eKtab
EN ع
الإسلام والغرب وجها لوجه
اقرأ عينة مجانية

الإسلام والغرب وجها لوجه

بقلم إبراهيم النعمة

صفحة 1
مقدمة
 
الحمد لله حمدا يبلغني رضاه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد خير من اصطفاه، وعلى آله الطيبين، وصحبه المخلصين الصادقين، وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين!.
أما بعد:
فيستطيع القارئ للتاريخ الإسلامي وتاريخ الغرب أن يجد صفحتين مختلفتين: إحداهما بيضاء ناصعة، والأخرى سوداء قاتمة. ومن الضروري للشباب المسلم أن يطّلع على كلتا الصفحتين؛ ليعرف شيئا من تاريخ أمته، بقراءة ما كان عليه الأسلاف من السماحة مع غير المسلمين، وتاريخ غيرنا على حقيقته، من خلال مواقفهم من المسلمين على مرّ العصور وإلى وقتنا الحاضر؛ كي يفخر المسلم ويعتز بتاريخه المجيد، ويفعل مثلما فعل السلف، ويقارن ذلك بمواقف غيرنا منا؛ كيلا نُخدع بالكلمات المنمقة التي تسطّر في دوائر الاستشراق والتبشير، ونغفل عمّا يراد بنا وبتاريخنا وبديننا وقد قال الشاعر:
 
من لم يع التاريـخ في صدره
لم يدر حلو العيش من مرّه
ومن وعى أخبار من قد مضى
أضاف أعمارا إلى عـمره
وإذا كانت كل دولة من الدول تدافع عن حصون بلدها وقلاعه، وتحميها من الاعتداء عليها بكل ما تملكه من دم ومال، فإنّ من الضروري أن نحمي نحن تاريخنا وثقافتنا ومقوماتنا من عبث العابثين، ومن أي غزو كان، والمحافظة على ذلك قد يقدّم على المحافظة على الأرض.
ومما دعاني إلى كتابة هذا المقال شيئان:
الأوّل: الشبهات التي يحملها كثير من أبنائنا الذين يدرسون في دول الغرب عن الإسلام، وبخاصّة أولئك الذين لم يطّلعوا على تشريعات الإسلام ولا على تاريخه.
الثاني: إنّ أعدادا ليست بالقليلة من شباب المسلمين المتدين، يتهاون في قبول عدد من المسائل المتعلقة بالتاريخ الإسلامي؛ متأثرا بكثرة ما يسمعه من المستشرقين وما يقرؤه عنهم.
ولا نريد في هذا المقال أن نسيء إلى غيرنا، ولا أن نقف موقف العداء من العالم الغربي، وكل ما ذكرناه هنا أقل من القليل مما ذكره المؤرخون الثقات، مسلمين وغير مسلمين؛ ليعرف المسلم تاريخه، ويتمسّك بأصالته الأصيلة، ويعرف مكان أمته في الأمم.
والله أسأل أن يجعل أقوالنا وأفعالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يسدد خطانا، ويهدينا صراطه المستقيم، ويبصرنا بما ينفعنا في الدنيا والآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!.
صفحة 2
الإسلام والغرب وجها لوجه
 
