eKtab
EN ع
الإسلاميون والديمقراطية في مصر - عصف ورميم
اقرأ عينة مجانية

الإسلاميون والديمقراطية في مصر - عصف ورميم

بقلم د. عبد الله سامي إبراهيم الدلال

صفحة 1
استهلال

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واستن بسننه البينات.

أما بعد...

فهذه دراسة عملية واقعية لإسقاطات مشاركة الإسلاميين في بعض الأنظمة الديمقراطية وأثر ذلك على حركة الحياة السياسية التي يسعى الإسلاميون أن يكون لهم دور في تحديد اتجاهاتها وتوجيه مساراتها.

إن هذا الكتاب عبارة عن سبر أغوار تجربة مهمة من تجارب الإسلاميين في المجال الديمقراطي، وهي التجربة المصرية.

وكان لابد من اختيار نماذج عملية واقعية لأسباب كثيرة، منها:

1- ليكون كلامنا عن واقع حي ومعيش، وليس عن مجرد تصور وتخيل، وحتى أيضًا لا نلج مدرسة الأرأيتيين .

2- للتدليل على أن مسلك الإسلاميين في هذا السبيل هو مسلك منهج وليس مسلك ضرورة.

3- ولإيضاح أن التنازلات الخطيرة والكبيرة التي يقدمها الإسلاميون هي من طبيعة هذا الطريق الديمقراطي.

4- ولبيان أن الطريق الديمقراطي لا يحقق للإسلاميين ما يصبون إليه من أهدافهم، كتطبيق الشريعة الإسلامية، وغيرها من الأهداف المعلنة.

5- ولتعضيد وتثبيت ما هو معلوم من أن منهاج الأنبياء في التغيير وأساليبهم المتبعة في الدعوة (كخطوط عريضة) هو المنهاج الصحيح الذي ينبغي أن يتبع ويجب أن يقتفى.

6- ولتأكيد أن المستفيد الحقيقي من سلوك الإسلاميين السبيل الديمقراطي إنما هم أعداء الأمة، سواء من اليهود والنصارى، أو من أذنابهم من الحكام العملاء، أو الأحزاب العلمانية، أو الشخصيات المستغربة والمستشرقة.

7- ثم ليستفيد الإسلاميون من تجارب من سبقهم من الإسلاميين المجلسيين، فلا يعيدوا الخطأ نفسه، فيقع المتأخرون منهم في نفس الحفرة الديمقراطية التي ابتلعت المتقدمين.

8- ولتتضح الصورة بخصوص حجم الإمكانات المادية والمعنوية التي تبذل في الإطار الديمقراطي دون فائدة تذكر، على حساب العمل الدعوي السليم الذي تُجهض إمكاناته المتنوعة في خضم الزخم الديمقراطي.

9- ولبيان حجم الخسائر الفادحة التي تتكبدها الدعوة الإسلامية على مستوى المنهاج أو على مستوى السلوك أو على مستوى الجهد، بسبب الانصراف الإسلامي نحو الديمقراطية.

10- ولكشف اللثام عن السبل الشيطانية التي يمارسها الملأ من خلال اللعبة الديمقراطية في إجهاض أي توجه إسلامي حقيقي يريد أن يعلي راية لا إله إلا الله في الأرض.

فتلك هي عشرة أسباب، وهناك أسباب غيرها، جعلت إبراز بعض تجارب الإسلاميين في المجالس النيابية من الأمور المهمة التي ينبغي بسطها بين أيدي الدعاة، بغية الدراسة العميقة، واستفراغ العبر منها، واستنباط الدروس والعظات.

إن اختياري للتجربتين المصرية والسورية(1) لا يعني بأي حال من الأحوال الغض من أهمية دراسة تجارب الإسلاميين الأخرى، كالتجربة الجزائرية والتجربة التركية والتجربة الباكستانية والتجربة الأردنية والتجربة السودانية وغيرها من التجارب.

إن هذه الدراسة تنفرد بذكر تجربة الإسلاميين المشاركين في ديمقراطية مصر.

