eKtab
EN ع
الإسلام في شعر فيكتور هيجو
اقرأ عينة مجانية

الإسلام في شعر فيكتور هيجو

بقلم هيجاء قحطان احمد الحمداني

صفحة 1

لم تكن الدراسات عن الاسلام والتراث الاسلامي في اعمال الكتّاب والمفكرين الاجانب وليدة الصدفة في القرن التاسع عشر.لا بل ان هذه الدراسات تمتد منذ بزوغ الاسلام حتى يومنا هذا.

ان العصور الوسطى كانت مسرحاً للصراعات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعيةوالعسكرية بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، وقد انعكست هذه الصراعات في فكر وادب الكتاّب الغربيين المفتقرين روحياً، بينما كان الفكر الاسلامي يشع نوراً بفضل التفوق الاقتصادي والسياسي والثقافي والحضاري للدول الاسلامية. فوجد الغرب نفسه طوعاً او كرهاً يستلهم ويتعلم الثقافة العربية الاسلامية عن طريق ثلاثة منافذ هي : اسبانيا (الاندلس) والحروب الصليبية وصقلية[1]، سواء بالترجمة او الاتصال المباشر.

ان الوجود الاسلامي في اسبانيا الذي امتد الى اكثر من سبعمائة عام قد رسخ لوقت طويل تلك الوشائج بين اوربا والعالم الاسلامي. من جهة اخرى كان المسيحيون ينظرون بعين العطف الى (القدس) وهي تحت الحكم الاسلامي، وهذا مادفع الى الحروب الصليبية وامتدادها الى اكثر من قرنين. وقد انعكست تأثيرات هذه الحروب في الفكر والادب الاوربي ضد الاسلام ونبيه محمد (ص) بشكل خاص[2]. وفي الوقت ذاته، كان فردريك الثاني، ملك صقلية (1212-1250) يهتم كثيراً بالثقافة الاسلامية. وقد ترجمت في عهده العديد من الكتب العربية الى اللغة اللاتينية ، فبدأ الاوربيون يدرسون اعمال العلماء العرب كأبن رشد وابن سينا وغيرهم[3]. ورغم الاهتمام الذي اولاه فردريك الثاني للثقافة الاسلامية الاّ ان صورة الاسلام التي تمخضت عن الحروب الصليبية بقيت مشوهة لعدة قرون في اذهانهم. ففي العصور الوسطى، اعتبر البعض منهم الاسلام ديناً وثنياً[4] او مذهباً انشق عن الدين المسيحي وتنكر له[5].

وقد شهد عصر النهضة اختلافاً في المواقف حيال الاسلام. ف(مونتيني) (Montaigne) مثلاً، بحث وحلل فكرة جنة الاسلام دون تعصب، بينما تبنى (بوسويه) (Bossuet) موقفاً مغايرا ومماثلاً للعصور الوسطى[6].

وفي القرن السابع عشر كتب (موريري) (Moreri) قاموسه التاريخي مكوناً صورة سيئة عن الاسلام[7]. وقد انتُقِدَ هذا القاموس من قبل (بيير بيل) (Pierre Byle) الذي وصفه بـ المليء بالافتراءات[8].

لقد استمرت نبرة الكراهية ضد الاسلام حتى القرن الثامن عشر. ولم يُعتد به الا في نهاية عصر التنوير، عندما اعتُبر واحترم جنباً الى جنب مع المسيحية واليهودية. وشيئاً فشيئاً امست اراء الاوربيين تميل نحو الموضوعية حيال الاسلام.

اما في فرنسا، فهذا (فولتير) (Voltaire) يتراجع عن رأيه المضاد للاسلام في كتابه مقالة في الاخلاق[9]عام 1756، بعد ان كتب مسرحيته محمد عام 1741 عارضاً نبي الاسلام كجاهل متعصب؛ وفي الواقع لم يكن فولتير يهاجم الاسلام في حد ذاته في تلك المسرحية ، وانما كان يهاجم البابوية بإسم الاسلام كما يشير بعض الباحثين.[10]

ومن الجدير بالملاحظة، ان نابليون نفسه انتقد فولتير ودافع عن النبي محمد (ص) الذي حطم الاصنام ودعى الى عبادة الله الواحد الاحد[11].

في عام 1783 ترجم (سفاري) (Savary) القرآن الكريم مع مقدمة حول حياة النبي محمد (ص) لغرض تعريف الفرنسيين بالاسلام ، وليس لمهاجمته كما كان يفعل مترجمو العصور الوسطى. هذه الترجمة تتميز عن ترجمة (بوديه) (Bodier) عام 1627 المعادية للاسلام[12]، وعن ترجمة (دو ريير) (Du Ryer) عام 1647 التي لم تعط صورة واضحة عن الاسلام[13].

في عام 1784 اسس (وليم جونز) (William Joens) وزملاؤه في كلكتا اول جمعية آسيوية في البنغال[14]. وكان هدفه البحث عن تاريخ العرب، دياناتهم، ميولهم، قوانينهم، ... الخ[15].

وفي عام 1790 كتب (بيرناردان دو سانت بيير) (Bernardin de Saint-Pierre) حكاية قصيرة حول الاديان (ومن ضمنها الاسلام) بتسامح كما في حكاية المقهى[16].

وفي عام 1795 تم تأسيس مدرسة اللغات الشرقية في باريس ، وقد تولى (سلفستر دو ساسي) (Silvestre de Sacy) رئاسة القسم العربي فيها.[17]

ومن الاسباب التي دفعت للاهتمام بهذه النهضة الشرقية ودراسة الاسلام بشكل، خاص هو الصراع بين مناصري الكاثوليكية والبروتستانتية حول الموقف من الاسلام، فبينما كان الاول معادياً له تبنى الثاني موقفاً معارضاً.[18]

بعد ذلك جاءت الثورة الفرنسية التي شبهها (ميشيليه) Michelet بـ يوم القيامة[19]، وهو يعني العصر الذي ليس فيه سلطة سوى سلطة الله[20]. لقد رفعت الثورة الفرنسية شعارات الحرية، المساواة والاخاء في كل مجالات الحياة ، وبضمنها الحضارات والاديان والشعوب، هذا الشعار كثف الاهتمام للتقرب الى الاسلام.

