eKtab
EN ع
الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة
اقرأ عينة مجانية

الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة

بقلم د. إسماعيل الشطي

صفحة 1

مقدمة

شهد تاريخ الغرب المعاصر حروبا متتابعة بين أممه وصل آخرها ما ورط العالم كله بنيرانها، وكان تاريخ الحروب هذا سببا أساسيا في الإصرار على البحث عن صيغة سياسية تحد من استخدام الحروب في التنافس على المصالح ومناطق النفوذ، ولقد جاءت هيئة الأمم المتحدة كصيغة معدلة عن سلفتها عصبة الأمم لتفرض حالة سلم دولية تتحكم بها الدول العظمى المنتصرة بالحرب، ولم يكن هناك ما يهدد هذه الصيغة سوى عودة الخاسرين (النازية والخلافة) أو نشوب حرب بين المنتصرين بسبب النـزاع الرأسمالي/الشيوعي، وللحيلولة دون ذلك تم تقسيم ألمانيا وبناء قواعد عسكرية فيها ووضع تسلحها تحت المراقبة الدولية، كما تم إلغاء الخلافة وتقسيم الإرث العثماني إلى كيانات سياسية جديدة واستبدال الرابطة الدينية برابطة قومية، وإذا كانت الحرب الإعلامية والثقافية ضد النازية أخذت شكلا مباشرا وغير متسامح، فإن الحرب على الخلافة تمت بشكل هادئ ومدروس، ولم يتبق على ما يهدد حالة السلم الغربية سوى الصراع الرأسمالي/الشيوعي، وهو ما دفع المعسكرين إلى الاتفاق على استبدال المواجهة العسكرية بالدبلوماسية والاستخبارات والحروب بالوكالة، ولقد حقق الغرب نجاحا باهرا في القضاء على النازية، وتهميش فكرة الخلافة، ومنع المواجهة العسكرية المباشرة بين المنتصرين خلال العقود الماضية، وهي العقود التي شهدت تصد غربـي لكل محاولات الإسلاميين استلام الحكم طوال القرن الماضي، وذلك على اعتبار أن مشروعهم لدولة الخلافة مناقض لمشروع النظام العالمي المتمثل بالهيئات والقوانين الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، ولقد ترجم هذا الموقف علاقات مرتابة ومتأزمة ومتفجرة -أحيانا- انعكست على علاقات الإسلاميين بالأنظمة المحلية، وانتهى كثير منها باغتيالات وإعدامات وزج بالسجون والمعتقلات لفترات يصل بعضها إلى عقود من الزمن، ورغم ذلك لم تخل بعض المراحل من استغلالهم -كخصم ايدولوجي للشيوعية- في الحرب الباردة أو المواجهة المسلحة ضد السوفييت في أفغانستان، مما أدى إلى التسامح مع إسلاميي إيران بتأسيس جمهوريتهم لتشكل جدارا عرضه 900 كم يمتد بين الاتحاد السوفييتي ونفط الخليج، ويأتي هذا التساهل مع الشيعة لسببين اثنين، هما:

الأول، أن الخلافة مشروع سني لا يثير أية حماسة لدي الشيعة، بل يقابله من جانبهم مشروع ظهور المهدي، وهو مشروع ميتافيزيقي غيبـي مؤجل، لا يشكل تهديدا آنيا ملموسا على النظام الدولي ولا قوانينه، فضلا على أن الشيعة قد جمدوا مشروع تطبيق الشريعة وأحكام الجهاد لحين ظهور المهدي.

الثاني، أن الشيعة يشكلون طائفة من الأمة الإسلامية لا يزيد تعدادها عن 15% من تعداد المسلمين، ومركزة في دائرة محدودة لا تبعد كثيرا عن منطقة جنوب غرب آسيا، بينما يشكل السنة النسبة الأكبر من الأمة الإسلامية وينتشرون في بقاع الأرض كلها، وهو ما يصعب الأمر على الجمهورية الإسلامية الشيعية لو فكرت في قيادة الأمة الإسلامية نحو مشروع بديل أو مشابه للخلافة، فالطائفة لا تقود الأمة، ذلك لأن مفهوم الطائفة مفهوم انعزالي.

غير أن الإمام الخميني فاجأ العالم كله بأحياء نظرية ولاية الفقيه التي تخرج الشيعة من حالة الترقب في المجهول إلى مسرح العمل السياسي، وتفكك القيود غير البشرية عن نظرية الإمامة لتقترب كثيرا من فكرة الخلافة السنية، وهو ما جعل الغرب يعيد حساباته في التعامل مع تلك الجمهورية التي أطلق عليها "المارقة"، ويخلق لها معاناة متراكمة تعيقها من الانضواء الطبيعي في النظام الدولي.

مع إعلان هزيمة الشيوعية في العقد الأخير من القرن الماضي، واستقرار البيت الغربـي وخلوه من حالة الصراعات الأيدلوجية، برزت الآثار الجانبية السلبية لمثل هذا الانتصار، وكان أبرزها الفراغ الناتج عن غياب العدو المكافئ والمناوئ في العقيدة العسكرية للجيوش الغربية، وهو فراغ له تبعات مدمرة على صعود القوة وتحفز الجيوش ونمو الاقتصاد والبحث العلمي والتكنولوجي، وقضى الغرب عقد القرن الأخير كله يبحث عن شكل النظام الدولي الجديد في ظل غياب ثلاثة أمور: 1) نهاية القطبية الثنائية قائدة العالم، 2) هيمنة السوق الحر على الاقتصاد وتحكّمه في قوانينه، 3) غيابالعدو العسكري المناوئ الذي تتشكل تجاهه العقيدة العسكرية الجديدة، حتى تم تفجير ناطحات السحاب في مدينة نيويورك بشكل دراماتيكي وضع العالم كله في حالة دهشة ووجوم، وتلاه بعد ذلك إعلان أسامة بن لادن (الشخصية الغامضة) مسؤولية جماعته عن تلك التفجيرات، ليعلن المجتمع الدولي أن كل الأعمال المسلحة التي يقوم بها المسلمون خارج نطاق هيئة الأمم المتحدة إرهابا دوليا، متضمنة معها حركات التحرر والاستقلال، ويصبح العدو الجديد في العقيدة العسكرية الغربية هو الإرهاب الإسلامي، وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجياتها الجديدة لتكشف عن تصورها لشكل النظام الدولي الجديد، وأعلنت في هذه الاستراتيجيات أن الشرق الأوسط سيحظى باهتمام دولي يشابه الاهتمام بأوروبا إبان الحرب الباردة، وأن للسلام مفهوماً جديداً يتمثل في نشر الديمقراطية ومحاربة الفساد، ولكي لا يفهم من الحرب على الإرهاب أنه مواجهة للإسلام وعودة للحروب الصليبية منحت فرصة حقيقية للإسلاميين في حكم الدولة المعاصرة في تركيا، وكان توقيت هذا السماح مواكبا لتوقيت إعلان الحرب ضد الإرهاب، وكانت هذه رسالة لكل الإسلاميين بإمكانية السماح لهم بحكم الدولة المعاصرة في ظل الالتزام بنمط الدولة واحترام مواثيق الأمم المتحدة والتعاون مع القوى الكبرى، وشهدت مراكز مستودعات الفكر الغربية ومراكز صناعة القرار وأجهزة الإعلام نقاشا هادئا وجديا حول هذا الموضوع، وهو ما دفعني لإثارة هذا الموضوع داخل أروقة الإسلاميين في منتصف العقد الماضي، والمطالبة بالحوار مع الغرب للتخفيف من حدة رفضهم للإسلاميين في تولي الحكم، ونتج عن ذلك أن تبنى الشيخ راشد الغنوشي (ذو المكانة البارزة في صفوف الإسلاميين) دعوة المهتمين بالشأن السياسي من الحركات الإسلامية في مختلف أقطار العالم الإسلامي إلى حلقة نقاش واسعة لمدة يومين في بريطانيا، وطلب مني إعداد ورقة حول ذلك الموضوع تكون محفزا للتفكير ومحورا للنقاش أثناء انعقاد الحلقة، ولقد ركزت في ورقتي آنذاك على التالي:

1. هل هناك فرصة جادة لفتح حوار بين الإسلاميين والغربيين من أجل دفع الغرب لمراجعة مواقفه المتشددة والممانعة لتسلم الإسلاميين الحكم؟

2. الإشارة إلى التحديات التي ستواجه هذا النوع من الحوار، وذكر أهم الإشكالات الفكرية والسياسية العالقة بين الطرفين دون حسم واضح.

ولقد كانت هذه الحلقة الأولى من نوعها في تاريخ الإسلاميين العاملين بالشأن السياسي لضمها طيفا متنوعا من أقطار الأرض، واستطاعت أن تكسر الحاجز النفسي الذي صنعه الإسلاميون لأنفسهم خلال تاريخهم، وذلك بدعوى الحفاظ على الطهر السياسي من الاتصال بالغربيين، ورفض أي تورط يمنح الخصوم دليلا للاتهام بالعمالة، كما استطاعت -هذه الحلقة- أن تكشف المساحة الجرداء القاحلة ما بين الشعارات الإسلامية المرفوعة والواقع العملي الراهن، وأن تضع الإسلاميين أمام تساؤلات الغربيين المتعلقة بالفكر والسياسة، وتكشف غياب الإجابة الحاضرة والرأي المتفق عليه والموقف الموحد.

لقد جاء النقاش ثريا وجادا ومتفاوتا ما بين الرفض والقبول، إذ تكشف أن عقدة الطهر السياسي من الاتصال بالغربيين ما زالت تحكم البعض وتجعله يرفض المبدأ، وأن بعضا آخر لم يقتنع أصلا بوجود فرصة حقيقية تدفع لإثارة هذا الموضوع، بينما الغالبية رأت أن الحوار ضروري في كل الأحوال، وذلك لأسباب كثيرة، وليست قاصرة فقط على موضوع التخفيف من حدة رفض الغربيين لتولي الإسلاميين الحكم.

