسلق بعدها درجاً خشبياً يؤدي إلى الطابق العلوي. لم تخنه ذاكرته فيرتعب من انعكاس صورته عبر مرآة ضخمة عند آخر الدرج فيحطمها كما حصل معه منذ قليل.

لمس المرآة بكفه وكأنه يحاول اختراقها ليستدير من ثم متأملاً ثريا من الكريستال ضخمة ومتدلية عبر جنزير عجوز لتنتهي فوق البهو بأمتار. أثار الكريستال المشنوق دوستويفسكي، فجعل ينظر إليه وكأنه يحاول عبر نظراته أن يعيد الحياة إلى هذا الكريستال.

وضع يديه الاثنتين فوق الدرابزين الخشبي صاحب اللون البني الأقرب إلى أن يكون محروقاً، وجعل يفكر بامتياز.

إن دوستويفسكي يفكر بامتياز، فهو يعلم علم اليقين أن ثمة من يشاركه الوجود داخل هذا البيت الذي مات فيه الكريستال. دوستويفسكي يعرف أن الرجل بانتظاره منذ ما قبل الرماد لكنه مختبئ في ركن ما لا ريب في ذلك، قال دوستويفسكي. جمّع نفسه وقد لمس كل الغرف الشاغرة في البيت وجلس على كرسي هزاز تحت الكريستال الميت. لن أرحل من هنا، قال بصوت مسموع، أنا أعلم أنك تسمعني ولا معنى لبقائك متوارياً طوال الوقت. أنا دوستويفسكي وليس ثمة من هو أجدر مني بالتواري والظهور. إبق مختبئاً قدر ما تشاء يا صاحب الظل التعيس فأنا سأنتظرك كل الوقت ولن أشعر بأي سأم. كل ناس كتبي معي، لن أشعر بأي سأم.
صفحة 4
4

أمضي سائراً في المساء...

بين زهور الحقل..

مخلفاً على الطريق ماء حزني.

في الجبل المنعزل

تبدو مقبرة القرية..

مثل حقل مزروع

ببذور الجماجم..

وشجرات سرو أزهرتْ

مثل رؤوس هائلة..

ترقب الأفق

بألم وقلق..

بمحاجر فارغة

وشعر مخضرّ...

على حين غرة قرر الأخير أن يعود إلى المدرسة ويصالح معلمة التاريخ بأن يقدم لها باقة من الورد الأحمر.

تسلق سور ال؟يلا العالي وقفز إلى داخل الحديقة حيث جعل يزحف كالأفعى وصولاً إلى ركن صغير مليئً بالورود. بعض من أصدقائه الأشقياء كانوا ينتظرونه عند حافة السور ويعملون على مراقبة ال؟يلا من الداخل. كل ال؟يلا كانت معتمة إلا غرفة صغيرة في الطابق الثاني حيث ظل امرأة عجوز كان يروح ويجيء بتواتر يزهق منه حتى الله.

كمية كبيرة من الورد كان الأخير يحتضنها راكضاً باتجاه السور. أخذ يرمي الورد إلى رفاقه، ثم جرجر نفسه إلى ما فوق السور حيث عمل هو وهؤلاء الرفاق ركضاً وقد تلقفوا الورد بقبضاتهم.

لم تهتم المعلمة بورد الأخير. أخذته منه بلامبالاة وأمرته بتعجرف أن يعود إلى مقعده ويجلس صامتاً. لم ينتبه في أوج ما يعبق به الآن من ورد أحمر مرمي فوق الطاولة بإهمال، بتفاصيل معركة تاريخية كانت المعلمة تشرحها بإسهاب.

فالأخير، وهو الأكثر جرأة على سرقة الورود، لم تعامله وروده اليوم إلا كمحض هامش عند هذه الفراشة المتوحشة. تقدم وفي خضم المعركة التاريخية وبدون استئذان بل وبدون تفكير أيضاً فحمل وروده من فوق الطاولة وخرج من الصف وقد عبقت عيناه بالدمع وبالورد المرمي فوق الطاولة بازدراء. لم تردعه صاحبة التاريخ ولم تتوجه إليه حتى بكلمة واحدة. فتح باب الصف خائباً وصوت وقع قدميه الراكضتين في الرواق انتهى بأن شوهد عبر إحدى النوافذ يركض والورد يشرشر خلفه مقتولاً، مضرجاً بزفت الطريق.