الى جنب الثورة الفرنسية، اثارت الرومانسية الذوق الادبي للتغرب[21]، وهكذا رحل الكثير من الادباء الفرنسيين الى الشرق المسلم، لم يعد الهدف من ذلك البحث عن صور خلابة، فعلى الاقل صار الهدف المقارنة بين الاخلاق، المبادئ، الفلسفات، الاديان، الوصول الى معنى السببية، التعارض، الشك[22].

ان كتاباً مثل (لامرتين)، (جيرار دو نيرفال)، (الفريد دو فيني)، ادرجوا الاسلام بشكل موضوعي في كتاباتهم.[23]

ومما فتح عيون الاوربيين الى الاسلام هو الاستشراق الذي انتشر بشكل واسع في القرن التاسع عشر. بالاضافة الى ذلك تسابق الجمعيات الاسيوية الى تعريف الاوربيين بتراث الشرق والاسلام[24].حتى ان تسمية الادب المقارن لم تستعمل في فرنسا الا في عام 1827 عندما استخدمها (فيومان) (Villemen)في محاضرته القيمة في السوربون.[25]

بالرغم من ان فيكتو هيجو لم يزر الشرق مطلقاً الا انه كان على علم بالمواضيع التي يعالجها اقرانه كما سبق. فقد قرأ كثيراً عن الشرق عند سابقيه مثل شاتو بريان[(] ، وكوته[((]Ý، وقام ايضاً بقراءة عن قصائد فارسية مترجمة مثل قصائد حافظ شيرازي وكلستان[26]، واعتمد على مستشرقين مثل فونيه (Fouinet) وبواتيه (Pauthier).

وفي الوقت الذي استخدم فيه اغلب الكتاب النثر للتعبير عن آرائهم حول الاسلام، اختار هيجو الشعر، لان الشعر بالنسبة له هو التعبير عن الفضيلة[27] تحت كل الاشكال وفي كل الاديان.

اما عن موضوع بحثنا حول الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو (1802-1885) فان هناك عدة اسئلة تثار حول مدى تأثره او عدم تأثره بالاسلام ، ومواقفه العملية منه. ومن هذه الاسئلة :

متى عرف هيجو الاسلام؟ وماهي وجهة نظره حيال ذلك؟ وهل تغيرت على امتداد حياته؟ سنحاول جهدنا للاجابة على هذه الاسئلة في هذه الرسالة...

صفحة 2

نظرا لعدم وجود احصائية دقيقة عن كل الدراسات التي كتبت عن فيكتو هيجو، وجدنا انه لغاية عام 1970 تم تأليف 271 كتاباً وبحثاً واطروحتاً حول الشاعر كأنسان وفنان ومفكر[28] ، وبالتأكيد صدرت بعد ذلك دراسات اخرى كثيرة عنه[29]. ومن بين كل هذه الدراسات لم يدرج الاسلام بشكل خاص ولم يبحث في كتابات الشاعر، بينما نجد دراسات اخرى حول المسيحية وحول التوراة عند هيجو[30]. وهذا بالضبط مادعانا الى ادراجه ضمن دراستنا، هذا من جهة، ومن جهة اخرى الا يمكن للتفكير الهيجوي الذي كان دائماً محل جدل ان يدرس من زاوية اسلامية، اسوة بما هو مدروس من زوايا اخرى؟ خصوصاً اذا علمنا ان لدى الشاعر افكاراً انسانية مستمرة حول الخير والشر. كل هذا دعانا الى تبني مشروع دراسة الاسلام في شعره. هذه الدراسة لاتحتوي فقط على تحليل القصائد التي كتبت عن الاسلام، وانما ايضاً التفكير الهيجوي من وجهة نظر اسلامية، على امل اعطاء جواب معين عن كل الاسئلة المحيرة حول التفكير الديني للشاعر. ولكن قبل هذا وذاك التوصل الى نتائج حول موقفه الحقيقي من الاسلام.

دراستنا اذن ترتكز حول الاسلام بما تعنيه المفردة ، وقد تجنبنا وضع مفردة "الشرق" مكانها، لانه في هذه الحالة يتوجب علينا القيام بدراسة مستقلة ، في حين ان الاسلام جزء من الشرق.

وقد اخترنا في حقل دراستنا كل المؤلفات الشعرية لهيجو لان المسألة تتعلق بتفكير يمكن تشبيهه بالنهر، على الباحث فيه ان يتبعه خطوة بخطوة لكي يفهم بشكل جيد التطور الذي حصل والطرق التي اتبعها على طول المسافة التي يسير عليها.

لقد قمنا بتنظيم وتقسيم انتاج الشاعر على خمسة فصول متتبعين بذلك التطور التاريخي لحياة الشاعر بكل ما تحتويه من تطورات وتقلبات سياسية واجتماعية وثقافية اثرت في فكره وسلوكه.

فالفصل الاول (1802-1822) الذي يتضمن اشعار الطفولة والمراهقة تحتوي على كل المراحل التي بني عليها تفكير الشاعر ، وتلك التي فتحت له الباب للاسلام. والفصل الثاني (1822-1830) اقتصر بشكل رئيس على دراسة ديوان "الشرقيات" الذي عكس نظرة غير عادلة للاسلام دون دراسة جدية او تدقيق من قبل مؤلفه. والفصل الثالث (1830-1851) سلط الضوء حول مراحل شك الشاعر وتفكيره في مختلف المسائل الدينية، انتهاءً بإنشغاله الجدي بالاسلام. والفصل الرابع (1851-1870) يظهر الشاعر في المنفى كمفكر وفيلسوف. وفي هذه الفترة كتب هيجو عن الانسانية بشكل عام ، ولم يستبعد منها الاسلام.

اما في الفصل الخامس والاخير (1870-1885) سنحاول جاهدين تسليط الضوء على تفكير هيجو حول كل الاديان ، ومن ضمنها الاسلام، وفي هذا الفصل سنناقش محورين: الاول حول الصورة الشاملة للاسلام عند هيجو، والمحور الثاني حول التفكير الهيجوي الديني على وفق منظور اسلامي.

وفي جميع الفصول قمنا بنوع من المقارنة بين الافكار الاسلامية، وبالاخص من القرآن الكريم، وافكار الشاعر الدينية البحتة.

لقد اعتمدنا على ترجمة (سفاري) للقرآن الكريم عندما قمنا بالتقريب بين افكار الكاتب الدينية والايات القرآنية. وقد سمحنا لانفسنا بتصحيح الترجمة عندما كنا نجدها تبتعد عن المعنى الصحيح لها ، وعندما يقترب معنى الاية قليلاً من فكر الشاعر كنا نشير الى ذلك في الهامش فقط. والا فإنا نذكرها كاملة وبالنص.

