صفحة 1
مقدمــة
هذه محاولة لتلمس الخطوط العريضة للإسلام والتنمية·· ذلك أن الإسلام بجانب كونه دينا ذا مبادئ ومضامين سامية ونبيلة تهدف إلى خير البشرية·· وهذا في حد ذاته يصب في محصلة الرقي للفرد والأمة·· فإنه يمثل مشروعا حضاريا يحمل مضامين فيها كل معاني العدالة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية·· وكل مبادئ الحرص على العلم والعمل·· والجد والاجتهاد·· والأمانة والنزاهة·· والمصداقية والشفافية·
وهي محاولة ليس فيها أي اجتهاد في الدين·· ولا تخوض في أعماق الدين ومخزونه·· ولا في التفصيل·· ولا في التأويل·· ولكنها قراءة تأملية للمبادئ·· والواقع·· وفرص التكتل والتنمية·
وإذا كان واقع أكثر البلدان الإسلامية·· هو واقع مرتبط بالتخلف ومرهون به·· فذلك يرجع إلى خلل في هذه البلدان وممارساتها التي قد تفصلها هوة واسعة عن مبادئ الإسلام ومضامينه ومشروعه الحضاري·
ولقد أسيء إلى صورة الإسلام من خلال صورة هذا الواقع··ومن خلال تبوؤ الغرب المسيحي·· قيادة التقدم والرقي في الحقبة الراهنة·· والصورة التي تبدو مشرقة وجذابة وبعيدة كل البعد عن الصورة القاتمة التي تعكس التخلف في البلدان الإسلامية·· الأمر الذي قد يستغله الغرب في خصومته مع الإسلام·· واعتباره معيقا للتنمية أو لصيقا بالتخلف·· ومرجعيته في ذلك واقع البلدان الإسلامية·· ثم ربط بعض حركات العنف التي يقوم بها بعض المسلمين واعتبار الإسلام لصيقا بالعنف·· وأنه حليف الإرهاب·· وربط أنماط الحكم المستبدة في البلدان الإسلامية بالإسلام··واعتبار الإسلام لصيقا بالاستبداد وحليفا للاستبداد·
ولاريب أن هناك في العالم الإسلامي من يجاري الغرب في تصوره·· غير أن المسألة التي يجب أن تحظى باهتمام كبير·· هي الصورة التي تترسخ في أذهان الناشئة والشباب عن الإسلام والتي قد تنحو نحو سياق الصورة الغربية من خلال قنواته وفضائه الإعلامي الواسع والجذاب في ذات الوقت·· والباهر للعقول الشابة التي لا تلمس حولها إلا واقعا متخلفا في بعد أو أكثر·· أو حتى في جميع الأبعاد أحيانا·· السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية··
هذا التصور الذي قد يترسخ في أذهان الناشئة والشباب·· يعني أن رجال الغد يحملون تصورا خاطئا عن الإسلام من خلال الواقع المتخلف المحيط بهم في أكثر البلدان الإسلامية·· وذلك أمر في غاية الأهمية·· إذ انه يجعل من السهولة بمكان اقتحام العقول وإشعارها بالدونية والتخلف تحت وطأة الانبهار بالغرب·· وأكثر من ذلك أهمية·· إسقاط مرجعيتها وهويتها خصوصا تحت زحف العولمة واكتساحها للحدود والقيود· وكل ما يمر به الناشئة والشباب من قنوات التلقين الرسمية في المؤسسات التعليمية عن الإسلام·· يبدو وكأنه مرور وقتي للحصول على درجة علمية·· مع أنه أصلا تحت مظلة السلطة·· ينأى عن أي شيء قد يخدش السلطة·· ثم إن الممارسة المحيطة بهم من كل صوب·· تمسخ الصورة الحقيقية للإسلام·
ربما كان اصطدام الحضارة العربية الإسلامية والعالم العربي الإسلامي في وهدة انحطاطه· بالحضارة الغربية المسيحية·· والعالم الغربي في أوج قوته·· ما أثار تصورا خاطئا عند الغرب بصورة خاصة·· وربما لدى المنبهرين بالحضارة الغربية على صعيد العالم العربي الإسلامي·· من أن الإسلام قد يكون فيه ما يعيق التقدم أو التنمية·· ثم جاءت صورة العالم العربي الإسلامي على محك الممارسة لترسخ هذه التصور·· إذ بدا العالم العربي الإسلامي في ردهات التخلف·· وبدت ممارساته وكأنها غير منسجمة مع الحضارة·· واعتبرت هذه الممارسات إسلامية بحكم أنها في العالم الإسلامي·· والإسلام من كثير منها براء·· ثم انه لم تبرز دولة إسلامية واحدة متقدمة وتمثل نموذجا صحيحا للإسلام على محك الممارسة·· وعلى صعيد الواقع·
واصطدام الحضارة العربية الإسلامية والعالم العربي الإسلامي في ردهات التخلف بالحضارة الغربية المسيحية·· ليس هو الصدام الأول·· فقد كان هناك صدام أو احتكاك بين الحضارتين والعالم الإسلامي في أوج ازدهاره وقوته·· ولم يبعث ذلك الريبة أو الشك في قدرة العرب والمسلمين على امتلاك نواصي التقدم·· وأن الإسلام حافز قوي للتقدم والنهضة والتنمية·· ولم يكن عائقا في أي حقبة من الحقب· إن الممارسات التي تنسب إلى الإسلام·· قد يكون كثير منها عوائق في سبيل التقدم والنهضة والتنمية·· وهذه الممارسات إنما تتمثل في توظيف الدين·· في الدول الإسلامية·· لتحقيق مآرب سياسية قد يكون مرتكزها المحوري·· الاستئثار بالسلطة والثروة لفئة أو عصبة·· وقد تكون ممارسات اجتماعية لا تعدو كونها نسيجا من التقاليد والقيم والأعراف التي تضفي عليها مسحة دينية·· وبمرور الزمن·· يتصور أنها من الدين وما هي من الدين في شيء
ولعل الوضع الراهن الذي يتمثل فيه التفاوت الصارخ بين الغرب القوي·· عدة وعتادا وثقافة·· وبين العالم العربي والإسلامي الذي أصبح في قافلة المستضعفين والتابعين للغرب·· والغرب الأمريكي على وجه الخصوص·· وهو يقع إلى حد كبير في ردهات التخلف·· أو لم يأخذ من التنمية بنواصيها وإن أخذ ببعض مظاهرها وقشورها·· يجعل المقارنة في أذهان الناشئة والشباب·· تميل بكل ثقلها للغرب والغرب الأمريكي بحضارته وإنجازاته وما حققه من تطور مذهل على الصعيد التقني·· وما حققه من إنجازات كبيرة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية·· في الوقت الذي تبدو فيه كثير من الممارسات في العالم العربي والإسلامي·· ممارسات عقيمة·· وقد يكون من تلك الممارسات ما يندى له الجبين قمعا واستعبادا واستبدادا·· واحتكارا للثروة·· وتعميما للفقر والبطالة·· واحتقارا للإنسان·· وازدراء بالمعايير الإنسانية خصوصا بالنسبة للمرأة·
