صفحة 1
مقدمة
نحمدك اللهم ونستهديك، ونستعين بك ونتوكل عليك، ونصلي ونسلم صلاة طيبة زاكية مباركة، على من ختمت به الشرائع وأرسلته رحمة للعالمين–سيدنا محمد- وعلى صحابته الذين اصطفيتهم من خلقك، وائتمنتهم على تبليغ شرعك إلى الناس كافّة. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته؛ إنّك لا تخلف الميعاد.!
أمّا بعد:
فإنّ السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية، وتأتي بعد القرآن الكريم في المنزلة: فهي مفسّرة له ومبينة. وحين نلقي نظرة في التشريعات الإسلامية، نرى أكثرها كان مبنيا على السنة النبوية. ولا ريب أنّ السنة هذه ثروة كبيرة واسعة زاخرة، تُستنبط منها الأحكام التشريعية، ويُؤخذ منها ما يحتاجه الناس في كل زمان وفي كل مكان، وقد سجلت كل كبيرة وصغيرة من سيرة النبي وهديه في الأقوال والأفعال، وبخاصّة بعد أن أكرمه الله بالنبوة. لقد كانت الدقة في تسجيل سيرته وتبيان سنته في التشريع والأخلاق، تُعدُّ خصيصة من خصائص الأمّة الإسلامية تفقدها سائر الأمم، وهيهات أن نجد نبيا من الأنبياء أو رسولا من الرسل فضلا عن غيرهم اهتمّ أتباع أي واحد كان منهم بكتابة سيرة ذلك النبي أو الرسول، وتبيان أحكامه وتوجيهاته بالسند الصحيح المتصل، كما نجد ذلك في الأمّة الإسلامية. وكان الفضل في ذلك لفرسان الأسانيد الذين تحمّلوا التعب والنصب، وحرموا أنفسهم من الراحة، من أجل تبيان صحيح الحديث من ضعيفه وموضوعه؛ إذ لولاهم لضاع الكثير من منهاج النبي وتشريعاته وأخلاقه. أجل، إنّ السنة النبوية تحتوي على أصول مهمة في التشريعات والقيم والمثل، بلّغها النبي الكريم في ثلاث وعشرين سنة هذه الثروة من السنة قيّض الله لها من يهتم بها منذ فجر الإسلام الأوّل: إنّهم فرسان الأسانيد. وكل من يتأمّل باهتمام المسلمين بالإسناد منذ ذلك الوقت، يُدرك أنّ الله تكفّل بحفظ سائر الوحي إلى نبيّه محمد من إفك الدساسين وافتراء المفترين كما تكفّل بحفظ القرآن الكريم قال تعالى:
ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ سورة الحجر/ ٩
وإذا كان من العلماء من ادعى بأنّ الله تكفّل بحفظ القرآن الكريم وحده ولم يتكفّل بحفظ سائر الوحي الذي ليس بقرآن؛ فإنّ ابن حزم الظاهري ردّ على هذه الدعوى فقال:
((هذه دعوى كاذبة، مجرّدة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل،وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى: ﭽﯵﯶﯷﯸﯹ ﯺﭼ؛ فصحّ أنّ من لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها. والذكر: اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيّه من قرآن أو من سنّة وحي يبين بها القرآن. وأيضا فإنّ الله تعالى يقول: ﭽﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ؛ فصحّ أنّه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس))( ).
وهكذا قيّض الله لسنة نبيّه رجالا ذوي حافظة لا مثيل لها بين الأمم، طافوا شتى الأقطار والأمصار طلبا للحديث الشريف بإسناده، وتحمّلوا من التعب والنصب ما لم يتحمّله غيرهم، وأنفقوا في سبيل ذلك ما كان معهم من مال، فمحّصوا أسانيد الأحاديث النبوية، ودرسوا حياة كل راو من الرواة، ووضعوا القواعد في الجرح والتعديل، وأوجدوا الضوابط للحكم على الحديث بالصحة أو السقم؛ فجاءوا بعلم لم يسبقهم إليه سابق.
