eKtab
EN ع
الأسرى الأحرار - المجلد الأول
اقرأ عينة مجانية

الأسرى الأحرار - المجلد الأول

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

د. مصطفى اللداوي.....
اسم فلسطيني، ستقع عينا القارئ عليه على غلاف هذا الكتاب، الذي تناول فيه الصديق العزيز الدكتور مصطفى الحديث عن الأسير. وحسب الخطة ـ غير التقليدية ـ التي وضعها لكتابه. وأعترف أنها غير مسبوقة.
ملأني الدكتور مصطفى شوقاً أن أقرأ الكتاب بعد اكتماله، وكما أوجب عليَّ إبداء الشكر له، إذ حرص أن أكتب مقدمة لكتابه، وعلى غير ماجرت به العادة وجدت نفسي أمام توصيف لمنهجه، في وضع الكتاب لا الكتاب، فحار قلمي: كيف يكتب، وعمَّ...، ولكن ثقتي العالية بالعزيز مصطفى دفعتني إلى الامتثال لطلبه، وهاأنا أقول:
1) إننا في وزارة الأسرى نشعر بالامتنان الكبير لهذا الجهد الكبير الذي يضع (قصتة) الأسير الفلسطيني ملحمة بطولية، واقعية، ستضيف ـ بلا شك ـ إلى المتلقي ثروةً معرفية كبيرةعن هذا (الإنسان)، الذي يتمسك بفلسطين (أرضاً وإنسانا وهوية) حقيقةً لا باطلاً أو زيفاً، يقدمها للعالم الذي أغرته الرواية الصهيونية في جدلية العلاقة ما بين الحق والظلم،وبمعنى آخر، حق القوة لا قوة الحق، والتي عبر عنها أحد أشهر الارهابيين في التاريخ المعاصر (مناحيم بيجن) بقوله (لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل) وما كانت دير ياسين إلا الدم الفلسطيني الذي أريق ظلماً على أرض فلسطين، والتطهير العرقي الذي مارسه الصهاينة على شعبها، والقيد والأصفاد التي حطمت عظام الفلسطيني، وما زاد ـ كل ذلك ـ الفلسطيني إلا إصراراً على إصرار، في بذل المزيد من الدماء والأشلاء والعظام ليرى فلسطينيٌ ذات يوم نصر حقه على الباطل الصهيوني وزيفه وجلاديه، وكل ذلك –بالتأكيد ـ سيعرضه د. مصطفى في ملحمته؛ حقائق ووثائق وبينات.
2) ولمعرفتي الشخصية بأخي مصطفى، إنساناً قدم سنوات من عمره وراء القضبان الصهيونية، ولم يكن فيها مجرد (اسم) بل كان قائداً من قادة الحركة البارزين، الذين يحملون همهم وهموم إخوانهم المأسورين، ومن هنا جاء كتابه ينضح بالألم والعذاب الذي نزفه مصطفى كما نزفه الأسرى من حوله، ليفضح –ذلك ـ سادية ذلك المجرم الغدار، وهو ما نحن ـ الفلسطينيين ـ في أمس الحاجة إلى إبرازه.
3) إن هذا الموضوع على جانب عظيم من الخطر بما يعكس ـ على تناوله ـ ذات الخطر، الأمر الذي يقتضي قلماً دفاقاً في يد باحث رصين، ومن خلال متابعتي لكلمات مصطفى التي ملأت كتباً وأعمدة بمئات المقالات والتي أشهد له ـ من خلالها ـ بالكفاءة والاقتدار،فإنني على ثقةٍأن (الموضوع) سيفيه مصطفى الكثير من حقه، مع يقيني بأنه لا يبلغ الكمال أحد أبداً أبداًإلا الله جل في علاه.
4) إن ما توافر للعزيز مصطفى من وسائل وحرية حركة واتصال بمراكز بحث ودراسات أكاديمية، إلى جانب اشتغاله بالميدان المعرفي والحقوقي لسنوات ستُكسب هذا الكتاب تميزاً قد يتعذر اكتسابه لآخر، بقلم آخر، لما توافر لمصطفى.