صفحة 2
لقد مثل النظام الرأسمالي·· كما هو معروف·· نموذجا يتمحور حول الفرد ويعطي الأولوية للحريات المدنية والسياسية· وتمحوره حول الفرد·· يتمثل فيه التحفيز الجامح الذي قد يحقق الفرد من ورائه الكسب وإن ألحق الأذى بآخرين أو بالمجتمع· وجاء النظام الاشتراكي ليتمحور حول المجتمع الدولة أو الدولة المجتمع·· ويتمحور اهتمامه حول ذلك المفهوم ويكاد يجرد الفرد من كل حقوقه المدنية والسياسية وإن كان يعطيه الاعتبار الأساسي فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية·
أما وقد انهار الاتحاد السوفييتي بمنظومته الاشتراكية·· وإن كان ذلك ليس بالضرورة في نظر كثيرين·· انهيارا للنظام الاشتراكي·· على اعتبار أن الخلل في الممارسة وليس في النظام·· وبدا أن النظام الرأسمالي مر أو يمر بأزمة من خلال تمحوره حول الفرد·· والتوسع في الحريات المدنية والسياسية··و إغفال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية·· الأمر الذي كانت محصلته·· اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء على صعيد الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها·· وازدادت إلى حد كبير فئة الفقراء أو المحرومين الذين قد يقفون على خط الفقر أو دونه·· والذين يواجهون الفاقة والبطالة·· ومن ثم فقد برزت دعوة إلى تعديل أو تصحيح النظام الرأسمالي على صعيد الدول الرأسمالية المتقدمة·· لإعطاء قدر من الاهتمام للجوانب الاجتماعية والاقتصادية·· لأن استمرار إغفالها قد يؤدي إلى خلخلة كبيرة في النظام الرأسمالي أو انهياره·
ولاريب أن الهوة بالطبع تزداد اتساعا بين الدول الرأسمالية المتقدمة والدول الفقيرة المتخلفة·· ومن بينها دول العالم العربي والإسلامي·
ومع أن بعض دول العالم العربي والإسلامي·· يحظى بثروات طبيعية تعود عليه بمردود كبير يمثل ثروة يمكن الاعتماد عليها في تمويل تنمية حقيقية·· فإن هذه الثروة ربما استنزف أكثرها أو تعرض للتبديد·· أو نال منه الفساد·· أو تكالبت عليه أطماع الغرب والغرب الأمريكي على وجه الخصوص·· ومن ثم فإنها رغم كل المظاهر البراقة·· وكل واجهات الحضارة ونتاجها الغربي·· تعتبر في قافلة الدول المتخلفة·
وكلما ازدادت هذه الهوة اتساعا·· كلما بدا أن لحاق الدول المتخلفة بالدول المتقدمة·· أقرب إلى المستحيل·· بل إن الكثير من الدول المتخلفة·· لايبدو أنه يسير على المسار الصحيح للتنمية·· ولذلك فإنه قد يرسخ التخلف·· وتكون المحصلة تنمية التخلف· وبالطبع فإن تنمية التخلف·· تمثل صورة قاتمة على صعيد العديد من الدول المتخلفة·· ومنها دول في العالم العربي والإسلامي·· والإسلام ما كان مع تنمية التخلف·· ولا كان مع التخلف أبدا على كافة الأصعدة وفي شتى المجالات·· فهو الذي يحث على العلم والعمل والجد والاجتهاد والدأب والإخلاص والبذل والتضحية وغيرها من ركائز الإنتاجية والعطاء المفضية إلى النهضة والتقدم والتنمية·
والإسلام في جوهره·· يحرص كل الحرص على التوازن بين الأبعاد المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية·· وإذا كان المجال الاقتصادي والاجتماعي·· واضح فيهما توخي العدالة الحقيقية·· فإن المجال السياسي كذلك·· ولكن ضيقت إطاره ممارسات السلطة عبر حقب التاريخ الإسلامي· فالإسلام لايناهض اختيار المحكومين للحاكم·· بل إنه حرص على أن يكون اختيار الحاكم وفق رضا المحكومين·· وهو يؤكد على المساواة بين الحاكم والمحكوم·· وأن الحاكم خاضع لمساءلة المحكومين·· ولم يكن الحاكم أبدا·· في جوهر الإسلام فوق المساءلة· والإسلام·· حتى في ظل السلطة المستبدة·· يحث على الجهر بالحق·· وعدم الخشية في سبيل الحق من لومة لائم أو بطش حاكم ظالم· صحيح أن الإسلام فصل كثيرا في الكثير من الأمور الاجتماعية إلى أدق التفاصيل في بعض الأحيان خصوصا ما يتعلق بالأسرة وهي اللبنة الأساسية في تركيبة المجتمع·· وكذلك الأمور الاقتصادية·· وإن كان ذلك بدرجة أقل·· ويبدو أنه إن سكت إلى حد كبير عن النمط السياسي الإسلامي لحكمة متوخاة ومصلحة مرتجاة·· فتلك تخضع لآليات تنسجم مع روح كل عصر·· ولعل الناس أدرى بأمور دنياهم· ولكنه في هذا الإطار·· وضع مبادئ عامة تتمحور حول الشورى والعدل والمساواة·· وتظل هذه المبادئ أساسية ويجب أن تكون حاضرة في أي نمط سياسي أو آلية لهذا النمط السياسي·· ومن ثم فإن الديمقراطية من حيث جوهرها ومضامينها المتمثلة في حق الناس في اختيار من يتولى السلطة·· وفي إخضاعه لآلية المحاسبة والمساءلة·· هي من صميم جوهر الإسلام·
إن المسألة واضحة تمام الوضوح ولا لبس فيها وإنما يأتي اللبس من اعتبار الحاكمية لله·· أو الحاكمية للبشر·· وفي كل الأوقات·· فإن الحاكمية لله·· والبشر مستخلفون·· ولا ضير أن تكون هناك للمستخلفين حاكمية دونية لا تخرج عن الأدلة القطعية الصريحة الواردة في القرآن أو في السنة·· وهذا ينطبق على الحريات أيضا·· فالأصل فيما لم يرد بتحريمه نص أو دليل قاطع·· هو الإباحة·· ولذلك فإن بعض الحريات المباحة في الغرب·· هي حريات محرمة في الإسلام·· وهي حريات تمثل ثغرات أساسية تسيء للأخلاق العامة أو لقيم المجتمع السوي وآدابه·· هذه الحريات التي تتعلق في كثير من الأحيان بالإباحية أو الشذوذ أو الفسق أو الفجور·· هي محرمة·· وتبقى الحريات الأساسية الجوهرية هي ذات المصداقية·· وهي المرتكز الحقيقي لممارسة الحقوق· والحريات في المجتمع السوي والديموقراطية·· ليست مرهونة بحريات الإباحية أو الشذوذ أو الفسق أو الفجور·· ولكنها تظل دائما مرهونة بالحريات الأساسية التي تمثل المرتكز المحوري لتماسك المجتمع وتقدمه·