واتفق المجتمعون على نقل هذا الحوار إلى المهتمين بالشأن السياسي الإسلامي في أقطارهم، والدعوة لحلقة نقاش ثانية من أجل استكمال هذا الحوار، وفي الحلقة النقاشية الثانية التي عقدت في تركيا كانت أجواء الحوار مختلفة إلى حد كبير، فصوت المعارضين والمتحفظين العالي خف كثيرا وتحوّل إلى مطالبة بشفافية ووضوح، أي حوار مزمع، وتركز النقاش حول نموذج الحكم الذي يمارسه الإسلاميون لإدارة الدولة المعاصرة، فإذا كان النموذج الإيراني فاشلا والنموذج الطالباني مرفوضا لدى الغرب، فإنهما كذلك نموذجين جدليين لدى كافة المشاركين في الحوار، أما إذا كان النموذج التركي هو النموذج المقبول لدي الغرب فإن كثير من المشاركين أبدوا ملاحظات نقدية لهذا النموذج تحول دون ترويجه بين جماهيرهم، وانتهى النقاش بتكليفي إعداد ورقة لحلقة أخرى تتم فيها مناقشة نموذج مقترح لحكم وإدارة الإسلاميين الدولة المعاصرة، ولقد شرعت في إعداد هذا البحث لكني توقفت عن ذلك بسبب دخولي في تشكيلة الحكومة الكويتية عام 2006 وانشغالي بالمنصب الوزاري،وكان ذلك أحد أسباب توقف المشروع نهائيا وعدم اكتمال نقاش هذا الموضوع، وكنت آمل أن يكمل غيري إعداد هذا النموذج، ويضع أجوبة للأسئلة المثارة في وجه الإسلاميين عندما يتسلموا إدارة حكم الدولة المعاصرة.

والآن، وقد أتت الفرصة التي جادل البعض بمجيئها آنذاك، لا يجوز القول أنها جاءت بغتة في ظل الحلقات النقاشية التي لم تكمل مهمتها في منتصف العقد الماضي، إنما جاءت في ظل استرخاء فكري وسياسي آثر فيه الإسلاميون عدم الخوض في الأسئلة الصعبة، والآن، وبعد أن خاض الإسلاميون الانتخابات لتولي الحكم مكتفين بعرض برامجهم الانتخابية، وأحيانا بنفس شعارات انتخاباتهم السابقة، ومن دون أن يبينوا للناس نموذج حكمهم، ودون أن يقدموا اجابات للاسئلة الصعبة في إدارة الدولة المعاصرة، وانتهت تلك الانتخابات بتولى الإسلاميين حكم إدارة دولة تونس، وإدارة حكومة المغرب، وإدارة الدولة في مصر، وكلهم يمارسون الحكم دون أجوبة لكل الأسئلة المطروحة عليهم، ودون نموذج واضح لديهم لحكم ما يسمى بالدولة/القوم المعاصرة، نموذج يبدد مخاوف الغرب ويستوفي زخم شعارات التعبئة الجماهيرية ويطمئن بقية الأطراف السياسية المنافسة من عدم تكرار تجربة اختطاف الثورة والدولة كما حصل في التجرية الإيرانية.

ولقد وجدت من اللائق اليوم أن يتم استكمال البحث والنقاش لهذا الموضوع في ظل تولي الإسلاميين إدارة الحكم في بعض الدول العربية، ذلك أن بعضا من التوقعات يراهن على فشل الإسلاميين وانفضاض الناخبين عنهم بعد إتاحة الفرصة لهم، وأن بعض التحليلات تعتبر السماح للإسلاميين بتولي الحكم بعد ثورات ما يسمى ب "الربيع العربي" إنما هو مرحلة في ظل سيناريو واسع لمستقبل الشرق الأوسط، وبغض النظر عن مستقبل تجارب الحكم الثلاث في الشمال الأفريقي، فإن مناقشة الأسئلة الصعبة لحكم الإسلاميين الدولة المعاصرة تبقى ضرورية.

وأضع بين يدي القارئ هذا الكتاب، وهو يناقش خمسة نماذج حكم عرفها الإسلاميون خلال تاريخهم، الأول وهو النموذج التاريخي الذي بدأه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأطلق عليه الفقهاء دار الإسلام، والثاني هو النموذج النمطي للدولة المعاصرة والتي تنضوي تحته كل دول العالم اليوم، والثالث نموذج أسلمة الدولة المعاصرة والذي سلكته جمهورية إيران الإسلامية، والرابع إعادة إنتاج دار الإسلام في ظل النظام الدولي المعاصر والمتمثل بدولة طالبان، والخامس نموذج أربكان الذي حافظ على النموذج النمطي للدولة المعاصرة وقام بتطويره للوصول به إلى مستوى الديمقراطية الغربية، وذلك بهدف حماية الدعوة الإسلامية في ظل ما توفره الديمقراطية الغربية من الحريات وأمان، كما أرفقت الورقة الأولى التي قدمتها عام 2005 كملحق لهذا الكتاب، وأتمنى أن يغذي هذا الكتاب والأفكار الواردة فيه الساحة السياسة والفكرية بحوار نافع، وينفع الإسلاميين في ممارستهم السياسية.

والله الموفق

د. إسماعيل الشطي

الكويت في 25/9/2012

صفحة 2

الإسلاميون وحكم الدولة المعاصرة

بقدر ما أسهبت نصوص القرآن في تنظيم العلاقات بين مكونات الوجود (الله والإنسان والكون والحياة)، تكاد تكون قد تغاضت عن كل ما ينظم العلاقات بين عناصر الدولة (الأمة والأرض والسلطة السياسية)، ولعل ذلك يعود إلى أن النوع الأول من العلاقات تحكمه ثوابت خارج دائرة الإحاطة والإدراك الإنساني، بينما النوع الثاني متغير خاضع لتطور أو لتذبذب التجربة الإنسانية، وهو ما يفسر إحجام النبـي(صلى الله عليه وسلم) عن حسم كثير من الأسئلة المتعلقة بالسلطة السياسية حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت انتقال روحه إلى بارئها، إذ كل ما جاء بعد وفاته(صلى الله عليه وسلم) حول تعريف السلطة وتحديد مكوناتها وتنظيم توليها وتشكيل علاقاتها هو في الغالب اجتهاد بشري، اجتهاد لم يخرج عن نماذج الحكم القائمة آنذاك داخل القرى والمدن والممالك والإمبراطوريات، ولذا فإن نموذج الدولة الإسلامية -الذي ولد مع بداية التاريخ الهجري- هو من صنيعة الاجتهادات الإنسانية -بهدي مبادئ الإسلام العامة- وليس من صنيعة النصوص الدينية، وهذه الحقيقة المفصلية تحكم موقفنا من هذا التراث المتراكم الذي خلفه لنا فقهاء القانون الإسلامي حول الدولة خلال الأربعة عشر قرنا المنصرمة، ومن حقه أن نحترمه وأن نتوقف عنده ونستفيد منه دون أن نقدسه ونسجن أنفسنا داخل أسواره، خاصة إذا ما أصبح عبئا يحول دون تعايشنا مع العصر وتقدمنا نحو الأمام، ولما كان نموذج هذه الدولة هو الوحيد الذي رصده التاريخ وحاز على صفة (إسلامي)، فمن الحري أن نكوّن فكرة عامة عنه ونجرّب عمليا تسكينه في النظام العالمي المعاصر، فإذا ما تعذر علينا ذلك قمنا بتسليط الضوء على محاولات المزاوجة ما بين الدولة النمطية المعاصرة وفكرة الدولة الإسلامية لنتقصى التحديات الفعلية التي تواجه هذه الفكرة، ولنتعرف على نموذج عملي يتيح للإسلاميين الاندماج في السياسة الدولية، والمشاركة في تداول السلطة في دول العالم المختلفة لتنفيذ ما يمكن تنفيذه من برنامجهم.

صفحة 3

الفصل الأول
دار الإسلام (النموذج التاريخي)

دار الإسلام هي الكيان السياسي الذي احتضن المسلمين خلال الأربعة عشر قرنا قبل سقوط الخلافة، كيف عرفها الفقهاء؟ وما هي حقيقة هذا التعريف على أرض الواقع التاريخي؟ ومن هم رعايا هذا الكيان؟ وما هي حقوقهم وواجباتهم؟ ومن هم الأجانب؟ وما هو التنظيم المؤسسي لهذا الكيان؟ وما هي السلطات الفاعلة؟ وكيف يتم اختيار رؤسائها؟ وما هو شكل الحكومة وشكل أجهزتها الإدارية؟ وكيف تطورت؟ هذا ما سوف نحاول في السطور القادمة التعرف عليه بعجالة.

صفحة 4

1.1 دار الإسلام تعريفا وواقعا

الأصل الذي قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى هو الجهاد، واعتبر أن أساس علاقة المسلمين بمناوئيهم هو الحرب[1]، انطلاقا من تقسيمهم الدنيا إلى دارين، دار إسلام ودار حرب[2]، وهو رأي جمهور فقهاء المذاهب السنية والشيعية في عصر الاجتهاد الفقهي بالقرن الثاني الهجري، ورغم أن التعريف الفقهي لدار الإسلام نص على أنها كل ما دخل من البلاد في محيط سلطان الإسلام، ونفّذت فيها أحكامه وأقيمت شعائره، ووجب على المسلمين عند الاعتداء عليه أن يدافعوا عنه وجوبا كفائيا بقدر الحاجة وإلا فوجوباً عينياً وكانوا كلهم آثمين بتركه[3]، ولقد أنحصر النقاش حول النمط الذي ينبني عليه الحكم في تمييز دار الإسلام عن غيرها بأمرين، الغلبة والعصمة، والغلبة مفهوم سياسي يقصد منه انتقال السلطة بيد المسلمين، أما العصمة فمفهوم أمني يقصد منه ضمان أمن المسلمين (أنفسهم ودمائهم وأموالهم)[4]، إلا أن تعريفا كهذا يصعب إسقاطه على فترات كثيرة من تاريخ دار الإسلام الممتد إلى أربعة عشر قرنا، فرغم أن الفقهاء المتأخرين اعتبروا تطبيق الشريعة الإسلامية شرطا لاكتساب الدار صفة الإسلام، إلا أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع في فترات كثيرة، ففي مرحلة الوحي تعامل النبـي(صلى الله عليه وسلم) في كثير من الأحيان مع الآخرين كصاحب سلطة سياسية دون فرض قبول الدعوة عليهم، مكتفيا بالاعتراف السياسي له ولسلطته[5]، وفي زمن الفتوح الأولى اكتسبت أمصار كالعراق والشام ومصر صفة دار الإسلام رغم أن ديانة الأغلبية كانت النصرانية، تقرع في مدنها وقراها نواقيس وأجراس الكنائس وتنفذ فيها أحكام النصرانية، بينما كانت الأقلية المسلمة تقيم في معسكر على شكل مساحة يتوسطها مسجد يمثل مركز النشاط الاجتماعي والعمراني، وتحيطه الأسواق التجارية من كل جانب، وتشاد مخيماته بأطرافه متجهة نحو الصحراء.