5) إن الحيادية التي ألزم مصطفى بها نفسه ستجعل من كتابه أقرب إلى الموضوعية، وبعيداً عن التجاذبات الفلسطينية الفلسطينية، بما يسهم إسهاماً ـ لا بد منه ـ في لم الشمل الفلسطيني، والاستشفاء من حالة الانكفاء على الذات، والخروج من العزلة القسرية إلى فضاء الصف المرصوص في وجه المشروع الصهيوني، الذي لا يصلح معه–قط ـ إلا ما اختاره الأسير من فلسفة مواجهته،فلم يركن له، ولم يخلب لبه ذهب (روتشليد) كما لم يرهبه سيف (جابو تنسكي) كما لم تَشل حركته قيود (الشاباك) ولا أصفادهِ ولم يمزق (المسلخ) إرادته، ولا (الباص)، ولم تحن هامته صرخات (الخيال) ولا (الكتسين) في وجهه: (روش لماتا)، و(يادايم على قاف).
6) من المؤكد أن القارئ سيقف على حقيقة أخلاق الـ(روفيه)، (الخوفيش) ذلك الطبيب وذلك الممرض، اللذين تجردا من كل معاني الإنسانية، وقد خانا (أبقراط) في قسمه، وهما يتعاملان مع الأسير الفلسطيني بما يميط اللثام عن أنياب (دراوكولا) التي كان يخفيها قناع من أقنعة ملائكة الرحمة؛ الأمر الذي يجعل القارئ (موقفاً) لا مجرد قارئ يتسلى.

وأخيراً
أرجو للأخ العزيز د. مصطفى أن يتحقق له ما أحب أن يتحقق منذ أن كان الموضوع فكرةً إلى أصبح كتاباً بين يدي قارئ يبحثُ عن الحقيقة ويتحراها، كما أرجو أن يكون الكتاب إضافة نوعية تسهم في استرداد فلسطين ( أرضاً، وإنساناً، وهوية).
كما أرجو أن يرتقى الشعور الآدمي على هذه الأرض بالأسير الفلسطيني (الآدمي) فيسعى الآدميون جاهدين أن يقولوا للصهاينة (كفوا)، ويقولوا للأسير: أنت على الحق فامضِ، ولن نجعلك في عداد الإرهابيين، بل الذين سرقوا وقتلوا واعتدوا وطردوا وسفكوا وسجنوا، أي الصهاينة، هم الإرهابيون، بما يدعم المشروع التحرري ـ الذي يمثله الأسير ـ بمزيد من الأحرار.
د. عطا الله عبد العال أبو السبح
وزير شؤون الأسرى والمحررين
والقدس واللاجئين ـ فلسطين
نوفمبر 2012
صفحة 2

الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن

تقديم

منذ بدء الصراع العربي – الإسرائيلي اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي قرابة ربع السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى بات «الاعتقال»، «السجن»، «الأسر» و«التعذيب»، مفردات متلازمة، أضحت ثابتة في قاموس النضال الوطني الفلسطيني ومن أبجديات الحياة الفلسطينية، فلم يكن «الاعتقال» يوماً ممارسة عفوية أو استثنائية، كما لم يرتبط وجود السجون والمعتقلات الإسرائيلية بحقبة زمنية معينة.
والاعتقالات لم تقتصر على شريحة محددة أو فئة عمرية معينة، بل طالت فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني كافة دون تمييز أو استثناء، فشملت الذكور والإناث ومن مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والمهنية، ولم يسلم منها المرضى والجرحى والمعوّقون، فيما لم تستثنِ المحامين ورجال القانون ونشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ونواب المجلس التشريعي والوزراء، والقيادات السياسية، بحيث كان للعمال والفلاحين والكادحين النصيب الأكبر.
كما لم تقتصر على منطقة جغرافية بعينها، وانما طالت كل مخيم ومدينة، وكل بيت وأسرة، ولم تَعد هناك عائلة واحدة في فلسطين إلا وذاق أحد أفرادها أو جميعهم مرارة الأسر، كما أن عشرات الآلاف من المواطنين قد تعرضوا للاعتقال لأكثر من مرة، فيما لم تَبقَ بقعة في فلسطين، إلا وأقيم عليها سجنٌ أو معتقلٌ أو مركز توقيف.