صفحة 3
والإسلام إذ يحقق التوازن بين شتى الأبعاد المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية·· فإن ذلك لا يعتمد بالضرورة على ضوابط صارمة تسلب الأفراد حقوقهم من الملكية وغيرها·· أو تسلبهم حرياتهم المدنية أو السياسية·· كما هو الحال في النظام الاشتراكي·· ولا هو يغفل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية·· كما هو الحال في النظام الرأسمالي·
إن الإسلام في الوقت الذي يعطي للفرد حرية واسعة وحوافز كبيرة·· فإنه يتوخى تحقيق العدالة والمساواة·· ولذلك فهو لا يقبل أبدا بالكسب غير المشروع·· ولا يقبل أبدا باكتناز الثروة· وتوخيا للعدالة·· فإن الحث على الإنفاق من أكثر ما وردت فيه الآيات في القرآن الكريم·· وفي الوقت الذي يكون فيه الوازع الديني قويا ويتجلى الإنفاق السخي من الأغنياء·· تتقلص فيه مساحة الفقر·· وتتقلص أعداد الفقراء أو على الأقل لن تكون هناك الهوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء·
والإسلام إذ يحفز الأفراد للكسب المشروع من خلال العمل ولا يجهض حماسهم·· لايجعل الفرد همه الثراء الشخصي·· وإن كان من حقه أن ينعم بحظ من هذا الثراء ولكنه يفيض بثرائه على المجتمع فيحقق الرخاء للمجتمع·· أو يساهم في تحقيق الرخاء للمجتمع· والمجتمع في هذا الإطار·· مجتمع إنتاجي مزدهر يتيح للجميع نفس الفرص·· ويرتب عليهم نفس الحقوق والواجبات·· فكلهم تحت مظلة الإسلام سواسية·· ليست الثروة حكرا على قلة·· ولا السلطة حكرا على قلة·· والإسلام لا ينتظر من الفقراء أن يركنوا إلى الفقر متى ما كانوا قادرين على العمل·· بل إن العمل أولى من انتظارهم شيئا من فضول أموال الأثرياء·· كما أن السماء لن تمطر ذهبا ولا فضة·· ولذلك فإن الفقراء الذين لا يملكون فرصة العمل أو عاجزين عن العمل·· هم الأولى بهذا الفضول من أموال الأثرياء·
ولو كان هناك تطبيق لجوهر الإسلام وحكمته·· فإنه تتحقق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية·· وتتحقق المساواة بين الناس وبينهم وبين الحاكم·· وتتحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية في إطار الحوافز الاقتصادية التي يعتمد فيها المردود على الجهد والكسب على العمل·· ولكن التطبيق يعتمد إلى حد كبير على مدى قوة الوازع الديني·· فإن وهن هذا الوازع الديني·· وهن التطبيق·· وحينئذ لا تتحقق الأهداف المرجوة من وراء تطبيق جوهر الإسلام وحكمته·· لأنه ليس هناك التزام حقيقي بهذا الجوهر وهذه الحكمة·
صفحة 4
التقــوى
والتقوى في الإسلام·· لا تقتصر على العبادات·· ولكنها تمثل الفضاء الإنساني كله· من المهم أن تكون التقوى حاضرة في العبادات·· وحاضرة في المعاملات·· وحاضرة في الشأن الاجتماعي·· وفي الشأن السياسي·· وفي الشأن الاقتصادي·· وفي الشأن الثقافي·· وفي أي شأن من الشؤون·
والتقوى لها أبعاد شتى·· ومنها الطهر والفضيلة والإخلاص والصدق والموضوعية والتجرد عن الهوى· ولاريب أن أي واحدة من هذه الصفات·· هي في حد ذاتها قيمة خلقية مطلوبة ومحمودة·· ولها دور كبير في ارتقاء الإنسان·· وارتقاء المجتمع والتغلب على أوزاره وسوءاته·· ومواجهة كل موجات الفساد والإفساد والقمع والتسلط·· والاستئثار بالثروة والسلطة وإقصاء الآخرين أو استعبادهم· ولو كانت التقوى حاضرة بأبعادها المتعددة·· لأصبح المجتمع مجتمعا فاضلا بكل معنى الكلمة·· وأصبح الإنسان إنسانا يستحق الاستخلاف في الأرض·
ولاريب أن الإسلام·· في جوهره ومثله ومبادئه السامية·· قد يقاربها الواقع·· كما هو الحال في الحقبة المشرقة من التاريخ الإسلامي·· أو قد ينأى عنها الواقع·· كما هو الحال في الحقب غير المشرقة في التاريخ الإسلامي وفي الحقبة الراهنة· وهو في جوهره ومثله ومبادئه السامية·· إنما يمثل إطارا مرجعيا يهتدى به·· والاستهداء به مطلوب·· ولكن ذلك يعتمد على قوة الوازع الديني أو ضعفه·
والوازع الديني هو المحرك للسلوك في اتجاه الصلاح والإصلاح· ومعروف أن الوازع الديني كان أقوى في حقبة التاريخ الإسلامي المشرقة·· ثم أخذ يتوارى إلى حد ما ذلك الوازع الديني·· فانقلب الأمر إلى حرب عصابات وحرب قبائل·· سعيا للسلطة والتسلط والاستئثار بالقوة والثروة واستعباد الآخرين أو استخدامهم أو استغلالهم·· واختزل الدين في العبادات والمعاملات التي تدخل في إطار الأخلاق العامة على صعيد المجتمع·· واختزلت التقوى في هذا الإطار·· وكأنه لا يخرج الوازع الديني عن هذا الإطار·· خصوصا فيما يتعلق بأي أمر له دخل أو مساس بالشأن السياسي·· حتى لو كان الأمر في جوهره اجتماعيا أو اقتصاديا أو ثقافيا·
ومما لاشك فيه أن كثيرا من الأمور تتداخل مع بعضها البعض·· أو تتقاطع مع بعضها البعض·· وقد يكون هذا التداخل أو التقاطع مع الشأن السياسي مجلبة للقمع والتنكيل والتعذيب ممن سطوا على السلطة وسطوا على الثروة واستعبدوا الناس أو استرهبوهم· إن قصيدة قد تكون رائعة السبك·· ورائعة المعاني·· ورائعة الصور·· ولكن يشتم منها أو قد يؤول بيت أو كلمة منها أن فيها خدشا للسلطة·· إذ ذاك تذهب القصيدة مع صاحبها تحت القبضة الحديدية المتسلطة·· وقد يسطر كاتب مقالة عن الهوة بين القلة المترفة·· والكثرة الضائعة أو الجائعة·· فتعتبر المقالة قذفا بالنسبة للقلة التي ملكت نواصي السلطة والثروة·· فتذهب المقالة مع كاتبها إلى حيث يشاء مزاج السلطة وفي أي معتقل أو منفى·