ومن اجل دراسةة الموضوع بشكل جيد تتبعنا في دراستنا الطريقة التحليلية المبنية على النقد الادبي التقليدي.

وفي الحقيقة فإن هذه الدراسة لم تكن بالسهولة التي يشير اليها عنوانها، فقد واجهتنا عدة مشاكل وصعوبات، بداية ندرة المصادر والوثائق الضرورية القادرة على اغناء البحث، مروراً بمشكلة تاريخ القصائد التي الذي لم يكن مثبتا دائما. فدواوين مثل "كل القيثارة" التي نشرت عام 1888 و 1893 و "السنين المشؤومة" عام 1898 تحتوي على تواريخ يعود بعضها الى عام 1827. وهذا مادفعنا الى تجميع القصائد كلها واعادة كل قصيدة الى الفصل الخاص بها ، من اجل ترتيب افكار الشاعر وتتبع تطورها على امتداد حياته. وبهذا الخصوص يقول الباحث جون كالفيه (Jean Calvier) معلقاً: "جميع التواريخ مخطوءة تقريباً حسبما استطعنا ان نلحظ ذلك بعودتنا الى المخطوطات التي تحمل التاريخ الحقيقي"[31]، من اجل ذلك وجدنا انه من الضروري الاعتماد على عدة نشرات لمؤلفات شعره للتحقق من التواريخ الحقيقية للقصائد، واخيراً والاهم من كل هذا بالنسبة الى دراسة كهذه، رغم كونها ادبية، الا انها ذات طبيعة متعلقة بمجالات العلوم الانسانية الاخرى وبشكل خاص التاريخ والدين (اللاهوت والفكر) واحياناً الفنون، فضلاً عن علاقتها ببعض المسائل الاجتماعية الاخرى ، وكان هذا الامر يدفع بالعمل دائماً لان يأخذ ابعاداً جديدة ، وبالنتيجة يتطلب جهوداً اضافية من اجل التعرف على الموضوع وفهمه بشكل جيد ومن كل جوانبه.

من جهة اخرى، فأن طبيعة دراستنا المرتبطة بشكل رئيس بالاسلام تطلبت منا ان نكون على علم واف بالفكر الاسلامي ، وفهمه بشكل صحيح من اجل دراسته بشكل موضوعي وعلمي عند الشاعر.

وقد وافتني فرصة ثمينة لزيارة فرنسا عام 1998 كوني الطالبات احدى المتفوقات في الدراسة التحضيرية للماجستير، من اجل ترصين لغتي الفرنسية ولمدة شهر، ولكنني كنت اقتنص الوقت من اجل البحث عن مصادر جديدة لدراستي . وقد استطعت الى ذلك سبيلا والحمد لله، فقد اصطحبت معي عشرة من الكتب التي لايمكن الحصول عليها في بغداد ، بل اني زرت موقع البيت الذي ولد فيه الشاعر، وشاهدت القطعة التي كتب عليها اسمه في اعلى الشقة في مدينة بيزانسون .

نأمل ان تحقق هذه الدراسة وجهة نظر مضمونها وان تكون النتائج موضوعية وعادلة بالنسبة الى شاعر كبير مثل فيكتور هيجو.

صفحة 3

المراحل التحضيرية للتفكير الديني واستلهام الإسلام

(1802-1822)

من اجل دراسة الاراء الدينية لفيكتور هيجو ، وحضور الاسلام في كتاباته الشعرية، يتوجب علينا قبل كل شيء فهم تفكيره الديني الغامض والغير واضح حتى ان "كل جهد بذل لتتبع تطوره المنطقي كان مصيره الفشل مقدماً" كما يرى الباحث بوشانان[32]. مع ذلك فاننا نعتقد انه من اجل البحث في هذا الموضوع سيكون من المناسب البحث عن العوامل التي ادت الى تبني الشاعر هيجو وجهة نظره الخاصة حيال الدين، وخصوصاً في العقدين الاولين من عمره، (1802-1822) اي حتى اللحظة التي بدأ فيها الشاعر بنشر اشعاره الاولى. هذه العوامل هي: طفولة بدون دين، الرحلة الى اسبانيا، التوراة، تأثير روسو، واخيراً عدة حوادث ساهمت في توجيه تفكيره الديني.

صفحة 4

طفولة بلا دين

يتحتم علينا التأكيد على ان فيكتور هيجو لم يخضع لأي تأثير ديني لامن والده ولا من والدته : فوالدته المتأثرة بالمدرسة الفولتيرية والتي تربت في مؤسسة علمانية، كانت تفتقر بالتالي الى كل احساس ديني، ووالده كان رجلاً ثورياً ومشغولاً بوظيفته العسكرية التي كانت ترقيه من درجة الى اخرى. لذا كان اهتمام الابوين قليلا جداً بالدين ، وبالتالي فقد اهملا تعليم اولادهما مبادئ المسيحية. لقد تزوج الابوان مدنياً حسب مايرويه لنا فيكتور هيجو نفسه: "لم تكن الزوجة تهتم كثيراً بمباركة الراهب ، والزوج لم يكن يهتم بالامر اصلاً."[33]

