eKtab
EN ع
الأصول المعرفية لمناهج البحث في الفكر الوضعي والفكر الإسلامي
اقرأ عينة مجانية

الأصول المعرفية لمناهج البحث في الفكر الوضعي والفكر الإسلامي

بقلم د. طارق الصادق عبد السلام

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل

تميز العصر الحديث بعد إنقضاء عصر التنوير ، بإضمحلال سلطة الكنيسة وضعف التدين، وإتسم بالإتجاه القوي نحو المادية، وسيطرة النزعة الفردية على وجهة الفلسفة والفكر، وظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتي ضد الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ونهوض العلم الطبيعي والتجريبي وتحقيقه منجزات هائلة، أثمرت في منفعة الإنسان في حياته اليومية المادية والملاحظ أن هذا العصر يعج بالتيارات والمذاهب والإتجاهات الفلسفية المتصارعة المتناقضة، مما قدم وفرة في وجهات النظر والأفكار بشأن الفلسفة وطبيعتها ومنهجها.[1]
وتحول الفلاسفة والمفكرون في العصر الحديث عن منهج الفلسفة التأملي واللاهوتي ومنطقها الذهني التجريدي الذي لا يأبه بالنتائج العملية التطبيقية إلى المنهج الاستقرائي التجريبي الذي ظهر على يد الفيلسوف فرانسيس بيكون، وحذت علوم كثيرة حذو العلم التجريبي الطبيعي، ونفضت يدها من الفلسفة التأملية، وتمردت عليها، وقد تطلع فلاسفة العصر الحديث إلى إنشاء فلسفة جديدة، أقامها أصحاب الإتجاه العقلي على العقل، وأقامها أصحاب الإتجاه التجريبي على الملاحظة والتجربة، وبعد أن كانت الفلسفة القديمة متجهة إلى الوجود، إتجهت الفلسفة الحديثة إلى المعرفة، فإهتمت بالبحث في المعرفة، ودراسة طبيعتها للوقوف على حقيقة العلاقة التي تربط بين الإدراك، والأشياء المدركة، وأدى ذلك إلى جدل عنيف بين أنصار المثالية وأنصار الواقعية المادية.
وقد دار بحث معرفي أبستمولوجي عميق حول أدوات المعرفة ومصادرها، واشتد الجدل بين المذاهب الفلسفية حول هذه المصادر المعرفية وأدواتها، وبلغ حد الشك في إمكانية المعرفة الصحيحة أصلاً، ودار خلاف بين أنصار مذهب التيقن والقطع وأنصار مذهب الشك، وبعد أن كانت الفلسفة القديمة تهتم بالوجود، وتنظر إلى المعرفة من خلاله، إهتمت الفلسفة الحديثة بالمعرفة ونظرت إلى الوجود من خلالها، وبرزت إتجاهات فلسفية تعالج قضية المعرفة والعلوم والوجود الإنساني، ومن هذه الإتجاهات الفلسفية الوضعية عند أوجست كونت، والفلسفة الوضعية المنطقية أو التجريبية المنطقية، والفلسفة العملية النفعية البرجماتية، والفلسفة الوجودية، والاتجاهات الفلسفية الاشتراكية الماركسية، وكان لهذه التيارات والمذاهب الفكرية الفلسفية أثر كبير على الأصول المعرفية لمناهج البحث .
ويهدف هذا المساق إلى التعريف بالاصول والمرتكزات الفكرية ، والمرجعيات الفلسفية التي تقوم عليها مناهج البحث في الفكر الغربي،وبيان أن مناهج البحث ترتكز كليا على المقولات الاساسية التي تشكلها الرؤية الكلية وتصبغ عليها صبغتها ،وعليه يصبح القول بان هذه المناهج تقوم على موضوعية أو على عدم تحيز أو عدم الارتكان الى ايديولوجية ما هو خطل ولا أساس له من الصحة، ومن ثم عرض إسهامات العلماء المسلمين العلمية خصوصا في الجوانب الطبيعية والتطبيقية ،ومعرفة الأصول المعرفية لمناهج البحث التي إرتكزوا عليها ،مما يبن قواعد البحث العلمي في الفكر الإسلامي ، ومن ثم الوقوف على المؤشرات المنهجية في القرآن الكريم التي كانت القواعد الهادية للتفكير المنهجي السليم لدي علماء الاسلام ،الذي مكنهم من انشاء منهج يقوم على الإستقراء التفكر والتدبر ومن ثم تعميق النظر وانجاز المنهج الذي يقوم علي التجريب والتمحيص، توطئة لفهم مقتضيات الأصول المعرفية للتفكير المنهجي في الإسلام.

صفحة 2

الفصل الأول

الإصول المعرفية لمناهج البحث في الفكر الغربي

أولا:التطور التاريخي للاصول المعرفية

لمناهج البحث في الفكر الغربي
تعد الفلسفة اليونانية القديمة هي الجذور الأساسية التي بنيت عليها المنهجية المعرفية فيما بعد عصر التنوير ، إذ أنه بعد ما حسم الصراع بين العلم والدين اللاهوتي لصالح العلم ، أصبح من الضروري شغل الفراغ الفلسفي-والمرجعيات المعرفية - الذي خلفه إبعاد الدين عن العملية المعرفية ، فاتجه فلاسفة ذلك العهد إلي الجذور الفلسفية اليونانية القديمة وأخذوا منها ما يتلاءم مع أفكارهم الجديدة وطرحوا ما يتعارض معها ، ومن ثم أخذوا في صياغة نظم معرفية جديدة أصلوا لها من مورثهم الفكري في الفلسفة اليونانية القديمة.
وتمثل جوهر فلسفة التنوير في النقد الاجتماعي بمعنى النظر إلي النظام الاجتماعي من منظور نقدي بواسطة النشاط العقلي، ولقد مهد فلاسفة التنوير بأفكارهم النقدية للمجتمع الأوربي لنشأة وتشكيل الحركات الفكرية والسياسية في القرن التاسع عشر والتي تعد مسئولة إلي حد كبير عن نشأة علم الاجتماع الوضعي.
ولقد كانت فلسفة التنوير استجابة للأوضاع المادية والفكرية والسياسية التي سادت في هذه الفترة حيث شهد العلم الطبيعي والتقدم الصناعي نشأة الأسس المادية في المجتمع الإقطاعي ذي النزعة الفلسفية اللاهوتية التي لا تؤمن بقدرة العقل ونشاطه ، وقد نادى فلاسفة التنوير بتغيير النظم الاجتماعية غير المتطابقة مع منطق التفكير العقلي ، وقد ساعد على ذلك التقدم الكبير في مجال العلوم الطبيعية والبيولوجية والتقدم الصناعي والتكنولوجي وما ترتب عليه من تغييرات واسعة في المجتمع .
ولقد هيأت الظروف مناخاً مواتياً لذيوع وانتشار فلسفة التنوير النقدية في أوربا وفي فرنسا بصفة خاصة، وظهرت الحركات الفكرية النقدية التي سادت مجتمعات أوربا حيث نجد ديفيد هيوم وآدم سميث " المفكرين الاسكتلنديين "وعبرت بعض الآراء الثقافية عن نقد فكرة القانون الطبيعي وقدم آخرون انتقادات للمجتمع البرجوازي في القرن التاسع عشر " الاشتراكية البريطانية " ، كما ظهر النقد الهيجلى في ألمانيا وكان له أثر كبير في تشكيل الجوانب النظرية والمنهجية في علم الاجتماع.
عموما كانت الفلسفة النقدية هي الفلسفة التي كانت تتزايد في مواجهة المجتمع التقليدي "الإقطاعي " والعقلية اللاهوتية والغيبية لإحلال العقلية العلمية محلها وفي مواجهة الأخيرة ظهرت اتجاهات أكثر نقدية وراديكالية لنقد وتفنيد النظام الرأسمالي لما ينطوي عليه من استغلال الإنسان، وبظهور البيان الشيوعي عام 1848م اندلعت الثورات ونمت الأحزاب الاشتراكية وأصبح من المألوف في ذلك الوقت أن يناقش الناس في كل مكان المعتقدات التقليدية، ويبدون رأيهم في النظم الاجتماعية ، لذا ظهرت تيارات منها العقلاني التصوري والتيار الامبيريقي القائم على الاحتكام إلي الواقع من خلال أسلوب الملاحظة.
في ظل هذه الظروف والأوضاع التي تتلخص في قيام الثورة الصناعية وما صاحبها من تغيرات على مستوى الفكر بقيام الثورة الفرنسية والثورة الثقافية في ألمانيا والفلسفة الوضعية الليبرالية ، كل هذه الأوضاع خلقت مناخاً مواتياً في انقسام المفكرين في النظر إلي الوقائع والظواهر الاجتماعية أو المشكلات الاجتماعية من منظور أيديولوجي مؤيد لنظام اجتماعي أو مؤيد لنظام اجتماعي آخر ، وكليهما ينطلق من مداخل مختلفة ورؤى مذهبية متباينة غير أنها تلتقي في الأساس المادي والمسلمات الفلسفية التي تنبني على فكره المادي المحسوس ، وتباين المداخل المذهبية أدى لقيام علم الاجتماع ذو توجهات متمايزة تنحصر في المحافظة والراديكالية والتي تعتبر الأسس التي مازال علم الاجتماع حتى يومنا هذا يستقي منها المقولات المحورية والأطر المرجعية و ما يشكل الجوانب الأبستمولوجية له.
وقد أصطنع دوركاديم ـ فيما يسمى بعلم الاجتماع الدوركايمي أبستمولوجية تشير إلي أن الحقيقة والمعرفة أساسها الدين والمجتمع[1]، وأن الفرد في مدركاته ومعارفه ، إنما يتغذى على أفكار المجتمع وتصوراته ، ومعلوم أن دوركاديم يعنى بالدين التصورات الميتافيزيقية التي يستنبطها الإنسان من بيئته المجتمعية ليضفي عليها هالة قدسية تسمى بالدين.