ومن خلال موقعنا ومتابعتنا نجد أنّ هناك تلازماً ما بين الاعتقالات والتعذيب، وأن جميع من مروا بتجربة الاعتقال قد تعرضوا لأحد أشكال التعذيب النفسي، أو الجسدي، والإيذاء المعنوي والإهانة أمام الجمهور وأفراد العائلة، فيما الغالبية تعرضوا لأكثر من شكل من أشكال التعذيب، وأن تعذيب الأسرى بأشكاله المختلفة، شكل نهجاً اساسياً، وممارسةً مؤسسيةً وجزءاً لا يتجزأ من معاملة مع مَن تم احتجازهم واعتقالهم وبغض النظر عن جنسهم وفئاتهم العمرية أو احتياجاتهم الخاصة، وفي تطور خطير حظى في السنوات الأخيرة بغطاء قانوني وحصانة قضائية ومباركة الجهات السياسية.
وأجزم بأن مجمل الاعتقالات وما يصاحبها ويتبعها من إجراءات وانتهاكات، وظروف الاحتجاز، وطبيعة المعاملة فيها، إنما تتم جميعها بشكل مخالف لقواعد القانون الدولي الإنساني وما تنص عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعددة ذات الصلة.
ويُقال إنّ لكل مرحلة رجالها، ولكل وقت وزمن أبطاله، فيما الأسرى هم رجال كل المراحل وأبطال كل الأزمنة والأوقات... وهم من حجزوا لهم مكانة واسعة في عقولنا وقلوبنا، وأسماؤهم حُفرت في ذاكرتنا.
أما نحن الأسرى المحرّرين وبالرغم من مرور سنوات على تحررنا إلّا أننا نحيا في السجن ويحيا السجن فينا ولا نزال أسرى للسجن وعاداته، لمفرداته ومصطلحاته، وذكرياته بصورها المتعددة والمتناقضة.
وبالرغم مما مارسته واقترفته سلطات الاحتلال، إلا أنّ الحركة الأسيرة استطاعت أن ترسم لنفسها خطاً نضالياً متميزاً ومتقدماً، وأن تذود عن كرامتها ووجودها وهيبتها، فجعلت من نفسها نداً قوياً للاحتلال وانتزعت حقوقاً أساسية وتمكنت بفعل نضالاتها المتراكمة وتضحياتها الجسام أن تغير من واقعها نحو الأفضل وأن تحقق الكثير من الانتصارات، وصنعت تاريخاً رائعاً ومشرقاً خطت حروفه بدماء وآهات المعذبين وآلام المضربين عن الطعام فكان لهم في سجل التاريخ والمقاومة سطوراً مضيئة.
وتاريخ الحركة الأسيرة حافل بالقصص والأحداث والبطولات، بالمواقف النادرة والتجارب الرائعة، بالصور المؤلمة التي عكست عنجهية الاحتلال وبشاعته في تعامله اللاإنساني مع الأسرى... تاريخ بقي محفوراً في ذاكرة صانعيه ومن عاصروه من الأسرى، وجزء كبير منه لا يزال أسيراً في ذاكرة الأسرى المحررين، والذي كنت دائماً أخشى أن يندثر ذاك الجزء الهام والكبير مع رحيلهم عن الدنيا ما لم نُسرع في تحريره وتوثيقه، وتوثيق التاريخ الشفوي مهمة الأفراد كما المؤسسات وهو مهم جداً.
نعم.. نتحدث عن حركة نضالية متجذرة ومتطورة دوماً، انضوى تحت لوائها، وانضم لصفوفها منذ احتلال «إسرائيل» لفلسطين قرابة ربع الشعب الفلسطيني، وهؤلاء هم جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وهم من حملوا لواء النضال جنباً إلى جنب مع بقية المناضلين تاركين عائلاتهم، فكان لهم في سجل التاريخ والبطولة صفحات مضيئة.