وهذا البحث يميط اللثام عن جانب مهم من جوانب اهتمام سلفنا بالإسناد، وبخاصّة ما قام به التابعون. ولا يفوتني أن أذكر أنّي أفدت في كتابة هذا البحث من الكتاب الممتع (الإسناد من الدين) للشيخ الفاضل عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله! داعيا من الله أن ينفعني به وينفع قارئه، ومن الله –وحده- السداد والتوفيق.
صفحة 2
الإسناد الصحيح المتصل
من خصائص الأمة الإسلامية
تعريف الإسناد
الإسناد لغة: مصدر أسند بمعنى (اعتمد)، وكل ما يستند إليه ويعتمد عليه من حائط أو غيره فهو سند. ويُقال: أسند الحديث: أي رفعه، فهو: رفع الحديث إلى قائله.
الإسناد اصطلاحا: هو الطريق الموصل إلى المتن: أي سلسلة رواة الحديث الموصلة إلى المتن.
وقد سُمّي الإسناد إسنادا؛ لأنّ الحفاظ يعتمدون عليه في الحكم على صحة الحديث أو ضعفه. ويُستعمل (السند) و(الإسناد) كل منهما في موضع الآخر( ). وينصُّ السمعاني على أنّ صحة الحديث لا تُعرف إلا بالإسناد الصحيح فيقول:
((...وألفاظ رسول الله لابد لها من النقل، ولا تُعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تُعرف إلا برواية الثقة عن الثقة، والعدل عن العدل))( ).
ويُطلق (بهز بن أسد) على الإسناد الصحيح مصطلح العدول المرضيين فيقول:
((هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض))( ).
ويقول:
((لو أنّ لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يُؤخذ فيه بالعدول))( ).
ولا يكون الإسناد صحيحا إلا إذا اجتمعت في كل راو من رواته صفتان اثنتان هما: العدالة والضبط.
أمّا العدالة، فهي صفة راسخة في النفس، تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، فهي صفة نفسية، تحمل صاحبها على التخلّق بمحاسن الإخلاق وجميل الصفات.
والعدل: هو المسلم، البالغ، العاقل، السالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو الإصرار على صغيرة. وتثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأمثالهم، كما تثبت -أيضا- بتنصيص اثنين من العلماء على عدالته.
وأمّا الضبط، فهو أن يكون راوي الحديث يقظا غير مغفّل، وأن يكون قوي الحافظة إذا حدّث من حفظه من وقت تحمّل الحديث إلى وقت الأداء، فيستطيع استحضار الحديث متى شاء. ويُعرف ضبط الراوي بمقارنة مروياته بمرويات الثقات المتقنين.
وأمّا اتصال السند، فيكون بنقل الراوي العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، حتى يصل إلى النبي.
صفحة 3
قوة حافظة العرب قبيل مبعث النبي
كانت الأمّة العربية قبيل مبعث النبي أمّة أميّة، لا يعرف القراءة والكتابة فيها إلا القليل منهم. لذلك اعتمد الناس –آنذاك- في رواية مفاخرهم وأمجادهم وحروبهم ووقائعهم وأشعارهم وخطبهم ومثالب أعدائهم على الحفظ في الذاكرة، ومعلوم أنّ من يعتمد في حفظه على الذاكرة تتكون فيه ملكة قوة الحفظ أكثر من غيره؛ لذلك قويت الحافظة في العرب: فكان منهم من يسمع القصيدة الكثيرة الأبيات، فيحفظها لسماعه لها مرّة واحدة، يستوي في ذلك العامّة والخاصّة، والصغار والكبار، والذكور والإناث، وهناك قبائل عربية كانت مشهورة معروفة بقوة الحفظ، ومن اشهر تلك القبائل: (قبيلة كلب). ويروي الاصمعي عن عوانة بن الحكم قال: لقي رجل اعرابياً فقال له: (ممن الرجل؟ قال: من قومٍ اذا نسي الناس علمَهم حفظوه عليهم. قال: انت اذن من كلب، قال :أجل)( ).
وظلّت بقيّة باقية عند المتأخرين منهم حتى قال الأصمعي:
((ما بلغت الحلم حتى رويتُ اثني عشر ألف أرجوزة للأعراب))( ).