وفي عصر الأجيال الأولى من المسلمين، والذي يعتبره المسلمون نموذجيا ومعياريا، لم يكن القانون الإسلامي يتجاوز أوامر الخليفة عمر المهتدية بروح القرآن من أحكام وقواعد متعلقة بإدارة الدولة والعائلة وأحكام الجناية والشعائر الدينية، وضبط عقوبة الزنا والسرقة ومنع زواج المتعة وحقوق الأطفال والإماء من أسيادهن، والتأكيد على الأحكام التي أعلنها الخليفة أبو بكر كحظر شرب الخمر وضبط عقوبته، ولعل هذه كانت البداية لتشكيل مفهوم الشريعة الإسلامية، ورغم أن تطبيق الشيخين لتعاليم القرآن أبرز مركزية القرآن في الدولة والمجتمع الناشئين، غير أن هناك جوانب كثيرة لم يوفر لها القرآن توجيهات وأحكام، وبقى جزء من شرائع ما قبل الإسلام وعاداته سارية المفعول، بل بقيت حية داخل الثقافة التشريعية التي كانت آخذة بالتشكل، يقول د.وائل حلاق "إن التعيينات الأولى لمنصب القضاء كما تسجله المصادر يجب أن ينظر إليها على أنها ذات طبيعة تحكيمية صرفة، فالكثير من القضاة الذين وقع تعيينهم لم تتجاوز علاقتهم بالفقه سوى أنهم كانوا في الماضي محكّمين يشهد لهم بالخبرة والتجربة والحكمة والكاريزما، وكان رجال القبائل يلجئون إليهم للتحكيم بينهم، ورغم أن أحكامهم لم تكن ملزمة بالمعنى الفقهي الدقيق، فإن المتنازعين عادة ما كانوا ينصاعون لها، ثم أن الكثير ممن أطلق عليهم اسم القضاة وقع تعيينهم من بين صفوف أولئك الذين حكموا فيما قبل ظهور الإسلام، وتذكر المصادر أن بعض القضاة الأوائل كانوا أميين كما هو شأن عابس بن سعيد المرادي الذي عيّنه معاوية قاضيا على الفسطاط، غير أن أميته لا تعني افتقاره إلى التجربة والدراية لفض مسائل فقهية صرفه نابعة أساسا من سياق اجتماعي قبلي، ثم أن تلك التعيينات القضائية الأولى لم تكن موجهة لأهالي الأمصار المفتوحة، بل كانت موجهة إلى جنود المسلمين العرب وعائلاتهم من العناصر القبلية، فسياسة السلطة المركزية بالمدينة المنورة كانت واضحة منذ البداية، هي: ترك المجتمعات المفتوحة تتولى تدبير شؤونها مثلما كان الأمر قبل مجيء الإسلام"[6]، لقدكانت دار الإسلام في مجتمع الرعيل الأول من الصحابة تضم غالبية غير مسلمة، ولم يكن متاحا لها من الشريعة سوى الالتزامات التعبدية الفردية وحزمة من القرارات التي أصدرها أمير المؤمنين، ولم تعرف معظم ما أستكمل أو أضيف أو أدخل بعد القرن الثالث الهجري ضمن منظومة ما عرف فيما بعد بالشريعة الإسلامية.

وحتى بعد استكمال منظومة الفقه والتشريعات والقوانين المنظمة لعلاقات الفرد بالله وبالأفراد وبالمجتمع والدولة، وبروز مفهوم الشريعة الإسلامية، شهدت دار الإسلام فترات مديدة من النأي عن تعاليم الشريعة واختراق تعليماتها، وبنظرة سريعة لأحوال الحكم في الممالك الأموية والعباسية والبويهية والفاطمية والإخشيدية والطولونية والمملوكية والعثمانية والصفوية، نرى دار الإسلام تعج بالمسلمين دون التزام دقيق بالشريعة الإسلامية، وحتى بعد احتلال التتار لدار الإسلام واستبدال الشريعة بمنظومة قوانين تتارية تسمى الياسق[7]ظلت دار الإسلام محتفظة بصفتها رغم انتقال الغلبة لغير المسلمين وتبدّل الأحكام الشرعية بغير الشريعة، ومن خلال المسح التاريخي لمسيرة دار الإسلام لا يبدو أن وجود غالبية مسلمة في بلاد ما، أو تنفيذ كامل أحكام الشريعة بصيغتها المتوارثة، شرطان لاكتساب الدار صفة الإسلام، كما لا يبدو أن انتقال الغلبة إلى محتل طارئ مدعاة لزوال شرط الإسلام من الدار التي يقطنها المسلمون، غير أنه من الواضح أن الدار لا تكتسب صفة الإسلام ما لم يكن للمسلمين فيها شكل من أشكال الغلبة إما سياسية كما هو حال المسلمين زمن فتوح الأمصار، أو غلبة ثقافية وسكانية كما هو حال المسلمين في زمن التتار.

صفحة 5

2.1 الرعايا والوافدين

يشكل مجموع المسلمين القاطنين في دار الإسلام الأمة الإسلامية، وهي أمة تستمد هويتها من الدين والعقيدة ولا تستمدها من الأرض أو الرقعة الجغرافية كما هو اليوم، إنما الأرض هي التي تستمد هويتها من القاطنين فوقها وتتغير إلى دار إسلام بمجرد ما تصبح تحت إمرتهم، فحدود دار الإسلام تتبدل وتتغير بناء على حركة الفتح والجهاد، وإذا كان تحديد الفقهاء لمهمة الخليفة (رئيس الدولة) هي إقامة شرع الله والذود عن بيضة المسلمين[8]، فالبيضة لغة واصطلاحا ذات مفهوم اجتماعي أكثر منه جغرافي، وتعني أساسا جماعة المسلمين، ولذا فإن حركة الفتح ومواقع الثغور[9]وموجات استيطان المسلمين هي التي تحدد سيادة الدولة إذا ما أردنا أن نجري مقاربة مع هذا المفهوم، ولا يحتاج المسلم وثيقة رسمية تثبت انتماءه لدار الإسلام، فالتزامه بالحد الأدنى من الإسلام هي وثيقته التي تحفظ له كافة حقوقه على كل أراضي هذه الدار، وانتماؤه للإسلام يضمن له حرمة دمه وأهله وماله ما لم يكن على ذمة قضية ما، كما يضمن له حق التعبير والتجمع والتنقل والتجوال والإقامة وتملك العقار وغيره والتجارة والعمل في مشارق الأرض ومغاربها والتي تدخل ضمن سيطرة دار الإسلام ما لم يكن على خلاف سياسي مع أحد إمارات التغلب، وإذا ما أردنا أن نجري مقاربة لمفهوم المواطنة المعاصر فإن الإسلام وحده لا يكفي لتساوي المراكز القانونية والحقوق والواجبات السياسية بين المسلمين عند فقهاء دار الإسلام، وخاصة بين الحر والعبد والأب وذريته والذكر والأنثى والقرشي وغير القرشي[10].

وقد أختلف الأمر بالنسبة لغير المسلمين بين تسامح وتعصب خلال تاريخ دار الإسلام، فمن الفقهاء من أجاز أن يكون غير المسلم ذميا له ما لبقية المسلمين وعليه ما على بقية المسلمين باستثناء أخذ الجزية[11]، وعليه شهد تاريخ الإسلام تولي غير المسلمين مناصب قيادية عالية[12]، كمنصب الوالي[13]على المسلمين أو كوزير[14]أو مقاتل بالجيش[15]، كما شهد مشاركة المجتمع المسلم والاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم[16]، وفي المقابل هناك من الفقهاء من قصر مفهوم الذمي على اليهود والنصارى[17]، ومنهم من قال بمعاملتهم على أساس الحيطة الحذر (طابور خامس)، ولذا سعى لتمييز بيوتهم ولباسهم ومظهرهم عن بقية المسلمين[18]، لذلك يصعب تحديد حقوق وواجبات الذمي في دار الإسلام، فالنصوص والاجتهادات والتراث الفقهي والتجربة والممارسة كلها تتفاوت بين التعصب والتسامح.

ولما كانت علاقات دار الإسلام مع خارجها تقوم على أساس الحرب، لذا ندر وجود رعايا دار الحرب في ديار المسلمين خلال العصور الأولى، ووجود هؤلاء الرعايا في دار الإسلام يدخل ضمن مفهوم الأمان، وتصبح مقاربة مفهوم الأجنبـي بالنظام المعاصر هي أقرب لمفهوم المستأمن في نظام دار الإسلام، ونظام الأمان في الإسلام -كما يقول الشيخ وهبة الزحيلي- يتسع لكل أنواع الحماية والرعاية المعروفة حديثا لشخص الأجنبـي وماله في بلاد الإسلام، وتستمر معه العلاقات غير العدائية حتى وإن كانت الحرب مستعرة مع دار الحرب، وهو يوفر مناخا آمنا أكثر مما يوفره جواز السفر الحالي لأنه أقرب إلى عقد أو معاهدة مع فرد، ويرى جمهور الفقهاء والشيعة الإمامية والزيدية والإباضية أن كل مسلم مكلّف مختار، حتى لو كان عبدا لكافر، أو فاسقاً أو محجوراً عليه، أو امرأة أو معوقاً أو خارجاً على الإمام، يحق لكل أولئك منح الأمان دون إجازة من أحد، ويقتضي هذا الأمان التزام دار الإسلام بتوفير الأمن والطمأنينة للمستأمن (شخصا أو جماعة أو أهل بلدة أو حصن أو إقليم أو قطر)، فيحرم حينئذ القتل والسبـي والاستغنام للرجال والنساء والذراري والأموال، وكذلك يحرم الاسترقاق ولا يجوز ضرب الجزية على المستأمن، لأن فعل ذلك من الغدر، ويحق للمستأمن ممارسة الأعمال التجارية والتملك في حدود الشرع، ويحظر عليه شراء الأسلحة والعبيد وتعاطي الربا، كما يحق له الانتفاع بالمرافق والخدمات العامة التي توفرها دار الإسلام لرعاياها، ويحق له التقاضي أمام المحاكم، كما لا يعذر المستأمن جهله بقوانين وأحكام دار الإسلام إذا ما أخطأ، ويلتزم المستأمن باحترام عقائد المسلمين والامتناع عن كل ما يشعر بإهانتهم، ولقد تفاوت التطبيق في دار الإسلام بين تضييق وتراخ، حتى وصل التراخي إبان الدولة العثمانية أن منحهم السلطان سليمان القانوني أمانا تحت بند الامتيازات الأجنبية جعلت الأجانب فوق سلطة القانون[19].