وفي التاريخ الإسلامي شواهد عديدة على ذلك·· ولا يحتاج الأمر إلى تبيان ولا أدلة إلى سرد·· فالأمر واضح أكثر من الوضوح·· والأدلة تملأ عددا من أمهات الكتب·
ويتضح من ذلك أن مرجعية التقوى·· قد أطرت في إطار ضيق·· والوازع الديني·· قد توارى إلى حد كبير·· ولو كانت التقوى حاضرة بإطارها الواسع والوازع الديني قويا·· لاستقام أمر السلطة·· وأمر المجتمع·· وأمر الفرد·· فمرجعية التقوى·· واحدة·· وحين تكون هي المرجعية الحاكمة·· فإن الفرد في المجتمع·· سيكون سعيه للصلاح والإصلاح من جوهر التقوى ولو تكبد في سبيل ذلك مشقة وعناء وتضحية· والسعي إلى الصلاح والإصلاح بحكم هذه المرجعية الحاكمة يجب أن يتمثل في سلوك السلطة أو القابض على زمام السلطة·· ولو كان في ذلك ما يعتبرونه تنازلا عن قدر من السلطة والثروة·· وما كان بالضرورة تنازلا·
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· من جوهر التقوى·· ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· ليس هيئة يختارها فرد·· ولكنها هيئة يختارها المجتمع مع أنها واحدة من واجبات المسلم·· إلا أن إيكالها إلى هيئة يختارها المجتمع راجعا إلى المرجعية الحاكمة وهي التقوى قد يكون أدعى إلى الضبط والتنظيم·· كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· لا يقتصر على مراقبة وضبط سلوك الأفراد العاديين·· وإنما يتجاوز ذلك إلى مراقبة وضبط سلوك كل الأفراد بما في ذلك الحاكمين·· ومن هنا فإن اختيار أعضائها من قبل المجتمع أدعى إلى قدرتها على مراقبة وضبط الحاكمين·· إذ ان اختيارهم لهذه الهيئة يجعلها جزءا من المؤسسة الدينية الرسمية التي تمتثل لأوامرهم ورغباتهم·· ولا تستطيع أن تعصي لهم أمرا·· بل إنها قد توظف الدين لشرعنة أوامرهم أو رغباتهم·
صفحة 5
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· لايقتصر على العبادات والآداب العامة·· ولكنه يتسع لكل الشؤون·· من الشأن الاقتصادي·· إلى الشأن السياسي·· إلى الشأن الاجتماعي·· إلى الشأن الثقافي وغير ذلك من الشؤون· وليس أهل الهيئة بمعزل عن جوهر هذه المرجعية·· أو فوق هذه المرجعية·· فهم أنفسهم خاضعون أسوة بغيرهم·· ومن لم تتمثل فيه هذه المرجعية سلوكا·· فإن المجتمع لن يختاره·· وسيكون كغيره عرضة للجزاء·
قد يقول قائل·· أنه لا يمكن أن يكون ثبات واستقرار في نظام يعتمد على الوازع الديني·· ولاريب أن جوهر الإسلام وحكمته بينة·· والوازع الديني مسألة تتعلق بالفرد·· والفرد من منطلق الوازع الديني يحقق هدفا دينيا·· وحينما يفيض من إنتاجه وكسبه على الفقراء والمعوزين والمحتاجين·· فإنما يساهم في تحقيق صالحه وصالح المجتمع الذي هو عضو فيه·· ومعروف أن صلاح المجتمع فيه تحقيق صالح الفرد·
وإذا كان حافز الربح كافيا لإدارة عجلة الاقتصاد في الدول المتقدمة وزيادة إنتاجها وتحقيق الكسب الكبير والثراء الفاحش·· فإنه يمكن القول·· أن غياب هذا الحافز ليس إجهاض فرص العمل والكسب والإنتاجية والثراء·· فكيف تستقيم الأوضاع في مجتمع يعتمد على مدى توافر هذا العنصر· صحيح أن حافز الربح والكسب الكبير والثراء الفاحش·· يمثل طموحات في المجتمع الرأسمالي·· وغايات في حد ذاتها·· ولذلك فإنها تقترن بالمصلحة الفردية والأنانية والجشع وعدم الاكتراث بالآخرين· وذلك ما يحقق الثراء الفاحش والكسب الكبير لقلة تستأثر به وتحتكره ويزداد عدد الفقراء·· وتزدادا الهوة بين القلة المترفة ونسبة غير يسيرة من الفقراء الواقفين على خط الفقر أو ما دونه·
ولذلك فإن الوازع الديني يهذب الفردية·· ويشذب المصلحة الشخصية·· ويشطب الأنانية والجشع·· الأمر الذي تتحقق به المصلحة للأثرياء والفقراء·· وبدلا من أن تزداد الهوة اتساعا بينهما تنحسر الهوة·· ولكن تظل قضية الوازع الديني مسألة مرهونة بالفرد على كل الأصعدة·· وهي مسألة قد تزيد فيها القوة أو يزيد الوهن ولا تكون قوية إلا في مجتمع يغلب عليه أن يكون مجتمعا فاضلا·· أو أقرب إلى المجتمع الفاضل كما كان عليه الحال في الحقبة الأولى من الإسلام··· حيث القدوة ماثلة·· وحيث التطبيق أقرب إلى المبدأ·· وحيث الواقع أقرب إلى المثال·· وحيث القول مقترن بالفعل· وحينما غابت القدوة·· وغلب على الأصعدة كلها·· النفاق·· والافتراق بين القول والفعل والمثال والواقع والمبدأ والتطبيق·· وهن الوازع الديني·· وأصبح المجتمع المسلم في مساره بعيدا عن جوهر الإسلام وحكمته·· ولهذا احتكر السلطة والثروة·· قلة رسخت ثقافة الاستبداد·· وزادت أعداد المسحوقين والفقراء·
ويرتبط بالتقوى·· الإيمان بأن الله رقيب·· وهذا يفرض الالتزام بالجد والاجتهاد والإخلاص والأمانة حتى في غياب الرقابة المباشرة· وفي الأطر المؤسسية·· فإن المرؤوس عادة يبدي اهتماما بالعمل وانكبابا عليه في حضور الرئيس أو عندما يكون الرئيس قريبا·· وينصرف عن العمل أو يتخذ من الوقت فسحة·· عندما يكون الرئيس غير حاضر أو بعيدا عن محيط العمل·· والطالب قد يبدو منصرفا إلى الإجابة عن الأسئلة في الامتحانات بحضور المراقب·· ولو غفلت عنه أعين المراقب فقد لا يتورع عن الغش·· والطفل قد يكون مؤدبا إلى أقصى حدود الأدب في حضور والده·· فإن انصرف والده·· فعل ما شاء·· وعبث كما شاء·