إنه لوركا الشاعر الإسباني الملتهب الذي قضى شاباً...

جعل يقرأه حتى ساعات الفجر الأولى. أغلق الكتاب وحاول النوم، لكنه وما إن وضع رأسه فوق الوسادة حتى أجهش بالبكاء دفعة واحدة. لم يفهم ماذا تعني الحرب الأهلية، لكن حزنه على لوركا فرّخ في رأسه حروباً.

"مع طلوع الشمس سأذهب لألم الورد من فوق الطريق". قطع أنفاسه وجعل يكبت نهنهته وقد تحركت أمه في فراشها فخاف أن تستفيق. "لا يحق لأحد أن يترك الورد مشرداً"... ثم، وقد تلفلف بالشرشف حتى آخر رأسه: "لا يجب أن يُترك الورد يتيماً".

بملابسه الخضراء المتسخة جداً وببرميله الأخضر يجره أمامه بزهق، كان عامل السوكلين يرفع الورد عن الأرض بملقط معدني ويرمي به في البرميل دون أن يعير اهتماماً لهذا الولد الذاهب إلى المدرسة في هذا الوقت الباكر. أما الورد وقد اتسم بهذه السوكلينية الفجة، فقد تيتم بما يكفي ليصير إلى محض زبالة.

يا نيسان الإلهي..

الذي يأتي..

محملاً بالشمس والعطور..

املأ الجماجم المزهرة..

أعشاشاً من ذهب.

ثم أغلق الكتاب منقطعاً عن لوركا وتوجه إلى الصف مع قرع الجرس.
صفحة 5
5

لم ينتبه إلى الفترة الزمنية التي قضاها فوق كرسيه الهزاز. فساعات الحائط في هذا البيت لا تشير إلا إلى وقت انتهى أو إلى وقت لم يبدأ بعد. زيزقة الكرسي الهزاز أضفت على الجو الصامت بعضاً من اليتحرك البطيء. ثمة يتحرك بليد ساد أرجاء المكان، فإذا بهر ضخم رمادي اللون يسير أمام دوستويفسكي بذنبه المقطوع أو وبعبارات دوستويفسكي بذنبه المنصرم.

لم يستطع الهر أن يخفي امتعاضه وقد صار على مقربة من رجل الكرسي الثقيل الظل هذا. قطع المسافة أمام دوستويفسكي ببطء ليتأمل هذا الأخير خصيتي الهر بتمعن. كان الهر وبقفزة متثاقلة قد صار فوق طاولة خشبية ملتصقة بجدار يحوي نافذة صغيرة جداً وبلا قضبان حديدية عندما سمع دوستويفسكي أحدهم يتأتئ فزعاً: "كافكا، أرجوك، لا تخرج من البيت".

انقطع الهر الرمادي صاحب الخصيتين الكبيرتين والذنب المنصرم عن فعل اليخرج ليعود أدراجه فيقفز من فوق الطاولة بتثاقله المعهود ويتوجه من توه إلى مصدر الصوت. في هذه الأثناء كان دوستويفسكي ومن فوق كرسيه الهزاز يراقب هذا الهر المتردد فيتابعه لعله يعلم منه مكان صاحب الصوت!

"شكراً لك يا كافكا...شكراً لك لأنك رجعت".

بتأتأته وفزعه المنعزلين شكر الرجل المتواري الهر لأنه رجع.

"حسناً، أما وقد كشفتَ عن وجودك بصوتك الهزيل، لم لا تخرج وتقابلني يا صاحب الظل التعيس؟"

لم يرد الرجل على دوستويفسكي ببنت شفة، فلازم صمته إلا بكلمة أو كلمتين خاصة بالقطط كان يوجهها إلى كافكا البليد.