وأعتقد بأنه ليس كل من تعرض للاعتقال والتعذيب نجا من الموت، أو لا يزال حياً ليحدثنا عما تعرض له، وليس كل من نجا ولا يزال على قيد الحياة قادراً على أن يحدثنا عمّا تعرض له، لكن هناك الكثير ممن نجوا وتحدثوا بمرارة عما تعرضوا له، وهناك من لا يزالون متأثرين من ذلك رغم مرور سنوات طوال على تحررهم، وكاتب هذا الكتاب (الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن).. هو واحد من الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب وهو قادر على نقل ما مر به وما سمعه وقرأه عن الآخرين.
د.مصطفى اللداوي الأسير لأكثر من مرة، الزائر الدائم لسجون الاحتلال ومخيمات اللجوء والابعاد، استطاع ومن خلال كتابه أن يعيدني إلى الوراء عقوداً من الزمن، وأن يدخلني السجون والمعتقلات بمختلف مسمياتها وتعدد أماكنها الجغرافية وكثرة الحواجز الفاصلة فيما بينها، ليزجني في قلب ملحمة إنسانية لم تنتهِ بعد.
(الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن) كتاب رائع وثري جداً، يحاكي الماضي والحاضر وينبش في الذاكرة جوانب منسية، ويتناول جزئيات وفصول الحياة الاعتقالية بكل جوانبها، يسرد الحقب التاريخية والمحطات الهامة والأساسية بشمولية وبترابط وثيق وصياغة قوية وكلمات مؤثرة، ويبرز فيه مواقف عظيمة تجلت فيها قدرة الأسير على التكيف والنضال حتى خلف الاسوار..
صفحة 3
كتاب يفتح خزائن التاريخ المغلقة، بسلاسة، ويعود بنا إلى حكايات عاشها الأسرى قبل عقود من الزمن، بعضها عاصرته الأجيال، وبعضها الآخر تناقلته الألسن وحملته صفحات بعض الكتب، وجزء لم نسمع عنه من قبل، ولكن بعدما تحققت منها تأكدت من صدقها.
بدأ الكاتب كتابه بمفهوم الأمن الإسرائيلي وفلسفة التعذيب وقوانينه والأطراف المؤثرة، لينقلنا بعدها إلى مفهوم الاعتقالات وأشكالها وقوانينها، ليتوقف بعدها ومطولاً أمام دور المرأة الأسيرة وصمودها وبطولاتها ومعاناتها الخاصة داخل سجون الاحتلال.
ويجذبك بكلماته المعبرة والمؤثرة إلى تفاصيل الحياة اليومية في السجن والزنزانة وغرف العزل الانفرادي والإكسات لتتعرف أكثر على طبيعة الجنود والحراس ونفسياتهم وتدريجاً تجد نفسك داخل سجن يحيطك سجّانون.
متناولاً بالشرح المستفيض تاريخ السجون ونشأتها، وأشكال التعذيب وقوانين تشريعه، والمحاكم العسكرية والإجراءات المتبعة والاعتقالات الإدارية، والموقف الدولي من مجمل تلك الإجراءات، كما وتطرق الكاتب إلى المسيرة النضالية والإضرابات عن الطعام التي خاضها الأسرى لتحسين ظروف اعتقالهم وانتزاع حقوقهم الإنسانية والإنجازات التي حققوها.
أما عن دور الحركة الأسيرة في رفد الثورة الفلسطينية وتوجيه العمل الوطني والنضالي ومساهماتهم في هذا الصدد، وإنجازاتهم على مستوى التعليم والثقافة والارتقاء بوعي الأسرى وثقافتهم الوطنية والسياسية والثقافة العامة أيضاً بالاضافة إلى مراحل التعليم، فقد أولاها الكاتب اهتماماً.
وتطرق بإسهاب إلى الأوضاع الصحية المتدهورة ومخاطرها على صحة الإنسان الأسير وسياسة الإهمال الطبي المتبعة في سجون الاحتلال، وما يتعرض له الأطفال، حتى مفردات الحركة الأسيرة ولغة الأسرى اليومية وعاداتهم وتقاليدهم ومجتمعهم الخاص، جاءت في مورد الذكر.