ولاريب أن الرقابة المباشرة·· مهما أحكمت·· لايمكن أن تكون حاضرة وماثلة في كل وقت·· ناهيك عن كون الرقابة المباشرة بمثابة العصا الحاضرة في إطار ينسجم مع نزعة التسلط·· ومع القبول بنزعة التسلط·· وقد يتحقق من وراء الرقابة المباشرة·· العمل المطلوب·· ولكن ذلك مرهون بحضور الرقابة·· ومدى إحكامها·· ومدى قبضتها· وقد ضربت الشيوعية مثلا في زيادة الإنتاجية تحت سياط الرقابة المحكمة وقبضتها الحديدية·· ولكن ذلك كان مصحوبا بانخفاض كبير في الروح المعنوية· صحيح أنه قد تكون هناك أوضاع ترتفع فيها الروح المعنوية كثيرا·· ويكون الإنتاج في غاية التدني·· وذلك يتمثل في الأوضاع التي تغيب فيها الرقابة المباشرة كثيرا ويغلب التسيب والانفلات·· ولكن بالطبع·· فإن الوضع الأمثل هو·· الإنتاجية المرتفعة والروح المعنوية المرتفعة·· ولايتحقق ذلك إلا من خلال ترسيخ مبدأ الرقابة الذاتية·· وهي النمط الأمثل للرقابة كما عرفه الغرب في تطوره الإداري المعاصر·
والرقابة الذاتية في صلب الواجب الإيماني في الإسلام·· ولذلك فإن الالتزام بها يعني التزاما بالجد والاجتهاد والإخلاص والأمانة والنزاهة·· بصرف النظر عن وجود رقابة مباشرة أو غياب الرقابة المباشرة·
ولما كانت الرقابة الذاتية·· حاضرة في كل الأوقات·· فإن ذلك يعني أن الالتزام بمقتضيات الجد والاجتهاد والإخلاص والأمانة والنزاهة حاضرة دائما·· ولابد أن يكون المردود من وراء ذلك مجزيا·· والمحصلة كبيرة·· وهذه بدون شك من مرتكزات تحقيق التنمية الفعلية· غير أنه من اللافت للنظر·· أن هذا الواجب الإيماني·· يكاد يندر حضوره على صعيد العمل·· أيا كان في البلدان الإسلامية·· وحتى الرقابة المباشرة·· يبدو وكأنها تحتاج إلى رقابة في حلقة مفرغة لاينتج عنها مردود مجز·· أو محصلة كبيرة·· وتتعثر التنمية·· أو تخفق·
صفحة 6
العدالـة
مع أن العدل من التقوى·· ومن بين أهم مبادئها·· فإنه يحتاج إلى تناول خاص· ومفهوم العدالة·· مفهوم يحتل حيزا كبيرا من جوهر الدين الإسلامي في بعدها الاقتصادي والاجتماعي وكذلك السياسي· ففي البعد الاجتماعي··يتكرر ويتأكد الحث على الإنفاق إلى الدرجة التي لو تم الالتزام بمغزاها·· لتقلصت أو تلاشت الفجوة بين الأغنياء والفقراء·· وهي في ذات الوقت ترتبط بمضامين تحقق العدالة الاجتماعية·· ويرفد ذلك بالتكافل والتعاون تحقيقا لتماسك البنيان الاجتماعي·· وهذا أيضا يرتبط بالبعد السياسي الذي يساوي بين الأفراد في حقوقهم وواجباتهم·· ولا يعطي للحاكم امتيازا على الآخرين·· ولا لبطانة الحاكم أي حقوق لا يتمتع بها الآخرون· إن القاسم المشترك بين هذه الأبعاد·· هو أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات·· وأن التباين في البعد الاقتصادي·· يجب أن يرتكز على التباين في الجهد والسعي الذي يقابله تباين في المردود والمحصلة·· والترابط بينها ترابط موضوعي·
إن اكتناز المال واستئثار فئة به يجعلها هي المهيمنة اقتصاديا والقادرة على استغلال الآخرين·· ويجعلها متميزة اجتماعيا بحيث تعلو على غيرها من شرائح المجتمع·· وييسر لها قوة سياسية تستطيع بها التأثير في صنع القرار·· وتستطيع به إغراء ذوي السلطة في استغلال الشرائح الكادحة في المجتمع·· ويجعلها تتمتع بحقوق تفوق ما تتمتع به شرائح المجتمع هو أمر يرفضه الإسلام·· وكذلك احتكار السلطة والاستئثار بها وممارسة القهر والقمع والاضطهاد والاستبداد على الآخرين·· فذلك مناف لجوهر الإسلام· صحيح أن الشورى من مبادئ الإسلام·· وصحيح أنها لم تمارس وفق نمط واضح ومؤسسي·· ولكن الحكمة منها بينة·· ولابد أنها تصب في محصلة المشاركة المجتمعية أو الديمقراطية بالمعنى المعاصر·· ذلك أن الناس يشاركون في اتخاذ القرار·· ولا يستأثر به فرد واحد·
والعدالة في الإسلام·· وهي مبدأ شامل·· لايقتصر على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية·· بل يشمل الحقوق السياسية والفكرية والثقافية·· وهو إلى جانب ذلك يشمل الذكر والأنثى· وبصرف النظر عن بعض المفاهيم لوضع الأنثى في الإسلام·· فإنها في الواجبات الدينية والدنيوية·· وفي الحقوق الدينية والدنيوية·· تتساوى مع الرجل·· ومعنى ذلك أنها لها حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية·· كما أن الإسلام يحقق العدالة للأقليات وإن كان يلزم غير المسلمين بالجزية لقاء الأمان·· ولقاء عدم تكليفهم بواجبات يقوم بها الآخرون كالجهاد·· ولكنه يساوي بينهم وبين غيرهم في الحقوق الأساسية·
الإسلام ليس ضد الاحتكار والاستغلال في المجال الاقتصادي فحسب·· ولكنه ضد الاحتكار والاستغلال بمعناهما الشامل· صحيح أن منع الاحتكار والاستغلال بالنسبة للسلع وخصوصا السلع الأساسية بحيث لا تكون بعيدة عن متناول المحتاج ولا هي فوق طاقته·· هو أمر أساسي لتحقيق فرص العيش الكريم للإنسان·· ورد الظلم والجشع والانتهازية·· ولكن الإسلام ضد الاحتكار والاستغلال في الفضاء الاقتصادي بصورة عامة·· وفي غيره من الفضاءات·· إذ ان الإسلام لايمكن أن يتفق مع استئثار قلة بالثروة والسلطة واحتكارها وتملك المؤسسات الرئيسية في القطاع الخاص بحيث تبدو الفرص ضئيلة أو تكاد تنعدم بالنسبة لأي فرد لايجد له سندا أو نصيرا من تلك القلة المستأثرة بالثروة والسلطة·· وهذا ما يتمثل في العديد من البلدان الإسلامية·· ليس آخرها ما برز في إندونيسيا من تملك أفراد من العائلة الحاكمة السابقة للعديد من الشركات·· وما يتم على صعيد البلدان الإسلامية إجمالا·· الأمر الذي يقوض قدرة القطاع الخاص على النمو والتفاعل مع التحديات التي تواجهه من كل صوب·