وهكذا صار كثير منهم سجلا للتاريخ يُهرعُ إليهم في المفاخر والمثالب. وإذا علمنا أنّ الأمة العربية أمّة شاعرة، أدركنا أنّ العرب كانوا يحفظون الأشعار في الذاكرة، ويُحفّظونها لأبنائهم، ويروي تلك الأشعار الخلف عن السلف.
وإذا كان الأمر –كما يُقال-: إنّ الله إذا أراد شيئا هيّأ أسبابه، فإنّ قابلية الحفظ في الذاكرة هيأها الله للأمة العربية؛ ليقوم الناس بحفظ كتاب الله وسنة نبيه وتبليغها إلى الناس كافّة.
رحلة الصحابة في طلب الحديث
بعد أن توفي النبي، حرص قسم من الصحابة على طلب الحديث الذي لم يسمعوه، والتأكّد من روايته. فهذا جابر بن عبد الله يرحل من المدينة إلى الشام، ويستغرق سفره شهراً كاملاً من أجل أن يسمع حديثا واحدا من عبد الله بن أُنيس كان قد سمعه من النبي( ). ولم تكن هذه الرحلة الوحيدة التي قام بها جابر بن عبد الله من أجل حديث واحد، فقد سار من المدينة إلى مصر بعد أن اشترى له راحلة فركبها، ووصل إلى عقبة بن عامر، فسأله عن حديث واحد، وانصرف قافلاً إلى المدينة( ).
صفحة 4
أمّا أبو أيوب الأنصاري، فقد رحل من المدينة إلى مصر ليلتقي عقبة بن عامر، ويتأكد من حديث كان (أبو أيوب) قد سمعه من النبي، وشاركه في هذا السماع عقبة بن عامر في ستر المسلم؛ إذ لم يبق أحد سمعه من النبي غيرهما..فلمّا سمع الحديث من عقبة ((من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية( ) ستره الله يوم القيامة)) عاد إلى راحلته، فركبها راجعا إلى المدينة وما حلّ رحله( ).
ويعلّق الحاكم النيسابوري على هذه الحادثة فيقول:
((فهذا أبو أيوب الأنصاري على تقدّم صحبته، وكثرة سماعه من رسول الله، رحل إلى صحابي من أقرانه في حديث واحد، لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه لأمكنه))( ).
رحلة التابعين في طلب الحديث
اقتدى التابعون بالصحابة في طلب الحديث، وأبلوا بلاءاً حسناً في ذلك، ولقد فاقوا الصحابة في رحلاتهم في طلب الحديث؛ ذلك لأنّ الصحابة تفرّقوا في الأمصار بعد أن اتسعت الفتوحات الإسلامية، فكان منهم في مكة، والمدينة، والشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، واليمن... فلابد لمن يريد أن يحيط علما بأحاديث النبي أن يرحل إليهم. ولقد كان التابعي يخرج وما يُخرجه إلا حديث يريد سماعه من الصحابي الذي سمعه من النبي. وهكذا حمل التابعون ومن جاء بعدهم الأمانة نفسها بتلك القوة، وذلك الحرص؛ فبلّغوا عن النبي ما يجب وما يُستحب تبليغه.
ولقد كان التابعون حريصين على سماع الحديث من أفواه الصحابة الذين سمعوه من النبي، فلم يكتفوا بذكر السند وحده، بل كانوا يقطعون المسافات الطويلة في الفيافي والقفار، ويتحملون مشقات السفر من أجل ذلك، وقد قال أبو العالية (رفيع بن مهران) المتوفى سنة 93هـ:
((كنّا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله، فما رضينا حتى رحلنا إليهم، فسمعناها من أفواههم))( ).
وقال بشر بن عبد الله الحضرمي المتوفى سنة (110هـ):
((إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه))( )
صفحة 5
وقال سعيد بن المسيّب المتوفى سنة (94هـ):
((إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد))( ).
وحدّث سيد التابعين الإمام عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى سنة (104هـ) مرّة بحديث عن النبي، ثم قال لمن حدثه به:
((خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة))( ).
ولا غرو، فقد خرج الشعبي في ثلاثة أحاديث ذُكرت له، فقال: لعلّي ألقى رجلاً لقي رسول الله( ).