صفحة 6

3.1 إدارة الحكم

لا يمدنا النص الديني بأي مادة حول تنظيم الدولة وتوصيف السلطات وطرق توليها وأساليب إدارتها، لذا جاء نظام الحكم الإسلامي المبكر مقاربا لما هو معمول بالقرى والمدن الصغيرة بالمنطقة، حيث كانت معظم حواضر الجزيرة العربية لا تزيد عن قرى تتفاوت في أحجامها، وكانت مكة بينهم بمثابة أم القرى، وهو نظام حكم يقارب الديمقراطية المباشرة التي يرأسها شيخ أو زعيم ذو قدرات تحكيمية، وغالبا ما يدعو أفراد القرية إلى مكان فسيح للتشاور أو لتبليغ الأوامر والتوجيهات، وهذا النظام المعمول به في الجزيرة العربية يكاد يكون أصل النظم السياسية التي انتقلت إلى بلاد الرافدين وبلاد النيل وبلاد اليونان، يقول ديورانت "ولم يكن هذا طرازا جديدا من النظم الإدارية، فلقد رأينا أنه كانت في بلاد سومر وبابل وفينيقية وكريت ودول مدن قبل هومر وبركليز بمئات السنين أو آلافها، وكانت دولة المدينة من وجهة النظر التاريخية هي بعينها مجتمع القرية في مرحلة الامتزاج أو التطور أعلى من مرحلته القروية، وكان سوقها المشتركة ومكان اجتماعها، ومجلس قضائها للفصل في منازعات الأهليين الذين يحرثون الأرض وما جاورها من أرض زراعية، وكان أهلها من أصل واحد يعبدون إلها واحدا"[20]، ولعل هذا النموذج كان هو السائد في كل القرى والمدن الصغيرة بتلك العصور على اختلاف الثقافات، وكان يتطور بتوسع نفوذ القرية على ما حولها ليتحول إلى نظام الدولة/المدينة، وهذا ما واجهته قرية يثرب عندما تولى قيادتها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حيث توسعت وصارت مدينة، وهو ما لمحه أحد الباحثين "لم يكن في هذا التنظيم الاجتماعي شيء جديد أساسا، لقد كان عربيا بكل تأكيد، مستندا إلى تقاليد عربية، موضوعا في قوالب وأشكال تشريعية، إن التجديد الحقيقي في ذلك يكمن في عبقرية الرسول التنظيمية وأنه باستخدام القوالب والأشكال والتقاليد العربية المقبولة نقل نقاط الثقل فيها بصورة تتيح لمبادئه في التعاون أن تعمل على خير وجه، هكذا ظلت القبيلة أساس الوحدة الاجتماعية ولو أنها كادت تذوب كليا ببناء الأمة الفوقي، إن مواثيق الإيلاف وأحلاف الحمس فيما فيها من مضامين تجارية ودينية طرحت جانباً بازدراء ليحل محلها الإسلام أو "السلام الإسلامي" حيث ينتمي جميع الأعضاء إلى هيئة واحدة على قدم المساواة"[21]، وعند وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) لم يكن هناك وضوح في سلطات من يخلفه، فالرسول(صلى الله عليه وسلم) (بالإضافة إلى قدراته القيادية الفائقة)كان مدعما بسلطة دينية لا تتوفر لمن يخلفه، لذا جاء اختيار خليفته كزعيم أكثر منه رئيس لدولة، ولعل هذا يفسر تقسيم الخليفة الأول وقته بين عمله الخاص ومهام زعامته، إذ قضى ستة أشهر يقود دار الإسلام الجديدة بما يمكن أن نطلق عليه نصف دوام، ورغم أن الخليفة الثاني(رضي الله عنه) واجه التوسع المفاجئ في حجم الدولة بإدخال تعديلات على نظام الحكم المركزي من أجل السيطرة على المناطق البعيدة، وجمع رعاياه في مراكز عسكرية خاصة بهم كالكوفة والبصرة والفسطاط بهدف المحافظة على ثقافة القرية العربية وعزلها عن ثقافات شعوب البلاد المفتوحة، لكن دار الإسلام ظلت بدون جهاز إداري في العاصمة يتابع التطورات الجارية في الولايات الجديدة، ففي كل ولاية كان القادة يتخذون قرارات هامة عند الحاجة والتي غالبا ما تراعي مصلحة فاتحي الولاية، وكان الولاة يكتفون بتبليغ أمير المؤمنين بهذه المقررات، عله كان يستطيع أن يقوم بدور الحكم إذا ما رفع إليه الخلاف، ولم يكن بوسع التقاليد العربية ولا الإسلام أن يقدّما أي توجيه حول موضوع الصلاحيات الملائمة التي يجب أن تمنح لرئيس دار الإسلام، ولعل أكثر ما يدعو للأسف هنا هو سرعة حدوث التطورات، مما كان يحول دون تطوير العرب لمؤسساتهم السياسية المحدودة لمواجهة وضع جديد غير منتظر، في الوقت الذي لم يكونوا قادرين أن يقلدوا البناء الإمبراطوري البيزنطي أو الساساني في مثل هذه المرحلة المبكرة، حتى لو أنهم أرادوا ذلك، لقد كانت استراتيجة نظام الخليفة الثاني هي الإبقاء على فكرة أن العرب المسلمين أمة فاتحة مجاهدة لا تشتغل بمهنة غير الحرب والسياسة، إلا أن تنظيماته نجحت في الحروب، ولم تنجح كليا في تحقيق إدارة الولايات والمدن المفتوحة لقلة الخبرة التنظيمية والإدارية لدي الفاتحين الجدد، إذ واجهت صعوبات جمة انتهت بفتنة (ثورة) قادها ثائرون من تلك المناطق ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان(رضي الله عنه)، ولم تستقر أمور دار الإسلام إلا بعد أن تولى معاوية بن أبـي سفيان الحكم، ولعل أهم تغيير أجراه هو توجيه منصب قيادة الدولة نحو الرئاسة السياسية نائيا بها قليلا عن الزعامة الدينية، فلم يقدم معاوية نفسه مرشدا روحيا كما كان الأمر مع الخلفاء الراشدين، كما أجرى تعديلات جذرية في أنظمة وآليات إدارة الدولة المترامية الأطرف، مستفيدا من الخبرات المتراكمة في الشام والتي خلّفتها الإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية وحضارات ما بين النهرين خلال القرون الطويلة، ورغم أن ذلك تم على حساب بعض مبادئ الإسلام السياسية واللجوء إلى أساليب المكر والدهاء والبطش، إلا أن لمعاوية الفضل الأول في الخروج بإدارة حكم دار الإسلام الواسعة من نظام القرية إلى نظام الدولة، ومن زعامة ثورة إلى إدارة إمبراطورية، ولولاه لتغيّر مجرى تاريخ الإسلام وداره.

ومثلما أن إدارة دار الإسلام خضعت للخبرة المتاحة في الجزيرة العربية والتي لا تتجاوز إدارة قرى أو مدن صغيرة، فإن النصوص كذلك لم توفر لنا طريقة اختيار الحاكم وتحديد سلطاته، ، فتولي الخليفة الأول أبوبكر الصديق(رضي الله عنه) جاء عفويا ومباغتا وباجتهاد آني لمواجهة فراغ قيادي ناشئ عن وفاة النبـي(صلى الله عليه وسلم)، وتولي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) جاء معدّا بشكل مسبق ومبيّت لمواجهة أي فراغ قيادي، أما تولي الخليفة الثالث عثمان بن عفان(رضي الله عنه) فجاء توافقيا بين ستة مرشحين اختارهم الخليفة الثاني، أما الخليفة الرابع علي بن إبـي طالب(رضي الله عنه) فكان مجيئه تلقائيا بعد الثالث، إذ كان يحظى بتقدير واسع لدى كافة المسلمين بسبب تضحيته بفرصته ليكون ثالث الخلفاء التزاما بمبادئه[22]، ونظرا لأنه جاء بعد فتنة وانقلاب على الخليفة الثالث، تم اختصار إجراءات اختياره سريعا لمحاصرة آثار الانقلاب، أما الحاكم الخامس معاوية بن إبـي سفيان(رضي الله عنه) فقد خرج على الخليفة الرابع وقاتله طوال فترة حكمه وتنازل له المرشح الخامس الحسن بن علي(رضي الله عنه) للخلافة عن المنصب درءا للفتنة وحقنا لدماء المسلمين، وبعد ذلك تم تبني نظم الحكم الوراثي التي اختزنتها ذاكرة السوريين من حضارات ما بين النهرين والفينيقيين والإغريق والرومان، وتحولت دار الإسلام من نظام قبلي وراثي إلى نظام ملكي وراثي في عائلة بني أمية القرشية العربية وبعدها عائلة بني العباس القرشية العربية، وانتهت بعائلة بني عثمان التركية الأعجمية.

لكن دار الإسلام لم تدم موحدة تحت نظام حاكم واحد إلا في فترات متقطعة من عهد الأمويين، إذ بعد قيام دولة الأمويين بالأندلس إبان الدولة العباسية أصبحت دار الإسلام فضاء إسلاميا يضم كيانات سياسية متعددة أطلق عليها أبوالحسن الماوردي "إمارة الاستيلاء"[23]، وهي كيانات يحكمها سلاطين وتقوم على الاستقلال بالسلطة والسيطرة على بعض الولايات والمدن وأخذ ولاءات المجتمعات القريبة مع الاحتفاظ الشكلي برمزية الخلافة، وفي العصر العباسي برزت نظرية لدى الشيعة الأمامية تقول بأن رئاسة الدولة منصب يوجبه الدين ويعيّن من يشغله ويتوارثه، بينما واجه المعتزلة هذه النظرية بقولهم أن رئاسة الدولة منصب يوجبه العقل وليس الدين، خرجت نظرية ثالثة لأبـي حسن الأشعري أقرت بأن المنصب الرئاسي في الإسلام يوجبه الدين، على أن يكون الاختيار بيد الأمة، واتفقت النظريتان (الشيعية والسنية) على أن رئاسة المسلمين تتم وفق مبدأ التوارث في الحكم، فحصره السنة في محيط العائلات القرشية دون سائر المسلمين، بينما قصره الشيعة على عائلة قرشية واحدة (نسل الإمام علي بن أبـي طالب)[24]دون سائر العائلات القرشية، وتلاقت نظرية الأشعري مع هوى الخلفاء العباسيين الذين روجوا لها بشكل دعائي غير مسبوق لتصبح الأشعرية بعد ذلك عقيدة أهل السنة، واستطاع منصب الخلافة أن يحافظ على نفسه خلال التاريخ الإسلامي بسبب إضفاء طابع ديني عليه وتحويل عملية الاختيار إلى واجب شرعي، وبرغم الفترات العصيبة التي مر فيها هذا المنصب وفرغ فيها من محتواه، إلا أن الحفاظ عليه كان هدفا إسلاميا لتحوله إلى رمز وحدة دار الإسلام في ظل تعدد الأنظمة الحاكمة فيها، وحافظت هذه الرمزية على إبقاء دار الإسلام فضاء تجوال وإقامة لكل مسلم، يقول آدم ميتز "لم يكن من شأن هذا الانقسام وتعدد أمراء المؤمنين أن يؤدي إلى ضيق في معنى الإسلام أو في الوطن الإسلامي، بل صارت كل هذه الأقاليم تؤلف مملكة واحدة، سميت مملكة الإسلام تمييزا لها عن مملكة الكفر، وقامت وحدة إسلامية لا تتقيد بالحدود السياسية الجديدة، وهذا عكس ما نشأ عن اتحاد الإمبراطورية الألمانية في القرن التاسع عشر"[25].