صفحة 7
ومع اجتياح مبادئ الانفتاح الاقتصادي ونظرية السوق تحت مظلة العولمة وما يصاحبها من دعوة جامحة للتخصيص·· فإن الأمر في العديد من البلدان الإسلامية·· قد لا يتغير كثيرا من حيث احتكار قلة للثروة أو السلطة·· وإذا كانت هذه القلة تحتكر العقود الكبيرة أو تحتكر المناصب العليا في مؤسسات الدولة·· فإن تحويلها إلى القطاع الخاص لا يعدو أن يكون تغييرا في الموقع·· وتظل تلك القلة إلى حد كبير هي المحتكرة للعقود الكبيرة والملكية الكبيرة للمؤسسات في القطاع الخاص·· وذلك أمر لا يخرج عن مفهوم الاحتكار في الفضاء الاقتصادي·· ناهيك عن أن احتكار السلطة أو احتكار الوظائف العليا أو احتكار الثروة كلها أمور لا تتفق مع جوهر الإسلام·· وتعوق حركة التقدم·· وتقوض التنمية·· وتلغي إلى حد كبير دور الإنسان·· والحوافز الموضوعية·· والمناخ الموضوعي الباعث على الجد والاجتهاد والإخلاص والابتكار·· وتحقيق ما تتطلبه التنمية·· بافتراض أن هناك استراتيجية تنموية صحيحة·· وإرادة جادة·· وحشدا للطاقات والموارد·· واستخداما أمثل لها·· وصولا إلى الغاية المرجوة· ولما كان الإسلام ضد الاحتكار والاستغلال في الفضاء الاقتصادي وغيره من فضاءات·· فإن ذلك ينسجم أصلا مع مبدأ المساواة التي يؤكدها الإسلام ويعتبرها واجبا دينيا ملزما·
لايدخل الإسلام كثيرا في التفاصيل·· ولكن يبقي المرجعية والأصل·· ولذلك فإن الاستخدام الأمثل للموارد·· يتفق مع الإسلام الذي يندد بالتبذير والإسراف والهدر والفساد· كما أن الرقابة الذاتية·· هي من جوهر الإسلام·· وهي الرقابة الأكثر فاعلية·· لأن رقابة الذات تعني الجد والاجتهاد حتى في غياب المراقبة المباشرة·· ويتمثل فيها أيضا الحرص على المال العام·· وكذلك حسن توزيعه حسب مصارفه التي تعود بالنفع العام على الأمة·· وكذلك حسن الاختيار للوظائف على أساس من الموضوعية والبعد عن المحسوبية·· فالناس سواسية ولا مجال للتفرقة أو للتمييز على أساس صلة القربى أو العشيرة أو القبيلة أو الطائفة·
ويتفق الإسلام مع المساءلة على كل صعيد·· بل إنه ينسجم انسجاما تاما مع الشفافية والمحاسبة· والإسلام يتفق مع تملك نواصي القوة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وتقنيا وعسكريا وإداريا·· فنواصي القوة هذه هي التي تمكن الأمة من أن تكون لها منعة ومكانة·· وتدرأ عنها تحديات أعدائها وترد محاولاتهم لاستضعافها واستعبادها والهيمنة عليها أو النيل منها·
والإسلام يتفق مع التنمية في هذا التوجه الصحيح الذي يحقق القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والتقنية والإدارية·· ويحقق في إطاره العيش الكريم لأبناء المجتمع·· ويرفع عن الفقراء منهم وطأة الفقر ويحقق فرص العمل الكريم المنتج لأن ذلك ركيزة أساسية في التنمية التي يعتبر الإنسان محورها ووسيلتها وغايتها·
إن تبديد الموارد والطاقات·· لايتفق مع الإسلام·· ويناقض التنمية التي تتطلب الاستخدام الأمثل لتلك الموارد والطاقات·· بغية الاستفادة منها في تحقيق قاعدة اقتصادية إنتاجية قادرة على العطاء المستمر ومواكبة للتطور·· الأمر الذي يحقق القوة الاقتصادية·· وتلك بعد رئيسي من أبعاد التنمية·· ومحور رئيسي من محاورها· والعالم الإسلامي·· الذي يزخر بموارد وطاقات كبيرة·· يكاد يكون في قائمة الفقراء المستضعفين بين دول العالم·· لأن كثيرا من هذه الموارد والطاقات قد أهدر أو بدد واقتطع الفساد قسطا منه·· وتكالبت أطماع خارجية على قسط منه·· وأفرز هذا الوضع قلة مترفة يصل مجموع أرصدتها في المصارف الخارجية إلى مليارات الدولارات بينما دولها تئن الكثرة فيها تحت وطأة الفقر والبطالة والحرمان·
صفحة 8
الصدق والمصداقية
والصدق والمصداقية·· أيضا من التقوى·· ومن بين أهم مبادئها·· وتحتاج إلى تناول خاص كذلك· إن الإسلام·· يحث على الصدق والمصداقية·· ويندد بالنفاق والازدواجية·· ويغلب أن يغيب الصدق والمصداقية عن الساحة في الدول الإسلامية·· ويغلب أن تشيع فيها ظاهرة النفاق والازدواجية·· بحيث تكاد تبدو ممارسة حياتية على صعيد الأنظمة·· وعلى الصعيد الاجتماعي أيضا·· والتناقض بينهما يكاد يبدو مسألة مشروعة·· أو تناغما أو تكاملا يلغي أو ينسخ صفة التناقض أصلا·
إن الأنظمة وهي تستظل بالإسلام·· تستمرئ الكذب·· وتمارس التعتيم والتضليل·· والفرد في المجتمع قد يستمرئ الكذب والنفاق والازدواجية· وإذا كان البعض يرى أن هذا التوجه على صعيد المجتمع والفرد هو لدرء عواقب الجهر بالحق من بطش أو قمع من السلطة·· فإن هذه الظواهر تكاد تنسحب حتى على ما ليس له علاقة بالشأن السياسي أو ليس له علاقة بالسلطة·
وإذا كانت القضية تبريرية·· فإن الأنظمة تستمرئ الكذب والتضليل والتعتيم لكي لا تظهر شوائب أو نقائص·· وتبدو دائما أمام جمهورها على أنها في منتهى الحكمة والصواب·· وأن قراراتها وإجراءاتها وأهدافها·· لا تصب إلا في الصالح العام·· بينما هي إلى حد كبير·· قد تكون غارقة في الشوائب والنواقص·· وأهدافها تراعي مصالحها الخاصة قبل أن تراعي الصالح العام· هذا التبرير هو الذي يجعل ظاهرة الصدق والمصداقية غائبة·· ويجعل ظاهرة النفاق والازدواجية حاضرة ومشروعة ومبررة·· وهذا الوضع يبعد كثيرا عن جوهر الإسلام ومضامينه·· بل يقف على النقيض منها·· فالإسلام ضد النفاق والازدواجية والكذب والتضليل·· وهي مذمومة ومستنكرة·· فكيف يمكن أن تكون مشروعة ومبررة!!