صفحة 3

اولا:فجر الثقافة اليونانية " العلم الأيوني "

يؤرخ لبداية فجر الثقافة اليونانية بعهد هوميروس مؤلف الإلياذة* حتى أن صاحب كتاب تاريخ العلم أطلق على هذه الحقبة العصر الهوميري ، هو يقول في ذلك " كان هوميروس حقاً بشير الثقافة اليونانية والثقافة الأوربية، والثقافة الغربية ، وهو بشير يبلغ من الفحولة أنه حتى يومنا هذا لا يزال يطل علينا من عليائه "[2]ويعد هوميروس معلم اليونان الأول ، ويرى فيه أكسينو فانيس معلم الناس جميعاً، أما استحقاقه للقب معلم اليونان فيبرهن عليه تاريخ جميع الشعوب التي تتكلم اليونانية إلى يومنا هذا، والواقع أن هوميروس لم يكن معلم اليونان فحسب بل هو أحد معلمي الإنسانية، فهو الذي علم اللغة اليونانية، فمؤلفاته الخالدة ساعدت على توحيد تلك اللغة، ثم أن أشعاره أصبحت إنجيلاً للشعب اليوناني، وجعلوا منها لأنفسهم وأبنائهم نماذج للشرف والذوق السليم[3] .
وتزامن في نفس العصر الهوميرى ظهور صاحب الأوديسة هوميروس الثاني، وتنطوي الأوديسة على مغزى خلقي وهي ذات أهداف تعليمية، على أن الفرق كبير في الطابع والموضوع بينهما فالإلياذة قصة حروب على حين أن الأوديسة قصة سلام، ثم أن الإلياذة والأوديسة كانتا البداية لتعليم مبادئ العلوم الحديثة من تاريخ وجغرافيا وطب والفنون والحرف الأخرى[4]، وبذا تعد هي البدايات الأولى للفكر اليوناني الذي شكل المفاهيم الأساسية للحضارة الغربية الحالية، وكانت البدايات الفكرية للفلاسفة اليونان اللاحقين.
هذا وقد سبقت أيضاً مرحلة أفلاطون بعض البحوث التي تعد من الكتابات الأساسية التي شكلت الثقافة اليونانية وأرست قواعد التفكير الاجتماعي في اليونان ومن هذه البحوث:ـ
قصيدة الأعمال والأيام:ـ
وتعد هذه القصيدة هي الفلسفة التي اختطها هسيودوس، وتنقسم إلى أربعة قضايا، أولها عظة لأخيه الأصغر ومجموعة من القواعد الزراعية والملاحية، ومبادئ أخلاقية ودينية، وأخيراً تقويم للأيام السعيدة والمشئومة. وقد تضمنت هذه القصيدة مجموعة من القواعد التي ينبغي أن تقام عليها الحياة الاجتماعية السليمة في نظره، وقد ركز على فكرتي العمل والعدالة[5]. وتضمنت أيضاً مبادئ لقضية التطور والتغير في تقسيمها للعالم إلى عصور خمسة وهي عصر الذهب أي عصر السلام والكمال، وعصر الفضة وهو أقل من عصر الذهب صفاءً ونبلاً، وعصر البرونز وهو العصر الرابع الذي يشير على ما يبدو إلى النهضة الميونية التي ألهمت ذكراها أشعار هوميروس ، وأخيراَ عصر الحديد وهو العصر الحالي[6] والقصيدة الأخرى هي قصيدة أصل الآلهة وهي منسوبة أيضاً إلى هسيودوس . ويعالج فيها قضية الدين ونشأته وعلاقة عالم الآلهة بعالم البشر ، وأن التلاقح بين العالمين أنتج قادة الناس في هذا العالم.
تلي هذه المرحلة مرحلة العلم الأيوني القديم هي الأشعار المنسوبة إلى طائفة يطلق عليها اسم الحكماء السبعة ، وقد جاءت أفكارهم محتوية على كثير من الحكم والأمثال التي تدعو إلي العدالة الاجتماعية وتقرر المعايير للعلاقات والمعاملات بين الأفراد[7] وقد ظهر هؤلاء في القرن السادس وهم طاليس، كليوبولس ، بياس ، بيتا قوس، سولون برباندروس، وخليون ،غير أن المتفق عليهم دوماً هم طاليس، وبياس وبيتاقوس وسولون، غير أن أشهرهم جمعياً طاليس، وهو يعد أول فلاسفة اليونان الفسيولوجيين"، ولعل نجاح طاليس في العملي في ميادين الفلك والهندسة والمغناطيسية ضاعف مطامعه الفكرية، وهو من حيث أنه أول عالم في العالم الغربي، سبق مذهب التفاؤل المتطرف الذي ساد بين علماء الطبيعة في العصر الفيكتوري، لم يقنع بتعقيل الهندسة العلمية ، بل أراد أن يفسر العلم نفسه، لا كما فعل الصيبانيون من السابقين عليه بالالتجاء إلي الخرافات ، بل بصيغ حسية يمكن تحقيقها، وتحديد طبيعة العالم أو مادته، وتساؤله من أي شيء صنع العالم، وكانت النتيجة التي انتهى إليها أن الماء هو المادة الأولى، وإن لم يختلف مع هوميروس من أن الأرض محوطة بالاوقيانوس وعلى حين استقر اليهود على وحدة خلق الكون، استقر الفسيولوجيين الايونيون الذين كان طاليس أولهم على وحدته المادية، وكان قول طاليس أن المادة الأصلية للكون هو الماء، وقد توصل إليها بعد النظر إلي جميع الحقائق .
ولم تكن النتيجة التي توصل إليها طاليس من أن الماء هو مادة الوجود الأولى ذات أهمية قصوى بالنسبة للفكر الغربي بل كانت المنهجية التي اتبعها في التوصل إلي ذلك واستنطاقه المادي المحسوس ليصل إلي هذه النتيجة، مما يوافق أسلوب تفكيرهم المادي الذي استقوا أصوله منه، ويعبر عن ذلك قول الفيلسوف سارتون " سيلاحظ المؤرخون أصحاب العقلية الفلسفية باهتمام أن نبي الإسلام انتهي إلي نتيجة مماثلة بعد أكثر من أثنى عشر قرناً، وليس من المستحيل أن تسرب التصور الطاليسي إلي ذهن محمد، لكن ليس من الضروري على الإطلاق أن تدعم وجود هذه الصلة، بل الأقرب إلي المعقول أن نذكر الفرص الكثيرة التي تسنت إليه كما تسنت لطاليس ووصل كل منها إلي نتيجة متشابهة، ولكنهما عبرا عنها بشكل مختلف تبعاً لاختلاف مزاجها، إذ كان محمد نبياً مثل سابقيه اليهود وكان طاليس رجل علم، وأبرز طابع للعبقرية اليونانية، ومع أن طاليس أسبق من النبي باثني عشر قرناً، فإن طاليس الصق بنا[8] .
تلي ذلك فلسفة انكسمندروس وهو كان فكلياً في المقام الأول وتناول فكرة الوحدة المادية للطبيعة وتصور مادة ليست محسوسة سماها الأبيرون كتجريد عقلي للمادة التي تصلح أن تكون المادة الأولى للحياة واللفظة تدل على اللانهائي أو اللا محدود كما تدل أيضاً على اللامجرب، وتتلخص نظريته عن الحياة في أن الحيوانات الأولى خلقت في الماء، وكانت محوطة بنوع من القشور، ومن ثم وجدت لها مسكناً جديداً على الأرض اليابسة، فنزعت عنها أصدافها، ولاءمت بين نفسها وبين الأحوال الجديدة، ولا بد أن الإنسان تطور عن غيره من الحيوانات، وبالجملة لم يتصور انكسمندروس نظرية عامة عن الكون فحسب، بل كذلك نظرية عن التطور العضوي، وهو بذلك يعد رائد بعيد لدارون ولابلاس على السواء[9].
وجدير بالذكر بحوث كل من ارستوفان وإكسانوفون، من أهم البحوث التي كتبها أرستوفان روايتان، السحب والفرسان، وتناول في الرواية الأولي نقداً للسوفسطائيين. وفي الرواية الثانية تناول فيها شئون الاجتماع ونقد فيها النظم القائمة وإحلال نظم أخرى مكانها، ونادى بوجوب إلقاء نظام الملكية ونصح أن تكون الأراضي الزراعية والأملاك العقارية مشاعاً للجميع وذهب أيضاً إلي شيوعية النساء والأطفال وأقر نظام الرق في مجال فلاحة الأرض، وتعد أفكاره أفكار أولية لكل من المفكر الفرنسي الفوضوي برودهون وماركس أما أبحاث إكسانوفون فأهمها بحث في الاقتصاد العائلي وعالج فيه طائفة من الظواهر الاجتماعية الأسرية، ويدور البحث الثاني حول التربية ويعتبر بحثاً في الآداب، يعرض فيه الحياة الاجتماعية المثلى في نظره والتي اتخذ لها مثالاً من الحياة في إسبرطة وما فيها من ألوان الحياة الاجتماعية ومظاهر التربية العسكرية ، وهي تقارب كتاب أميل " لجان جاك روسو".
وقصارى القول أن التاريخ اليوناني وتدوينه نشأ في أيونيه، كما نشأت فيها الفلسفية الطبيعية، وأن أيونية بالنسبة لليونان هي مهد التاريخ الإنساني كما هي مهد التاريخ اليوناني، وأن الأيونين وضعوا قواعد العلم اليوناني الذي انبثقت عنه كل العلوم في الفكر الغربي الوضعي الحديث، وستناول في المبحث القادم أفكار بعض من فلاسفة اليونان الكبار وبعض من الفلاسفة المسيحيين الأوائل، على اعتبار أن الفكر الغربي الحديث عندما أبعد الدين عن المنظومة المعرفية لم ينحى بالضرورة كل أفكار الفلاسفة المسيحيين الذين كانوا في العهد الأول.