صفحة 7

4.1 الجهاز الحكومي

لم يعرف حكم الخلفاء الراشدين شكلا مقاربا لأشكال الحكومات المعاصرة، ولم يكن هناك أجهزة حكومية واضحة المعالم، ورغم أن هناك من يميل إلى توصيف الحالة الإدارية في عهد الرسول(صلى الله عليه وسلم) وخلفائه توصيفا تنظيميا مقصودا[26]، إلا أن بداية التنظيم الإداري أنطلق من عهد الفاروق، ثم تطور واستجاب لمتطلبات المملكة الواسعة في عهد معاوية، ثم أخذ يتطور خلال العهود المتعاقبة مع التوسع في المهام واتساع نطاق العمل وارتفاع عدد المرتبطين بالخدمة(26)[27]، ومع مطلع الدولة العباسية لخص المنصور احتياجاته من الأجهزة الحكومية بالتالي "ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابـي أربعة نفر لا يكون على باب أعف منهم... هم أركان الملك، فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية فإني عن ظلمها غني، والرابع (ثم عض إصبعه السبابة ثلاث مرات في كل مرة يقل: آه) صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة"[28]، ويشير هنا إلى أربعة أنظمة لإدارة الحكم، نظام قضائي نـزيه، ونظام أمن داخلي منصف، ونظام مالي دقيق وعادل، ونظام معلوماتي واستخباراتي صادق، وفي عهد العباسيين تم تطوير مهمة الكاتب إلى وزير، وكان أبو سلمة الخلال أول من شغل المنصب في أول عهد العباسيين، وقد قسم أبو يعلى الفراء[29]المناصب القيادية تحت رئيس الدولة إلى أربعة، وهي: 1) الوزراء، وهم الذين لهم ولاية عامة في الأعمال العامة، 2) والأمراء للأقاليم والبلدان، 3) وقاضي القضاة ونقيب الجيوش وحامي الثغور ومستوفي الخراج وجابـي الصدقات، وهؤلاء لهم ولاية خاصة في الأعمال العامة، 4) القاضي ومستوفي الخراج وجابـي الصدقات وحامي الثغر ونقيب الجند على مستوى بلد أو إقليم، وتكون ولايتهم

خاصة في أعمال خاصة، ورغم أن نصوص الوحي لم تتحدث عن واجبات الحكومة، إلا أن الماوردي وأبا يعلى في كتابيهما المسميين "الأحكام السلطانية" حددا عدة وظائف عامة للإمام وهي: 1) حفظ الدين، 2)تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، 3) حماية البيضة، 4) إقامة الحدود، 5) جهاد من عادى الإسلام، 6) جباية الفيء، 7) تقدير العطايا لمن يستحق، 8) استفتاء الأمناء وتقليد النصحاء، 9) مباشرة الأمور بنفسه.

وعندما جاء العثمانيون اتبعوا تنظيما بسيطا لإمبراطوريتهم، حيث ابتكروا جهازين إداريين للحكم، جهاز إداري مركزي وجهاز إداري محلي، وتم تنظيم الجهازين على أساس هرمي ينتهي برئيس الدولة (الخليفة العثماني)، وقد أخذ العثمانيون بالكثير من العادات عرب"العربية وفرس"الفارسية وروم"البيزنطية في تنظيمهم للأجهزة الإدارية، ودمجوا معها بعض العادات التركية القديمة، وصهروها كلها في بوتقة واحدة مميزة، مما جعل الدولة العثمانية تظهر بمظهر الوريث الشرعي لجميع تلك الحضارات التي سبقتها، يتكون الجهاز الإداري المركزي من السلطان وحاشيته، وهؤلاء جميعًا يُعرفون باسم "آل عثمان"، ويُعاونهم في الحكم ما يُعرف باسم "الديوان"ديوان"، وهو جهاز إداري مضمّن يتكوّن من صدر أعظمالصدر الأعظم وأفراد الطبقة الحاكمة. ومنصب الصدر الأعظم هو أعلى مناصب الدولة بعد منصب السلطان، وكان من يتبوأ هذا المنصب يلعب دور رئيس الوزراء ورئيس الديوان، ومن صلاحياته تعيين قادة الجيش وجميع أصحاب المناصب الإدارية المركزية أو الإقليمية، أما الطبقة الحاكمة فكان يُشار إلى أفرادها باسم "العساكرة" أو "العسكر"، ومفردها "عسكري"، وهي تشمل: الدفتردار، أي الشخص المُكلف بالشؤون المالية وحساب موارد الدولة ومصاريفها؛ الكاهية باشا، وهو الموظف العسكري الذي يتكفل بتسيير الشؤون العسكرية للدولة؛ الشاويش باشا (لغة تركية عثمانية"بالتركية العثمانية: چاويش پاشا؛ نقحرة"نقحرة: تشاويش پاشا) وهو موظف ينفذ الأحكام القضائية التي يصدرها القضاة؛ رئيس الكتّاب، وشيخ الإسلام"شيخ الإسلام وطبقة عالم إسلامي"العلماء، وكان السلطان العثماني هو صاحب القرار النهائي الفاصل في أغلب الأحيان، وقد استمر الأمر على هذا المنوال حتى عهد السلطان مراد الرابع"مراد الرابع، عندما ازداد نفوذ الديوان وأخذ السلاطين لا يشاركون في جلساته أكثر فأكثر، وجرت العادة منذ العهد العثماني على إطلاق تسمية ""الباب العالي"الباب العالي" على الحكومة العثمانية، وهي تسمية تعني في الأصل قصر السلطان، ومع مرور الوقت أصبح المقصود بالباب العالي: أعلى سلطة تتجسد في قوة السلطان المستمدة من قوة جيشه.