تشبث دوستويفسكي بالهر المتحرك نظرات حادة مستدرجاً عينيه لأن تتابع هذا الهر في كل حركة يأتي بها، وفي كل ذهاب وإياب. صوت الرجل ما انفك يتأتئ بكلمات متقطعة يوجهها إلى الهر الذي كان على أهبة الاستعداد لأن ينفذ إرادة صاحب القطط، وهو الاسم الذي أطلقه دوستويفسكي على هذا المتواري خلف... خلف وحسب كما سيقول دوستويفسكي بعد قليل. نهض عن كرسيه الهزاز وقد أُسقط في يده لأن يعرف مكان الرجل عبر حركة هره العجوز. فهذا العجوز صاحب الذنب المنصرم بدا لدوستويفسكي وكأنه متواطئ إلى أقصى حدود التواطؤ مع توجهات سيده ومع رغبة هذا السيد في التواري والاختفاء. كان الهر يتوجه صوب ركن ما ليعود أدراجه فيقفز فوق كنبة ما ثم يلتفت راكضاً ككرة تتدحرج نحو تحت ما وهكذا دواليك. إنه هر لعين من زمن الأبالسة كما سيدوّن دوستويفسكي فيما بعد.

... نعم، إنه هر لعين، وثمة نعم أخرى وهي أشد وطأة من النعم الأولى بكثير: إن الرجل كان يتكلم من عدة أمكنة في وقت واحد.
صفحة 6
6

"وستظل ضبعاً الخ..." هكذا هتف بي الشيطان الذي توجني

بأزهار الخشخاش الجميلة.

"أدركْ الموت بكل شهواتك وأنانيتكَ وجميع الآثام التي

لا تُغتَفر".

آه! لقد تحملتُ أكثر مما يطاق: ولكن، أيا إبليس العزيز،

أتوسل إليك، نظرة أقل شذراً! وفي انتظار الخسائس

الصغيرة المتوقعة، أنتزعُ لك، أنت يا من تحب في

الكاتب التجرد من ملكات الوصف أو الإرشاد،

هذه الصفحات البشعة القليلة من كراسة لعين رجيم.

إنها المرة الأولى التي يرى فيها الأخير إلى جثة إنسان بأم العين. ما كاد أصدقاؤه يشيرون عليه بدخول المقبرة، حتى وافق على الفور.

تقع هذه المقبرة على هامش منطقة زراعية غير مأهولة بالمرة. لم يكن ثمة ناطور أو زائرين، لم يكن في المكان إلا شواهد القبور التي تستدعي إيقاظ الميت لحظة قراءة اسمه. مساحات صغيرة من الرخام المستطيل أو المربع حُفر عليها اسم الفقيد ووقت ميلاده ووقت الموت. بعض شجرات الحور التي لطالما تمثلها الأخير ورفاقه أشباحاً تترنح أو أمواج سماء هي وحدها جيرة هذه المقابر الحزينة.

اقترب الأخير من التابوت الخشبي الذي نخره السوس بإصرار، وجعل يلكشه بعصا غليظة كانت معه. كانت الرائحة داخل المقبرة لا تشي سوى بتقيؤ مؤجل وبحالات من الغثيان عمل الأولاد جاهدين على تجنبها. لم يتحمل التابوت المسكين ضربات الأخير ولكشات عصاه، فانهار حتى آخره مصدراً طرطقة فاجأت الجميع.

هل الموت يتعدى أن يكون عبث الدود بالجسد؟ أي من رفاق الأخير لم يسأل هذا السؤال، لكنه كان سؤال الأخير بصوت يخافت الصدر بشدة.

كانت الجثة جثة امرأة، قال الأخير داحشاً عصاه ما بين فخذيها إذا جاز لي أن أستعمل هذا التعبير اللاإنساني. ربما الموت هو هذا الدود يعبث بالجسد! شقلب الأولاد الجثة حيث دود الموت ببرودته العجيبة يواظب على دوديته بحرية فوق أنحاء الجسد. غريب أمر هذا الدود، قال أحد الأولاد، إنه لا يخاف فيسرع الزحف بعيداً عن بطش حشريتنا. على العكس، كان الدود وكأن الجسد ملك له منذ ملايين السنين مسترسلاً في تأكيد موت المرأة بحركته البطيئة والواثقة من نفسها بإفراط.