صفحة 4

ثانياً:الفكر الفلسفي اليوناني والمسيحي

سوف نتناول بعض آراء فلاسفة اليونان ـ أفلاطون وأرسطو وأبيقور وزينون ـ ونستطلع آرائهم فيما يتعلق بقضايا الفكر الفلسفي التي تقوم عليه المجتمعات والأسس المعرفية التي انطلقوا منها لمعالجة قضايا المجتمع والاجتماع الإنساني، ولا يخفى الأثر البعيد لهؤلاء الفلاسفة على الفكر الغربي الحديث في تشكيل رؤاهم الفلسفية. وهذا ما سوف يجرى أيضاً على بعض فلاسفة المسيحية .
أولاً: أفلاطون :
من أهم البحوث التي تركها أفلاطون، الجمهورية، السياسي، القوانين، وكل هذه المؤلفات تذخر بالبحوث المتصلة بالدراسات الاجتماعية وأصولها المعرفية والعلمية التنظيمية، في تنظيم المجتمع والاجتماع الإنساني وفقاً لهذه المنطلقات الفكرية والفلسفية، غير أن كتاب الجمهورية هو الذي استأثر بأوفر نصيب من هذا اللون من التفكير، وجاء عبارة عن بحث منظم في الفلسفة، وكان الغرض الذي يرمي إليه أفلاطون من هذا الكتاب هو تقدير الأصول الضرورية أو وضع التخطيط الأمثل لقيام جمهورية مثالية أو مدينة فاضلة تنتفي فيها الشرور والآثام التي تذخر بها المجتمعات المعروفة في عهده، ويتكون مؤلف الجمهورية من عشرة أبواب، يتحدث أفلاطون في سبعة منها عن العدالة باعتبارها فضيلة النفس الفردية، كما هو نظام يتعلق بالدولة، لذلك اقتضى بحثه تفسير طبيعة الإنسان وتكوين الدولة على حدٍ سواء.
الفلاسفة وماهية الفلسفة عند أفلاطون :
تقوم نظرية أفلاطون فيما يتعلق بفئة الفلاسفة وتميزهم بالطبيعة على بقية الفئات، على أساس أنهم فئة خاصة من بني الإنسان وهبوا حاسة لا توجد لدى غيرهم من الناس وهي حاسة إدراك الحقائق العامة والمقولات المحضة. وأنهم يتوصلون إلى هذه الحقائق عن طريق الإلهام والإشراق فهم يلهمون هذه الحقائق إلهاماً، وتشرق عليه إشراقاً، وتفيض عليهم عفواً دون جهد ولا عناء، وأصل ما ذهب إليه أفلاطون أن النفوس قبل اتصالها بالأبدان كانت تعيش في عالم المثل، وقد أتيح لها وهي في هذا العالم إدراك كثير من الحقائق العامة، ولكنها بعد أن اتصلت بالأبدان نسيت معارفها الأولى، غير أنها في أبدان الفلاسفة، وهم الذين خصوا بالحاسة السالفة الذكر التي تستطيع أن تتذكر هذه المعارف، إذا مر بها في هذا العالم المادي ما يثير حقائقها ويدعوا إلى استعادتها وتحدث لديها هذه الاستعادة عن طريق الإلهام والإشراق.
والفلسفة عند أفلاطون هي حب المعرفة، والسعي إلى الحقيقة. فأين الحقيقة ؟. ليست الحقيقة عند أفلاطون في الظواهر المحسوسة، لأن هذه الظواهر ليست دائمة كذلك ولا هي مطلقة فيما لها من صفات، فإذا افترضنا أنها جميلة أو خيرة، فإنها ليست كذلك إلا من جانب معين ولوقت معين، أما المطلق الدائم الحقيقي فهو مثالها العقلي، وهو الجمال في ذاته، والخير في ذاته. وهذه المثل هي وحدها موضوع علم الفلسفة، لذلك يفرق أفلاطون بين الظن وهو المعرفة التي تقف عند حدود الظواهر الحسية وبين العلم وهو المعرفة اليقينية التي تدرك الحقائق العقلية أو المثل، وحال الفيلسوف بين قومه هو أن يكشف للناس وهمهم، بعد أن يرتفع من إدراك المحسوس إلى المعقول معتمداً في ذلك على مناهج الجدل الذي يبدأ بالمران على التصورات الرياضية، ثم يرتفع منها إلى إدراك المثل العقلية إلى أن يصل إلى قمة المثل، الذي هو مثال الخير.
مفهوم العلم عند أفلاطون:
وتعد أفكار أفلاطون هذه عن المثل، وارتباط الظواهر الحسية بأبعاد أخرى أعمق، تصل إلى تصور عالم آخر أو ما ورائي، هي مباديء الفلسفة المثالية في الفكر اليوناني والفكر الغربي من بعده، لأنه يتصور الواقع المحسوس على أنه ظني الدلالة، ولا يمكن أن يستنبط منه علماً، إنما قد يعطي معرفة ظنية لا ترقى إلى أن تكون معرفة يقينية تستقي من عالم المطلق أو عالم المثل، عبر الفيلسوف المطلع على الحقائق العقلية من بعد ديني إلهي. وعليه فإن العلم عنده هو الإدراك التام بواسطة العقل والحدس لعالم عقلي مفارق للمادة، ولكنه قائم بذاته خارج الذهن، وهو إدراك وعلم المثل بواسطة التذكر. حيث يرى أفلاطون أن للنفس أو الروح وجود سابق لوجودها في البدن، حيث كانت موجودة في عالم المثل والذي هو وجود كوني موضوعي ذو صفة روحية قائم خارج عالم الحواس، وعالم المعقولات عند أفلاطون يبتديء من حيث ينتهي عالم المحسوسات التي هي أسفل درجات الوجود، وعالم الموجودات له مراتب هي[10] :ـ
1. عالم الكليات. وهي مدلولات الأسماء العامة.
2. عالم الأعداد الحسابية.
3. عالم المثل. وهي النماذج الكاملة للأشياء المحسوسة.
4. وعالم المعاني المجردة كالحب والكراهية.
5. وأخيراً عالم الصانع.
ومعرفة الوجود وإدراكه تنال بعملية الحدس والاستبصار، وكلما قويت ملكة الفكر بالتأمل والدراسة الفلسفية وبالجدل الصاعد أنعتق الإدراك من حبس البدن وقويت لديه الملكة العقلية، وكلما قويت الملكة العقلية اشتعلت الذاكرة، فتذكرت الروح المشاهدات التي كانت قبل الهبوط إلى البدن والتلبس بالمادة، ويعطي أفلاطون مثالاً مشهوراً لذلك في كتاب الجمهورية.
خصائص العلم عند أفلاطون[11]:
1. الوضوح والجلاء.
2. الثبات وعدم التغير.
3. اليقين الذي لا يخالطه الشك.