منذ طفولته، شهد فيكتور هيجو سوء تفاهم ابويه وانفصالهما، وقد حرم هذا الانفصال الصغير هيجو من حنان كان يحتاجه وشعور بامان دائم، كان تارة عند امه وتارة عند ابيه. لم يكن فيكتور هيجو معمداً، فكل جهد بذل من اجل ايجاد وثيقة التعميد كان ينتهي بالفشل، وهذا يبرهن عدم اكتراث الابوين لتعاليم المسيحية. وقد اخذت الام على عاتقها مهمة تربية اطفالها، حيث كانت تهتم بشكل كامل تقريباً بترتيب تفاصيل تربية ابنائها، حتى بعد الانفصال الكامل عن زوجها عام 1818. اذن ففيكتور هيجو، لوجوده الدائم معها لم يخضع سوى لتأثير تلك التي "افسدت تقريباً كل احساس ديني كان يمكن ان يمتلكه"[34]، بالمقابل فالاب هيجو، لخوفه من تأثير الام ولقلقه حول دراسة اطفاله، قرر عام 1811 وعام 1814 ان يضع الطفل فيكتور مع اخيه اوجين في مدرسة داخلية. وعلى العكس، فالام المتشبعة بأفكار القرن الثامن عشر تركت لهم حرية اكثر في الدراسة والتفكير. وقد دون لنا هيجو فيما بعد هذه الشهادة: "السيدة هيجو... كانت من انصار الملكية، عكس زوجها ، ولكنها دائماً ايضاً من انصار الفولتيرية عكس والدها. لقد كان لديها اعتقادها الخاص بها ، والتي كونت نصفه من الدين ونصفه الاخر من الفلسفة. وكانت ترغب ان يكون لاولادها ايضاً دينهم الخاص بهم حسبما تكونها لهم تجارب الحياة والتفكير. كانت تفضل اقترابهم الى الضمير اكثر من تعاليم المسيحية"[35]. ومثلما هيأت الام صوفي تريبوشي الارضية لاولادها، تابع فيكتور هيجو بتبني تفكيره الخاص. ويروي لنا هيجو ذكرياته ، عندما تكلم (دون بازيل)[(] الى السيدة هيجو حول جعل اولادها يتناولون القداس. لقد رفضته بقوة ، ولكن عندما اخبرها بأن هذا قانون لجميع التلاميذ الكاثوليك، اعلنت السيدة هيجو بأن اطفالها بروتستانت ، وذلك لتقطع كل نقاش في هذا الموضوع من جهة ولكي تمنع عن اطفالها صعوبة اداء الواجبات الدينية الكاثوليكية. مع ذلك كان فيكتور واوجين يتصرفان كباقي التلاميذ، كانا يستمعان الى القداس ولكنهما لم يكونا يستجيبان للصلوات، ولايذهبان الى الاعتراف ولا يتناولان القربان. ومنذ عودتهما الى فيونتين في ربيع 1812 تابع اوجين وفيكتور تربية توفر لهما حرية اكبر عندما كانت قراءاتهما متعددة عند الرجل الطيب رويال ، وذلك بعد ان انذروا في وقت ما من دخول مدرسة نابليون. ويروي لنا فيكتور هيجو قائلاً: "كنت استغرق وقتاً طويلاً في المكتبة، لقد قضيت طفولتي وانا منكب على الكتب"[36]؛ كان الاولاد يقرأون كل ماتقع عليه ايديهم. وعندما كان يثيرهم كتاب ما كانوا يقضون احياناً ساعات كاملة منشغلين به. وهكذا فقد اكتشفوا التوراة، وكتّاباً مثل روسو، فولتير، وديدرو. وبما انه كان يحلم بالمسرح منذ طفولته كما يشير الى ذلك (فلوت)، فقد قرأ مسرحية "محمد" لفولتير[37]. ومن الممكن اما ان تكون هذه اول مرة يعرف منها هيجو نبي الاسلام ، ولكنها لم تكن دون شك اولى قراءاته عن الاسلام ، لان تلك المسرحية تشوه صورة نبي الاسلام ، بيد ان الشاعر كتب في عمر السادسة عشر قصيدة وصف فيها النبي محمد (ص) بالنبي "المريح الهادئ":

"فأعلم اذاً (التعلم هو طراز الحياة الجديدة،

خصوصاً ياسيدي عندما نتكلم بعقلانية)

بأن محمد، هذا النبي المريح الهادئ،

عاش بعد جوبتير الملحد.

ستعلم عندئذٍ بأنك لاتعرف شيئاً"[38]

سبتمبر 1818

وفيما بعد، اي بعد مسرحية فولتير هذه ، اشاد فولتير وديدرو بالاسلام في كتاباتهم[39].

ولاننسى بأن فولتير كان يدعو الى الوحدانية[(] والذي سيكون لهيجو اساس تفكيره، وهذا ما سيقرب هيجو من افكار الاسلام.

في عام 1816، استيقظت عبقرية الشاعر عندما دوَّن في دفاتره "اريد ان اكون شاتو بريان او لا أكون". فقد قرأ بأعجاب "عبقرية المسيحية"، ومن الواضح ان هذه القراءة ولدَّت تأثيراً لديه ؛ فقد تكلم شاتو بريان في هذا الكتاب عن الدين بأبيات شعرية اثارت اعجاب الشعراء كثيراً ، واقنعتهم بأهمية الديانة الكاثوليكية في حياة الشعراء ؛ وقد اكد شاتو بريان ايضاً على روح المسيحي الذي يستطيع تحمل كل شيء لسبب بسيط هو ايمانه ، وشيئاً فشيئاً تقبل فيكتور هيجو هذا الايمان " الذي كان يمتزج مع عمران الكاتدرائيات والصور العظيمة للتوراة، وانتقل من الملكية الفولتيرية لوالدته الى الملكية المسيحية لشاتوبريان"[40].

ان ما يمكننا التأكد في هذا العمر الصغير لهيجو هو ايمانه المطلق بوجود الله. فها هو في عام 1817 يدحض مزاعم احد الملحدين بقوله:

"ايها الفيلسوف التافه! كفرك الغبي

ايمكنه زعزعة ايماننا؟

بإشارتك لنا عن نظامك السخيف

اتظن ان تؤثر علينا فلا نؤمن الا بك"[41]

بامكاننا الاستنتاج ان غياب كل تربية دينية اثناء طفولته قد سمح لهيجو بأن يقرأ كل شيء دون تعصب لاي جهة ، ولا حتى لأية عقيدة. وبالتالي فهذه القراءة المكثفة وهبته الفرصة للتعرف على الفلسفات وعلى المعتقدات والاديان، وبضمنها الاسلام.

صفحة 5

الرحلة الى اسبانيا

سافر فيكتور هيجو الى مدريد عام 1811 وذلك بعدما ازدهر نشاط والده الجنرال ليوبولد هيجو في اسبانيا خلال التحاقه بالملك جوزيف.

وبالرغم من ان فيكتور هيجو لم يكن قد بلغ سوى تسعة اعوام الا ان كل صور اسبانيا انطبعت في ذاكرته. السؤال الذي يفرض نفسه الان هو: ماهي العلاقة بين الاسلام واسبانيا؟

فخلال سيطرتهم الطويلة على اسبانيا، ترك العرب تراثاً حضارياً غنياً لازالت اثاره شاخصة في كل مكان فيها،سيما في كتب العلوم والمعرفة، العمران الاسلامي، المساجد، اضافة الى التأثير الروحي الذي احدثه العرب على سكان اسبانيا. وفي مقدمة "الشرقيات" ينقل لنا فيكتور هيجو احدى هذه الصور المتنوعة بقوله: "... آيات القرآن فوق كل باب"[42].