اللهم تقبل منا صالح أعمالنا وألحقنا بعبادك المتقين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
صفحة 2
مقدمة

تعتبر التجربة المصرية من أثرى التجارب الديمقراطية التي كان للإسلاميين فيها دور ومشاركة؛ ولذلك فقد حظيت باهتمامات المتابعين، خاصة أنها اتسمت بتقدمها الزماني بالنسبة لغيرها من تجارب الإسلاميين الديمقراطية، كما أنها اتسمت باستمراريتها أيضًا.

وإنني في هذه المقدمة لا أريد استعجال القارئ بالحديث عن تجربة مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية المصرية، بل سأرخي له عنان مثابرته ليخوض بها غمار صفحات هذا الكتاب، حتى يبلغ نهايته. ولكني، في هذه المقدمة، سأشير إلى خطة البحث، ليكون القارئ الكريم على بينة مما هو مقدم عليه.

لقد جعلت هذا الكتاب في ثلاثة مباحث رئيسة، وهي:

- المبحث الأول : مرحلة الأستاذ حسن البنا - ~ - .

- المبحث الثاني : مرحلة الأستاذ حسن الهضيبي - ~ -.

- المبحث الثالث : مرحلة ما بعد حكم عبد الناصر.

ثم جعلت له (خاتمة) قصيرة تشير إلى فحوى ما انتهى إليه البحث.

أما مرحلة حسن البنا ، فقد جعلتها في تسعة فصول. وأما مرحلة حسن الهضيبي فقد جعلتها في فصلين فيهما محطات ووقفات. وأما مرحلة ما بعد حكم عبد الناصر فقد جعلتها في ثمانية فصول، تخللتها مطالب. ووقفات عديدة (راجع عناوين الفصول والمحطات والمطالب والوقفات في فهرس الكتاب).

وإنني أسأل الله تعالى أن ينفع المسلمين جميعًا بما ذكرته في هذا الكتاب من الحق، وأن يرشدنا جميعًا للصواب، وأن يستعملنا في طاعته وحسن عبادته، والذب عن دينه والجهاد في سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه الفقير لرحمة ربه

الدكتور: عبد الله سامى إبراهيم الدلال

المبحث الأول
صفحة 3
مرحلة الأستاذ حسن البنا رحمه الله تعالي

ويتضمن الفصول التالية:

- الفصل الأول: الإخوان المسلمون والحكم.

- الفصل الثاني: موقف الأستاذ البنا من الدستور المصري.

- الفصل الثالث: موقف الأستاذ البنا من ملوك مصر إبان عهده.

- الفصل الرابع: موقف الأستاذ البنا من الحكومات المصرية.

- الفصل الخامس: الإمام البنا والتمثيل النيابي.

- الفصل السادس: تحفظات البنا على التطبيق العملي للمجالس النيابية.

- الفصل السابع: البنا يرشح نفسه للانتخابات النيابية.

- الفصل الثامن: التمثيل النيابي عند البنا منهج أم ضرورة.

- الفصل التاسع: هل طرح البنا بديلاً للمجالس النيابية ؟

الفصل الأول: الإخــوان المسلمــون والحكــم
بين الحكم والزهد

هل يزهد الإخوان المسلمون في الحكم؟!

وإذا كانوا يزهدون فيه، فمتى يزهدون؟!

ابتداء أقول: ليس صحيحًا، في منهج الإخوان المسلمين الأساس، أنهم يزهدون في الحكم، ويكتفون بالتوجيه من بعيد. هم يزهدون فيه فقط إذا كان القائمون على الأمر يطبقون منهاج الله تعالى في جميع نواحي الحياة.

يقول الأستاذ البنا - ~ - : فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره، وأعوانه. وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله(2). اهـ.
صفحة 4
واقع الحكومات

ثم يقرر البنا - ~ - أن واقع الحكومات القائمة ليس على الشرط الذي ذكره. فهم لا يطبقون شرع الله، ولا ينصرون دينه.