صور من السماحة في الإسلام
 
كل من يقرأ ديننا وتاريخنا بإنعام نظر، من غير تعصب، يجد أن المسلمين كانوا متسامحين كل التسامح مع أصحاب الديانات الأخرى، فلم يضق ديننا صدرا بالأديان المخالفة له، ولم يتعصّب ضدّ الناس من ذوي المذاهب المتعددة. وقد نصّ القرآن الكريم على علاقة المسلم بغير المسلم في قوله تعالى:
لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يُحبّ المقسطين  إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون( ).
وهاتان الآيتان نزلتا في قُتيلة ابنة عبد العُزّى والدة أسماء بنت أبي بكر الصديق، فقد جاءت بهدايا إلى ابنتها أسماء وكانت قتيلة مشركة، فأبت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي، فأنزل الله  هاتين الآيتينلا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين... فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها( ).
وواضح في سبب نزول هاتين الآيتين أنهما نزلتا في شأن المشركين من عبدة الأصنام والأوثان، ونجد القرآن الحكيم قد شرع البر بالمسالمين منهم والعدل فيهم، وذلك بأن يُعطوا حقوقهم كاملة، بل يُعطوا فوق حقوقهم كأن يتنازل المسلمون لهم عن بعض حقوقهم اختيارا منهم وكرما، وهذا يُفهم من قوله تعالى ..أن تبرّوهم.
وإذا كانت هذه المعاملة شرعها الله في شأن الوثنيين من عبدة الأصنام والأوثان، فإنّ أهل الكتاب أكّد القرآن وأكّدت السنّة على حسن معاملتهم أكثر؛ لأنّ معتقداتهم أقرب إلى معتقدات المسلمين من غيرهم، وقد سماهم القرآن (أهل الكتاب) تكريما لهم وتفضيلا على غيرهم، ولم يذكر القرآن رسولهم وكتابهم المنزّل إلا بكل تقدير وإجلال، وقد نصّ القرآن الكريم على عدم التفرقة بين رسل الله، فلا يكون المسلم مسلما إلا إذا آمن بموسى وعيسى وسائر أنبياء الله ورسله قال الله تعالى:
آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير( ).
ولم يكتف القرآن بهذا، بل ميّزهم بمعاملة خاصة، فأجاز التزوج من نسائهم، وأكل ذبائحهم، وأعطاهم الإسلام حرية الاعتقاد، وإقامة شعائرهم، وإعلان طقوسهم في بيعهم وكنائسهم وأحيائهم ومحلاتهم...كما نصّ القرآن الحكيم على أن النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم، فقال تعالى:
لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون..( ).
أما رسول الله  فقد قال:
(أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة)( ).
ومن مبادئ ديننا أننا لا نكره أي إنسان كان على الانضواء تحت لواء الإسلام، لأنّ العقيدة لا يجوز الإكراه فيها. فمن أراد أن يدخل في الإسلام فليدخل إذا كان مقتنعا به وراضيا في الدخول فيه، قال تعالى:
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي( ).
ومن مبادئ ديننا: أنّا إذا وقع جدال بيننا وبين أصحاب الديانات الأخرى، فنجادلهم بأحسن أدب الجدال، مقيمين الحجة والبرهان على ما نقوله، فإذا كان هناك طريقان حسن وأحسن فإنّا نجادلهم بالتي هي أحسن، قال الله
تعالى:
صفحة 3
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن( ).
ونهى القرآن عن مسبة الذين يدعون من دون الله فقال تعالى:
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم( ).
ولقد طبّق النبي مبادئ التسامح مع غير المسلمين، فكان يتعاهد جيرانه-من غير المسلمين- ببره وإحسانه، ويقدم لهم الهدايا ويقبل منهم هداياهم. ولما جاءه وفد نصارى الحبشة أكرمهم النبي  وأنزلهم في مسجده وقام هو صلوات الله وسلامه عليه على خدمتهم، وكان مما قاله:
إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين؛ فأحبّ أن أكرمهم بنفسي( ).
ولما جاء وفد نجران إلى النبي  قام النبي الكريم بإنزالهم في مسجده-أيضا- وسمح لهم أن يقيموا صلاتهم فيه، فكان رسول الله  والمسلمون معه يصلون في جانب من جوانب المسجد، وكانوا هم يصلون في الجانب الآخر( ).
وعلى هدي النبي الكريم  سار خلفاؤه الراشدون ومن جاء بعدهم. فهذا سيدنا عمر بن الخطاب لما جاء ليتسلّم مفاتيح بيت المقدس، وحانت صلاة العصر-وهو بجوار كنيسة القدس الكبرى-أبى أن يصلي فيها، خشية أن يأخذها منهم المسلمون-فيما بعد- ويتخذوها مسجدا ويقولون: ههنا صلى أمير المؤمنين.
ويحدثنا التاريخ أنه (لما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: (يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم- وإن كانوا على ديننا- أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا)( ).
ولقد أعطي أهل الكتاب وظائف عالية في دولة الإسلام: فقد أسند معاوية بن أبي سفيان وظيفة الإدارة المالية في الدولة لأسرة مسيحية، وظلّ أبناء الأسرة يتوارثون تلك الوظائف فترة طويلة من الزمن. وأسند -أيضا- جباية خراج حمص-وهي وظيفة مالية- إلى طبيبه(ابن آثال)( ). واتخذ عبد الملك بن مروان (أثناسيوس) – وهو عالم مسيحي من مدينة الرها- مؤدبا لأخيه عبد العزيز( )، وكان الخليفة العباسي المعتصم بالله قد اتخذ أخوين مسيحيين بوظائف الدولة: أحدهما يُدعى (سلمويه)، وكانت وظيفته كوظيفة الوزير في العصر الحديث، ولا تنفذ الوثائق إلا بعد توقيعه عليها، كما عهد إلى أخيه (إبراهيم) بحفظ خاتم الخليفة وخزانة بيوت الأموال( ).
ولا يتمثل العدل الذي طبّقه المسلمون في معاملاتهم لأهل الكتاب، بل تعداها إلى إنصاف المظلومين من الظلم الذي وقع بين أهل الكتاب بعضهم مع البعض الآخر: فقد كانت مصر محتلة من الرومان الذين أرهقوا المصريين بمصّ دمائهم بكثرة الخراج الذي فرضوه عليهم، فلما فتحت (مصر) بقيادة عمرو بن العاص، تنفّس النّاس الصعداء، وعاش المسيحيون في ظلّ الإسلام في أمن وأمان. وقبل أن تفتح هذه البلاد كان المقوقس يضطهد القبط المسيحيين؛ لأنهم كانوا على مذهب(اليعقوبية) الذي يصطدم مع مذهب الدولة الرومانية. وحسبنا أن نذكر هنا أنّ (بنيامين) كان على رأس كنيسة الإسكندرية، وقد أصابه ما أصابه من الاضطهاد، حتى اضطرّ إلى الاختفاء في أحد الأديرة، فلما فتحت مصر دعاه (عمرو بن العاص) إلى العودة إلى كنيسته ليمارس شعائر دينه بكل حرّية، وعاد البطريرك ليرعى كنائسه بعد ثلاثة عشر عاما قضاها مختفيا .! لقد عاد مكرّما في ظلّ دولة الإسلام التي أعطت الحرّية الدينية لأتباع الأديان الأخرى( ).
صفحة 4
التعددية الدينية والمذهبية بين الفكر الإسلامي والغربي
 