صفحة 5

ثانياً : أرسطو:
يكاد يكون أرسطو أول من كتب كتابة منظمة في الفلسفة الاجتماعية في الفكر اليوناني ، ويعتبر كتابه السياسة من أهم كتبه في مناقشة نظرياته في شئون السياسة والاجتماع ، وعالج فيه نشأة الحياة الاجتماعية والدعائم التي يقوم عليها المجتمع السياسي باعتبارها من أهم مقومات نظرية الدولة.
كان أرسطو وضعياً فيما قدمه من دراسات اجتماعية يصف ويشرح ويحلل ويقارن ثم يكشف وجود وعلل الفساد فيقر ما يراه محققاً للمعايير السوية في نظره، ويختلف أرسطو عن أستاذه أفلاطون الذي أسرف في استخدام المنهج العقلي، فقد درس أرسطو المجتمع كما درس أجزاء الطبيعة الأخرى، وأتم بهذه الدارسة ما أسماه فلسفة الأشياء الإنسانية ، وقد اتبع في دراسته المنهج التاريخي التحليلي[12]،حيث كانت نظريات أرسطو قائمة على رد المركب إلي عناصره غير القابلة للتحليل، وعلى اعتبار أن الرجوع إلي أصول الأشياء و تتبع تطورها هو الأسلوب السليم لدقة ملاحظتهما، وقد كان أشد اعتماداً على التجربة النظرية بوجه عام سواء في بحوثه الاجتماعية أو في بحوثه الفلسفية[13].
وأهم النظريات الاجتماعية التي عالجها أرسطو في كتابه السياسة هي نظرية نشأة المجتمع ومقوماته، نظرية الرق، نظرية قيام الثروات ونظرية قيام مجتمع فاضل على غرار جمهورية أفلاطون.
مفهوم العلم عند أرسطو :
رفض أرسطو نظرية المثل الأفلاطونية لأنه رفض أن يقبل وجوداً مستقلاً خارج الذهن سوى للأشياء المادية، وحدد عاملين فقط لا ثالث لهم: عالم الأشياء المادية المحسوسة، وعالم الأذهان من أفكار وتصورات وأوهام، ولا يقبل أرسطو عالماً ثالثاً بين هذين العالمين، يشارك العالم المحسوس في الوجود المستقل خارج الذهن ويشارك العالم الثاني في كونه غير محسوس، وبالضرورة يرفض أرسطو عالم المثل حيث توجد الأشياء المعقولة والكليات، والمعاني الكلية عنده توجد في الذهن وليس لها وجود مستقل عن الذهن، ويقوم الذهن بتكوين المعاني الكلية بعملية ذهنية هي عملية التحديد، أي أن المعاني الكلية توجد في نفس الأشياء المحسوسة، وهي الصفات الجوهرية المشتركة للأشياء التي تنضوي تحت نوع معين أو جنس معين، وهذا المعنى الكلي الذي يتحصل عليه الذهن بعملية التجريد ليس سوى فكرة في الذهن ولا يتمتع بأي وجود خارج الذهن[14].
وعليه فإن العلم عند أرسطو هو تلك المقومات والنتائج اليقينية الضرورية التي يتمخض عنها القياس، والذي هو نوع من الحكم الاستنباطي يتكون من مقدمتين، تنبني على ثلاثة حدود هي أسماء كلية لها مدلولات كلية أو ماهيات وتقود استدلالياً إلى نتيجة فإذا صدقت المقدمتان كانت النتيجة صادقة بالضرورة. فالقياس هو المثال الأعلى للعلم عند أرسطو، ومنه تتحدد خصائص العلم عنده وهي:
1. أن العلم لا يتعلق بالجزئيات، بل تتصف المقولات العلمية بالقدرة على التعميم فلا علم إلا بما هو كلي.
2. وأن يتصف بالثبات، وذلك لا يتعلق بحقائق الأشياء الجزئية وما هي إلا ماهياتها، وهذه الماهيات ليست سوى المعاني الكلية للأشياء، وهكذا استبدل أرسطو الوجود المتعلق بالمثل الأفلاطونية بالوجود الماهوي.
3. كذلك يتصف العلم باليقين[*] الذي لا يخالطه شك[15].
وقصارى القول أن العلم اليوناني وصل ذروته مع أرسطو " المعلم الأول " الذي أقام علم المنطق ووضع قواعد المنهج العلمي الاستنباطي وكذلك المنطق الاستقرائي ومنطق قياس التمثيل. واستخدم منطق الاستقراء والمنطق التجريبي في علوم الحيوان وعلوم الأحياء عموماً، ووضع جذوراً بالغة الأهمية لمرجعية الفكر الوضعي الغربي الحديث.
ثالثاً : أبيقور:
قامت نظرية أبيقور على نمط المصالح العامة والمقاصد التي تهدى إليها ، وركز على نظرية الدافعية في رؤيته الاجتماعية ، وقد قسم أبيقور الدوافع الإنسانية إلي ثلاثة أنواع : دوافع طبيعية ضرورية مثل الطعام والشراب ، ودوافع طبيعة غير ضرورية مثل الأطعمة الكمالية والحب وتكوين الأسرة، ودوافع غير طبيعية وغير ضرورية مثل الثراء والمجد والسؤدد والجاه في المجتمع.
ويرى أن الإنسان العاقل الحكيم هو الذي يقتصر على إرضاء الدوافع الأولى بشيء من الاعتدال، ويقلل من إشباع الدوافع الثانية جهده، بل يفضل عدم إشباعها، حيث أنه من الخير له أن يبقى عزباً بدلاً من أن يتزوج، ويجب أن يمتنع كلية عن إشباع الدوافع الأخيرة لأنها وهم باطل وسراب خادع، فالمال قليلة كثير متى عاش المرء طبقاً لقوانين الطبيعة، وكثيرة قليل متى عاش طبقاً لما تقتضيه الحياة الاجتماعية، وليست الشهرة والمجد والجاه كلها سوى حمق وجنون. و كذلك فإن الدين في رأي أبيقور أمراً فردياً لا سيطرة للهيئة الاجتماعية عليه.
والعاقل الحكيم كما يرى أبيقور هو الذي يمتنع عن إشباع غالبية دوافعه والذي يقضي على الخوف في نفسه، فلا يخشى الآلهة لأن الآلهة لا تبالي بهذا الكون ولا تهتم به، ولا يخاف الموت لأن خوفه وهم، على اعتبار أنه ليس بين الإنسان الحي والموت من علاقة ، فالموت لا يوجد ما دام الإنسان حياً، فإذا وجد الموت انعدم الإنسان. ويرى أن الإنسان ليس مدنياً أو اجتماعياً بالطبع كما يرى أرسطو، وإنما كان الإنسان في فجر الإنسانية في صراع مع أقرانه، وكان الصراع مصدر الألم، وعندما نشأت الدولة خفت حدة المنازعات بين الأفراد، وبذلك أزيلت الآلام المقابلة. وعلى هذا فإن الدولة نوع من الاتفاق بين الناس يمكنهم التنصل منه متى وجدوا فيه ما لا يتفق مع مصالحهم[16] .
وقد كان أبيقور يميل إلى النزعة الفردية الشديدة مع إبقائه على علاقة الصداقة دون باقي العلاقات الاجتماعية، ويرى أن الخير الأكمل والغاية الكبرى للإنسان هي اللذة التي هي السعادة، وليست الفضيلة، غير أن الفضيلة على المنهج الذي رسمه في تقسيمه للدوافع المؤدية إلى اللذة هي الوسيلة الفذة إلى اللذة والسعادة، وإلى تجنب الشقاء والألم، ومن الجلي أن آرائه هذه حول المصالح العامة والضرورات الأساسية والمقاصد الكلية التي رسمها، كان لها أثر كبير على نظرية المصالح والمقاصد في الفكر الغربي، وليس من المستبعد أن تكون هي الجذور التي بنى عليها بنزام مقولاته، والمتعمق في آرائه هذه ينظر إلى بعض جوانب الفكر الوضعي المعاصر تبدو جلية واضحة.