ولم يغفل ملفاً إلّا وجاء على ذكره.. حتى أن الفترة التي اعتبرتها دوماً بالفترة المنسية قد جاء عليها وهي الفترة الممتدة ما بين العام 1948 والعام 1967، كما ولم يغفل أيضاً ملف الأسرى المفقودين.
أفتخر بأنني عاصرت الحركة الأسيرة منذ نشأتها، ويوم أن كنت طفلاً حينما كان والدي يتنقل من هذا السجن إلى ذاك، وعاصرت تطوراتها وعايشت بعض محطاتها بعدما تعرضت للاعتقال لأربع مرات، وواكبت أحداثها ومحطاتها المختلفة من خلال متابعتي الحثيثة لملفاتها المتعددة، لكنني صدقاً، وبعدما اطلعت على محتويات هذا الكتاب تفاجأت بحجم المعلومات والأحداث، وشعرت وكأنني حديث القراءة عن تاريخ كنت أعتقد أنني ملم به، ليتضح لي أنني لم أعد كذلك، بل أجهل الكثير من فصوله، وتفاصيل بعض محطاته.
وخلال قراءتي للكتاب توقفت كثيراً أمام بعض المحطات لأجبر على العودة للوراء سنين طويلة استحضرت فيها الماضي بأحداثه تارة، وأتخيل الكاتب وكأنه أمامي يتحدث ويشرح ويرسم معالم تلك الفترات تارة أخرى.
بطبيعة الحال (لا) أستطيع أن أسجل كل ما لاحظته أثناء قراءتي للكتاب، ولكن محتوياته وحجم المعلومات التي وردت فيه أبهرتني بشموليتها وقوة صياغتها وبكلماتها المؤثرة.
ولفت انتباهي أنّ الكاتب لم يذكر في كتابه من الأسماء أحداً، حتى ممن استشهدوا داخل السجون، أو ممن يُطلق عليهم «جنرالات الصبر» وهو المصطلح الذي يُطلقه الفلسطينيون على من أمضوا ربع قرن وما يزيد في سجون الاحتلال وهم كثر بالمناسبة، أو بعض تلك الأسماء التي اعتبرت نجوماً ساطعة في مسيرة النضال والحرية خلف القضبان، وتركت بصمات واضحة في تاريخ الحركة الأسيرة.
إلا أن عدم ذكر أي من الأسماء كما تعمد الكاتب لها من الإيجابيات ما لها، فهو أراد أن يجعل من ذاك التاريخ ملكاً للجميع وهذا في حدّ ذاته إنصاف لكل من اعتقل وذاق مرارة الأسر، كما والأهم أنه لم يعظم الذات أو الأفراد، ولم يربط الاحداث بالأشخاص، ولم يتنكر لأحد، ولم يُقزم أيّاً من التنظيمات الفلسطينية، ليتناول الأمور من منظار وحدوي وعام ليبرز الهوية الفلسطينية بأبعادها المتعددة.
وليس كل ما هو مدون في الكتاب ينطبق على الجميع، ولكن كل من تعرض للاعتقال أو الاحتجاز وسيقرأ الكتاب سيجد نفسه فيه، وسيجد ما ينطبق عليه؛ يذكرك بالماضي الذي عايشته أو ذاك الذي قرأته، وبالحاضر المر ومأساته ويفتح جروحاً لم تندمل بعد، ويقلب صفحات كدنا أن ننساها في زحمة الأحداث وهموم الحياة اليومية، ومع مرور الوقت وأنت تطالع محتوياته تشعر بالفعل أنّ الكتاب كتابك، بل هو كتاب مئات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين ممن تقاسموا معك ألم القيد وعايشوا عتمة الزنازين، وهذا الإحساس هو الذي يدفعك لأن تواصل قراءته، وكلما قرأت المزيد اكتشفت مزيداً من المعلومات وازددت شوقاً لمعرفة المزيد عن تاريخ الحركة الأسيرة، واحترمت الكاتب أكثر.