من جهة اخرى لم يتوان هيجو على التأكيد مراراً ان "اسبانيا هي ايضاً من الشرق"[43].

ان اسبانيا في عيني هيجو كما في عيون الرومانسيين، هي بلد مختلف عن باقي دول اوربا ويقترب كثيراً من بلدان الشرق، لقد رأى الشاعر فيه وطن النخبة والفن العربي الاسلامي، خاصة العمران الاسلامي. فلكونه لم يزل طفلاً آنذاك لم يكتشف الصغير فيكتور من الشرق سوى الاشياء المرئية وليس المقروءة. في قصيدة "غرناطة" مثلاً اعجب هيجو بالمساجد، بالمنارات، "القبب الذهبية والفضية"[44] المختلفة عن الكاتدرائيات والكنائس وخاصة في (الحمراء) ، حيث نجد انها حفرت في اطار النوافذ وفوق الجدران شعارات وقصائد عربية واسلامية.[45]

ومنذ اقامته في اسبانيا من 1811 الى 1812 لاحظ هيجو من موقعه تلك الوشائج بين اسبانيا والشرق المسلم حيث تنطق آثارها في كل مكان. كان ديوان "الشرقيات" ثمرة هذه الملاحظة الشخصية.

صفحة 6

التوراة

تحتل التوراة مكانة معتبرة في اعمال فيكتور هيجو. فتأثيرها سوف يستمر كما سنرى حتى نهاية حياته.

ومن المهم جداً ان نعرف هذا التأثير على هيجو، لان مضمون العهد القديم يشبه في عدة نقاط مضمون القرآن الكريم، لان المصدر هو واحد ، وهو (الله تعالى). وهذا ما سيسهل قراءة القرآن بالنسبة لهيجو عندما ينظم "الشرقيات". بالاضافة الى ذلك "فالتوراة مصدر كبير للافكار الدينية في الادب المقارن"[46].

منذ طفولته، كان هيجو قارئاً نهماً للتوراة. ولم تبرح تترك بصماته في اعماله الاولى.

كان ذلك في عام 1810، في ايام الفيونتين عندما عرف هيجو التوراة لاول مرة ، وهو لم يزل صغيراً. فكان الانبهار امام هذا الكتاب المقدس، فلنستمع اليه يعترف لنا بهذا الاستشهاد المؤثر:

"كنا نصعد الى عليّة الدير كي نلعب.

وهناك، واثناء لعبنا كنا ننظر غالباً

فوق اعلى الدولاب الى كتاب صعب المنال.

وذات يوم تسلقنا حتى وصلنا الى هذا الكتاب الاسود، ولا اذكر ماذا فعلنا من اجل امتلاكه،

ولكني اتذكر جيداً بأنه كان التوراة."[47]

وبأكتشافه هذا الكنز، وبدل لهوه كأقرانه، امسك الصغير هيجو هذا الكتاب باعجاب حتى قبل فتحه، فهو يبوح لنا اية فرحة غمرت قلبه وهو يقرأ للمرة الاولى الشخصيات الدينية في كتاب يُعرِّفه بتاريخ العالم منذ عهد آدم عليه السلام حتى آخر ملوك بني اسرائيل. اذن فمنذ نعومة اضفاره كان هيجو يقرأ هذا الكتاب دون كلل او ملل حتى النهاية ، كان يبدي حماساً بالغاً لقراءة الكتب السماوية:

"كان هذا الكتاب القديم يبعث رائحة الغبار.

ذهبنا سعداء للجلوس في زاوية.

نفحات في كل مكان! ياللسعادة! ياللنشوة!

ثم فتحناه، كان كبيراً جداً فوق رُكَبِنا،

ومنذ الكلمة الاولى بدا لنا رقيقاً جداً

بحيث بدأنا بالقراءة ناسين اللعب

قرأنا نحن الثلاثة هكذا، طوال الصباح

عن جوزيف، روث وبوز، السامري البسيط ولكوننا دائماً مسحورين به، كنا في المساء نعيد قراءته."[48]

كان يبدي احتراماً عميقاً لهذا الكتاب حتى انه أقترح على اطفاله قراءته[49].انها {"الصور العظيمة للتوراة" التي اغرت المراهق (هيجو) لقراءة "عبقرية المسيحية"}[50]، وفي الوقت ذاته تغذي خياله الشعري . وسيستلهم من التوراة قصيدة "نار من السماء"[51]، او العارض المنتقم، الذي يعبر عن غضب الله تعالى نازلاً على العالم. وتوجب عليه ان ينظم قصيدة طويلة بعنوان "الطوفان" المستوحاة من رؤية توراتية.

في بداية المنفى سيظهر الاستلهام التوراتي اهمية خاصة في حياته: سيجد الشاعر فيه بواعث للامل ، ونبرات للانتقام. ومن النادر ان لانجد، بعد المنفى، قصيدة دون ذكر او تلميح للعهد القديم.

ان التشابه الواضح في القصص الدينية والحقائق التاريخية المذكورة في الكتابين المقدسين: التوراة والقرآن الكريم، يساعدنا على التعرف بشكل افضل على مصادر الشاعر، وموقفه ازاء المواضيع الدينية. وسيفيدنا في اقامة مقارنة بين المصدرين.

صفحة 7

تأثير روسو

كان هيجو خلال طفولته كان هيجو قد قرأ كثيراً عن فولتير وديدرو وروسو، ونحن نركز هنا على روسو لاننا نعلم المكانة التي يحتلها (مبدأ الطبيعة) عند الشعراء الرومانسيين. ومن المهم هنا ان نعرف تأثير روسو على شاعرنا والعلاقة بين هذا التأثير ودين الاسلام.

كان روسو يدعو الى الديانة الطبيعية، وتوصل الى نتائج بارعة حول الدين من خلال الطبيعة: وجود الله، الاخرة، العناية الالهية.[52]

ان هذا يعني ان "الطبيعة اصبحت وسيلة للغريزة الاخلاقية، قادرة على ان تصبح لوحدها ديانة كاملة"[53]. ان كتًّاباً مثل روسو أرتقوا الى فكرة الله من خلال حبهم للطبيعة، ان طريقة التفكير هذه ستساعدنا على استيعاب افضل لتفكير الشاعر.