صفحة 6

قواعد المعرفة عند أبيقور :
يعد أبيقور آخر أقطاب فلسفة الذرة في اليونان وقد قسم فلسفته إلى ثلاثة أقسام هي قواعد المعرفة ، وتفسير الطبيعة ، والأخلاق، ويأخذ أبيقور في تفسيره للمعرفة بنظرية حسية مطلقة فيذهب في تفسير معيار الحقيقة بأنه الإحساس، وكل إحساس صادق بالضرورة ولا شك فيه. والصواب والخطأ لا يرجعان إلى الإحساس بل إلى الحكم العقلي الذي يقع على الإحساسات ويضاف إليها، وتكرار الاحساسات في الذاكرة يكون ما سماه أبيقور بالأفكار، والأفكار العامة أو التصورات العقلية التي نستخدمها في تفكيرنا هي تصورات تعتمد على جملة أحساسات سابقة كقولنا إنسان بعد أن يكون قد سبقت لنا رؤية عدد من أفراد الإنسان[17] .
وقد كان أبيقور يحاول أن يتحقق من صدق الاستدلال العلمي بالرجوع إلى طرق التشبيه والمقارنة، وكان يرى أن العملية المعرفية تنبني على مجموعة الإِحساسات التي تتكون في الذهن عن المحسوس، ودرجات التعرف به من خلال الملاحظة التجريبية التي تفرضها الطبيعية والتي تصبح بالضرورة واقعاً للتعلم والتكيف، فمثلاً يفسر أصل اللغة بناء على منظومته المعرفية هذه بأن اللغة لم توضع مرة واحدة بالاتفاق بل أن الطبيعة قد جعلت لكل قوم تجربتهم الخاصة، والمؤثرات الخارجية هي التي دفعتهم إلي إخراج أصوات من حناجرهم بشكل معين يرتبط بالانفعالات والظروف المختلفة فتكونت نتيجة لذلك لغة خاصة بكل قـوم.
ونجده أيضاً يعالج موضوع النفس من ذات المنحي، فيرى أنها مادية صغيرة للغاية منتشرة في الجسم كله وهي أشبه بنفس حار وهي علة الإحساس، ولكنها تنفصل عن الجسم والجزء العاقل منها يكون في الصدر، أما القول بأن النفس لا مادية فهو عنده غير مقبول لأنها لو كانت كذلك لما كان في مقدورها أن تؤثر أو تتأثر بالأشياء المادية[18].
وقصارى القول أن هناك دعامتين أساسيتين تستند إليها فلسفة أبيقور وهما النزعة الحسية في المعرفة التي تنتهي إلي نظريته في اللذة، والنزعة المادية في الطبيعة التي تنتهي إلي الخلو من الهموم والوصول إلي حالة ما أسماه الأتراكسيا مما يحقق الرؤية العقلية الصحيحة عن الأشياء، والتي يمكن بلوغها بالقضاء على المخاوف التي تغمر النفس الإنسانية بالقلق الدائم وعلى رأس هذه المخاوف خوف الموت، وتصورات الناس عن الخوف من الآلهة وعقابها المؤدى إلي آلام البشر، وعلى هذا فأنه لا يوجد هناك قدراً ولا قوة تملك للإنسان خيراً أو شراً، فالعالم نفسه وجد من تلاقي ذرات لا نهائية العدد تجوب خلاءً لانهائياً، وعليه أعتقد في حرية إرادة الإنسان المطلقة من أي مصير أو قدر مسبق لا اختيار له فيه، وأنه هو عبر تفاعله مع الطبيعة وضروراتها الصانع لحياته ومعرفته وعلمه.
زينون مؤسس الرواقية:ـ
كان زينون فينقي الأصل، وقد تأثر في رؤاه الفلسفية بطبيعيات هرقليطس ونظريته في النار وأنها جوهر الوجود الدائم التغير، وقد أخذ أيضاً بفكرة الاحتراق الكوني ثم عودة الدورة الكونية من جديد، وهي فكرة العود الأبدي التي قال بها أنبادوقليس وأعتقد فيها نيتشه في العصر الحديث[19]. وقد ذهب زينون إلي أن الأشياء في الطبيعة ذات شقين: أشياء تتعلق بنا وأشياء لا تتعلق بنا. والشق الأول: يمثل الآراء والميول والرغبات أي كل ما هو من صنع الإنسان، والشق الثاني هو الأجساد والخيرات والجاه والسلطان، أي كل ما ليس من صنع الإنسان، ومن الضروري توحيد هذين الشقين بعد فصلهما[20].
ولما كان الإنسان ضعيفاً لا يستطيع مطابقة الأشياء الخارجية لرغباته وميوله، فهو في نفس الوقت قوى حيث يكون في إمكانه جعل الأشياء المتعلقة به والتي هي من صنعه مطابقة للأشياء الخارجية. وما دامت الأشياء والحوادث طبقاً لذلك لا تقع إلا طبقاً لرغباتنا وإرادتنا وأحكامنا فأن الحياة الاجتماعية كما تقتضي الطبيعة من شأنها أن تهدم الحواجز السياسية ، باعتبارها قانوناً شاملاً للناس جمعياً ، والإنسان الرواقي بناءً عليه يصبح مواطناً عالمياً ، وتشيع بذلك فكرة المواطن العالمي[21] وكانت تلك أول دعوة لفكرة العالمية ، حيث تنادي الرواقية بتقويض دعائم الدولة المتعددة وتنوه بدولة عالمية شاملة هي دولة الإنسانية، حتى يغدو المرء من رعايا الإنسانية لا من رعايا دولة من الدول.
وقد أعتبر أرسطو زينون مخترع الجدل، لأنه اهتم ببيان الأضداد والمتناقضات فيما يبدو للناس متسعاً، والواقع إن الجدل عنده كان يتلخص في اختياره للقضية التي يسلم بها الخصم ثم يستنج منها نتيجتين متناقضين. وكانت معارضته الفلسفية موجهة إلي الذين كانوا يقولون بأن الأشياء كثيرة، ومعنى الكثرة هنا قد يفسر على إنها كثرة الموجودات المحسوسة، ولكن الكثرة قد تعنى أيضاً الافتراض العلمي الذي يفسر الجسم المحسوس بأنه مكون من عدة وحدات، ويقول في ذلك إذا سلمنا بوجود الكثرة في الأشياء فإنها ستبدو مشابهة لبعضها ومختلفة عن بعضها في آن واحد. وستبدو كبيرة وصغيرة ساكنة ومتحركة في آن واحد"[22].
ويتضح من هذا أنه يرى أن الاعتماد على الإدراك الحسي لا يوصل إلي حقيقة الوجود لأنه سوف ينتهي إلي تناقض، إذ ستبدو الأشياء تارة متشابهة وتارة غير متشابهة، وكان هدفه من بيان هذه المتناقضات هو إثبات أن الكل واحد وأن الوجود لا يمكن أن يتجزأ إلي كثرة من الوحدات كما أنه لا يوجد فراغ أو مكان يمكن التميز بينه وبين ما يحويه.
والمذهب الرواقي يقوم في أساسه على فن العيش المستند على وعي العلاقة مع الكون، والذي هو المدينة العالمية التي يتعايش فيها البشر والآلهة، والتي يرتبط كل واحد فيها بالآخرين ويحكمها القانون الإلهي الوحيد الذي تتغذي منه كل القوانين البشرية أو العقل الكلى الذي يعتبر كل لوجوس فرع منه، وعليه ينبني المفهوم الرواقي للحكمة والحكيم، وحيث لا يجد الإنسان الحكيم فيها مطلقاً حاجة لأن يدفع أو يقتاد، إنه يفهم ويستبق نوايا القدر، والممارسة الحرة لأرادته تقوده للاتحاد مع الإرادة الإلهية، وعليه فانه يعيش وفقاً للطبيعة[23].
وقد انتسب للرواقية كثير من الفلاسفة ، ويمكن تقسيمهم إلي ثلاثة عصور فلاسفة العصر القديم الذين قدموا الفلسفة الرواقية اليونانية، ثم ظهر في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد فلاسفة ادخلوها إلي العالم الروماني وهم الذين قدموا الرواقية الوسطى ، أما ثالث عصور الفلسفة الرواقية فهو العصر الروماني وذلك في القرن الأول حتى عام 529. وهو الوقت الذي أغلقت فيه المدارس اليونانية[24].
نظرية المعرفة عند الرواقيين:
أخذ الرواقيون بنظرية حسية في المعرفة، إذ تصوروا الذهن كالصفحة البيضاء، تأتيها الانطباعات الحسية من الخارج فتحدث التصورات أو التمثلات، غير أن العقل والإرادة يسرعان إلي التصور فيحكمان عليه ويسمى حكماً أو تصديقاً فإن كان التصديق مؤيداً للتصور بحيث يصل إلي يقين بمطابقة التصور لموضوعه كان هذا أول مراحل اليقين، والذي يوجد فيما يسمونه بالتصور المحيط، فإذا بلغ اليقين أعلى مراتبه بحيث تنظم المعلومات كلها في نسق واحد مترابط، كانت تلك مرتبة العلم والذي لا يتحقق إلا عند الحكيم[25] .
وقد قال الرواقيون بوجود معان شائعة بين الناس جميعاً أو مبادئ تساعد الإنسان في الحكم وأصلها أيضاً من الاحساسات ولكنها متوارثة لأنها تنشأ مبكراً وبطريقة طبيعية وسابقة على باقي الأفكار. وعلى أساس هذه النظرية في المعرفة أقام الرواقيون منطقاً تجريبياً إذا قيس بمنطق أفلاطون وأرسطو ، بحيث جعلوا نقطة البدء فيه هي الحوادث والوقائع الجزئية والبحث في الروابط بينهما، وليس إقامة علاقة تضمن الماهيات بين بعضها البعض.
وقصارى القول أن الفلسفة الرواقية من بعد زينون أصبحت فلسفة الحضارة الهيلينية على أيدي فلاسفتها الرومان سنكا وأبكنيوس وماركوس، وأصبحت جزءً لا يتجزأ من الحضارة الهيلينية التي صهرت المساهمات اليونانية والشرقية، وقامت عليها الإمبراطورية الرومانية، والتي تغذت بالحضارة اليونانية الرومانية، والتي انتشرت في الغرب ومن ثم استوعبت الفكر المسيحي في الثلاثة قرون الأخيرة، قد استوعبت كل جوانب التفكير المعرفي والعلمي وأصبحت رائدته بعد أن مزجت بين الفلسفة اليونانية القديمة والفكر المسيحي وامتدت فترتها ستة قرون كاملة، فأصبحت المرحلة التي تحددت خلالها السمات الأساسية والدائمة منذ ذلك الحين، للحضارة الغربية الحديثة[26] .