الكاتب أسير سابق ومبعد يتحدث في كتابه هذا عن تجربته الشخصية، وذكرياته المريرة مع السجن والإبعاد، وعن الصور والمشاهد والذكريات الأليمة والمفرحة التي لا تزال عالقة في ذهنه، ليضيف إليها خبرته وخبرات الآخرين وتجاربهم، ليس من منظور ذاتي أو استعراض لبطولات خاصة، أو حزبية وفئوية كما يحلو للبعض صياغتها، وإنما ـ وهذا هو الأهم ـ استغلها واستثمرها إلى جانب خبراته وبحثه ومراجعاته العميقة في خدمة تاريخ عريق هو يرى بأنه جزء منه وهو جزء منه حقاً، لينقلك عبر صفحات كتابه التي تزيد عن الألف صفحة، وسطور كلماته من محطة إلى أخرى وكأنك تعيش الحالة بكل ما يعنيه ذلك من مشاعر وأحاسيس.
سرد لعناوين مختلفة، وليس مجرد اسهاب لملفات محددة، وإنما يفتح ملفات هي الأشمل ويستعرض سياسات وممارسات وقوانين إسرائيلية قديمة وجديدة ليفضحها أمام الرأي العام ودعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أتفق في الختام مع الكاتب على أنّ كتابه هذا (لا) يشمل كل مناحي الحياة الاعتقالية، ومحطاتها المختلفة وأحداثها المتعددة كافة، لكن أجزم بأنه الكتاب الأكثر شمولية وروعة في مجال التوثيق، توثيق تاريخ الحركة الأسيرة ومسيرتها خلال العقود المنصرمة.
وأتمنى على صناع القرار، الاهتمام بهذه الدراسة التوثيقية وتبني هذا العمل، لتشكيل حافز للآخرين وللمضي قدماً صوب توثيق شامل وكامل لتاريخ الحركة الأسيرة والذي أخشى أن يندثر دون أن نوافيه حقه، ودون أن نوثقه للأجيال القادمة،..
وربما يحتاج الناس كل الناس إلى قراءة هذا الكتاب أكثر من مرة، وقد قيل من قرأ تاريخاً غير تاريخه وأضاف خبرة الناس إلى خبرته، فقد أضاف عمراً إلى عمره،..
مع الاحترام
عبد الناصر فروانة
أسير سابق ومختص بشؤون الأسرى
صفحة 4

كتابي...

الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن، إنه كتابي، وسجل ذكرياتي، وذاكرة أيامي التي أفخر بها وأعتز، فهي جزءٌ عزيزٌ من حياتي، ورصيدٌ كبيرٌ راكمته في عمري، فكان أساساً لرأس مالٍ عز أن يخسر، نما مع الزمان، وكبر مع الأيام، واستوى على سوقه مع كثرة التكرار، وتوالي التجارب والخبرات، وهي مرحلةٌ من العمر مضت وانقضت، وتركت علامةً وأثراً، ولكنها أصبحت ذكرى، ومحطة نضالية كان لها أبلغ الأثر في صياغة المستقبل وصقل الحياة.
كتابي... الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن... إنه الشامة الغراء التي بها أفخرُ بها وأعتز.كتبت فصوله والكثير من أبوابه من ذاكرتي، التي لاتزال تحمل الكثير من الذكريات عن السجون و«المعتقلات الإسرائيلية»، ذكرياتها الأليمة، أيامها الجميلة، تجاربها المريرة، معاناتها ومسراتها، أحزانها وأفراحها، زنازينها وأقسامها، سجونها ومعتقلاتها، الصحبة الطيبة، والأخوة الحقيقية، التي بتُّ أحنُّ إليها، وأفتقد مثيلاتها، وأبحث عن إخلاصٍ يشبهها، وصدقٍ يماثلها، قد كتبت جلَّه من الذاكرة بعيداً عن المراجع والكتب، والدراسات والأبحاث، وإن كنت أسعف ذاكرتي أحياناً بالعودة إلى أصدقاء السجن وزملاء المعتقل، الذين زودوني بالكثير مما يعرفون ويحفظون.