أمّا أبو قلابة عبد الله بن زيد المتوفى سنة (104هـ) فقد قال:
((لقد أقمت في المدينة ثلاثاً، ما لي حاجة إلا وقد فرغت منها، إلا أنّ رجلاً كانوا يتوقعونه كان يروي حديثاً؛ فأقمت حتى قدم فسألته))( ).
لقد كان طلاب الحديث حريصين على أن يشدوا الرحال من بلد إلى بلد آخر؛ من أجل أن يلقوا المحدثين الكبار ويرووا عنهم ((فقد رحل ابن شهاب إلى الشام ليلقى عطاء بن يزيد، وابن محيريز، وابن حيوة، ورحل يحيى بن أبي كثير إلى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة، ورحل محمد بن سيرين إلى الكوفة، فلقي بها عبيدة وعلقمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ورحل الأوزاعي إلى يحيى بن أبي كثير باليمامة ودخل البصرة، ورحل سفيان الثوري إلى اليمن ثم دخل البصرة، ورحل عيسى ابن يونس إلى الأوزاعي بالشام...))( ).
وهكذا كثرت رحلات التابعين من أجل طلب الحديث بالإسناد.
ولقد بلغ حب طلب الحديث لدى السلف مبلغاً هيهات ان يصله احد، حتى قال شعبة بن الحجاج: (من حدثني فانا له عبد). أما الحافظ (ابن منده)، فقد بلغ حبه في نشر الحديث وتبليغه الى طلبته ان قال: (من حدثتُه فأنا له عبد)( ).
ولا بد لنا ان نشير هنا الى ان الرحلة في ذلك الزمان كانت غير مأمونة العواقب، فكان الرحالون يتعرضون للأخطار من قطاع الطرق، والحيوانات المفترسة، واهل المذاهب المارقة، وفي صحبتهم: الجوع والعطش؛ لذلك كان ابراهيم بن ادهم يقول: (إن الله ليدفع البلاء عن الامة برحلة الحديث)( ).
صفحة 6
ووصف اسلم بن سليمان حالته في رحلته الى (مروٍ) لسماع الحديث من عبد الله بن المبارك وهو وصف للمرتحلين في طلب الحديث-آنذاك- فقال:
خلّفتُ عرسيَ يوم السير باكية
خلّفتها سَحَراً في النوم لم أرها
اهلي وعرسي وصبياني رفضتهمُ
اخاف والله قطّاعَ الطريقِ بها
مستوفزاتٍ بها رقشٌ مًشوهةٌ
إجلسْ لنا كل يومٍ ساعةً بكراً
يا اهل مروٍ أعينونا بكفكمُ
لا تضجرونا فإنا معشر صُبُرٌ
يا ابن المبارك تبكيني بِرنّاتِ
ففي فؤاديَ منها شبه كَيّات
وسرت نحوك في تلك المفازاتِ
وما أمنت بها من لدغِ حيّاتِ
أخافُ صولتها في كل ساعاتي
إن خَفَّ ذاك وإلا بالعشيَّات
عنا وإلا رميناكمْ بأبيات
وليس نرجو سوى ربِ السمواتِ
صفحة 7
كثرة طلبة الحديث بالإسناد بعد عصر التابعين
وإذا تجاوزنا عصر التابعين إلى ما بعده، رأينا العجب العجاب من إقبال طلبة الحديث على علمائه بالإسناد، حتى إنّ الإنسان لا يكاد يُصدّق ما يقرؤه عن أعداد تلك الجموع، لولا أنّ الذين نصّوا على ذلك محدثون ثقات لا يشك الباحث المنصف في صدقهم وتحرّيهم الدقة فيما يكتبون، وبخاصّة ما ذكره الحافظ الذهبي وابن حجر العسقلاني وأمثالهما.
لقد أقبل طلبة الحديث على سماع وتدوين دروس الحديث بالأسانيد، فإذا علم الطلبة بحضور محدّث إلى بغداد أو غيرها من مراكز العلم، أسرعوا الخطا إلى حضور دروسه، شغفا بحديث النبي بالإسناد. وقد نقل الذهبي ما ذكره أبو حاتم الرازي حين حضر مجلس سليمان بن حرب المتوفّى سنة (224هـ) فقال: إنّ من حضر مجلسه حزر بأربعين ألفا( ). وقُدّر من حضر دروس عاصم بن علي المتوفى سنة (221هـ) بأكثر من مائة ألف( ). وذكر الفربري أنّه سمع (الجامع الصحيح) من البخاري تسعون ألفاً( ). أمّا أحمد بن جعفر الخُتُلّيُّ، فكان في مجلسه سبعة مستملين، يبلّغُ كل واحد منهم الآخر، ويكتب الناس عنه قياماً( ).