صفحة 7

ثالثا:أثر اليهودية والمسيحية في الحركة الفكرية والفلسفية

تأثر اليهود في العصر الهيلنستى بالحضارة اليونانية وقد تسربت الثقافة اليونانية إلى العقيدة اليهودية، واتخذت مثالاً يحتذي في التفكير، ولما تأسست الإسكندرية أقام بها كثير من اليهود واتخذوا اليونانية لغة لهم، مما أدى إلي ترجمة العهد القديم كتابهم المقدس إلي اللغة اليونانية. وفي القرن الميلادي الأول ظهر في الإسكندرية أشهر فلاسفة اليهود فيلون السكندري الذي تشبع بالفلسفة اليونانية إلي حد أن لقب بأفلاطون اليهود.
فلسفة فيلون السكندري: ـ
شملت أراء فيلون الفلسفية أربعة قضايا أساسية وهي:
آراءه في التأويل المجازى، وآراءه في الإله وصلته بالكون، وأراء حول الكلمة أو اللوغوس، وأخيراً آراءه حول الحكمة الإلهية.
أ} شاع في عصر فيلون أسلوب التأويل الرمزي المجازي وخاصة في الفلسفة اليونانية، وشاع أيضاً عند الرواقيين وخاصة في تفسيرهم لقصص الميثولوجيا اليونانية وآلهة الدين الشعبي، ولعل فكرة التأويل المجازى التي تفترض أن الحقيقة مختفية وراء رموز وأمثال إنما ترجع إلي الأسرار الاوفية، وقد استعمل فيلون هذه الطريقة لتأويل قصص الثورات فرمز لتاريخ بني إسرائيل في طاعتهم أو عصيانهم الله بالنفس في اقترابها أو ابتعادها عن الله أو بأحوالها التي تتوالى عليها في هذه الظروف، فمن تأويله لسفر التكوين[(] أن الله أول ما خلق العقل النقي السماوي الذي يحيا بالفضيلة التامة، وشكل على مثال هذا العقل السماوي عقلاً أرضياً يرمز له بشخصية آدم، ثم خلق له مساعداً هو الإحساس متمثلاً في حواء ولكنها تضله وتغويه فيفسد بالشهوة التي يرمز لها بالحية، وعودة الأمل والرجاء إلي النفس بعد ندمها على ما صدر عنها ويرمز لمرحلة الندم بإدريس عليه السلام لينتهي الأمر بالعدالة التي يرمز لها بنوح عليه السلام، ومرحلة التطهير التام المرموز لها بالطوفان[27].
وكان يستخدم التأويل في حديثه عن طريق عودة النفس ووسيلتها إلي معرفته، بثلاثة طرق وهي : ألمجاهده والزهد وهو طريق المريدين ، ويرمز له بيعقوب، عليه السلام وطريق الدراسة والتعليم ويرمز له بإبراهيم عليه السلام ، إما أعلى الطرق وهو طريق الكاملين فيتم بهبة إلهية أو بنعمة إلهية وهو طريق إسحاق ، وقد استطاع أن يصل بهذا الأسلوب إلي نظرية فلسفية يشرح بها عقيدته في الوجود.
ب} نظرية فيلون في الله وصلته بالوجود:
يرى فيلون أن " يهوا " إله اليهود ، مفارق للعالم المحسوس وهو إله المتعالي اللامتناهي في صفات الكمال التي لا يمكن أن تعدد أو تحصر في عدد معين لذلك فهو لا يمكن وصفه إلا بالسلب، غير أنه لفرط علوه عن العالم ولعظم الهوة التي تفصله عنه لا يؤثر مباشرة في العالم، بل يؤثر عبر وسائط أو قوى إلهية، وأهمها : الكلمة أو اللوغوس، والحكمة الإلهية .
أ/ اللوغوس[(] أو الكلمة: وتعد نظرية اللوغوس أهم ما في فلسفة فليون، وقد تأثر فيها بمصادر شتى أهمها الفلسفة اليونانية سيما عن هرقليطس والرواقيين. وقد استقى فيلون فكرة اللوغوس من هذه المصادر المختلفة وحاول أن يقربها إلي العقل، ويرى أن صلة اللوغوس بالعالم أن الإله خلق العالم على مثاله، ويصف اللوغرس بكل صفات الكمال، أما عن صلة اللوغوس بالإله فهو واسطته إلي الخلق ورسوله إلي الناس وهو أيضا الذي ينقل إليه تضرعاتهم. فهو أبن الإله ورسوله وهو وسيلته لخلق العالم وقد أثرت هذه النظرية في العقيدة المسيحية وظهرت أثارها في إنجيل يوحنا وهو الإنجيل الرابع والذي يرجح أنه كتب في القرن الثاني وتأثر كاتبه بفلسفة فيلون[28].
ب/ إما الوسائط الأخرى التي تصورها فيلون بين الإله والعالم فهي القوى الإلهية قوة الخير التي من خلالها أوجد العالم، وقوة القدرة التي يسيطر بها على العالم، وهي قوة خيرة خلاقة وهي أيضاً قوة حاكمة تنزل العقاب لتحقيق سيادة الإله على خلقه، وهي في جماعها الحكمة التي يتحد الإله بها ينتج عن إتحاده بها العالم وكثيراً ما يرمز لهذه الحكمة الإلهية بأنها أم العالم وقد تتصف بأنها زوج الإله[29]. وكل هذه الوسائط تتوسط بين النفس الإنسانية والإله، إلي جانب الإله اللا متناهي وجد العالم المتناهي عالم المادة والشر الذي تحاول النفس الخلاص منه أما بالمجاهدة أو بالعلم أو بالنعمة الإلهية لكي تصل إلي الإله وتتحد به، وهذه هي الغاية من الإيمان في العقيدة اليهودية.