صفحة 8

5.1 الاقتصاد والنظام المالي

في مجتمع القرية تتضاءل السلطة السياسية وتلعب المسؤولية الاجتماعية دورا أساسيا في صناعة الأعراف التي تنظم العلاقات المختلفة في المجتمع، ويوم جاء النبـي(صلى الله عليه وسلم) قرية يثرب لم يكن هناك سلطة سياسية واضحة ولا أجهزة تتولى مسؤوليات عامة، فلقد اكتفى المجتمع بالأعراف السائدة التي تنظم علاقاته وأمره، ومع مجيء النبـي(صلى الله عليه وسلم) تشكلت أول زعامة في القرية ذات صفة دينية وسياسية، وأول إنجاز سياسي لتحويل القرية إلى مدينة والقبائل إلى أمة كان إعلان وثيقة سميت "الصحيفة" تتضمن بنودا حول تضامن المؤمنين في إعطاء المعاقل (الديات)، وفداء الأسرى وإعانة المثقلين بالديون، و"الصحيفة" بهذا نقلت الأفراد من الانتماء للقبيلة إلى الانتماء للأمة الإسلامية الناشئة، فالتضامن بين أبناء القبيلة الواحدة كان معروفا في الجاهلية، أما التضامن بين أبناء المدينة الواحدة الذين تربطهم رابطة العقيدة، لا النسب، فأمر لم يطبقوه بينهم قبل ذلك، كما نظمت الصحيفة علاقات المسلمين بغير المسلمين (اليهود) في المجتمع الواحد، غير أنها لم تتضمن أية التزامات مالية سوى ما يتحمله الفرد من تجهيز نفسه في حالات الدفاع عن يثرب، وكانت الخطوة الثانية هي بناء مقر للاجتماع الديني والسياسي سمي مسجدا وأصر النبـي(صلى الله عليه وسلم) دفع قيمة الأرض بشكل خاص، ورغم أنه(صلى الله عليه وسلم) خط للمسلمين سوقا إلا أنه لم يفرض جباية أو ضريبة أو رسما، وفي السنة الثانية من الهجرة فرضت الزكاة لتصبح هي البداية الحقيقية لواجبات المواطنة الجديدة، لكنه(صلى الله عليه وسلم) استمر في تكريس المسؤولية الاجتماعية في تكافل المجتمع وحل مشاكله المالية بالتبرع الطوعي دون اللجوء إلى تحصيل إيرادات يؤمن فيها احتياجات المجتمع العامة، وتمثل ذلك بتبليغ التوجيهات الإلهية لبذل المال في سبيل الله، والتصدق على الفقراء، وذوي الحاجات، وبذله جهادا لإعلاء كلمة الله تعالى، لم نجد حالة واحدة حوّل فيها الرسول(صلى الله عليه وسلم) الحث على العطاء التبرعي إلى إلزام وإجبار، رغم أن الممالك المجاورة كانت تفعل ذلك وتفرض الضرائب بأنواع متعددة، وكان أول إيراد ذي بال دخل خزانة الدولة هو غنائم وأسرى معركة بدر في السنة الثانية للهجرة، حيث وزع أربعة أخماسها على المقاتلة، وترك خمس الخمس للدولة، تتصرف فيه حسبما ترى في مصالح المسلمين، ومع غنائم الحرب وفريضة الزكاة وضعت اللبنة الأولى للجهاز المالي في الدولة الإسلامية، ورغم نشأة هذا الجهاز لكنه لم يعرف أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) أجرى رواتب، أو أعطيات دورية، لموظفي الخدمة العامة، أي أن الخدمات العامة كانت تقدم تبرعا من قبل الناس، وبقى التبرع الطوعي يشكل مصدرا أساسيا في سد الاحتياجات العامة مثل إطعام الوفود القادمة، وبناء المساجد وإمدادها بالإنارة والمياه، وأمور الرعاية الاجتماعية، كشراء أو حفر الآبار وتخصيصها للاستعمال المجاني للناس جميعا، ولم يستثن من ذلك تجهيز الجيوش والمهمات العسكرية، وأول تفكير لمواجهة الاحتياجات المستقبلية للمجتمع كان بتخصيص نصف أرض خيبر ثم فدك للنوائب، ثم جاءت الجزية كثالث إيراد عام للدولة بعد أن فرضها(صلى الله عليه وسلم) على نصارى نجران ومجوس هجر والبحرين، ونشأت الملكية العامة بعد التوسع في الوقف وبعد أن أمر بحبس ربقة أرض له في خيبر وجعل غلتها في سبيل الله، كما دعي عثمان(رضي الله عنه) ليشتري مربدا كان بجوار المسجد ويضمه للمسجد النبوي[30]وقفا لله تعالى، وأن يشتري بئر رومة ويجعلها سقاية للمسلمين وله أجرها[31]، وليبدأ بذلك تشكيل الملكية العامة، كما ظهرت في هذه الفترة ممارسة الاقتراض العام، إذ اقترض النبـي(صلى الله عليه وسلم) من أبـي ربيعة (غير مسلم) أربعين ألف درهم وردها إليه من إيرادات بيت المال[32]، ويلاحظ من ذلك كله أن السياسة المالية للنبـي(صلى الله عليه وسلم) لم تقم على التخطيط طويل الأجل للإيرادات العامة، حفاظا على روح القرية القائمة على المسؤولية العامة والتكافل الاجتماعي والمبادرة الذاتية، غير أن دخول معظم أجزاء الجزيرة العربية تحت طاعة النبـي(صلى الله عليه وسلم) وبداية حقبة الفتوحات الإسلامية في عهد أبـي بكر(رضي الله عنه) فرض على القيادة الإسلامية التخلي عن روح القرية والتزام طابع المدينة وإدارة الدولة، فأصبحت يثرب "المدينة" عاصمة الدولة، وصار المهاجرون والأنصار جزءاً من الأمة الإسلامية، ومع السيل المتدفق من الإيرادات العامة نمت مسؤولية الدولة في الإنفاق وتقلصت المسؤولية الاجتماعية والتبرع الطوعي، وبرز دور الرعاية الاجتماعية في العهد الراشد من صدر الإسلام، فكثرت الجرايات والعطايا والرواتب على الناس، وأضيفت موارد مالية جديدة مثل الخراج[33]والأصول الثابتة العامة "الصوافي[34]والعادية"، واتسعت التجارة الدولية ونشأ معها مورد مالي آخر أشبه بالضريبة الجمركية على البضائع الأجنبية "العشور"[35]، غير أن السياسة التي انتهجها النبـي(صلى الله عليه وسلم) بتقليص الادخار العام إلى أدنى صوره وعدم الالتفات للتخطيط طويل الأجل للإيرادات العامة ظلت مستمرة كنهج في إدارة الحكم الراشد، يروى أن عليا(رضي الله عنه) دخل بيت المال وقال "لا أمسي وفيك درهم"[36]، ومع مجيء الدولة الأموية أخذت أجهزة الدولة طابعا تنظيميا هرميا يعتمد على الولاء للنظام الحاكم، وتلاشت روح القرية المشبعة بالمسؤولية الاجتماعية والتبرع الطوعي والرقابة الذاتية، وظهرت تنظيمات جديدة اقتضتها المرحلة السياسية الجديدة التي رسخت مفهوم الدولة، وتمثلت بالأجهزة التالية: ديوان الخراج وديوان الجند، وديوان الخاتم، وديوان البريد، وديوان الرسائل، وديوان الإنشاء، وديوان العُشْر، وديوان المستغلات[37]، وديوان العمال، كما ظهرت أنواع جديدة من الرسوم والضرائب بعضها كان معروفا أيام الملكيات ما قبل الإسلام، مثل المكوس[38]وهدايا النيروز وهدايا المهرجان، أو رسوم فرضتها الدولة لقاء خدمات مثل ضرائب الفدية وأجور الضرابين وثمن الصحف وأجور البيوت ودراهم النكاح، كما توسعت الملكية العامة للدولة وظهر اسم "المستغلات" وهي أراضي وعقارات ومباني تملكها الدولة ويديرها ديوان مستحدث سمي "ديوان المستغلات"، وأصبح لدى الدولة جهاز وظيفي ونظام رواتب، غير أن الدولة الأموية حافظت على نظام اللامركزية الذي اتبعه الخلفاء الراشدون، فكانت كل ولاية تصرف إيراداتها على مرافقها الخاصة، والباقي يُحْمَل إلى الخزينة العامة بالمدينة أو دمشق، ويمكن القول أن الحكام الأمويين اعتنوا بالتنظيمات المالية عناية فائقة وأصبح (بيت المال) في الدولة الأموية يمثل أهمية عظيمة في تنظيم حركة الأموال داخل الدولة الإسلامية الواسعة، فقد كانت بيوت الأموال تشكل في مضمونها نظامًا ماليًّا متكاملاً من حيث توافر عناصره الرئيسية، وهي الإيرادات والمصروفات والإدارة المالية؛ مما يُدلل على التقدم الإداري الذي تمتعت به الدولة في حينها، وبمجيء الدولة العباسية لم تختلف مصادر إيرادات الخزينة العامة للدولة عن سابقتها، غير أن العباسيين أولوا التجارة الخارجية أهمية كبرى للخروج من شرنقة دار الإسلام ودار الحرب، إذ سيطروا -والإمارات التابعة لهم في أطراف العالم الإسلامي- على الطرق التجارية البرية والبحرية بعد التحكم في شبه القارة الهندية، وتم تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إسلامية، وهذا ما عبّر عنه عبد الرحمن ابن خلدون بقوله"صار البحر المتوسط خاليا من أي نفوذ للأمم النصرانية بشيء من جوانبه"، ومن أجل تشجيع التبادل التجاري قام العباسيون بإرساء قواعد العمل الدبلوماسي مع دول الجوار ليحل مفهوم السلام بدلا من الحرب، فقد حظيت الجالية التجارية المسلمة باستقرار في ميناء كانتون نتيجة اتفاقية السلم التي عقدت مع ملك الصين[39]، وقد تمتعت برعاية السلطات الصينية وباشرت مهامها في الإشراف على التجارة في الشرق الأقصى، كما أدت اتفاقية الصلح التي أبرمها هارون الرشيد مع بيزنطة إلى تدفق السلع الشرقية إلى بيزنطة وغرب العالم الإسلامي، وعلى منوال ذلك قام الأغالبة بتوقيع معاهدات تجارية مع المدن الاٍيطالية رغم الاحتجاجات البابوية، كما قام العباسيون بإصلاح النظام الجمركي وخففوا الرسوم المفروضة عليه، وفي المجال الصناعي استخدمت المعادن من النحاس والقصدير والذهب والفضة في الصناعات الخفيفة كما تمت العناية بالصناعات التحويلية لتصنيع المواد اللازمة للحياة اليومية كالمنسوجات والمصنوعات الجلدية والزجاجية والفخارية بالإضافة إلى صناعة الصابون والزيت والشمع وظلت الصناعة الثقيلة محدودة للغاية، واقتصر ما عرف منها على صناعة السفن والعتاد الحربـي، بل أن لوازم تصنيع السفن كانت تجلب في غالب الأحيان من بيزنطة، وما أن وصل الدور على العثمانيين في دار الإسلام حتى كانت مالية دولتهم وخزينتها أفضل وأكثر فعاليّة من أي دولة إسلامية سابقة، واستمر نظامهم المالي أفضل نظم عصره وفاق جميع النظم المالية لكل الدول من إمبراطوريات وجمهوريات وممالك وإمارات معاصرة حتى القرن السابع عشر، عندما أخذت الدول الأوروبية الغربية تتفوق عليها في هذا المجال، ويُعزى ازدهار الخزينة العثمانية خلال العصر الذهبـي للدولة إلى إنشائهم لوزارة خاصة تختص بالأمور المالية للدولة من إنفاق واستدانة وإدانة، عُرفت لاحقًا باسم "وزارة المالية"، وكان يرأسها شخص مختص هو "الدفتردار" الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم "وزير المالية"، وكان لحسن تدبير بعض وزراء المالية أثر كبير في نجاح فتوحات السلاطين وحملاتهم العسكرية، إذ استطاعوا بفضل هؤلاء وسلامة سياستهم المالية التي رسموها للدولة، أن يصرفوا على الجيش ويزودوه بكامل المعدات اللازمة وأحدث أسلحة العصر.