اتضح لنا مما سبق أنّ التعددية في الفكر الإسلامي كانت سمة واضحة من السمات التي اتسم بها المسلمون في العصور الإسلامية، لكنا لا نجد شيئا من تلك التعددية في دول الغرب، سواء كانت التعددية الدينية أم التعددية المذهبية في ظلّ الدين المسيحي، وإن ينس الناس شيئا فلن ينسوا الحروب المذهبية التي استعرت في الغرب، وكيف كانت الاحتفالات تُقام هنا وهناك؛ شكرا لله على الانتصار على المذهب الديني الآخر.
أمّا عن موقف الغربيين من الإسلام، فقد اشتد الصراع معهم في أوائل القرن الخامس الهجري، وبلغ قمته في القرنين السادس والسابع، وانتهى ذلك الصراع بمأساتين للمسلمين: الأولى مأساتهم في الأندلس، والثانية مأساتهم فيما أصابهم في الحروب الصليبية. وحسبنا أن نعلم أنّ (فرديناند وإيزابلا) أصدرا أمرا جاء فيه:
(إنّه لما كان الله قد اختارنا لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، فإذا كان بها بعضهم، فإنّه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم؛ خوفا من أن يتأخّر تنصيرهم، أو بأولئك الذين نُصّروا لئلا يفسد إيمانهم، ويعاقب المخالفون بالموت، وبمصادرة الأموال)( ).
أمّا بابا روما، فقد أصدر سنة 1524 مرسوما يطلب فيه الإسراع بتنصير المسلمين، وأن يطردوا من يأبى منهم التنصير من اسبانيا، وأن يعاقب من يأبى ذلك بالرق مدى الحياة، ثم صدر المرسوم الآخر الذي طلب فيه البابا أن تؤخذ مساجد المسلمين منهم وتقلب إلى كنائس. وتوالت المراسيم الواحدة بعد الأخرى التي تضطهد المسلمين لتخرجهم من دينهم، فصدر الأمر الملكي بأن يضع المسلمون شارة زرقاء على قبعاتهم، وأن يسجدوا إذا رأوا كبير الأحبار، وألاّ يقيموا شعائرهم الدينية( ).
ولم يكتفوا بهذا، بل قاموا بحرق المسلمين في المدينة أمام الناس، أولئك الذين ظلوا مستقيمين على دينهم، وأخذوا أطفالهم، وجعلوهم في المدارس النصرانية؛ لينشئوهم على ذلك.
وبهذه الأساليب انتهى أمر الإسلام في الأندلس، ولم يبق فيه من يوحد الله، وقاموا-أيضا- باستئصال أكثر الآثار الإسلامية منها.
وشهد شاهد من أهلها
 