يقول الأستاذ البنا - ~ -: وكلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف، هي أن الإخوان المسلمين لم يروا حكومة من الحكومات التي عاصـروها ؛ لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرهما من الحكومات الحزبية، من ينهض بهذا العبء أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية. فلتعلم الأمة ذلك ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية وليعمل الإخوان المسلمون(3) ا.هـ.

الحكم بما أنزل الله أصل عقدي

لماذا يطالب الإخوان المسلمون بالحكم بما أنزل الله تعالى؟

يجيب الأستاذ البنا على ذلك فيقول: والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع. فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره؛ فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون(4). اهـ.
صفحة 5
واديـــان!!

يقرر الأستاذ البنا أن التشريع الإسلامي في مصر في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخـر، مما يستوجب النهوض لاستخلاص قوة التنفـيذ من الذين لا يحكمون بدين الله.

يقول الأستاذ البنا - ~ -: أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف(5)ا.هـ.

تــدرج وتهيـــؤ

ثم يبين الأستاذ البنا أن هذا لا يعني الوثوب على الحكم فجأة والاستحواذ على السلطة، فالإسلام لا يبنى في فراغ، إذ لابد من أن تتهيأ الأمة لذلك أولاً.

يقول الأستاذ البنا :وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال. فلابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإخوان وتسـود ويتعلم فيها الشـعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة(6) ا.هـ.
صفحة 6
خلاصة ما تقدم

إن خلاصة ما نقلته من كلام الأستاذ البنا - ~ - هو:

1- أن الحكم بما أنزل الله تعالى من العقائد والأصول.

2- أن واقع الحال في مصر هو أن التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر.

3- أن القعود عن المطالبة بالحكم الإسلامي جريمة إسلامية. لذلك فإن الإخوان يطالبون بالحكم الإسلامي.

4- لابد أن تتهيأ الأمة أولاً لهذا الأمر.

الفصل الثاني : موقف الأستاذ حسن البنا من الدستور المصري

نبذة عن الدستور المصري إبان النشاط الدعوي للأستاذ البنا رحمه الله

في (16) رجب سنة (1340هـ) الموافق (15) مارس سنة (1922م) أصدر الملك فؤاد بسراي عابدين الأمر رقم (18) لسنة (1922م) الخاص بإعلان استقلال مصر.

وجاء فيه:ونعلن على ملأ العالم أن مصر منذ اليوم دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال(7).

وفي (3) رمضان سنة (1341هـ) الموافق (19) إبريل سنة (1923م) أصدر الملك فؤاد بسراي عابدين الأمر رقم (43) لسنة (1923م) الخاص بإعلان الدستور المصري.

وقد جاء في سبعة أبواب مؤلفة من (170) مادة تحت رقم (42) لسنة (1923م)(8).

وفي (2) صفر سنة (1347هـ)الموافق (19) يوليو سنة (1928م) أصدر الملك فؤاد بسراي رأس التين الأمر رقم (46) لسنة (1928م) بحل مجلس النواب والشيوخوإيقاف تطبيق بعض مواد الدستور (9)
صفحة 7
وقد جاء حل مجلسي النواب والشيوخ بناء على المذكرة الإيضاحية التي رفعها رئيس مجلس الوزراء محمد محمود باشا للملك فؤاد في (18) يوليو سنة (1928م). ومما جاء في تلك المذكرة:على أن فئة قليلة هيأت لها المصادفة المحضة في هذا العهد الأخير مكان الزعامة من حزب الأكثرية ما زالت في حرصها على الاستئثار بالأمر تنقض أسباب التعاون ، وتسترسل في حزبية شديدة الخطر على المصالح العامة ... ثم انتهى الأمر إلى أن أصبحت الحياة النيابية نفسها أداة لطغيان تلك الفئة واستبدادها مستعينة بأكثرية اضطرت إلى ممالأتها أو مداراتها بين رجل مخدوع فيها وآخر يخشى شرها وثالث يطمع في خيرها. ولذلك عجزت تلك الحياة النيابية عن تحقيق أخص ما يرجى فيها من إنفاذ الإصلاحات المختلفـة في المرافق العامة للبـلاد ... ولما كان البرلمان في حالته الحاضـرة لا يعين على الوصول إلى الحالة الطبيعية التي تتوق إليها البلاد وجب ألا يكون من ناحية أخرى عقبة في سبيل الأخذ بالأسباب الموصلة لها . لذلك لا ترى الوزارة بدًا من حل المجلسين وتأجيل الانتخابات إلى الوقت الذي يرجى فيه أن تتجلى إرادة الأمة على وجهها الصحيح...(10).