وفيما يتعلق بالسياسات النقدية، فقد عرف العرب أهمية النقد كوسيلة لتبادل السلع وممارسة التجارة، إذ سكّت كل من مملكة البتراء والحضر وتدمر وسبأ وحمير نقودها، واعتبرت زنوبيا ذلك أمراً سيادياً خاضت من أجله الحرب مع روما[40]، وفي عصر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كان النقد المستخدم هو الدنانير الذهبية الرومية والدراهم الفضية الفارسية[41]، وطوال حكمه في يثرب لم يغيّر العملة المتداولة رغم ما عليها من نقوش لملوك وأكاسرة وصلبان ونار وعبارات التثليث المسيحي[42]، ولعل ذلك يعود لخبرة النبـي(صلى الله عليه وسلم) وبيئة موطنه (مكة) التجارية، مؤكدا بذلك أن النقود أداة حيادية طالما تقوم بوظيفتها كوسيلة لتبادل السلع والاحتفاظ بالقيمة، وفي عهد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) تم إضافة عبارة (لا إله إلا الله) على العملة الكسروية وعلى الوجه الآخر (رسول الله)[43]، أما عثمان بن عفان فقد اكتفى بنقش (الله أكبر)، وفي الدولة الأموية تم اتخاذ نقش على الوجه لشخص واقف يمسك سيفاً ويرتدى رداء طويلاً، وغطاء رأس يدوي يـغطى الكتفين[44]، ومن معادن النحاس والفضة والذهب، ويعتبر عبد الله بن الزبير أول من دوّر الدرهم أي: ضربها بصورة مدورة جيدة، وفي عهد عبد الملك بن مروان فقد تم تعريب العملة وجرى ذلك على عدة مراحل: نقد بدون اسم وبدون لقب الخلافة، ثم نقد يحوي لقب الخلافة فقط، ثم نقد يحوى اسم الخليفة ولقبه الخلافي، ثم نقد مؤرخ، ورغم أن الأمويين أول من سك العملة في دار الإسلام إلا أن العباسيين أولوا عناية كبيرة بضرب العملة، وأمروا بضبط معايير الضرب في دور السكة بدار الخلافة بغداد وفي الولايات، ووقع التنافس بين دور السكة في تحسين جودة الدراهم والدنانير، فكان التعامل بالدرهم في المشرق وبالدنانير في المغرب، ولم يشكل هذا الاختلاف في العملة أدنى عائق في سيولة التعامل النقدي بين أطراف العالم الإسلامي، لاعتماد نظام تحويل من عملة لأخرى بالوزن والعيار حسب سعر الصرف السائد في مختلف المناطق، كما اكتسبت العملة الإسلامية شهرة طيبة في الأسواق العالمية بسبب تحكم المسلمين في التجارة البرية والبحرية، وجرى تداولها في دار الحرب على نطاق واسع، كما تم التعامل بالصكوك بين التجار، أما في العهد العثماني فكانت العملة العثمانية في بداية عهد الدولة تُعرف آكجة ثم مانغر في عهد السلطان مراد الأول، وكانت البلاد الأوروبية المفتوحة تسك عملاتها وفق نظمها مما جعلها تستخدم جنبا إلى جنب مع العملة المحلية في حدود الدولة العثمانية، ثم سكت عملة جديدة (بارا) هي اخف من العملة السابقة (آكجة) في زمن مراد الرابع وكانت تسك العملة في القسطنطينية والمدن الجنوبية فقط، وفى عهد سليمان الثاني سكت عملة سميت"القرش" لتعادل عملة أوروبا في ذلك الوقت إسمها "غروسو" وكانت تُسك من معدن البرونـز النحاس، لكنها في أواخر عهد الدولة أصبحت "الليرة" مرادفًا لاسم العملة العثمانية، وكان يُضاف إليها اسم السلطان الذي صدرت في عهده، فكان يُقال "ليرة مجيدية" و"ليرة رشادية" على سبيل المثال، وكانت الليرة العثمانية تساوي مئة واثنين وستين قرشًا، وأطلق عليها العرب اسم "العثمليّة"، وكانت الليرات العثمانية عبارة عن نقود ذهبية في بادئ الأمر، ثم أصدرت الدولة في عهد الحرب العالمية الأولى أوراقًا نقدية لأول مرة في تاريخ البلاد، بسبب المبالغ الطائلة التي أنفقتها على الحرب، وكان هذا أول تجاوز في تاريخ الإسلام عن سياسة الإسلام في النقد، وأكثرت من الكميات التي أنـزلتها إلى السوق، فهبطت قيمة هذه العملة بالنسبة للنقد الذهبـي والفضي هبوطًا كبيرًا، وظلت الحكومة تصرّ على اعتبار الليرة الورقية مساوية لليرة الذهبية وتجبر الناس على قبضها وتداولها، مما جعل أهل الشام في أواخر العهد العثماني يلجئون للتعامل بالعملة المصرية، ومنها اكتسبت النقود بالشام تسمية "مصاري" و"مصريات.

يتضح من هذا العرض الموجز النتائج التالية:

النتيجة الأولى:

أن نشوء نموذج دار الإسلام جاء نتيجة تطور الأحداث السياسية داخل قرية صغيرة "يثرب"، وأخذت هذه التطورات مسارا متذبذبا بين ثقافة القرى وثقافة الإمبراطوريات، وبين مبادئ الإسلام الأساسية والحصيلة التاريخية لتراث المنطقة الديني، وبين القوة والانتشار والضعف والانحسار، ولم يتشكل هذا النموذج نتيجة نصوص دينية مباشرة، بل ظل صناعة بشرية خضعت لمبدأ التجربة والخطأ، وظلت إدارة الحكم طوال تاريخ دار الإسلام تتطور وتتغير، ولم تأخذ نظاما واحدا ولا أسلوبا مكررا، فلقد مرت بمراحل مختلفة من أشكال الإدارة، بدءا من القرية إلى المدينة إلى الدولة/المدينة إلى الإمبراطورية، كما مرت بمراحل قيادية مختلفة بدءاً من النبوة ثم الزعامة ثم الرئاسة ثم الملك، ولا يمكن اقتطاع مرحلة من مسيرة تطور تلك الإدارة والإدعاء بأنها تمثل النموذج الإسلامي لإدارة الحكم، بل لا يمكن القول بأن كل مسيرة إدارة الحكم (على مدار تاريخ دار الإسلام) تمثل النموذج الإسلامي لإدارة الحكم، ذلك لأن الوحي لم يقدم نموذجا محددا لإدارة الحكم بل تركه لاجتهاد المسلمين.

النتيجة الثانية:

كل النظم والأساليب الإدارية التي اتبعها المسلمون منذ وفاة النبـي(صلى الله عليه وسلم) كانت اجتهادات أملتها الخبرة المتاحة والظروف المحيطة والمصلحة العامة، ولم تكن استجابة لنص ديني، لقد كان دور الدين هو إضفاء القيم والمبادئ الجديدة على هذه النظم والأساليب، ويمكن القول أن المبادئ والقيم الإسلامية تم تنفيذها بشكل رائع إبان إدارة الحكم في عهد الخلفاء الراشدين أو غيرهما، لكن تجاربها الإدارية ليست جزءا من الدين، وتبقى في إطار التراث الذي تتدارسه الأجيال وتستفيد منه، وهذه النتيجة هي ما يفسر رفض الخليفة الرابع(رضي الله عنه) عرض الخلافة مقابل الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين أبـي بكر وعمر(رضي الله عنه)، فقال "بل على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد رأيي"، وعندما رفض الالتزام بمنهجي الشيخين رضوان الله عليهما كان يدرك أن الخبرة تتزايد وأن الظروف تتغير وأن المصالح تتبدل، وأن كل ذلك يحتاج اجتهادا جديدا، وكان يريد أن يلفت الانظار إلى الجانب الإجتهادي الفسيح في السياسة والدولة والحكم، لقد خسر فرصته المبكرة بالخلافة احتراما لموقفه وتكريسا لمبدأ مفصلي يحدد سلوك المسلمين بالمستقبل.

النتيجة الثالثة:

إن هذه النظم في نشوئها وتكاملها وتتابعها واستمرارها لا يمكن اعتبارها قائمة بذاتها منفصلة عما حولها، إنما يجب أن ينظر إليها ضمن الظروف الدولية التي أحاطت بها آنذاك، ومن خلال ملابسات الاختلاط بالأمم الأخرى والاحتكاك بثقافاتهم، ولعل هذا يفسر احتفاظ الرسول(صلى الله عليه وسلم) بالنظام النقدي المعمول به في زمنه دون تبديل أو تغيير، كما يفسر إبقاء النظام القضائي ساريا في صدر الإسلام وفق ما كانت عليه القبائل قبل الإسلام مع تعديلات فرضها الدين الجديد، كما يفسّر اللجوء لتقسيم العالم إلى دارين، والذي لم يكن ليتم لو كان هناك سلم دولي، لقد جاء هذا التقسيم كنتيجة للنظام اللاسلمي العالمي الذي يسعى كل طرف فيه إلى توسيع رقعته الجغرافية ومد نفوذه إلى المدى الممكن، يقول الشيخ وهبة الزحيلي "إن هذا التقسيم مراعى فيه حالة الواقع وليس تقسيما شرعيا قانونيا، ولقد انتهينا إلى أنه مجرد أثر من آثار الحرب"، كما جاء مفهوم المواطن والأجنبـي والعبودية مقاربا لما هو معمول به دوليا آنذاك، ومتناسقا مع ظروف وإمكانات العصر، وهذا كله يؤكد الأثر الكبير للمرحلة والواقع اللذين تمر بهما الأمة في صياغة نظمها وتحديد سياساتها.

صفحة 9

الفصل الثاني
الدولة المعاصرة

تأخذ الدولة المعاصرة شكلا نمطيا في كل أرجاء العالم بغض النظر عن الأيدلوجيات المختلفة، وأصبحت كل الدول - صغرت أم كبرت - تتماثل مع غيرها من حيث البنية والشكل، ولقد تأسس هذا القالب النمطي بعد مجموعة تطورات تاريخية.

صفحة 10

1.2 التطور التاريخي

خلال القرون الأربعة الأخيرة تطور العالم المسيحي في الغرب ولم يعد يضع حسابا كبيرا للسلطة الدينية المركزية في روما، وأدت حروب التنافس والأطماع في أوروبا إلى صلح وستفاليا 1648م، والذي أرسى مفهوما سياسيا جديدا يقوم على مبدأ سيادة الدول، وهو مبدأ قاد إلى نشوء ممالك ذات نـزعة قومية انتهت ببروز فكرة الدولة/القوم وبداية التنافس الاستعماري بينها، وصاحب كل ذلك تحرير العقل الغربـي من أغلال السلطة الكنسية وبزوغ عصر التنوير والنهضة الفكرية والعلمية، واستبدل الغرب في حربه مع الشرق الإسلامي فكرة دار الحرب بمشروع الاستعمار، وهو مشروع بدأ باحتلال الأراضي ونهب الثروات وإقامة مستوطنات خارج أوروبا وانتهى بإعادة شاملة لصياغة الشعوب ولتكوين الأفراد ولرسم الخريطة السياسية بما يضمن الهيمنة الغربية على العالم، وقد جاء هذا المشروع في وقت انتهى به حال المسلمين إلى ارتهان مطلق لآليات بالية لصناعة المعرفة، والركون الاستسلامي إلى التراث المتراكم، والانـزياح التدريجي عن روح القرآن ومبادئه الحيوية المتوقدة، لقد خاض الغرب معركته الأخيرة مع دار الإسلام مسلحا بتفوقه العسكري ودهائه السياسي وتقدمه الحضاري ونظامه المعرفي المبهر، واتضح عجز الخلافة عن حماية بيضة المسلمين عام 1830م عندما احتلت فرنسا الجزائر، وتلاها احتلال بريطانيا لعدن ومصر عامي 1839 م و1882م، وحسمت نتيجة الصراع بين دار الإسلام والمشروع الاستعماري (دار الحرب سابقا) لصالح الغرب، ولم يتبق على إعلان الهزيمة سوى تسوية الخلافات والنـزاعات الغربية والتي بدأت محاولاتها عقب نهاية الحروب النابليونية، حيث حاولت القوى الأوروبية العظمى إقامة نوع من التوازن بينها في محاولة لتجنب الحرب، كما شهدت هذه الفترة بوادر نشوء القانون الدولي وذلك بتوقيع اتفاقية جنيف التي نصّت على بضعة قواعد تتعلق بالإغاثة الإنسانية أثناء الحروب، وباتفاقيات لاهاي من عاميّ 1899 و1907 التي وضعت بضعة قواعد وقوانين تحكم سير الحروب، وتحدثت عن التسوية السلمية للمنازعات الدولية، ولعل أبرز المحاولات لوضع تصور موحد للدول الإستعمارية من أجل اقتسام الغنائم بالعالم هو المؤتمر الذي عقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، وذلك بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين، وهدف هذا المؤتمر إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن، وقد تقدمت حكومة حزب الأحرار البريطاني في ذلك الوقت بمشروع مقترح حول تلك الآلية، وضم المؤتمر الدول الاستعمارية في ذاك الوقت وهي: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا، إيطاليا، وخرج المؤتمر في نهايته بوثيقة سرية سميت "وثيقة كامبل"[45]نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان، وتوصل المؤتمرون إلى نتيجة مفادها: "أن البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات". والمشكلة في هذا الشريان كما هو مذكور بالوثيقة" أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان"، وتقصد الوثيقة بذلك الشعب العربـي، وأبرز ما جاء في توصيات هذا المؤتمر هو إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة ومتأخرة.