كثرة شيوخ الرواية بالإسناد خارج البلاد
لم يرحل الراحلون في طلب الحديث بالإسناد خارج بلادهم إلا بعد أن يستوعبوا الرواية من المحدثين الذين في بلادهم، وبعد ذلك يعمدون إلى الرحلة في شتّى الأقطار والأمصار طلبا للحديث، وسئل الإمام أحمد ابن حنبل: أيرحل الرجل في طلب العلم؟ فاستحسن الإمام أحمد الرحلة في ذلك، ذاكرا أنّ (علقمة بن قيس النخعي) و(الأسود بن يزيد النخعي) -وهما من أهل الكوفة بالعراق- يبلغهما الحديث عن عمر بن الخطاب، فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه -إلى المدينة المنورة- فيسمعانه منه( ). وكثيرا ما تكون ثقة الناس بالعلماء الذين يرحلون في طلب العلم أكثر من ثقتهم بمن لم يرحل، حتى قالوا: ((من لم يرحل فلا ثقة بعلمه))( ).
وقال يحيى بن معين: اربعة لا تؤنس منهم رشداً، وذكر منهم (ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث)( ).
صفحة 8
وقال أبو الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ:
((وينبغي لطالب الحديث ومن عُني به أن يبدأ بكتب حديث بلده، ومعرفة أهله منهم، وتفهمه وضبطه، حتى يعلم صحيحها وسقيمها، ويعرف أهل التحديث بها وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديماً وحديثاً، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه))( ).
وهكذا كثرت رحلة طلاب الحديث خارج البلاد حتى أخذ بعضهم عن أكثر من ألف شيخ من الشيوخ. فهذا الإمام الحافظ محمد بن المسيّب النيسابوري يُنقل عنه قوله:
((ما أعلم منبراً من منابر الإسلام بقي عليّ لم أدخله لسماع الحديث))( ).
وليس المراد بقوله هذا تطوافه بمنابر الإسلام كلها، ولكنّه يريد تطوافه بالمنابر المهمة في رواية الحديث بالإسناد. وقد رحل أحمد بن موسى الجواليقي المتوفى سنة(306هـ) إلى البصرة ثماني عشرة مرة من أجل أن يسمع ما يرويه علماؤها من السنن التي تفرّد بها (أيوب بن كيسان السختياني) المتوفى سنة (131هـ).
وقال عبد الله بن المبارك:
((حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف شيخ))( ).
وقال محمد بن إسماعيل البخاري:
((كتبت عن ألف وثمانين رجلاً)).
وقال:
((دخلت بلخ، فسألوني أن أُملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثا؛ فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم))( ).
وكتب الحافظ أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلّد الأندلسي السرقسطي عن أكثر من ألف شيخ( ).
أمّا ابن مندة محمد بن إسحق، فقد سمع من ألف وسبعمائة شيخ، وقال الذهبي فيه:
((ولم أعلم أحدا كان أوسع رحلة منه، ولا أكثر حديثاً منه، مع الحفظ والثقة))( ).
أمّا أبو عبد الله الحاكم، فقد أخذ عن نحو ألفي شيخ( ).
صفحة 9
وزاد عدد شيوخ أبي يعقوب إسحق بن إبراهيم السرخسي القرّاب على ألف ومائتي نفس))( ).
وقال محمد بن حبان:
((لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ))( ).
وبلغت مشيخة السمعاني سبعة آلاف شيخ( ).
إنّ هذه الجهود التي بذلها رواة الحديث بالإسناد، هي التي جعلت ابن حبان يقول:
((فرسان هذا العلم: الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهدوهم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الديار والأوطان في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالوجل والأسفار، والدوران في جميع الأقطار، حتى إنّ أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدخلَ مضلّ في السنن شيئا يضل به، وإن فعل فهم الذابّون عن رسول الله، والقائمون بنصرة الدين ضدّ ذلك الكذاب))( ).