وفي (28) جمادى الأولى سنة (1348هـ) الموافق (31) أكتوبر سنة (1929م) صدر بسراي المنتزه الأمر الملكي رقم (72) لسنة (1929م) بالعمل بالمواد المعطلة من الدستور وانتخاب أعضاء مجلس النواب ودعوة البرلمان إلى الاجتماع.

وفي (30) جمادى الأولى سنة (1349هـ) الموافق (22) أكتوبر سنة (1930م) صدر بسراي المنتزه الأمر الملكي رقم (70) سنة (1930م) بإبطال العمل بالدستورالقائم وأن يستبدل به الدستور الملحق بالأمر أعلاه(11).

وقد جاء استبدال الدستور بناء على الكتاب والبيان المرفوعين للملك فؤاد من قبل رئيس مجلس الوزراء إسماعيل صدقي باشا بتاريخ (21) أكتوبر سنة (1930م) .

ومما جاء في الكتاب:وما بالوزارة أن ترمي أعضاء المجلسين جملة أو فرادى بأنهم يتعمدون العمل لغير مصلحة البلاد ولكنها تندب الظروف التي غشت على جو الحياة النيابية في مصر، ولما تكد تظهر إلى الوجود؛ فَلَوَتْها عن قصدها ولم تبق من وجوه الحرية إلا حرية محاربة استقلال الآراء ... فلم يبق إذن إلا أن يمحى الماضي بما له وما عليه وأن يصدر دستور جديد ... فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه الظاهرة، ظاهرة إبدال دستور بدستور... (12).

ومما جاء في البيان:وُضع الدستور المصري بين سنتي (1922م) و(1923م) منقطع الصلة بالماضي... وضع على مثال الدستور البلجيكي مستعيرًا هنا وهناك من غيره من الدساتير الحديثة أحكامًا مختلفة... إنما الذي يعنينا أن نقرره منذ الآن في يقين العقائد ووضوح البديهيات هو أن الدستور لم يحقق ما عقد به من الآمال ... والذي يعنينا أيضًا هو أن نحقق أسباب ذلك وأن نبين آخر الأمر وجوه الطب لما تشكو منه البلاد ... على أنه، ومن الجائز أن يكون رئيس مجلس الوزراء غير مسلم، لا يتصور أن يكون ذلك الرئيس هو الذي يختص باختيار شيخ الجامع الأزهر، أو الرؤساء الدينيين المسلمين، خصوصًا والإسلام دين الدولة الرسمي. لذلك وجب الرجوع إلى ما كان متبعًا أصلاً قبل ذلك القانون من أن يكون تعيين هؤلاء منوطًا بالملك وحده ...(13).

وقد صدر الدستور الجديد مؤلفًا من سبعة أبواب تشمل (156) مادة.
صفحة 8
في (22) شعبان سنة (1353هـ) الموافق (30) نوفمبر سنة (1934م) أصدر بسراي القبة الملك فؤاد أمرًا ملكيًا برقم (67) بإبطال العمل بالدستور السابق، وحلالمجلسين: النواب والشيوخ(14).

في (16) رمضان سنة (1354هـ) الموافق (12) ديسمبر سنة (1935م) أصدر بسراي القبة الملك فؤاد أمرًا ملكيًا برقم (118) أعاد بموجبه العمل بدستور (1923م) .