لا الأخير ولا أي من رفاقه أخبر الكبار عن عبثهم بجثة المرأة. يبدو أن للموت وقاره حتى لدى الأولاد الأشقياء.

لم يمض يومان على تعاطي الأخير مع دود المكان حتى شاعت خبرية الأشباح في طول بلدة الأخير وعرضها. ما عاد أحد يسترجي الاقتراب من ذلك المكان وقد أكد البعض أنهم شاهدوا الأشباح بأم العين.

هل حقاً نحن أشباح؟ سأل الأخير والدته هذا السؤال البريء، وكان الوبال الأعظم. لم يتعود أن تضربه أمه هذا الضرب المبرح، ولم يسبق له أن رأى إلى أمه تبكي وهي تقوم بضربه.

"هل من المعقول يا الأخير أن تعبثوا بالجثث؟"

"وهل للدود الحق أكثر منا في هذا العبث الأكيد؟!" هكذا رد الأخير على جاره الكاتب وهو يحك رأسه الأقرع كعقوبة على ما فعل.

"فصل في الجحيم، آرثر رامبو".

"خذه واقرأه إذا ما شئتَ." لم يسبق للأخير أن طلب من الكاتب الاحتفاظ بكتاب استعاره منه من قبل.

ماذا كان يريد هذا الشاعر المجنون؟ توقف الأخير كثيراً عند رامبو، حتى تحول ولفترة طويلة من الزمن إلى الأخير المتأبط لـ"فصل في الجحيم" أينما ذهب.

لم يسبق للأخير أن فكّر بالموت والتشرد والفقر والمرض، ثم فجأة، رأى إلى نفسه في خضم من الانزواء الحاد ليأتي بعدها إلى أمه فيسألها إذا ما كانت تحبه وتشتاق إليه. "لن أفارقك إلا بموتي...لم أنت خائف هكذا يا الأخير؟" تململ بعنف، شتم أمه أن لا تعاود سيرة الموت أمامه وجعل يركض نحو منزل الكاتب وقد تأبط "فصل في الجحيم" كأنه جرة عزلة كما كان مدوناً بخط الأخير المفركش في أحد هوامش الكتاب.

خذ كتابك، لن أقرأه بعد الآن.

... وذات مساء، أقعدتُ الجمال على ركبتيّ-فألفيته مراً- فهجوته،

وتسلحتُ ضد العدالة،

وهربت. أيتها الساحرات، أيها البؤس، أيها البغض، أنتم

مستودع كنزي!
صفحة 7
7

دوستويفسكي وعلى الرغم من أنه دوستويفسكي، جال ببصره في أرجاء الصوت المنبعث من عدة أمكنة مذعوراً.

مذعوراً؟ ... لعل الكلمة لا تليق بهيئة دوستويفسكي وقد تلبس لبوس التجهم والغضب والعنف المكبوت.

فإذن، جال دوستويفسكي ببصره في أرجاء الصوت المنبعث من عدة أمكنة متلهفاً. متلهفاً وحسب.

"سحقاً لك ولهاتين الخصيتين الكبيرتين." وكأن الهر... التفت إلى دوستويفسكي، برم رأسه نصف برمة ثم سار مبتعداً عن المتلهف باستخفاف مقصود. نقل دوستويفسكي خطواته بحذر متوجهاً إلى حيث الهر. أما المتواري، وفي خضم خطوات دوستويفسكي، كان يحذر الهر أن لا يستفز الضيف العزيز كما قال وقد انبعث صوته من عدة جهات متلعثماً.

"ما يستفزني جبنكَ لأن تظهر أمامي يا صاحب الوقت الأسود." لم يرد صاحب الصوت على ضيفه العزيز بكلمة واحدة أو حتى بـ... لكنه الآن وقد استشعر خطر غيظ دوستويفسكي وحنقه العارم أحَّ علامة الخوف أو ربما علامة التجنب أو لستُ أدري ماذا، لكنه أحَّ وحسب.