وقد شهد بمعاملة المسلمين لغيرهم بالتسامح غير المسلمين فقال (ول ديورانت):
(إنّ أهل الذمة من المسيحيين والزردشتيين واليهود والصابئين كانوا يستمتعون في عهد الخلافة بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام..كانوا أحرارا في ممارسة شعائرهم الدينية، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم..وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، والذين كانوا يلقون صورا من الاضطهاد على يد بطارقة القسطنطينية وأورشليم والإسكندرية وأنطاكية أحرارا آمنين تحت حكم المسلمين، بل إنّ والي أنطاكية (المسلم) عيّن حرسا خاصا؛ ليمنع الطوائف المسيحية من أن يقتل بعضها بعضا)( ).
وقال المستشرق الفرنسي الدكتور (غوستاف لوبون):
(إنّ الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم)( ).
وبعث البطريرك النسطوري (ابشويان الثالث) إلى (سيمون) أسقف (أردشير) الرسالة الآتية:
(العرب الذين أعطاهم الله ملك العالم برمته هم بينكم كما تعلمون، لم يهاجموا العقيدة المسيحية، بل إنهم يعطفون على ديننا، ويكرمون قديسنا، ويساعدون في بناء الكنائس والأديرة)( ).
إنّ سماحة المسلمين مع أهل الكتاب خاصة، وإكرامهم، وإعطاءهم مناصب مهمة في دولة الإسلام أضحت من الحقائق المسلّم بها. ويحقّ لكل أحد أن يسأل بعد ذلك: في أي عهد من العهود استوزر الكاثوليك بروتستانتيا؟.
صفحة 5
مع الحروب الصليبية وسقوط بغداد
 
الحروب الصليبية: هي سلسلة من الحروب، شنها المسيحيون الأوربيون لاستعادة الاراضي المقدسة -وبخاصة القدس- من المسلمين( )، او للمحافظة على الإمارات الصليبية التي تكونت في البلاد الشامية، وهي تمثل الصراع بين الشرق والغرب، واستمرت مدةَ قرنين من الزمن( ). وتعددت وجهات النظر في أسباب قيامها، لكن الذي تطمئن اليه النفس أنّ من أسبابها: ذلك الانتشار الواسع للإسلام، وفتحه لكثير من المناطق في آسيا وإفريقيا وأوربا، وقد كانت تلك المناطق من قبل تحت النفوذ المسيحي. وقد أثار هذا حفيظة الغربيين، فتأجج الحقد في قلوبهم، وتأصلت نار العداوة في نفوسهم، وغلا الدم في عروقهم، فصاروا يتحينون اهتبال الفرصة المناسبة، ليستردوا مجدهم الضائع اولاً، وليشفوا حقدهم من المسلمين بعد ذلك.
من هنا كانت البداية
 
كان من أوائل من دعا إلى الحروب الصليبية البابا (سلفستر الثاني) سنة1002م. ومع الجهود الجهيدة التي بذلها لم يجد آذانا صاغية له، وذهبت جهوده ادراج الرياح.
وجاء من بعده (جرجريوس السابع) سنة 1075م حاملا الدعوة نفسها: فقد نظر إلى العالم المسيحي من حوله، فرأى الفرقة قد دبّت بينهم، فأراد أن يجمع كلمتّهم، ويوحد جهودهم ضد المسلمين في الأندلس، وقد نجحت دعوته في ذلك : فجيشت الجيوش الأوربية ضد مسلمي الأندلس! لكن الله هيأ لهم أميرا عظيما وقائدا شجاعا هو: ( يوسف بن تاشفين) أمير المرابطين في المغرب ، استطاع ان ينتصر عليهم في معركة (الزلاقة)، ويردهم على أعقابهم خائبين، وذلك سنة 479هـ .
أما البابا (اوريال الثاني)، فقد دعا إلى حرب صليبية عامة ضد المسلمين، وذلك في سنة 489-1095، داعياً الأمراء إلى نبذ خلافاتهم لتخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين: (وأعلن انه سيغفر ذنوب كل من يشترك في هذه الحرب وخطاياهم، ودعا كل من يذهب في الحرب أن يحمل شارة الصليب على صدره...)( ).
معركة ملاذ كرد( )
 