ولد حب الطبيعة عند هيجو منذ طفولته في ايام الفيونتين، الحديقة الرائعة والعصافير والازهار والحشرات التي تمثل جمال الكون، كلها علمت هيجو الاصغاء الى "الترانيم الكونية وانشودة الخليقة"[54] مرتقياً بذلك الى الاله العظيم الحاضر في كل مكان.

لقد فتحت "هواجس" روسو الطريق الى "تأملات" هيجو المليئة بالمناظر المهدئة امام شرور العالم.

تمثل الطبيعة بالنسبة لهيجو وسيلة لامتصاص الهموم والاحزان، ففي لحظات الحزن كان يهرب الى الطبيعة المطمئنة التي ترتاح لها النفس البشرية ليبدد الكآبة التي تخنقه، هذا يجعلنا نتذكر موت ابنته ليوبولدين. عندما كان الاب يتأمل الطبيعة ليعزي ذاته، فهو يعرف مسبقاً ان الطبيعة كما يذكر ذلك الناقد روبرت بويل Robert Boyel "تطفئ الشرور"[55]:

"الان وبما اني، من الحداد الذي اظلم روحي

اخرج شاحباً ومنتظراً،

واني اشعر بهدوء الطبيعة العظيمة

الذي يدخل قلبي؛..."[56]

بالاضافة الى ان "الطبيعة مُهذِّبة، فهي تزرع عندنا المعرفة الحقيقية بالله"[57]. هذه الطبيعة بالنسبة لهيجو تحثه على البحث عن الله:

"ايتها الاماكن الجميلة، انا اتأملك بعين ملأى بالدموع.

جئت ابحث عن الله في بقايا المعبد"[58]

"ايتها الاشجار ترونني اهرب من الانسان وابحث عن الله"[59]

ثم تقربه من خالقه:

"الان وانا اشعر بالسكون امام هذه المناظر المقدسة، سهول، غابات، صخور، وديان، انهار فضية، متأملاً ضعفي ، ومتأملاً معجزاتك،استعيد ادراكي امام هذا العالم الشاسع ؛ جئت اليك ياالهي! معترفاً بأنك طيب، رحيم، حليم، ودود،..."[60]

في هذه الوحدة امام مناظر الطبيعة، يصغي هيجو الى صوت الله:

"ننمو على الضفاف، ننمو في الغابات،......

رؤية السماء عن قرب،......

انه صوت عميق،عزف كوني...

فوق محيط السماء"[61]......

بتكامل عظيم كهذا، مدركاً به جوهر الاشياء، توصل هيجو الى معرفة الله من خلال الطبيعة، ولكن الطبيعة لا تسمح بالمعرفة الكاملة لله. هناك حدود دائماً؛ انه نوع من "لطف الايحاء". الاسئلة التي تطرح نفسها على فكر الانسان لاتعطي جواباً شافيا امام الطبيعة الغير مكترثة والصامتة. لماذا يمنع الله الطبيعة من توضيح ذلك؟ هيجو لايعرف، انه يلاحظ فقط وينتهي تفكيره الى خضوع شبيه بالفكر الاسلامي:[62]

"بما ان الله اراد ذلك، فكل شيء يسير الى افضل! ولو زاد وضوحاً ربما اعمى اعيننا.......

دون قياس الموج، ماذا كان سيكون حالنا

لو ان الله الحي في علياء خلوده،سكب الحقيقة فوق الادراك الانساني؟

الاناء صغير جداً ليستوعب كل شيء

قطرة واحدة تكفي ان تتناولها كل روح

حتى وان كانت ممتزجة بالظلال!..."[63][(]

لقد بدا مقتنعاً بأن العقل الانساني ضعيف جداً ليظفر بتجلي الحقيقة العظمى.

وعلى اختلاف الرأي مع بوشانان الذي يظن بأن الطبيعة هي التي اوحت لهيجو وجود الله وبأنه لايرتقي، مثل روسو، من الطبيعة الى معرفة الله، فأننا نشاطر الرأي مع كلود جيلي بأن هيجو بقى وفياً لهذه الديانة الطبيعية. ولكننا نضيف الى ذلك بأن افكار المفكر هيجو تطورت كثيراً خلال سني حياته مقترباً في نقاط عدة مع الاسلام، ونضرب مثالاً على ذلك، الوحدانية[((]Ý: ديوان اناشيد وموشحات يعلن لنا بوضوح وحدانية الله عندما يؤكد بأن "كل شيء يخضع لقانون ثابت"[64]، وان الله حاضر في كل مكان في الطبيعة. وبقراءتنا صفحات شعره، نتبين بسهولة مدى تشبعه بالفكرة:

"اله واحد! اله حقيقي! لغز واحد! روح واحدة"[65]

ومن المعروف بأن الوحدانية هي الأساس الجوهري للدين الإسلامي، فالطبيعة، كما يؤكد القرآن الكريم هي شاهد حقيقي بأن الله واحد :" ام من جعل الارض قرارا وجعل خلالها انهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أأله مع الله بل اكثرهم لا يعلمون".[66]

وامام الطبيعة ، موجهاً كلامه الى الله يبني هيجو علاقة طيبة مع خالقه؛ فهو يكلمه، يرجوه بشكل مباشر دون وساطة من راهب، او دون ان يكون بالضرورة في الكنيسة:

"يالهي! احفظني، واحفظ اولئك الذين احبهم،

اخوة، اباء، اصدقاء، وحتى اعدائي

منتصرين على الشر،"[67]

لقد وجد المفكر هيجو في الطبيعة الاثار التي تركها الله تعالى ليحث الانسان على التفكير والبحث في عظمته سبحانه. وبالمقابل بقي هيجو لسنوات يبحث عن حقيقة الله والعالم، ويشهد على ذلك ديوانه "الله".

على هذا الاساس فهم فيكتور هيجو الطبيعة[(]، لم يكن الهانياً او حلولياً كما اراد بذلك بوشانان وغيره من الباحثين الا عند حدود معينة.[((]Ý

ومن المهم ان نذكر بأن الطبيعة التي دعا اليها روسو وبحثها بعمق، اثمرت بشكل واسع عن بزوغ تفكيره الديني. فهو يفكر بأن الطبيعة هي افضل مهذب للروح. في الابيات الاتية، نصغي الى الطبيعة نفسها تتكلم:

"سوف لن تهبه سوى الافكار الطيبة،

ستحول بريق المبادئ الى النور

سيكون الله مرئياً في عينيه الساحرتين؛"[68]

من هنا نفهم ان تأثير الطبيعة قد ولَّد عند الشاعر هذا الايمان الكبير الذي سيساعدنا على فهم تفكيره والروابط بينه وبين بعض الافكار الاسلامية.