صفحة 8

المسيحية والحركة الفلسفية والفكرية :
ورثت المسيحية عن اليهودية وعن الفلسفة الطبيعية ذات الاتجاه الرواقي، بعض القضايا الفكرية الأساسية، مثل القانون الطبيعي والحالة الطبيعية أو حالة البراءة الأولي، والمساواة والوحدة الإنسانيتين، والتعارض بين المدينة العالمية والمدن الخاصة، وقد أخذت هذه القضايا ودمجتها في مفهومها الديني، وكانوا يقرنون ولو بطريقة اصطناعية بين الكتاب المقدس والعقل الوثني، وقد أوضحوا بأن القانون الطبيعي ليس إلا انعكاساً لقانون الله أو القانون الأبدي، المعبر عن العقل الإلهي والإرادة الإلهية، أما القانون الزمني أو القانون البشرى فليس فيه من شيء صحيح إلا ما كان متفقاً مع القانون الطبيعي، المتفق في حد ذاته مع القانون الأبدي[30] .
والتطبيق الكامل للقانون الطبيعي لم يكن ممكناً إلا في حالة البراءة والبساطة الأولى التي كان يعيش فيها الإنسان قبل السقوط، وذلك على هدى ما جاء في قصة سفر التكوين عن الفردوس المفقود، ففي العصر الذهبي أو الحالة الطبيعية لم تكن توجد خطيئة، ولا أحكام، وبعد تقويض النظام الطبيعي نتيجة لفوضى الخطيئة نتجت الأحكام والسلطات، كما أردها الإله، وأضحي من الضرورة أن تطلب الطاعة من المحكومين باسم الإله.
أما المساواة والوحدة الإنسانيتين، فإن الفكرة اليونانية حول المساواة الطبيعية والوحدة الإنسانية، قد تحولت لفكرة مسيحية تقوم على الانتماء لجسد مجازى واحد، وأن الجميع لا يشكلون إلا واحداً في المسيح، الجميع من يهود ويونانيون من عبيد وأمراء والذين أصبحوا بفضل التعميد لا يكونون إلا جسداً واحد، وأن هذه المساواة الإنسانية الأساسية لم تختفي مع اختفاء الطبيعية والبراءة، وأن العبودية موجودة لكنها لا تمس إلا الجسد[31] على اعتبار أن الخطيئة هي التي تجعل المرء عبداً ، والبراءة هي الحرية، وهذا يقود إلي اعتبار مفهوم الخلاص من الخطيئة طريقاً حتمياً إلي الحرية، والخلاص من الخطيئة تمنحه الكنيسة، وقد كان هذا من القواعد الأساسية التي أنبنت عليها سلطة الكنيسة لاحقاً.
أما التعارض بين المدينة العالمية والمدن الخاصة، فإن هذه الفكرة في أصلها من مقولات الفلسفة الرواقية، وقد أدخلت ضمن الفلسفة المسيحية وفق تأثرها بالفلسفة اليونانية، وربطت بالمفهوم الأخروي وفوق الطبيعي، وإذا كان الرواقيون مواطنون عالميون، فإن المسيحيين يعدون أنفسهم مواطنون سماويون، وأن موطنهم الحقيقي هو المدينة السماوية، إلا أن هذا لا يمنع من أن يعيشوا أيضاً في مدينة أرضية، ومن هنا نبع التفريق بين المدينة السماوية والمدينة الأرضية وخصائص كل، وتطورت هذه الفكرة إلى التعارض بين السلطة الروحية والكنسية باعتبارها ممثلة لمدينة السماء، والسلطة الزمنية ممثلة في الحكام، إلى أن سيطرت الكنيسة على كافة السلطتين وأدى ذلك إلى قيام المنهج اللاهوتي وسيادته في المجتمع وتنظيمه وعلى قواعد التفكير والمعرفة.
وسوف نستعرض قواعد التفكير الفلسفي المسيحي من خلال أفكار كل من القديس أوغسطين الذي يمثل الفلسفة المسيحية في قرونها الأولى والقديس سان توما الأكويني الذي يمثل أوج الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، ومعلوم أن القرون الوسطى بالنسبة للغرب، كانت المرحلة التي اتسمت بالمنظومة الفكرية والمعرفية اللاهوتية، والتي ساد فيها الفكر اللاهوتي القائم على المزاوجة بين الماورائيات والميتافيزيقيا في الفكر اليوناني الوثني، وبين العقيدة المسيحية والتي تعد في جانب من جوانبها من الوحي الإلهي، مما أجمله الغرب بالفكر الديني، ومن خلال عرضنا لآراء الفيلسوف أوغسطين والقديس توما، سوف نحاول أن نتلمس القضايا الفكرية التي شكلت النظام المعرفي اللاهوتي والذي أصبح من بعد أساس الأزمة الفكرية والمعرفية في الفكر الغربي في عصر النهضة والذي أدى إلى إبعاد الدين أياً كان مصدره ونوعه عن المنظومة الفكرية والمعرفية وبناء نظام معرفي لا يعتد بالدين كأحد مصادره المعرفية.
آراء القديس أوغسطين :
عالج أوغسطين موضوعات كثيرة في الفلسفة استقى أصولها من الفلسفة اليونانية، وركز على الأفكار المثالية فيها مثل الأفكار الأفلاطونية والرواقية، ومن أهم القضايا التي عالجها في فلسفته الدعائم التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، وعلاقة الكنيسة بالسلطة الزمنية، وقواعد المعرفة.
مقولاته في الحياة الاجتماعية :
يرى أوغسطين أن الحياة الاجتماعية قامت في فجر نشأتها على مباديء القانون الطبيعي، وأن المجتمع ليس حشداً من الأفراد كيفما اتفق ولكنه جماعة من الأفراد يشتركون في الأفكار والعواطف ويؤلفون وحدة معنوية تقوم على الرضا والمحبة، ولما كان الله قد أودع في قلوب بعض الأفراد محبة الذات وفي قلوب البعض الآخر محبة الله، أصبحنا أمام مدينتين ترجع إليها سائر المجتمعات الإنسانية وهما: مدينة الأرض، ومدينة السماء[32].
والمدينة السماوية في نظر أوغسطين مؤسسها هو الإله[(]، وتوجد في العالم الأرضي، وتضم أسرة البشر الذين يعيشون في الإيمان، ولقد أعطيت هذه الأسرة منذ البداية الوعد بالخلاص، وهي تستعمل كأجنبية الخيرات الدنيوية التي تستعملها أسرة البشر الذين لا يعيشون مع الإيمان، وخيرات المدينة الأرضية بالنسبة للذين لا يعيشون إلا حياة الإنسان القديم، هي الخيرات التي يتمتعون بها، أما بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في هذه المدينة حياة الإنسان الجديد ، المولود من النعمة فإن الخيرات نفسها ليست إلا وسائل يستخدمونها ليعودوا بها إلى غايتهم الحقيقية، وهكذا فإن المدينتين تستعملان معاً الخيرات الدنيوية، وهذا يعني أنهما متشابكتان وممتزجتان الواحدة بالأخرى في هذه الحياة الدنيا، والمسيحيون يشكلون بالضرورة جزءاً من الأولى ومن الثانية ، لذا يجب أن يكونوا مواطنين أفضل من الآخرين[33].
ومن هذه الأفكار حول ما أسماه قسطنطين بمدينة السماء ومدينة الأرض، قامت آراؤه فيما يتعلق بالعلاقات بين الكنيسة والسلطة الزمنية فالكنيسة تمثل مدينة السماء، والسلطة الزمنية تمثل مدينة الأرض، ولقد تبنى أوغسطين في هذا الصدد مواقف تتلخص، في المناداة بالتمييز بين السلطة الروحية ممثلة في الكنيسة، والسلطة الزمنية، وباستقلالهما المتبادل وتعاونهم الوثيق في نفس الوقت وبالتفوق المعنوي بسلطة الكنيسة، ولكل سلطة ميدانها، للدولة المصالح المادية والحياة الخارجية والجزاءات الجسدية وللكنيسة المصالح الروحية والحياة الداخلية والعقوبات الروحية، وهذا لا يمنع أن تضع الكنيسة نفسها في موضع أعلى، فقضاؤها يمتد على الكون بدل أن يكون محدوداً بشعب معين، في حين أن الدولة ليست إلا حقيقة متغيرة ومؤقتة.