وبالنسبة للفقهاء·· فإن وجود هذه الظاهرة بينهم يجعل القضية محيرة· صحيح أن فقهاء السلطة لابد أن يأتمروا بأمر السلطة·· فيمدون مظلة الإسلام على أي قرار أو إجراء أو هدف·· مؤكدين فيه أن الصالح العام وخدمة الإسلام·· هما الإطار الذي يحكم تلك القرارات والإجراءات والأهداف·· وأن مرجعية السلطة هي الإسلام·· وهو الذي يحكم كل قراراتها وإجراءاتها وأهدافها·
أما الفقهاء·· خارج مظلة السلطة·· فهم قد يندرجون في ممارساتهم·· ضمن الجمهور على صعيد المجتمع·· فينأون عن الصدق والمصداقية·· أو الجهر بالحق إن كان ذلك سيضعهم تحت طائلة العقاب من السلطة أو البطش أو القمع أو التنكيل·
ولكن المستغرب·· أن الازدواجية·· حتى بين الفقهاء·· سواء فقهاء السلطة أو الفقهاء خارج السلطة·· تبدو حاضرة في أمور لا علاقة لها بالشأن السياسي أو السلطة·· فهم قد يأمرون بشيء وينسون أنفسهم·
وإذا كان الصدق والمصداقية·· ليس لهما حضور على الساحة إجمالا في البلدان الإسلامية في الوقت الذي يطغى فيه على الساحة النفاق والازدواجية·· فإن ذلك ضد الإسلام·· ومعيق للتنمية في كافة أبعادها· وربما كان الشرق العربي أكثر ازدواجية ونفاقا·· وربما كان العالم العربي أكثر ازدواجية ونفاقا·· وإذا كان مرد ذلك للتنشئة والتربية·· فهل آثرت الأنظمة طغيان هذه الظاهرة·· ليس لأنها تمارس الازدواجية والنفاق والتضليل والتعتيم·· ولكن لأن الصدق والمصداقية يمكن أن يفتحا آفاقا واسعة·· ومنافذ رحبة·· لكشف سوءات السلطة·· وهو الأمر الذي لا يمكن أن تقبل به!! من هنا كان التمجيد الذي قد يبلغ درجة التقديس للحاكم·· والذي تعتبره المقررات المدرسية والبرامج الإعلامية·· مثالا كاملا منزها عن الخطأ·· ومبرّأً من الخطيئة·· ورمزا للعفة والنزاهة والحكمة·
والموظفون بما فيهم الفقهاء والكتاب·· الذين يعملون في بلاطه أو خارج بلاطه·· ولكن تحت مظلته·· لابد أن يكونوا منزهين عن الخطأ·· ومبرأين من الخطيئة·· ومثالا للعفة والنزاهة والحكمة·· لأنه هو الذي اختارهم·· ولا يشك في صواب اختياره أبدا·
وبالطبع فإن هؤلاء حين يختارون معاونيهم أو العاملين معهم·· لابد أن يكون اختيارهم صائبا·· لأنهم هم على نهج صواب الحاكم·· والإسلام لا يحبذ تمجيد الفرد بل ويمقت تقديسه·
صفحة 9
ولذلك فإنه في البلدان التي تنعم بقدر من اليسر المالي·· يسخر الإعلام للإشادة بالبرامج العملاقة التي تضاهي أو تفوق محصلتها منجزات العصر·· وتسابق الدول المتقدمة·· إن لم تسبقها·· وتبدو البرامج التي تم إعدادها وتنفيذها·· ربما بتكاليف كبيرة وبخبرة وعمالة من الخارج·· معالم حضارية تدشن في احتفالات كبيرة·· وتعتبر غاية في حد ذاتها·· وهي لا تعدو أن تكون مشروعات بنية أساسية لها ضرورتها للتنمية مع مراعاة عامل الكلفة والكفاءة·· ولكنها ليست التنمية· لأن التنمية أبعد من ذلك وأعمق بكثير·· وهي تمثل نقلة نوعية أو نقلات نوعية متواصلة على الصعيد الاقتصادي ذي القاعدة الإنتاجية القوية·· والصعيد السياسي الذي تتمثل فيه المشاركة الحقة·· والصعيد الاجتماعي الذي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني·· والصعيد الإداري الذي تتحقق فيه الكفاءة والفاعلية ·· والصعيد التقني الذي يجسد محصلة البحث العلمي المتطور وتطبيقاته العلمية· هذه المظاهر للتنمية يعود الفضل في إيجادها إلى حكمة الحاكم وتوجيهاته·
وفي البلدان الشحيحة الموارد·· يعتبر الحال على ترديه·· أفضل مما سيكون عليه·· بفضل حكمة الحاكم·· لأنه بفضل حكمته لم يزد عدد الفقراء على كثرتهم·· ولم تشح الحاجات الأساسية كثيرا على شحها·
قد يقول قائل·· أن الاخلاق المتمثلة في·· الفضيلة والنزاهة والأمانة والعدالة والمساواة·· تكاد تكون واردة في أي نهج إصلاحي·· وهذا صحيح·· ولكن الإسلام حين يحث على العدل والمساواة والأمانة والنزاهة وغيرها من المبادئ السامية·· لايحث عليها على اعتبار أنها مجرد مبادئ·· ولكنها واجبات في إطار إيماني يعتبر الالتزام بها مرتبطا بالرباط الإيماني وواجبا دينيا·· ولذلك فإن الإخلال بها لا يعتبر مجرد إخلال بمبادئ أو شعارات·· ولكنه إخلال بالإيمان وإخلال بالدين·· ولذلك فإن الالتزام بها ممارسة أوجب·
ومن المعروف أنه في البلدان الإسلامية·· كما سبق الإشارة·· لا يعدو أن تكون هذه مجرد مبادئ بعيدة عن الممارسة· صحيح أنه يتم التغني والإشادة بها قولا·· ولكن الممارسة على محك الواقع تكاد تكون على النقيض من ذلك تماما· ومن اللافت للنظر أن هذا النقيض يبدو مشروعا ممارسة·· وهكذا يتم الجمع بين المبادئ قولا·· ونقيضها فعلا·· في نمط يبدو أنه درجت عليه العديد من البلدان الإسلامية·
تماما كما هو الحال مع الإسلام·· فإن الأنظمة في البلدان الإسلامية·· سواء اعتبرت الإسلام هو مصدر تشريعها وشرعيتها·· أو اعتبرته دين الدولة الرسمي·· أو اعتبرته مصدر التشريع الرئيسي·· فإن هناك بونا شاسعا بين الإسلام في جوهره ومضامينه·· وبين الممارسة· صحيح أن هناك اجتهادات شتى عادة ما تتعلق بالفروع أو التفاصيل·· أو مستجدات العصر·· وهذه الاجتهادات لو كانت بعيدة عن مآرب السلطة·· فقد تكون منزهة عن الهوى إلى حد كبير وإن لم يكن صوابها بالضرورة قائما·· ذلك أن المجتهد يخطئ ويصيب· والاجتهادات التي لا تخرج من تحت عباءة السلطة·· عادة ما لاتكون لديها الآلية للتطبيق أو الالتزام·· والقضية ليست قضية التباين أو الاختلاف في الاجتهادات·· فتلك مسألة مبررة بل ومستحسنة·· ولكن القضية أن الإسلام·· في كثير من الأحيان·· يضرب في الصميم في البلدان الإسلامية برغم اعتبار بعضها أنه مصدر تشريعها وشرعيتها·· أو اعتبار بعضها الآخر·· أنه دين الدولة الرسمي·· أو مصدر التشريع الرئيسي·· فهل يعقل أن تنتهك حقوق الإنسان·· تحت مظلة الإسلام!·· وهل يعقل أن تكون السلطة والثروة حكرا على القلة ويكون لها حق الاستئثار·· وحق الاستبداد·· وحق الاستعباد·· تحت مظلة الإسلام!·· وهل يعقل أن يجرد الإنسان حتى من أبسط حقوقه·· وربما من إنسانيته·· تحت مظلة الإسلام!·· ولذلك فإن مسألة اعتبار غياب الصدق والمصداقية·· وحضور النفاق والازدواجية·· هي مسألة تتعلق بالفرد·· سؤء أكان حاكما أم محكوما·· وسواء أكان فقيها أم مفكرا أم سياسيا·