صفحة 8

احداث متنوعة

من السهل حتى عمر العشرين ان نجد عند هيجو احداثا متنوعة ساهمت بطريقة او بأخرى في توجيه تفكيره الديني.

معلمو فيكتور هيجو

1ـ الاب دولا ريفيير

في عام 1839 كتب هيجو:

"في اشراقة طفولتي الزائلة بسرعة اسفاً، كان عندي،

ثلاث معلمون: حديقة، كاهن مسن، ووالدتي."[69]

"الكاهن المسن" لم يكن سوى المربي الاب دولا ريفيير De la Rivière الذي كان يدرس معه هيجو و أوجين، بعد الاقامة الثانية في فيونتين من ابريل 1812 الى ديسمبر 1813. لقد خص هيجو لهذا المربي قصيدة طويلة معنونة "ما حدث في فيونتين 1813"[70].

لقد اقترح هذا الراهب للطفل هيجو، ولم يكن بعد موجهاً دينياً ان يدخل في المدرسة. لكن والدة الشاعر فضلت ان تصغي الى نداء الطبيعة اكثر من نداء المدرسة. وتركت لاولادها حرية ان يتعلموا منها كل شيء. لقد فرح هيجو كثيراً بهذا القرار الذي ابعده عن الضغوط الكريهة للمدرسة وغمره بحرية لاحدود لها في الطبيعة. هناك حيث كل شيء يعكس عظمة الخالق:

"... ولكني اعرف بأن امي المعشوقة

... مبعدة عني السجون[(] المملة،

فوضت روحي الشابة الى دروسها الرقيقة."[71][((]Ý

2ـ الاب دو روحان، لاموني

في عام 1821، شعر هيجو بالوحدة والعزلة، كان قد فقد للتو والدته التي احبها كثيراً. بعد دفن السيدة هيجو ذهب فيكتور عند الاب روحان De Rouhan ليشكره. لقد اكتشف هذا الاخير عند هيجو روحاً دينية نقيةٍ الى درجة، ولكنه لم يكن يعرف اي شيء عن ديانته؛ فبحث له عن مرشد "يلزمك مرشد وسأتولى انا هذا الامر"[72]، فأقترح له روحان السيد فريسينوس Frayssinous. شرح هذا الاخير الى الشاب اليافع بأن واجبه سيكون في النجاح وتسخير نجاحه في خدمة الايمان. وفي الحقيقة لم تعجب هذه الديانة المريحة (المتنصر حديثاً) الذي عند خروجه من عنده قال لروحان بأن الاب فريسينوس لن يكون ابداً موجههُ.ثم عرفه روحان في 30 مارس 1821 بلاموني Lamennais والذي تركت بساطته عن هيجو انطباعاً كبيراً. لم يكن لاموني بالنسبة لهيجو مرشداً فقط ولكن صديقاً ايضاً احب فيه الصراحة الشديدة. تعلم هيجو من لاموني العطف والحنان ولكن فيما بعد، في الثلاثينات تحولت هذه الصفات الحسنة الى عصبية وحنق. مع ذلك يمكننا ان نقول ان لاموني لعب دوراً واضحاً في مسيرة التفكير الديني لفيكتور هيجو.

في رسالة بعثها الى البارون فيترول Vitrolle قال لاموني "يمتلك السيد هيجو الروح الاكثر نقاءً والاكثر هدوءً ممن قابلتهم في كنيف باريس، انه معتد بنفسه وبسيط،..."[73].

كان لدى هيجو مسبقاً الطيبة والهدوء التي تتلائم مع روحية معلميه، وبالنتيجة توافق بسهولة مع روح المسيحية: الرحمة، الغفران، الامان والسلام.

صفحة 9

حالة أوجين

في مدرسة لويس لوكرون عندما كان هيجو واخيه الكبير أوجين يتابعان الدروس وهم يسكنان في مدرسة كورديه الداخلية، كان الاخوان يكتبان معاً ابيات شعرية حول مواضيع يقترحها استاذهم. ولكون اشعار هيجو كانت تعجب استاذهم اكثر من اشعار أوجين، بدا هذا الاخير غيوراً، اضافة الى ان هذين الاخوين وقعا في حب فتاة واحدة (أديل فوشيه Adèle Foucher). ولكن هذه الاخيرة كانت تحب فيكتور. في يوم زواج فيكتور واديل، انقلبت حالة أوجين من الغيرة الى الجنون التام.

هذا القدر المريع في حياة الشاعر كان سبباً دائماً للحزن وللندم العميق. الم يكن هو نفسه الذي اوصل اخيه الى اليأس من خلال تفوقه عليه في الشعر والحب؟ ان موضوع الاخوة الاعداء سيكون احد وساوس هيجو في كل كتاباته، مسرح، رواية وشعر[74]. في شعره يتمثل بقابيل في "اسطورة القرون" وفي "نهاية الشيطان".

مع ذلك هناك اختلافات في القصتين: لم يرتكب أوجين اي جريمة او اي خطأ، لا على العكس، فرضاه بواقعه رغماً عنه هو الذي دفع به الى الجنون الذي قاده الى الموت عام 1837، على عكس قابيل الذي انتقم بقتل اخيه هابيل. في كل الاحوال، فكرة هذا الحدث حثت هيجو على الكتابة عن قابيل وهابيل. وبالنتيجة، عن الخير والشر، وربما تدعم هذه الفكرة البحتة كون اسم اخيه الاكبر هابيل.

ان التشابه بين القصتين، على الاقل في الفكرة، جذبت انتباه فيكتور هيجو. سيجد ان هذه القصص الدينية تتكرر في الحياة اليومية دون ان تكتفي بكونها قصة في تاريخ محدد. وقد يدفع هذا هيجو للبحث في القصص الدينية الاخرى، دوافعها، نتائجها وتأثيراتها في الحياة الانسانية، اضافة الى سبب ايحاء الله تعالى هذه القصة دوناً عن القصص الاخرى. كل هذه الاسئلة ستحمل هيجو على مناقشتها في ديوانه الشهير "اسطورة القرون" و "نهاية الشيطان".