صفحة 9

قواعد المعرفة عند أوغسطين :
تشتمل المعرفة عند أوغسطين على نوعين من المدركات: مدركات مادية، وأخرى معنوية، فأما الأولى فناشئة من انتباه النفس للتغيرات الحادثة في الجسم، وهذه التغيرات جسمية بحتة، يعقبها الإدراك وهو فعل النفس وحدها، إذ ليس انفعال الجسم تأثيراً في النفس، لأن الأدنى لا يؤثر في الأعلى، وهذا مبدأ مطرد عند أوغسطين وأفلوطين، لكن الانفعال نداء من الجسم للنفس وهي حاضرة في الجسم ترقب كل تغيير فيه لتكفل حسن تدبيره. ووجود النفس لازم من وجود الفكر فما أن يدرك الفكر وجوده حتى يدرك ذاته كقوة حية من حيث أن التفكير حياة بل أرفع مراتب الحياة، ويرى أوغسطين استحالة أن يكون الفكر من فعل الجسم، لأن الأشياء ـ التي نعرف بها أشياء جوهرية متميزة ـ هي أشياء متمايزة والجسم جوهر ممتد في الأبعاد الثلاثة، معلوم من خارج بالحس، بينما الفكر معلوم من باطن الفكر نفسه، وغير ممتد كما يتبين من أن تصوراتنا توجد معاً في الحس والعقل ولا تشغل حيزاً[34].
أما العالم في تصور أوغسطين ليس صورة الإله كالنفس، لانتفاء الشبه أو المماثلة بين المادة والروح ولكنه أثر الإله تتألف فيه الصفات الإلهية، كالوحدة والحقيقة والخير، ناقصة متفاوتة بسبب نقصه وتفاوت موجداته، وذلك أن كل موجود فهو واحد بماهيته، ولكن هناك فرق بين وحدة الجسم القابل للقسمة بما هو جسم، وبين وحدة النفس التي لا تنقسم بحال، وكل موجود فهو حق من حيث أنه يحقق ماهيته، ومحل الماهيات ذات الإله، فحقيقة الموجودات تقوم في مشابهاتها للحقيقة بالذات.
القديس توما الإكويني:ـ
وهو من فلاسفة القرن الثالث عشر وقد وجه مزيد عنايته إلى دراسة اللاهوت والفلسفة وعلاقتهما ببعضهما البعض، ومن أهم مؤلفاته وأكبرها " المجموعة اللاهوتية " وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام كبرى، أول قسم فيها يتعلق باللاهوت وهو في تعريف الإله ذاته، ومن حيث هو مبدأ الأشياء ومن حيث هو غايتها، والثاني حركة الخليقة الناطقة إليه، وأخيراً في المسيح الذي هو الطريق إليه، وهو في القسم الأول ينظر في الله الواحد، في الإله الثالوث والخلق والمخلوقات، والقسم الثاني خصصه للأخلاق، وتناول في القسم الثالث العقائد.
آراء توما الإكويني في الاجتماع الإنساني:ـ
ذهب توما الإكويني إلى ضرورة الوجود الإنساني معتمداً في ذلك على نظريات أرسطو، فاعتبر الاجتماع الإنساني من حيث هو شيء طبيعي تنزع إليه الجماعات من الكائنات الحية، فهناك اجتماعات حيوانية وأخرى إنسانية، غير أن الاجتماع الحيواني يصدر عن الغريزة، بينما يصدر الاجتماع البشري عن الطبيعة العاقلة والإرادة الإنسانية. تعمل على تنظيم واستمرار الاجتماع الإنساني[35].
والمجتمع هو تجمع من أجل العيش الأفضل، ومن أجل جعل أعضاؤه قادرين على العيش بصورة مشتركة مادياً ومعنوياً بأفضل شكل ممكن، والقديس توما يرى أن للفرد غايتين: الأولى زمنية، طبيعية والثانية روحية فوق طبيعية،إنه إذن بحاجة لسلطتين : الدولة والكنيسة اللتان تحكمان نفس المجتمع البشري، والغاية الروحية فوق الطبيعة وتقابلها الكنيسة والتي تتمتع بالسمو إذ أنها تعد الغاية الأخيرة الوحيدة، وهي نفسها ـ أي الكنيسة ـ سلطة أعلى، وهذا يحدد العلاقة بين السلطة الزمنية والروحية عند توما، الذي يحاول أن يوازن بينهما دون التضحية بأحدهما على حساب الآخر، غير أنه لم يحصر التدخل الشرعي للبابا في السلطة الزمنية في دائرة بسبب الخطيئة، ولكنه خص رئيس الكنيسة بعبء الغاية النهائية أو الأخيرة، واعترف له بسبب سلطته الروحية العليا بسلطة زمنية على الأفراد، وهذه السلطة تمتد لكل نشاطات هؤلاء المتعلقة بهذه الغاية النهائية، بطريقة أو بأخرى وبأي مقدار، وهذا هو مبدأ توما القائم على خضوع الوسائل للغاية خضوعاً تسلسلياً أي خضوع الأمراء للكهان، وأن للبابا وحده أن يقرر ما يجب أن يقوله أولاً، وما يجب أن يفعله أم لا، وذلك تبعاً لمهمته فوق الطبيعية. ومتى وكيف وإلى أي حد يمكن أن يكون هناك تدخل في شئون السلطة الزمنية[36].
ويرى توما أن الجماعة الأوسع هي الكون، والذي يعتبر الإله أميراً له، فإن أول القوانين من حيث المقام وأكثرها شمولاً هو القانون الأبدي، أمر العقل الإلهي، ولأن العقل الإلهي لا يتصور شيئاً في الزمان، ولأن مفهومه أبدي فأنه يجب القول بأن هذا القانون هو أبدي، وبما أنه ينظم ويقيس كل ما هو خاضع للعناية الإلهية، فإن من البديهي أن تشارك كل الكائنات بطريقة ما في هذا القانون المطبوع فيها، والذي يجعلها تميل لأعمالها الخاصة ولغاياتها، ولكن الإنسان باعتباره مخلوقاً عاقلاً، يشارك فيه بشكل أكثر تميزاً وبنوع من الإشعاع، وهذه المشاركة في القانون الأبدي من قبل مخلوق مزود بالعقل هي القانون الطبيعي، ويتفرع عن القانون الطبيعي القانون البشري، والذي يكون في كل بلد، فالقانون البشري يعرف كل جريمة ويحدد عقوبتها بدقة، في حين أن القانون الطبيعي يحرمها فقط[37]. وقد كان القديس توما مقتنعاً بعمق التقاليد الوسيطة الخاصة بسمو القانون، وأن هناك اندماج بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي البشري، على اعتبار أن القانون الطبيعي قد شارك فيه البشر، ويشكل منظومة عالمية هي عبارة عن انعكاس حقيقي للنظام الكلي.

صفحة 10

آراء توما الإكويني في العلم والمعرفة:
عالج القديس توما قضية العلم والمعرفة من خلال معالجته لقضايا أساسية تعد أس رؤيته الفلسفية اللاهوتية وهي وجود الله ودلالات وجوده، وماهيته، والخلق والوجود، وماهية النفس الإنسانية.
وفي القضية الأولى تناول الدلائل على وجود الله وقد حصرها القديس توما في خمسة أدلة، وتشكل عنده المعلومات أو دلائل الإمكان في العالم.
والدليل الأول والأوضح من جهة الحركة، وهو يرى أنه ليس يمكن أن يكون شيء واحد بعينه محركاً لنفسه لأنه لا يمكن لشيء واحد بعينه أن يكون بالفعل والقوة باعتبار واحد، فكل متحرك فهو متحرك من آخر، ولا يجوز التسلسل إلى غير نهاية، فلا بد من الانتهاء إلى محرك أو غير متحرك.
والدليل الثاني، من جهة جوهر الوجود المتحرك، من حيث أنه مفتقر إلى علة فاعلية، إذ لا يمكن أن يكون الشيء الذي يخرج إلى الوجود علة فاعلية لنفسه.
والدليل الثالث، من جهة الممكن والواجب في الموجودات، ويرى توما أن القوة والفعل تحتم إثبات الفعل الواجب لتفسير الممكن الذي بالقوة.
والدليل الرابع، من جهة تفاوت الموجودات في الصفات العامة، أي الأمور المعنوية الروحانية التي تقبل الإطلاق إلى اللا نهاية على ما ينبغي للموجود الأول.
والدليل الخامس من جهة نظام الطبيعة، وله وجهان عند توما، الوجه الأول أن الموجودات العاقلة من المعرفة تفعل لغاية، وهذا ظاهر من أنها تفعل دائماً أو في الأكثر على نهج واحد وبحيث تحقق الأحسن، مما يدل على أنها لا تبلغ الغاية اتفاقاً بل قصداً، وما يخلو من المعرفة لا يتجه إلى غاية ما لم يوجه إليها من موجود عارف، فإذن يوجد موجود عاقل يوجه الأشياء الطبيعية كلاً إلى غايته، أما الوجه الآخر فهو أن جميع الكائنات منظمة فيما بينها لانتفاع بعضها ببعض، والمتباينات لا تتفق في نظام واحد ما لم تكن منظمة من واحد! ويضع القديس توما الله علة فاعلية موجهة إلى غاية، انطلاقاً من نظريته في القوة والفعل التي هي دائماً عماد فكره ونقطة المركز من مذهبه.
وقد تميز القديس توما عمن تقدموه من المفكرين المسيحيين أمثال القديس أوغسطين، في أنه عرف العلم من خلال التحليلات الثنائية في مذهبه القائم على فكرة القوة والفعل، وذهب إلى أن الإيمان ليس علماً لمياً[38]، وأنه يعتمد على العلم الإنّي في أسبابه أو علامات صدقه، وأن المعرفة الإنسانية تبدأ من المنظور وترقى بالعقل إلى غير المنظور، ولا يصح عنده اعتبار المعرفة الإيمانية شيئاً أول، ولكنها فائقة للطبيعة ومن ثم زائدة على الطبيعة، وقاصرة على زمان معين وأناس مخصوصين. ويذهب توما إلى أن النفس الإنسانية تدرك الماهيات بقوة خاصة هي العقل، ولها فعل تستقل به دون الجسم، مما يدل على أن العقل الروحي، وأن النفس روحية إذ ليس يفعل بذاته إلا ما يقوم بذاته، وعلى خلاف ذلك النفس الحاسة والنفس النامية، فإن جميع أفعالهما تحدث في الجسم وبالجسم، فالقول والإرادة محلهما النفس، ومنها ما يزاول بآلة جسمية وهي أفعال النفس الحاسة والنامية، وجميع القوى النفسية صادرة عن ماهية النفس، والحق المطابق لماهية النفس والإنسان أن الاتصال وثيق بين العقل والحس، وأن العقل الإنساني وإن كان داخلاً في جنس العقل بالإطلاق، إلا أنه عقل معادل لماهية الإنسان يستفيد المعقولات من المحسوسات، فمن حيث هو عقل إنساني فله موضوع خاص معادل له هو ماهية الشيء المحسوس، ولا بد من وجود قوة في النفس تجرد الماهية من علائقها المادية الممثلة في الصورة الخيالية الحاصلة عن الإحساس، فتجعلها معقولة بالفعل، وقوة أخرى تتعقلها، القوة الأولى تسمى عند توما عقلاً فعالاً. والأخرى عقلاً منفعلا[39].
وعليه فالعقل الإنساني يدرك الوجود في كل ما يدرك، لأن كل مدرك بالفعل هو موجود بالفعل وجوداً عينياً أو ذهنياً، وأن ما يظهر للوجود فلا بد من علة لوجوده، وهذه تشكل المباديء الأولى للوجود والمعرفة عند توما والتي يدركها العقل عندما يجرد حدودها من التجربة، فيعتمد عليها العقل لتفهم الوجود وإقامة العلم بإطلاقه سواء كان علماً طبيعياً أو ما بعد طبيعي.