يذكر المؤرخون معركة تسمى (ملاذ كرد) وقعت بين الجيش الإسلامي بقيادة السلطان السلجوقي ( الب ارسلان) من جهة، وبين الجيش الروماني بقيادة (رومانوس) من جهة أخرى، وذلك سنة 463هـ، وكان الجيش الروماني يقدر بمائتي الف او يزيدون. وأبلى المسلمون بلاءاً حسنا في المعركة، تمثل فيه الجهاد الإسلامي في صورة من أروع صوره في الاستبسال والشجاعة، وانجلت المعركة عن اندحار الجيش الروماني، وأسر أعداد كثيرة منهم . ولكن ما ان انتهت المعركة، حتى أعد الغرب عدته للقيام بالحرب الصليبية، وقد باشر بعد ثلاثين سنة؛ فابتدأت سنة 494هـ، ولم تتوقف الا في سنة 690هـ، بعد أن حرر (السلطان الاشرف) مدينة (عكا) ممن بقي من الصليبيين.
دور بطرس الناسك في الحروب الصليبية
 
كان لبطرس الناسك دور مهم في تجييش الجيوش في الحملات الصليبية، حيث ذهب الى بيت المقدس، وغاظه ما رأى من السيادة الاسلامية على الاماكن المقدسة، وأذهله –في الوقت نفسه- ما رآه من ضعف المسلمين، وتشتت شملهم، وتفّرق كلمتهم، وكثرة النزاعات بين أمرائهم، فعاد إلى موطنه (فرنسا) اولاً، ثم الى عدد من دول الغرب –ومنها روما- واجتمع بالبابا، واتفق معه على ان يكون داعية للحروب الصليبية، بعد أن بيَّن أن الفرصة قد حانت للإنقضاض على المسلمين ، الذين يعانون من الوهن و الضعف؛ لاستخلاص بيت المقدس وكنيسة القيامة من ايديهم، وأشاعوا في العالم الغربي لدى الشعوب المسيحية: أن بيت المقدس في خطر؛ فلا بد من العمل لاستخلاصه من أيدي المسلمين...!.
وهكذا حشدت أوربا الحشود، وجمعت الجموع منطلقة نحو بيت المقدس. واستمرت هذه الحروب التي عرفت باسم الحروب الصليبية قرنين من الزمن: تذهب حملة وتجئ اخرى بقيادة ملك من ملوك أوربا، على الرغم من الخسائر التي منيت بها هذه الحملات. وانكشفت الحقيقة للناس بعد ذلك وتبين لهم أن القدس لم تكن في خطر، وذلك حين عادت بقايا من الحملات الصليبية، وأعلنوا ذلك أمام الناس، فما كان من الكنيسة الا أن قامت بقتلهم؛ خشية أن ينتشر الخبر بين الناس أكثر. ولما لم تحقق هذه الحملات ما تصبو اليه، فقد أعدت العدة لإخراج المسلمين من الفردوس المفقود (الأندلس)، وقد نجحت في ذلك بما اتبعته من قتل وتنكيل وإرهاب بالمسلمين؛ حتى أخرجوهم منها. وسل محاكم التفتيش تنبئك عما اجترحته من جرائم لم يشهد التاريخ لها مثيلا، فقد صارت مضرب الأمثال في الوحشية من أجل استئصال الإسلام من البلاد، والكتاب الأوربيون هم الذين اعترفوا بذلك!.
صفحة 6
موقفان متباينان بعد النصر
 