ومن الجدير بالذكر ان الماركيز س.ي. C. d'E كان يأتي عند السيدة هيجو ويروي للصغير فيكتور قصصاً دينية. ويروي لنا الشاعر نفسه ذكرياته معه:

"... كنت تروي

قصة ما عن الذئب، الامم المغضوب عليها،"[75]

ونلاحظ في النهاية ان القرآن الكريم يحتوي الكثير من هذه القصص الدينية، ومن ضمنها قصة قابيل وهابيل[76]. من الممكن ان يكون كتاب المسلمين كما التوراة، احد مصادر الشاعر عند كتابته للقصائد الدينية.

حضور في مقر قصر العدالة

في عمر السادسة عشر، في احد ايام 1818 حضر هيجو وكان آنذاك "من انصار الملكية او حسب مايعتقده هو"[77]، الى مقر قصر العدالة في باريس في تعذيب سارقة. يروي لنا هيجو ذكرياته الاليمة:

"كان هناك جمهور حول عمود الاعدام. اقتربت. في هذا العمود ربطت مخلوقة انسانية، الاغلال في عنقها ولافتة فوق رأسها، كانت امرأة شابة او فتاة. كان هناك موقد مليء بالحمم امام قدميها، وحديدة ذات قبضة خشبية مغمورة بالجمر تشع احمراراً... هذه المرأة كانت مذنبة بما تسميه احكام القضاء "سرقة دار"... وفجأة، عندما دقت الساعة الثانية عشر ظهراً، من وراء المرأة، ودون ان تراه، صعد رجل الى منصة الاعدام... فك الحبال، ازاح القميص وكشف ظهر المرأة حتى الخصر، تناول الحديدة التي كانت في الجمر واطبقه ضاغطاً عليه بعمق فوق الكتف العاري، الحديدة وقبضة الجلاد اختفتا في دخان ابيض. مازلت اسمع في اذني، بعد اكثر من اربعين عاماً، وسيظل دائماً في فكري الصرخة المريعة للمعذبة. بالنسبة لي، كانت هذه المرأة سارقة واصبحت شهيدة. خرجت من ذلك المكان -وانا ابلغ السادسة عشر عاماً- مصمماً ان احارب الى الابد التصرفات السيئة للقانون"[78].

ألم يكن هذا هو السبب الذي من اجله رفض فيه هيجو العقوبة وخصوصاً عقوبة الاعدام في كل الاديان؟[79]

صفحة 10
حصيلة تفكيره الديني
 
نحن لانعلم كثيراً عن التجليات الاولى للشاعر لانه احرق كراريسه العشرة[80] لاسباب غير معروفة ولكننا نستطيع ان نلاحظ ، على مابقي من كراريسه، ايمانه الكبير بوجود الله.
 
سبق ان لاحظنا كيف دافع عن الله تعالى ضد فيلسوف ملحد[81]. لقد قام ايضاً في عام 1818 بكتابة نقد حول عقيدة الكافر، الذي، برأيه ليست فقط ضد الدين ولكنها ايضاً تقتل الخيال: "عقيدة الكافر اذا لم نستطع ان تقتل الروح الخالدة فأنها على الاقل تقتل الخيال؛ وعلى العكس، فكل الاديان جوهرياً هي اديان شاعرية."[82]
 
شعر فيكتور هيجو بأنه شجاع بايمانه الذي ولَّد عنده الابداع الشعري فشعر في اعماق نفسه بقوة الله تعالى:
 
"اذا تجرأت الشعوب الكافرة ان تفلت منه،
 
واشار على الباقي باصبع غضبه:
 
لاتعود هذه الشعوب موجودة."[83]
 
وايضاً:
 
"بنفخة واحدة سيطفيء الله هذا النيزك القاني
 
ووميضه الاحمر"[84]
 
وهو يستند على هذه القوة الهائلة. وهاهو يرجو الله تعالى في عمر الرابعة عشر ليحفظ له والدته. وقد تكون هذه اول مرة يتحدث فيها هيجو الى السماء:
 
"امي، كل مايطلبه ابن مولود بخير
 
من السماء لاجل امه العزيزة،
 
ان يهبها اصدقاء حقيقيين، صحة
 
وحياة طويلة وهادئة،"[85]
 
مع ذلك فالاحاسيس الدينية لفيكتو هيجو، في هذه الفترة، رغم تأثير لامونيه بقيت "سطحية" كما يقول بوشانان[86]. لم يكن ذلك المسيحي المدرك تماماً مبادئ دينه؛ وحتى عام 1821، "لم يؤكد هيجو نفسه كاثوليكياً الا بسبب متطلبات الحاجة".[87]صحيح ان شاتوبريان فتح عيني الشاعر على المسيحية ولكن الدين بالنسبة لهيجو كما هي بالنسبة لمؤلف "عبقرية المسيحية" تعتبر مصدراً شعرياً لاينفذ. ويقوله لنا مؤلف "الاناشيد والموشحات" بوضوح في الاصدار الاصلي (ديسمبر 1822): "تاريخ البشر لايقدم من الشعر سوى ما اعتبرت من علية الافكار الملكية والاعتقادات الدينية..." الاب بيير دوبوا. فيكتور هيجو، افكاره الدينية من 1802 الى 1825. باريس ، دار شامبيون 1913، ص318.
 
اذا صح القول لم يمثل فيكتور هيجو في هذه الفترة اي ديانة ولكن كان لديه ادراكه الخاص بالكون والوجود، بالخالق والمخلوق. ويتوصل الاب ب. دوبوا P. Dupbois الى ان "فيكتور هيجو كان لديه شيء من الدين وليس دين"[(]. ونحن نوافقه على ذلك .
 
في النهاية اذا كان هيجو يقدم وجهة نظره الخاصة حيال الدين فلأن هذا كان يصب في حرية الصحافة، في حرية التعبير وفي ابداء الرأي في عصر انتشرت فيه الرومانسية مطالبة بحرية التعبير الادبي.
 
هذه هي المراحل التحضيرية للتفكير الديني واستلهام الاسلام عند فيكتور هيجو من 1812-1822. ان هذه الفترة كانت ضرورية لتؤسس قاعدة تفكيره فيما بعد، ويدرك مؤلف "الاشعة والظلال" هذه الحقيقة فيقول صراحة بأن "هذه الطفولة هي التي كونت عقله على ماهو عليه الان"[88].
 
نعتقد الان انه من الضروري دراسة فترة اخرى من حياته تلك التي كتب فيها عن الشرق بشكل عام وعن الاسلام بشكل خاص، في شعره ، وخاصة في "الشرقيات".