وقد أصدر رئيس مجلس الوزراء محمد توفيق نسيم باشا في ديسمبر (1935م) بيانًا موجهًا للأمة المصرية، ومما جاء فيه:وإني أوجه إلى الأمة المصرية جمعاء أخلصالتهاني بمناسبة هذا الحادث السعيد الذي هو خير مثوبة لها!!(15).

وقد استمر العمل بهذا الدستور إلى حين قيام الثورة المصرية عام (1952م) ما عدا تعديلين.

الأول: قانون رقم (176) لسنة (1951م) بتعديل المادتين (159) و(160) من الدستور بتقرير الوضع الدستوري للسودان، وتعيين لقب الملك.

الثاني: قانون رقم (177) لسنة (1951م)(16) وقد حصل التعديل في عهد الملك فاروق الذي تولى السلطة عام (1936م) وأقصي عن العرش عام (1952م).

أذكر هاهنا بعض نصوص دستور (1923م). وقد ذكرت هذه النصوص نفسها في دستور عام (1930م) فيما عدا ما سوف أشير إليه.

مادة (1): مصر دولة ذات سيادة وهي حرة مستقلة، ملكها لا يجزأ ولا ينزل عن شيء منه؛ وحكومتها ملكية وراثية، وشكلها نيابي.

مادة (4): الحرية الشخصية مكفولة.

مادة (12): حرية الاعتقاد مطلقة.

مادة (14): حرية الرأي مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو الكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون.

مادة (23): جميع السلطات مصدرها الأمة. واستعمالها يكون على الوجه المبين بهذا الدستور.

مادة (24): السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنواب.

مادة (25): لا يصدر قانون إلا إذا قرره البرلمان وصدق عليه الملك.

مادة (28): للملك ولمجلسي الشيوخ والنواب حق اقتراح القوانين، عدا ما كان منها خاصًا بإنشاء الضرائب أو زيادتها فاقتراحه للملك ولمجلس النواب. (وفي دستور (1930م) حذفت «عدا» وما بعدها ووضع بدلها: على أن اقتراح القوانين المالية خاص بالملك).

مادة (33): الملك هو رئيس الدولة الأعلى وذاته مصونة لا تمس.

مادة (38): للملك حق حل مجلس النواب. (وزاد في دستور (1930م) : على أنه لا يجوز حله أكثر من مرة لسبب واحد).

مادة (39): للملك تأجيل انعقاد البرلمان. على أنه لا يجوز أن يزيد التأجيل على ميعاد شهر، ولا أن يتكرر في دور الانعقاد الواحد بدون موافقة المجلسين.

مادة (149): الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية. (وقد وردت هذه المادة في دستور (1930م) برقم: 138).

مادة (155): لا يجوز لأية حال تعطيل حكم من أحكام هذا الدستور إلا أن يكون ذلك وقتيًا في زمن الحرب أو أثناء قيام الأحكام العرفية، وعلى الوجه المبين في القانون،وعلى أي حال لا يجوز تعطيل انعقاد البرلمان متى توفرت في انعقاده الشروط المقررة بهذا الدستور. (وقد وردت هذه المادة في دستور (1930م) برقم (144))(17).

يلاحظ في دستوري (1923م) و(1930هـ) خلوهما من أي قيد بخصوص تطبيق الشريعة الإسلامية، أو اعتبارها المصدر الرئيس والوحيد في التشريع. مما أطلق يد السلطة التشريعية في تشريع ما تشاء مما أضفى عليها وضعًا استقلاليًا كاملاً في التشريع دون أي رجوع ملزم أو غير ملزم للكتاب والسنة، فانتحلت بوضعها ذاك وصفًا إلهيًا لا يليق ولا يحق إلا لله تعالى.