بقفزة واحدة كان الهر الرمادي صاحب الذنب المنصرم والخصيتين الكبيرتين يصارع أصابع دوستويفسكي القوية محاولاً غرز أظافره في أي بقعة لحم. جحظت عينا الهر وكادتا أن تقفزا من وجهه لما صرخ الرجل متوسلاً دوستويفسكي أن يترك كافكا... أن لا يقتله. قرّب دوستويفسكي فمه إلى رأس الهر هامساً في أذنه بحزم أن يدله على مكان سيده التعيس وإلا!!

تحول الهر بلمحة بصر إلى جثة بين يدي دوستويفسكي القاسيتين. رمى به فوق كنبة كانت بقربه ليسقط بعدها على الأرض محدثاً جلبة تتوافق مع حجمه الكبير. الهر وقد صار فوق الأرض بما فيه الكفاية، قفز من مكانه واثباً لينظر إلى دوستويفسكي بلؤم ويتبعثر كأنه لم يكن.

"تباً لك من روائي مجرم، لقد قتلت كافكا العزيز"، ثم أجهش الصوت بالبكاء. جعل دوستويفسكي ومع نحيب الصوت وولولته العمياء يشقلب أغراض المكان وكأنه يريد أن يباغت هذا الصوت.

كأني بالصوت قد تحول مع هذا المتلهف إلى شيء ملموس يجب إلقاء القبض عليه وترويضه وربما معاقبته أو زجه في الأتون. صارت أشياء المكان نصوصاً دوستويفسكية بامتياز، نصوصاً يصعب جداً التكهن بردات فعلها وبمواقفها الأصلية. إنها أشياء مشقلبة فقط، أشياء في طور الماسوف ينعجق أكثر، في طور الانبناء والانهدام في آن معاً. كثيرة هي الأواني التي حطمها دوستويفسكي في سورة غضبه، وهذه الأخيرة أقولها بهمس. كل شيء صار كل شيء، تغيرت معالم البيت بشكل كبير بينما الصوت يزاول ولولته العمياء ويندب بين الفينة والفينة كافكا، أو كافكا الشهيد كما قال في إحدى المرات.

صار الصوت يهسهس بين جنبات المكان المحطم. أما دوستويفسكي فقد جلس يتأمل شظايا غضبه وهدأة الصوت المفاجئة ثم أغمض عينيه واستسلم إلى نوبة نوم سنحدثكم عنها بعد حين.
صفحة 8
8

"أينك يا الأخير؟ فأنا لم أرك منذ أكثر من شهر". تحجج الأخير بامتحانات نهاية العام الدراسي ليسأل الكاتب أن يعيره كتاب شعر، فهو اشتاق لقراءة الشعر.

لوتريامون-أناشيد مالدورور.

انتهى العام الدراسي ونجح الأخير ورفاقه، فإذا بالعطلة الصيفية تتلقفهم مصانع تبتلعهم من السادسة صباحاً حتى السادسة بعد الظهر. لم يكن طعم الصيف بالنسبة لهم، هم أبناء مدرسة المعارف، إلا معمل التينول أو معمل غندور أو الكوكا كولا أو البيبسي كولا أو غيرها من معامل صحراء الشويفات. فصيف الأخير آنذاك كان معمل التايد تارة ومعمل السبارتن تارة أخرى وفي بعض الأحيان معمل الزجاج في منطقة خلدة مفرق بشامون أو غيرها من المعامل في منطقة المكلس أو الدورة أو حي السلم وربما الشياح. هو هكذا صيف الأخير ورفاقه، ورشة باطون، محطة وقود، صيانة مصاعد وفي بعض المرات أشغال صحية أو ميكانيك.

صيفهم سندويشات يتأبطونها في الصباح الباكر وكلمات جميلة تطلقها الأمهات على هؤلاء العمال الصغار. كان الأخير شأنه في ذلك شأن أترابه يياوم المعامل فرحاً إلا يوم الأحد. فهو لم يكن يدري أن الصيف لمن هم في مثل عمره يجب ان يكون محض أحد.