وإذا كان الأمر كذلك·· فإن القضية قد تكون قضية إرث ثقافي·· وهي بدون شك قضية تنشئة وتربية· ومن المستغرب أن يكون الإرث الثقافي·· مع أن من مكوناته الأساسية·· الدين·· وهو الذي يحض على الصدق والمصداقية·· يرسخ هذه الازدواجية والنفاق· وأي متتبع للكم الهائل من الإرث الثقافي الذي يحث على الصدق والمصداقية·· ويندد بالنفاق والمنافقين·· والغش والغشاشين·· والكذب والكذابين·· والزور والتزوير والمزورين·· ربما يصدمه·· أنه تجاه هذا الكم الهائل من التراث والإرث الثقافي·· يجد كما هائلا من النفاق والازدواجية والكذب والغش والتزوير على الساحة المجتمعية إجمالا·
من المعروف·· كما سبق الإشارة·· أن الأنظمة في البلدان الإسلامية المتخلفة·· تحبذ ذلك وترسخه·· لأنها أبعد ما تكون عن الصدق والمصداقية·· ولأن اعتماد الآخرين على الصدق والمصداقية والجهر بالحق·· سيكشف سوءات الأنظمة في وقت تدعي فيه الكمال·· وخدمة الصالح العام·· وتطبيق الإسلام·
وإذا كان الأمر كذلك·· فهل يعني ذلك أن هذا الوضع لا يمكن تغييره؟ لاريب أن السلطة تحرص على عدم تغيير الوضع·· وهي التي تملك نواصي قنوات الإعلام·· وقنوات التعليم·· ومنافذ الاتصال والتواصل على الساحة المجتمعية·· ولكن هذه القبضة·· مهما بدت قوية·· فإن الفضاء الإعلامي أصبح واسعا وقنواته تخترق الحدود والقيود·· وإذا كان هذا الفضاء الإعلامي فيه من السفه الكثير·· فإن فيه انفتاحا على المعلومة من أكثر من مصدر·· وهذه المعلومة فيما يتعلق بالشأن الداخلي كانت تحتكرها الأنظمة·· وتقولبها وفق رغبتها·· وتسمح لها أن تظهر في القالب الذي تريده·· وتملك أن تعتم عليها أو تسدل عليها الستار·
صفحة 10
ولاشك أن هذا سيؤدي إلى خلخلة لم تعهدها الأنظمة من قبل·· مع أنه حتى قبل هذه الخلخلة·· كانت هناك خلخلة كبيرة في ثقة الجمهور في إعلام الأنظمة·· إذ تكاد تكون مثل هذه الثقة معدومة·· وذلك يبرهن على أنه مهما ادعت الأنظمة أنها بدون سوءات·· وأنها فوق الشبهات·· ومهما كان حضور النفاق والازدواجية كبيرا على حساب الصدق والمصداقية·· فإن الجمهور·· من منطلق تجربته وحسه ووعيه·· يدرك أن المصداقية والصدق·· ليس لهما حضور في إعلام الأنظمة·· وفي قرارات الأنظمة·· وفي برامج الأنظمة·· ولكنه لا يكلف نفسه عناء التصدي للنفاق والازدواجية·· بل هو إلى حد كبير·· يمارس النفاق والازدواجية بحكم أنها الثقافة السائدة في المجتمع· فهل عولمة المعلومة·· وعولمة الإعلام تغير من واقع الأمر شيئا؟ وإذا كان هناك قبل عولمة المعلومة والإعلام في الفضاء الإعلامي والمعلوماتي الواسع·· عدم ثقة في صدق ومصداقية إعلام ومعلومات الأنظمة·· ولكنها لم تحرك ساكنا إزاء حركة تغيير تجعل للصدق والمصداقية حضورا تندحر إزاءه موجة النفاق والازدواجية·· فهل هذا الفضاء المعلوماتي والإعلامي الذي سيزيد بلا شك من دائرة عدم الثقة سيحرك ساكنا·!
لعله من اللافت للنظر·· أنه حتى قبل هذا الفضاء الإعلامي والمعلوماتي·· كان الجمهور على ساحة أكثر من بلد إسلامي·· يعلن عن رفضه الكذب والزيف والفساد والتضليل والتعتيم الذي تمارسه الأنظمة· ولعل آخر مشهد كان في إندونيسيا حيث توارى حكم دام عقودا طويلة·· وسقطت هيبة الحكم التي كانت مستندة إلى القمع·· وانكشفت سوءاته أو ظهرت قضية الفساد الكبير الذي ولغ فيه أقطاب الحكم في الوقت الذي كانت الكثرة في إندونيسيا تئن تحت وطأة الفقر والفاقة والبطالة·
وهناك مثل آخر تضربه نيجيريا·· البلد الأفريقي الكبير الغني بالموارد بما فيها النفط·· ولكن الاستبداد والفساد·· بدد الكثير من هذه الموارد واحتكر قدرا منه للقلة·· وترك الكثرة تهيم على وجوهها بحثا عن متطلبات العيش الأساسية·· وخرج الجمهور عن صمته وسكينته ليعلن عن رفضه للاستبداد والفساد والكذب والزيف والنفاق والتضليل والتعتيم·
هذه الحركات الساخطة·· لم تكن بالضرورة بقيادة جماعات إسلامية·· وإن كان في بعضها للجماعات الإسلامية حضور·· كما هو الحال في إندونيسيا· ويبدو وكأن الجماعات الإسلامية ليست بالضرورة هي وحدها المعارضة·· وليست بالضرورة أقوى جماعات المعارضة·· وليس هناك التوظيف الكبير لمعنى الجهاد في هذه الحركات الساخطة·
ومعروف أن العالم العربي لم يخل من حركات ساخطة على صعيد الساحة المجتمعية· ولقد ضرب السودان مثلا على ذلك أكثر من مرة·· وربما أدى إلى سقوط حكومة· هذه الحركات الساخطة في السودان على سبيل المثال·· لم يكن حضور الجماعات الإسلامية فيها·· هو الكبير·· وإنما كانت حركة احتجاج واسعة تبنت أيضا رفضها للكذب والزيف والنفاق والفساد الذي كان نظام الحكم ضالعا فيه تاركا الكثرة تبحث عن قوت يومها وتضيق أمامها سبل العيش الكريم·
وإذا كانت جماعة إسلامية قد أصبحت ضمن أركان السلطة في عهد لاحق·· فقد كان ذلك على فوهات مدافع انقلاب عسكري شأنه شأن أي انقلاب عسكري·· وإن وجد العسكر في الجماعة الإسلامية سندا يمكن أن يستقطب قطاعا عريضا من المجتمع ويكون لها ولاءً شعبيا واسعا·· وذلك توظيف للدين في غير محله تحقيقا لمآرب سياسية ضيقة تتمحور حول مصالح قلة فإن الجماعة الإسلامية وجدت أن هذا السبيل·· أيسر السبل فيما بعد إلى تنازع حول اقتسام السلطة·· فغلبت نزعة العسكر إلى السلطة·· نزعة الجماعة الإسلامية التي ربما أرادت الاستئثار بالسلطة تحت مظلة مشاركة ديمقراطية في إطار ذي صيغة إسلامية·