بل يعترف البيان الذي رفعه إسماعيل صدقي باشا للملك بأن النظام النيابي المصري الذي بدأ في عام (1923م) انطلق من دستور وضع على مثال الدستور البلجيكي!! مستعيرًا هنا وهناك من غيره من الدساتير الحديثة أحكامًا مختلفة!! بل إن لفظة «الإسلام» لم ترد في أي من الدستورين إلا مرة واحدة!! وهي حين قال: الإسلام دين الدولة.
صفحة 9
الأستاذ البنا - رحمه الله - والدستور

في الوقت الذي قال فيه الأستاذ البنا - ~ -:أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد(18)، فإنه يقول عن الدستور المصري: « وأستطيع بعد هذا البيان أن أجلي لكم موقفنا من نظام الحكم الدستوري عامة، ومن الدستور المصري خاصة. الواقع أيها الإخوان أن الباحث ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام، ونظمه وقواعده في شكل الحكم... » ثم يقول: «... إن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون مبهما غامضًا يدع مجالاً واسعًا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء فهي في حاجة إلى وضوح وإلى تحديد وبيان، هذه واحدة. والثانية: هي أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور ويتوصل بها إلى جني ثمرات الحكم الدستوري في مصر طريقة أثبتت التجارب فشلها، وجنت الأمة منها الأضرار لا المنافع، فهي في حاجة شديدة إلى تحوير وإلى تعديل يحقق المقصود ويفي بالغاية» ا.هـ(19).

أقول: إن البنا - ~ -/ قد فرق في هذين النصين بين شيئين: بين الإطار وهو النص وبين التنفيذ. وقسم النص إلى قسمين. فذكر في القسم الأول المحافظة على الحرية الشخصية وعلى الشورى، واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسؤولية الحاكم أمام الشعب ومحاسبتهم له وبيان حدود كل سلطة من السلطات.

قال الأستاذ البنا / عن هذا القسم:إنه ينطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده. ولكنني أتساءل، وأطلب منك أخي المسلم أن تتساءل معي: كيف تنطبق هذه الأمور كل الانطباق على تعاليم الإسلام وليس في الدستور نص يضع لها هذا القيد. كأن تُقيَّد هذه الإطلاقات بالنص مثلاً: حسب تعاليم الإسلام وشرائعه. وهذا لم يقله الدستور ولم ينص عليه. وبما أن هذا القيد أصل وليس فرعًا، لذلك فإن هذا الشكل من الحرية الشخصية والشورى.. إلخ، لا ينطبق ولا بعض الانطباق على الإسلام، فكيف بكل الانطباق؟! ومعلوم أن مجرد النص على أن دين الدولة الإسلام لا يشكل تقييدًا لهذه الإطلاقات.

وأحب أن أنوه إلى أن هذه الأمور التي عددها الأستاذ البنا - ~ - من حرية شخصية وغيرها منصوص عليها في جميع دساتير الدول الديمقراطية في العالم الغربي، وهذه الألفاظ من مثل الشورى ومسؤولية الحاكم أمام الشعب وحدود السلطات والحرية الشخصية لابد أن ترد إلى مناطها الذي تدل عليه. فالشورى المقصودة هنا هي ليست الشورى بالمفهوم الإسلامي، وإنما هي المجلس النيابي المستقل بالتشريع، لا أكثر ولا أقل. ومسؤولية الحاكم أمام الشعب إنما هي مفصلة بقدر قوانين الدستور الوضعي، فهي ليست بمفهوم مسؤولية الحاكم المسلم المؤتمن على تطبيق شرع الله، ولكل حدوده وتفصيله. والحرية الشخصية عندهم ليست كمفهوم الحرية الشخصية في المنظور الإسلامي، إذ إن حرية التعبير عن الاعتقاد الكفري والشركي عند أولئك مكفولة لأنها حرية شخصية (انظر المادة: 4، 14).

وإزاء ما تقدم من بيان موجز فإنني لست مع الأستاذ البنا في قوله:يمكن أيضًا أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة من النظام الإسلامي ولا غريبة عنه. بل إن واضعي الدستور المصري رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة كالنص الذي يقول: دين الدولة الإسلام، أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها كالنص الذي يقول: حرية الاعتقاد مكفولة(20).
صفحة 10
إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري هي اعتماد الديمقراطية كأسلوب في الحكم، وأن السلطات مصدرها الأمة، وأن السلطة التشريعية يتولاها الملك، ومجلسا الشـيوخ والنواب غير متقيدين بأحكام الشريعة الإسلامية . فكيف لا تكون هذه القواعد متنافية مع الإسلام؟!!