الدقة في حفظ نص الحديث
تشدد رواة الحديث في المحافظة على رواية الحديث بنصّه وبفصّه، فلم يتساهلوا بوضع حرف مكان حرف آخر-ولو بحرف الواو أو الفاء- فيروي الراوي الحديث كما هو من غير زيادة ولا نقصان. ولقد كان النبي حريصاً على أن يتقيّد الصحابي باللفظ نفسه الذي يتلفظ هو به. مثال ذلك: الدعاء الذي علّمه النبي للبراء بن عازب إذا أخذ مضجعه في النوم. فلمّا أعاد البراء قراءة الحديث، جعل كلمة (وبرسولك) مكان (وبنبيك)؛ فنبهه النبي أن يقول: (وبنبيك)( ).
واقتدى الصحابة بالنبي في دقة حفظ الحديث، فلمّا سمع عبد الله بن عمر رجلاً يقرأ حديث أركان الإسلام الخمسة، فقدّم وآخر فيها، مخالفا بذلك الرواية التي سمعها ابن عمر من النبي، فقال له ابن عمر: ((اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من فيِّ رسول الله))( ).
وظل الأمر بالتقيّد بلفظ النبي سارياً في عصر التابعين ومن جاء بعدهم وإن تساهل بعضهم بالحروف أو المعاني. ونجد (سليمان بن مهران) المعروف بالأعمش المتوفى سنة 148هـ يقف موقف إعجاب أمام الدقة في حفظ نص أحاديث النبي فيقول:
((كان هذا العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخرَّ من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واوا أو ألفا أو دالا...))( ).
صفحة 10
لذلك نجد من رواة الحديث من كان يتحرّج حتى من تغيير اللحن، ويبقي الكلام الذي سمعه من الراوي كما هو؛ فيبقي كلمة (لغيت) بدل (لغوت)( )، و(عوثاء السفر) بدلا من (وعثاء السفر)( )، وقد قالوا: بأنّ ابن سيرين ((كان يلحن كما يلحن الراوي))( ). كل ذلك من أجل الحفاظ على نص الحديث الذي بلغهم بإسناده.
إنفاق المال في طلب الحديث بإسناده
سرى حب طلب الحديث بإسناده في دماء طلبة العلم، وهان عليهم كل شيء من أجله. وإذا كان الناس في العصر الحديث يتخذون ما برعوا به من علوم وسيلة لكسب المال وزيادة الثروة، فإنّ رواة الحديث كانوا على عكس ذلك؛ فأنفقوا ما كان معهم من مال ورثوه عن آبائهم، أو حصلوا عليه بجدهم ونصبهم في طلب الحديث. فهذا الإمام (يحيى بن معين) توفي والده، وترك له ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم (مليونا وخمسين ألفاً) فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسه( ).
وهذا علي بن عاصم بن صهيب يقول:
((دفع إلي أبي مائة ألف درهم وقال: إذهب فلا أرى لك وجها إلا بمائة ألف حديث))( ).
أمّا هشام بن عبيد الله الرازي فكان يقول:
((لقيت ألفاً وسبعمائة شيخ، أصغرهم عبد الرزاق، وخرج منّي في طلب العلم سبعمائة ألف درهم))( ).
أخذ الأجرة على التحديث
وإذا كان أكثر الذين قاموا بالرحلة في طلب الحديث لا يبتغون من وراء ذلك مالاً، حتى شاع قولهم: ((علّم مجاناً كما عُلّمت مجانا))( )، إلاّ أنّه وجد في الرحّالين من صار يأخذ الأجرة على تحديثه، وذلك كيعقوب ابن إبراهيم بن سعد( ). ولم يرتض هذا كبار المحدثين: فقد استنكروه، وحذّروا طلاب الحديث من السماع منهم، فكان شعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160هـ، يدعو طلاب الحديث إلى الأخذ عن العلماء الأغنياء، وكان يقول: ((لا تكتبوا عن الفقراء شيئا))( ). واستمر علماء الحديث في إلقاء أحاديثهم من دون مردود مالي، فكان منهم من يتنزّه عن أخذ الهدية ويعدُّها رشوة من طالب الحديث، وكان منهم من لا