صيف الثالث تكميلي-بري؟يه لم يكن صيفاً مريحاً بالنسبة للأخير. فهو وخلافاً للعام الفائت لم يوفَّق بمصنع مريح يزاول فيه الصيف نقوداً قليلة يقبضها، فإذا به وعلى غفلة من أول الصيف يشتغل في مصنع للبلاط. لقد تأخر الأخير قليلاً فلم يحجز لنفسه وظيفة هينة في أحد المعامل التي تعوّد العمل فيها مع بداية كل صيف، فإذا به كائن في طور البلاط خلف ماكينات الصوت فيها لا يرحم.

استقبله صاحب المعمل بحفاوة بالغة، لكنه حذره أن يظل متيقظاً... لم يتوقف الأخير كثيراً عند هذه الكلمة الأخيرة.

إنها مثل فرقة كركلا.

بالإضافة إلى الأخير، كان مصنع البلاط يضم عمالاً هنوداً وعمالاً من بنغلادش ومشرفاً على العمال؛ شيخ درزي من بلدة بشامون بالإضافة إلى كميل.

لم يكن كميل غريباً عن الأخير بالمرة، فهو لطالما وافاه حتى الصف الخامس الابتدائي حيث جعل يرسب ويرسب حتى صار جزءاً لا يتجزأ من ماكينة صب البلاط التي كانت تقف أمامه أو هو يقف خلفها فالأمر سواء.

رحّب كميل بالأخير بتشاوف ملحوظ وكأني به يأخذ بثأر قديم. لم يكن العمل في مصنع البلاط هيناً بالمرة والغريب في الأمر أن الأخير لم ينزعج من هذا العمل البتة. فهو فكر أن العمل هنا جزء لا يتجزأ من طبيعته الولادية.

إنها مثل فرقة كركلا. هي الفكرة الأولى التي راودت الأخير وقد سها كميل للحظات عن عنف ماكينته، فإذا بأصابع إحدى يديه تتراقص فوق أرض المعمل مثل فرقة كركلا كما همس الأخير مستغرباً. تمّ نقل أصابع كميل المزخرفة باللون الأحمر إلى إحدى المستشفيات القريبة التي نُقل إليها كميل أيضاً.

صاحب المعمل وعلى الرغم من حفاوته جعل يؤنب الشيخ الدرزي بكلمات نابية مهدداً إياه بالطرد وبعظائم الأمور. فهو المشرف على العمال وما كان يجب عليه أن يسمح بما حصل كما جعر صاحب المعمل مغتاظاً. أحد العمال الهنود أخذ يدلق الماء فوق الساحة الحمراء، بينما الآخرون أوقفوا الماكينات بأن أطفأوها. أما الأخير ولأول مرة منذ أن باشر البلاط في هذا المعمل فقفل عائداً إلى البيت قبل انتهاء الدوام بقليل.

رفضت والدته أن يعاود العمل في هذا المصنع الخطير. فهي وقد شاركها زوجها في ذلك تدرك أهمية الأصابع في مسيرة الحياة ولا سيما أن الولد ما زال في مقتبل العمر.

- إنها قنينة ويسكي.

- كلا كلا، إنها قنينة نبيذ.

- وما هذه؟ ؟ودكا؟ ما هو ال؟ودكا؟

- انظروا، انظروا، هل لكم أن سمعتم بالليكور من قبل؟

جعل الأخير وقد صار عاطلاً عن العمل يتسكع في زواريب الأمكنة مع بعض المتسكعين.

تفو، لعن الله أهلكم.

كانت رائحة القيء تفوح من ملابس الأخير ورفاقه وقد أضاع كل منهم بيت أهله من شدة السكر.

أمه، ومع لسعات النبريش الذي كانت تنهال به عليه، كانت تقول له أنها ستحطم رأسه إذا ما رأته ثانية مع هؤلاء الكلاب الأشقياء...

"زبل... زبل!!" بهذه العبارة المنطوية على نفسها باستهتار مادي وملموس إلى أقصى الحدود ردّ الأخير على شقيقته التي أخبرته سراً أن والده سيرسله للعمل في مزرعة أبقار على طريق خلدة-بيروت. فهذا الوالد لا يرضى أن يظل ابنه متسكعاً طوال الصيف مع مجموعة من العفاريت الذين يسـ...رقون، ويسـ...كرون، ويسـ... الخ.
صفحة 9
9

إني قذر. القمل يقضمني. الخنازير عندما تنظر

إليّ تتقيأ. لا أعرف ماء الأنهار ولا ندى الغيوم.