ونحب هنا أن نقف وقفة قصيرة أمام ما فعله الصليبيون حين استولوا على بيت المقدس، وما فعله المسلمون حين قاموا بتحريرها منهم.
أما الصليبيون ، فقد استعملوا كل أسلوب من أساليب الهمجية والتدمير والسلب والنهب، وكانوا يتسلون بقتل الأطفال وتقطيع أوصالهم وشيّهم على النار. يقول الدكتور غوستاف لوبون:
(... واقترف هؤلاء (الصليبيون) من الجرائم نحو المسلمين والنصارى ما لا يصدر عن غير المجانين، من الاعمال الوحشية، وكان من أحب ضروب اللهوِ اليهم: قتل من يلاقون من الاطفال، وتقطيعهم إِرباً إرباً وشيهم كما روت آن كومنين)( ).
ويقول:
( ويدل سلوك الصليبيين في جميع المعارك على انهم من اشد الوحوش حماقة: فقد كانوا لا يفرقون بين الحلفاء والأعداء، والاهلين العزل والمحاربين، والنساء والشيوخ والاطفال، وقد كانوا يقتلون وينهبون على غير هدى)( ).
ولولا خشية الاطالة لذكرت الكثير مما ذكره (لوبون)، مما تشيب لهوله الولدان.
ويقول غليوم الصوري:
(إن الصليبيين كانوا من السفهاء الفاسدين، والملاحدة الفاسقين، ولو أراد كاتب أن يصف رذائلهم الوحشية، لخرج من طور المؤرخ ليدخل في طور القادح الهاجي)( ).
وأما المسلمون، فقد كان موقفهم على العكس تماما. فهذا صلاح الدين الأيوبي بعد أن حرر القدس الشريف بذل للصليبيين الأمان لأنفسهم وأموالهم، وسمح لمن يريد الخروج أن يخرج لقاء مبلغ زهيد يدفعه الاغنياء منهم، وأطلق سراح الفقراء من غير فدية، وعامل النساء أفضل معاملة، وسمح للبطريرك الافرنجي أن يخرج ومعه أموال البيع، والصخرة، والأقصى، والقيامة...( ).
صفحة 7
الصليبيون يستعينون بالمغول وتسقط بغداد
 
لقد تعبت الزحوف الصليبية في قتالها ضد المسلمين، وأصابها الضعف، وانهارت نفسية كثير منهم، ولم تحقق حملاتهم ما كانت تصبو إليه من استئصال الإسلام، والسيطرة على كثير من اجزاء العالم الإسلامي، وقد توقف قسم من ملوك اوربا عن مدهم بالقوة، وهم يرون قواتهم تتهاوى أمام المسلمين. ونظر أمراؤهم، فرأوا المغول يزحفون على العالم الإسلامي، متخذين الهمجية والتدمير منهجا لهم؛ فرأوا أن يعقدوا معاهدة معهم للتعاون فيما بينهم لغزو العالم الإسلامي. وهكذا كان. فما ان بدأ المغول باجتياح قسم من البلاد الإسلامية، حتى قام الصليبيون بحملتهم على مصر، ونجحوا في احتلال (دمياط). ولولا الغزو المغولي لبغداد لما تمكنوا من ذلك.
وبعد ذلك الحلف غير المقدس، انطلقت قوات المغول نحو بغداد، ونجحت في احتلالها، وقد سهل لهم الاحتلال (ابن العلقمي) وزير المستعصم بالله، ذلك الذي خان الله ورسوله ومن بوأه منصب الوزارة: فكاتب التتر، وأطمعهم في احتلال بغداد . وهكذا سقطت بغداد بأيديهم، وغرقت بالدماء، وقتل العلماء والزهاد، وهتكت الأعراض، وتعطلت الصلاة في المساجد، واحرقت الكتب، وخربت البلاد، وقدَّر المؤرخون أن من قتل من المسلمين يربو على المليون. واستمرت الجرائم مدة اربعين يوما هكذا، وخلت الطرقات الا من جثث القتلى...! وكان هذا ثمرة من ثمرات تحالف بين الصليبيين والمغول، وقتل آخر الخلفاء العباسيين (المستعصم بالله). ولم يقف الزحف المغولي عند حدود بغداد، بل واصل مسيرته ليجتاح الشام ومصر، ولكن الله هيأ رجالاً قادوا المعركة الفاصلة في (عين جالوت) التي اندحر فيها الغزو المغولي ايّ اندحار!. وقد وصف السيوطي فاجعة بغداد بقوله:
(حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الاخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغّر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملأها ما بين الطول والعرض).( ).
حقا لقد كان للصليبيين الدور الكبير في هذه الفاجعة، وهذا ما اعترف به مؤرخوهم ودهاقنتهم، فقال(الاسقف دي سيسل).
(لقد كانت الحملة على الإسلام والعرب، حملة صليبية بالمعنى الكامل لها، وقد هلل لها الغرب، وارتقب الخلاص على يد (هولاكو) وقائده المسيحي (كتبغا)، الذي تعلّق أمل الغرب عليه؛ لتحقيق القضاء على المسلمين، وهو الهدف الذي أخفقت في تحقيقه الجيوش الصليبية، ولم يعد للغرب أمل في بلوغه الا على يد التتار خصوم المسلمين)( ).
صفحة 8
خدعة اليهود للصليبيين
 