كما أدت الجهود التنسيقية لوقف الإقتتال - بين الدول الإستعمارية حول اقتسام الغنائم - إلى قيام منظمة السلام الدولية عام 1914والتي كانت بمثابة اتحاد برلماني دولي، حيث كان ثلث أعضائها يمثلون الدول البرلمانية الأربع والعشرين القائمة في ذلك الزمن، وكانت أهداف هذه المنظمة تتلخص في تشجيع الحكومات على حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، بما فيها التحكيم، غير أن ذلك لم يمنع نشوب حرب - بين الدول الأوروبية - هي الأولى من نوعها، ففي الحرب العالمية الأولى تم لأول مرة تكريس المصانع ومنتجاتها لصالح الجيوش، وتسببت في مصرع أكثر من ثمانية ملايين ونصف مليون جندي، وحوالي 21 مليون جريح، ومقتل ما يقرب من 10 ملايين مدني، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في شهر نوفمبر من سنة 1918، تبيّن مدى جسامة الأضرار التي لحقت بأوروبا سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، فبرز تيّار مناوئ للحروب بعامّة حول العالم، ويرى أن هناك عدّة أسباب يجب معالجتها كي لا تُجرّ الدول إلى قتال بعضها البعض مجددًا، ومن هذه الأسباب: سباق التسلّح، التحالفات الدبلوماسية السريّة، وحريّة الدول ذات السيادة بالدخول في أي حرب طالما أنها ترى في ذلك تحقيقًا لمصالحها، رأى أتباع هذا التيّار أن معالجة هذه الأسباب تكمن في إنشاء منظمة دولية تهدف إلى منع قيام حروب مستقبلية عبر نـزع السلاح، والدبلوماسية المفتوحة، والتعاون الدولي، تقييد حق الدول في إعلان الحرب، وتوقيع عقوبات صارمة على الدولة التي تقدم على إعلان الحرب، الأمر الذي يجعل من الأخيرة منفرة بالنسبة للأمم المختلفة، ومن هنا جاءت فكرة عصبة الأمم التي تم الإتفاق عليها في مؤتمر باريس للسلام، والذي رفضت الولايات المتحدة الأمريكية التصديق على ميثاقها أو الانضمام لها، حيث رأت أن النظام التأسيسي للعصبة محاولة من الدول الأوروبية الاستعمارية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى، وهو ما تحقق فيما بعد حيث أنتهى مؤتمر السلام بباريس إلى معاهدة فرساي[46]واتفاقية سايكس بيكو، تلك التي أودت بتقسيم دار الإسلام إلى كيانات سياسية، إما ذات صبغة قومية أو صبغة جغرافية كما جاء في معاهدة فرساي واتفاقية سايكس بيكو[47]، كما تم تفتيت أمة الإسلام إلى قوميات وإثنيات وشعوب داخل هذه الكيانات الجديدة، بالنهج الذي مهد له مؤتمر كامبل بلندن بين الدول الغربية الإستعمارية.

ولقد ثبت فيما بعد أن نهج الإستئثار إدى إلى أزمة إقتصادية عالمية عرفت بـ"أزمة الثلاثينات"، وكان أبرز ملامحها التفاوت الاقتصادي الكبير بين الأنظمة الديمقراطيّة (فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية)، والتي كانت تحتكر بمفردها 80% من الرصيد العالمي للذهب وتملك إمبراطوريّات استعماريّة ومناطق نفوذ شاسعة، وبين الأنظمة الدكتاتورية (إيطاليا، ألمانيا، اليابان) التي اعتبرت نفسها دولاً فقيرة وطالبت بإعادة تقسيم المستعمرات لضمان ما أسمته بالمجال الحيوي؛ وهو الأمر الذي أدى إلى تضارب المصالح وتزايد حدّة التوتّر في العلاقات الغربية وشكّل تهديدًا مباشرًا للسلام الأوروبـي، ولقد أدى التنافس - على القوة والتسلح والهيمنة والإستعمار - إلى فشل العصبة بسبب إنحيازها للكبار، حيث علق الدكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني قائلا "أن العصبة لا تتصرف إلا عندما تسمع العصافير تصرخ من الألم، أما عندما ترى العقبان تسقط صريعةً، فلا تحرّك ساكنًا"، وقاد هذا الفشل أوروبا من جديد إلى حرب عالمية ثانية تعد من أكبر الحروب الشمولية وأكثرها كُلفة في تاريخ البشرية، وذلك لاتساع بقعة الحرب وتعدّد مسارح المعارك والجبهات، شارك فيها أكثر من 100 مليون جندي، فكانت أطراف النـزاع دولاً عديدة والخسائر في الأرواح بالغة، وقد أزهقت الحرب العالمية الثانية زهاء 61 مليون نفس بشريةٍ بين عسكري ومدني، أي ما يعادل 2% من تعداد سكان العالم في تلك الفترة، فضلا عن ملايين اللاجئين المشردين الذين دمرت الحرب مدنهم بالكامل، وانهار الاقتصاد الأوروبـي ودمر 70% من البنية التحتية الصناعية لدوله المتحاربة، ولكن على عكس ما حدث في الحرب العالمية الأولى، فإن المنتصرين في المعسكر الغربـي لم يطالبوا بتعويضات من الأمم المهزومة، بل تصدت الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة ترتيب الوضع الدولي بصفتها دولة غير استعمارية، فقد أعلن وزير خارجيتها جورج مارشال "برنامج التعافي الأوروبي" والمشهور بمشروع مارشال، وطلب من الكونجرس الأمريكي أن يوظف مليار دولار لإعادة إعمار أوروبا، وذلك كجزء من الجهود لإعادة بناء الرأسمالية العالمية ولإطلاق عملية البناء لفترة ما بعد الحرب، وطبّق نظام بريتون وودز الاقتصادي[48]بعد الحرب، إذ يقوم هذا النظام النقدي الجديد على أساس «قاعدة الصرف بالدولار الذهبي» وعلى أساس «مقياس التبادل الذهبي»، وبذلك تحوّل الدولار الأمريكي من عملة محلية أمريكية إلى عملة احتياط دولية ربطت عملات دول العالم بها، مما أدى إلى سيطرة الدول المنتصرة فعليا على الشعوب الأخرى المنهزمة منها والضعيفة، غير أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت حذرة من هذا الإنتصار في ظل بداية حرب جديدة وباردة بين الشيوعية والرأسمالية، فكان هدفها من الإصلاحات بأوروبا هو كسب دعم الدول الأوربية للقطب الغربـي ومساهمتها في منع انتشار الشيوعية بأوروبا، وجاء حماسها لإنهاء النهج الإستعماري بسبب خوفها من احتواء الشيوعية حركات التحرر الشعبية من الإستعمار، خاصة بعد اكتشاف الغرب أن الشعوب المنبثقة من الأمة الإسلامية عصية وتتمتع بعدم قابليتها للاستعمار، إذ أخذ كل شعب جديد ضمن الكيانات الجديدة يسعى للاستقلال والتخلص من الاستعمار.

وما كانت الدول الإستعمارية لتقبل سريعا بهذا النهج لولا فلسفة الدبلوماسية التي جاءت بها فكرة عصبة الأمم لتحل محل الجيوش في مناطق النفوذ والمصالح، فقد اختار الغربيون حروب الدبلوماسية والجاسوسية بدلا من الحروب العسكرية للحفاظ على المكتسبات الإستعمارية السابقة، وتعتبر هذه الفلسفة نقلة نوعيّة في الفكر السياسي الإستعماري الذي كان سائدًا في أوروبا طيلة السنوات المائة السابقة، والتي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إنشاء هيئة الأمم المتحدة بمؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945م.

لقد حافظت هيئة الأمم المتحدة على جوهر فكرة عصبة الأمم الهادفة إلى هيمنة الغرب على العالم، مستخدمة القانون تارة، والدبلوماسية تارة، والأمر الواقع تارة أخرى، وتم ذلك من خلال إيجاد نظام دولي موحد يضم كل دول العالم ويحافظ على مصالح الدول الخمس الكبرى، خاصة بعد أن دخل عامل امتلاك وتطوير السلاح النووي حلبة المنافسة بين الكبار ليشكل حالة أطلق عليها "توازن الرعب"، ورغم أن أولى كلمات وثيقة الأمم المتحدة تنص على حفظ السلم والأمن الدوليين إلا أن المقصود بذلك هو السلم والأمن بين الكبار، حيث حفل نصف القرن الماضي بسلسلة من الحروب الدامية بين مختلف دول العالم باستثناء الدول الكبرى، وجاء النظام الدولي بديلا معدّلاً للنظام الاستعماري ومحافظا على مصالح ونفوذ الدول الكبرى بشكل لا يستفز الشعوب الممانعة لظاهرة الاستعمار، كالتالي:

أولا: اعتبار الدولة/القوم الوحدة الأساسية التي تشكل البنية الهيكلية للنظام الدولي، أما المنظمة المتشكلة من تلك الدول والحاضنة لها فهي هيئة الأمم المتحدة.

ثانيا: توحيد نمطية الدولة/القوم لكي تصبح الوحدة الأساسية متماثلة، ولا يتم الاعتراف دوليا بأي كيان سياسي وقبول عضويته في النظام الدولي ما لم يلتزم بالمعايير النمطية.

ثالثا: تقع مسؤولية السلم والأمن الدوليين على مجلس الأمن طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو أهم أجهزة الأمم المتحدة وله سلطة قانونية على حكومات الدول الأعضاء لذلك تعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء (المادة الرابعة من الميثاق)، ويتكون المجلس من 15 عضوا.

رابعا: منحت الدول المنتصرة بالحرب العالمية الثانية، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وانجلترا وفرنسا العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وأضيف لهم الصين[49]، كما منحت هذه الدول الخمس حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار لا توافق عليه أي واحدة منهم، وأصبحت هذه الدول الخمس دولا عظمى تتحكم في مصير الصراعات والحروب والأزمات السياسية والاقتصادية.