ثم، لماذا يقبل الإسلاميون دستورًا عباراته مبهمة يفسرها من شاء كيفما يشاء؟!. فهذا النص الذي استشهد به الأستاذ البنا وهو:حرية الاعتقاد مكفولة إذا ألحقناه بالمادة (4) من الدستور وبالمادة (14) منه، شكل مظلة وارفة للشيوعيين والقوميين والصليبيين وغيرهم ليمارسوا ما يشاؤون من النشاطات والدعايات باعتبار أن التعبير عن الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد مكفولتان!! ومن الذي يكفلهما؟ إنه النظام الحاكم باعتباره منفذًا للدستور وحاميًا له.

فالذي أقوله إن هذه العبارات وأمثالها تغلق الطريق أمام الإسلاميين إزاء تأييدهم لهذه الدساتير الوضعية.

هذا عن القسم الأول من النص الذي ذكرته سابقًا. وأما القسم الثاني فقد ذكر فيه الأستاذ البنا - ~ - أن من نصوص الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون مبهمًا وغامضًا يدع مجالاً واسعًا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء.

ومن اللافت للنظر حقًا أن الأستاذ البنا الذي قال عن واضعي الدستور إنهم (توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة... أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها..) هو نفسه يشكو من غموض عبارات هذا الدستور. فهو بالإضافة لما نقلته عنه سابقًا فإنه يضع عنوانًا رئيسًا في رسالته مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي فيقول:غموض الدستور المصري. وتحت هذا العنوان يسوق مقتطفات من مذكرة نظام جديد التي كتبها الدكتور إبراهيم مدكور عضو مجلس الشيوخ المصري ومريت غالي إذ قالا تحت عنوان:الدستور وغموضه: فأما العامل الأول فملخصه أن دستورنا على الرغم من دقته وضبط عباراته قد وقع في نفس الغموض الذي وقعت فيه دساتير أسبق منه.. إلى أن قال: واكتفى بأن يصاغ هنا في عبارات تصلح لكل ما يراد منها. ا.هـ. (21)

فمن هذه النقولات التي سقتها يتبين لنا الموقف العام للأستاذ البنا من الدستور.

إلا أن كثيرًا ممن جاء بعد الأستاذ البنا في داخل الإخوان -وكثيرون غيرهم خارج حركة الإخوان- وقعوا ضحية هذه العبارة في الدستور المصري وهي: الإسلام دين الدولة، فاعتبروا هذا النص مستندًا يضفي وجهًا شرعيًا على الدستور. ووددت لو أن الأستاذ البنا حسم الموضوع بعبارات قاطعة. ولكنه ساقه بعبارات قابلة للأخذ والرد والإطلاق والتقييد والعموم والخصوص فقال:لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المبهمة في الدستور المصري، وتعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور في البلاد(22).

لكن الذين جاءوا من بعده، كالإخوان المسلمين في بعض البلدان العربية، وقفوا بحزم بجانب دساتير بلادهم بغير تحفظ، وصالوا في ذلك وجالوا بعبارات قاطعة واضحة لا تقبل تأويلاً، رغم أن دساتير بلادهم لا تعتبر الشريعة الإسلامية مصدرها الرئيس والوحيد في التشريع والتقنين.

ولا يفوتني أن أنوه إلى أن الأستاذ البنا - ~ - أشار إلى سوء طريقة تنفيذ الدستور وبين أن هذه الطريقة أثبتت التجارب فشلها. وهذا أمر طبيعي إذ إن كل إناء بما فيه ينضح. فمثل هذا الدستور، من منظور إسلامي، لا يمكن أن ينتظر منه خير!!