فوق عنقي كما فوق زبل نما فطر ضخم. لم أحرك

أعضائي منذ أربعة أجيال. تحت إبطي الأيسر

اتخذت عائلة من الضفادع لها مقراً... تحت إبطي

الأيمن توجد حرباء تطارد هذه الضفادع باستمرار.

... كل واحد يجب أن يعيش... لقد اعتدت على هذا

الأمر. أفعى شريرة التهمت قضيبي وحلت محله:

لقد جعلتني خصياً هذه السافلة. الشرج تم احتجازه

من قبل سلطعون... يسبب لي الكثير من الوجع.

إيه، أيها الأب العاثر الحظ، هيّئ... منصة الإعدام

... على جدار غرفتي... عندما أضع على قلبي هذا...

لم يسبق للأخير أن جارى البقر في ما يعتورها من زريبة مقفلة ونظرات تنم عن حزن شديد. كلّم نفسه وهو يتأمل إحدى البقرات إن نظرات هذه البقرة تختصر كل آلام الحيوانات وعبوديتها على مر التاريخ، وهي عبارة لشاعر أجنبي حاول أن يتذكر اسمه ولم يستطع. لكنه وقد فاجأته ذاكرته بنص من أناشيد مالدورور فكّر أن هذه العبارة ربما هي للوتريامون.

كان عمل الأخير في المزرعة يقوم على كنس الزبل وتكويمه، ثم تعبئته في أكياس ليصار فيما بعد إلى نقل هذه الأكياس خارج المزرعة. تعوّد رائحة الزبل، ولم يسيئه البتة أن تلتصق هذه الرائحة به، بله ثمة حميمية لطالما راودت الأخير كلما استنشق هذه الرائحة يوماً بعد يوم. ومع هذا، ثمة ما كان يدفعه للتلطي خلف عدم البقر وعدم الماشية وخلف كل ما يمت إلى عدم الزبل بإجمال.
صفحة 10
10

حتى اليوم، لا أحد يدري ماذا كان يدور في رأس دوستويفسكي أثناء نومه. فالرجل كان نائماً عن بكرة أبيه حتى أنه لم يكن يتنفس بالمرة. بعض أشياء المكان حاولت ترتيب نفسها بأن تعود إلى ما كانت عليه من وضع رتيب، لكن جمود دوستويفسكي النائم انعكس على العالم جموداً أشد، فإذا بهذه الأشياء تحافظ عنوة على ما ألمّ بها من دوستويفسكية كما شاهدنا منذ قليل.

بقيت الأشياء المحطمة في إطار من التناثر الجلي، وبعض الأثاث رتب شقلبته بأن حافظ على هذه الشقلبة كما أرادها هذا النائم البلانفَس. لست أدري كم استمرت نوبة النوم التي استبدت بدوستويفسكي، لكن حدسي أنبأني أن نوم الرجل طال كثيراً، أكثر مما تتحمل أحداث الرواية بكثير.

نعم، نام دوستويفسكي كثيراً فوق الكرسي الهزاز وكأني بنومه ينم عن عدم ما إذا سمحتم لي أن أستعمل هذا التعبير القلق واللائق جداً لسوء الحظ. من الممكن أن أتكلم كثيراً عن العالم الخارجي أثناء نوم دوستويفسكي وعما يحفل به هذا العالم من كل شيء. لكني، واحتراماً مني لما يختمر عادة في رأس هذا الرجل من داخل محموم، لن أعمد إلى أي خارج، فأجعله مطية لبعض كلمات هذا الكتاب. فدوستويفسكي، وهو الجواني بعمق، يأبى بنفسه أن يندرج في مجرى البراني السائل. فالأحداث، وإن كانت أحداثاً، فإنها تظل...