ولابد لنا ان نشير هنا الى أن الصليبيين ربما خدعوا بأحابيل اليهود ومكرهم وتحريضهم لهم على شن تلك الحملات الصليبية؛ فخسر الصليبيون خسارة عظمى، وهذا ما اعترف به الكتاب المسيحيون أنفسهم، فقال (الاميرال كي):
(إن الحروب الصليبية لم تكن حروبا مسيحية، إنما كانت تدبيرا يهودياً؛ لوضع العالمين: المسيحي والإسلامي في حرب عامة مدمرة، دامت أكثر من عصرين؛ تمهيدا للوصول الى فلسطين)( ).
واقعنا المعاصر
 
إن حديثنا في الحروب الصليبية واحتلال بغداد، ليذكرنا بواقعنا المؤلم الذي نعايشة في العراق في القرن الواحد والعشرين. فقد دار الزمن دورته، وأصيب المسلمون بالداء الذي أصيبوا به من قبل، فتركهم يتقلبون على جمر الغضى: داء التفرق والتشتت والتمزق، فتكالبت الدول على احتلال العراق بقيادة أمريكا، وقامت بتخريب المصانع فيه، وقتل الناس الآمنين، وإشاعة الرعب والفوضى، وتشجيع العنصرية والطائفية فيه من وراء ستار، والعمل على تقسيم العراق! أجل العمل على تقسيمه على الرغم من اعلامها المضلل الذي ينفي ذلك..! كل هذا في ظل القوة الاحادية في العالم في النظام الدولي الجديد، المتمثلة بالسياسة الأمريكية وتطلعاتها الى الهيمنة على العالم؛ حتى صارت العلاقة بين الشرق والغرب تقوم على الصراع والمجابهة وخوض المعارك التي لا نهاية لها، ولا تقوم على التعاون وتبادل المصالح والمهادنة؛ ذلك لان أمريكا تعتمد اعتمادا ليس بالقليل على نفط العرب، وعلى الكنوز الكبيرة المتوافرة فيها ولو ضحت بمن ضحت من أبنائها؛ لان الهيمنة على مصادر القوة في الشرق الإسلامي هو الأصل الأصيل أولا، ولان الخطر الإسلامي هو الذي تراه مهدداً لها، ولأنها ترى مستقبلها القريب والبعيد يقتضي ذلك.
وبعد
 
فيحق لكل أحد أن يسأل –وهو ينظر الى الحرب الظالمة الغاشمة التي شنها الغرب بقيادة أمريكا على العراق: هل صرنا نعايش اليوم في القرن الحادي والعشرين الحروب الصليبية التاسعة في ظل النظام الدولي الجديد، وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ولكن بثوب جديد؟
اذا كان قسم من الساسة الغربيين يدفعون عن انفسهم هذه التهمة، ويدَّعون أنهم أبعد ما يكونون عن ذلك، فان ساسة آخرين وقادة لهم مكانتهم في دولهم، لم يستطيعوا أن يتملكوا أنفسهم وهم يشنون الحرب على العراق سنة1991؛ فأعلنوا أنهم يخوضون الان الحرب الصليبية التاسعة. وقد جرى مثل هذا الكلام على لسان الرئيس الامريكي (بوش) بعد تفجيرات الحادي عشر من ايلول2001م. ولا تسل عما جرى في احتلال العراق وما يجري.