لحظة! إنه يبتسم. حسناً، يبدو أن ملاحظتي الأخيرة لاقت استحسان هذا النائم. صار يقهقه كالمجنون أثناء نومه الأكيد. جعل يضحك وكأن ثمة من يكركره عند أسفل قدميه أو عند خاصرتيه أو في أمكنة أخرى من جسده النائم. ضحك كثيراً ثم عاد فاستكان إلى لزاجة نومه الذي اتفقنا على أنه يشبه العدم... العدم اللزج.

طار صواب المكان، وكاد أن يجن من هذا العبق الدبق. ماذا عليّ أن أفعل كي أستأنف موجوداتي؟ كأني بالمكان يسأل نفسه هذا السؤال وقد ملّ نوم دوستويفسكي وجموده الماكر كما قالت إحدى الكنبات الواربة.

لم تتعود أشياء هذا المكان هذا الخليط الفج من الفوق تحت والتحت فوق. إنها أشياء انسيابية إلى أقصى الحدود، لا تتحمل تعرجات دوستويفسكي وانطعاجاته. سجادة حمراء مجعلكة عند أسفلها أخذت تشدّ من أزر نفسها بأن تحاول بسط جزئها المجعلك، لكن محاولتها باءت بالفشل. فهذا النائم هنا حال دون أي محاولة بسط أو تجليس يمكن أن تقوم بها أي قطعة أثاث. كان نائماً بالكامل، وأراد لنومه ان ينسحب على كل ما جاوره من أشياء ومن أغراض... يليق به أن يُكنّى في هذه الأثناء بـ"دوستويفسكي النائم".

مثل أشياء المكان، أصبتُ بموجة من الملل الشديد.ماذا عساي أقص وموضوع قصي تلقف الأحداث محض نوم وفير؟ ماذا سأكتب عن حركاته وقد لخصّتْ هذه الحركات نفسها جسداً مسترخياً فوق كرسي هزاز بعينين مغمضتين ورأس متدل فوق رقبة مطعوجة إلى الأمام ومعطف مشدود؟ بعض أشخاص الروايات ليسوا إلَّا وبالاً على مؤلفي هذه الروايات، لا ريب في ذلك!

للحظات كرهتُ دوستويفسكي وحقدت عليه. ما ذنبي أنا إذا لم تبادله أشياء المكان همه، فتكشف له مخبأ صاحب الظل التعيس؟! هل أنا حليف القطط في مؤامراتها ضد دوستويفسكي المتلهف؟ نعم، أخمّن أن دوستويفسكي يحسبني متآمراً ضد مشروعه في هذا الكتاب، فينام ويتركني أجهد نفسي في ترقب لحظات لا تقدم في أحداث الرواية و لا تؤخر... إن دوستويفسكي لئيم.

كاد نوم دوستويفسكي أن ينتقل إليّ من كثرة السأم، لكنني قاومتُ النعاس باستبسال، إذ ربما كان في نومي غفلة عن أحداث هامة قد تقع فجأة! السجادة الحمراء المجعلكة عند آخرها عادت لتشد جزءها المجعلك علّه ينبسط بعض الشيء، وتلك الكنبة الواربة عملت بلا طائل على تجليس نفسها بضعة سنتمترات. أما الأواني المحطمة، فيبدو أنها أدرى بمزاج دوستويفسكي ومآلاته، فأنا رأيتُ إليها محطمة، فقط محطمة بدون أدنى محاولة لإعادة ترميم نفسها من جديد. طاولة خشبية صغيرة ارتاحت إلى زاوية اختارها لها دوستويفسكي أثناء نوبة غضبه أرى إليها تحافظ على قوائمها الأربع متوجهة صوب السقف.

ليتني أوان زجاجية محطمة أو طاولة خشبية مقلوبة فوق الأرض، فأجاري دوستويفسكي في مزاجه وأرتاح من هذا السرد. أحسب أن دوستويفسكي النائم يراقبني الآن من وراء نومه، فيسجل ما أدوّن من أحداث متوقعاً مني أن أدونه مستيقظاً ساعة أشاء. لكن، كلا، لن أقع في هذا الخطأ الجسيم... هل أنا مجنون لأعاند دوستويفسكي في إرادته؟ فلينم قدر ما يشاء وأنا له بالمرصاد!