لاتزال عيوني تحفظ الكثير من الصور، تتراءى أمامها، وتنهض من الماضي بكل تفاصيلها الحزينة والأليمة، تختصر الزمن وتعود إلى الوراء، تأبى بقايا الصور أن تفارق العيون أو أن تغيب عنها، وترفض العيون أن تتخلى عنها، إذ فيها بقايا حية لمشاهد لا تنسى، وأحداثٍ لا يقوى الزمن على طيها، ولا جديد الأيام على نسيانها، ولايزال جسدي يحتفظ بكثيرٍ من ذكريات السجن، التي زالت آلامها ولكنها بقيت علامةً لا تزول، وجرحاً لا يندمل، وذكرى يقشعر منها بدني، وتزيغ منها نظرات عيوني وأنا أتحسس بيدي كلما تذكرت موضع الألم من جسدي، فألمس مكان القيود الغائرة، أو أتلوى ألماً من الذاكرة لضرباتٍ كانت كالطعنات على الخصية، ولاأزال أشعر بألم القيود البلاستيكية وهي تعتصر معصمي، وتكاد تحزّ عظمي وقد انغرست عميقاً في لحمي فأدمته وازرقَّ وتورّم. لاأزال أشتمُّ رائحة الأكياس المنتنة التي غطت رأسي، وخنقت أنفاسي، وجعلتني أتقيأ من نتن رائحتها، وسماكة قماشها، ولاأزال أضع يدي على وسطي، أتحسب من أي ضربةٍ جديدة تصيب خصيتيّ، اللتين أصابهنّ من العذاب ما لا يحتمله حصان، فقد أدماهما الضرب والركل والعصر، وجعل من مجرد تصور ما كان عذاباً لا يطاق.
إنه كتابي أنا، كما هو كتاب مئات آلاف الفلسطينيين والعرب، سطرته من المعاناة، وكتبت حروفه من الألم، وتذكرت حوادثه من وخز القيد، وألم الشبح، وصقيع البراد، ولفح الفرن، وبرد الصحراء، تنبهني بين الحين والآخر لكمات السجان، وركلات الجنود، ولسعات السجائر والماء الساخن المنصب على الجسد في لا مكان أعرفه أو أتحسبه، وأكاد أتقيأ من بصاق المحققين والحراس، وسوء رائحة الكيس وضيق الأنفاس فيه، فكان كتابي عن الأسرى مداده لا ينضب، وحروفه لا تتعثر، وكلماته لا تتوه ولا تضيع، ولكن فصوله لم تنتهِ بعد، ولم تطوَ صفحاته، ولم يجف مداده، فغيري كثيرون يسطرون اليوم وكل يومٍ كتباً أكبر وأبلغ وأعمق، ويمتلكون ذاكرةً أدق وأوسع، ويحوزون على شهاداتٍ أحدث وأكثر، ويعرفون حوادث جديدة، ويحتفظون بأخرى قديمة، ولكنهم وأنا، نؤمن أن ما نكتب سيغدو يوماً ذكريات، وستصبح كتبنا وذكرياتنا صفحات من الماضي، وقصصاً وحكايات من عهد الاحتلال، إذ سيأتي يوم نكسر فيه القيد، ونحطم الأغلال، ونهدم الأسوار، ونسوي الزنازين بالأرض، ونبني مكانها حدائق ومتنزّهات، نزرع فيها الأشجار، لتورق وتثمر، وننثر فيها الحب لينمو ويزهر، ونبني فيها لأطفالنا ملاعب، ونجعل لهم فيها ملاهي، فهذا يقيننا الذي لا يتزعزع، وإيماننا الذي لا يضعف، وأملنا الذي لا يعرف اليأس أو القنوط.
إنه كتابي الذي سطرته من تجاربي الشخصية ومعاناتي الخاصة، التي لا تختلف كثيراً عن معاناة مئات آلاف الفلسطينيين، التي تفوقها بكثير وتتجاوزها بمراحل؛ فما واجهتُه وعانيتُ منه هو أقل بكثير مما لاقاه غيري، وواجهه من كان قبلي ومن جاء بعدي، ولكنها خلاصة تجربة فيها السجن والتحقيق والتعذيب والمحاكمة، وفيها المداهمة والملاحقة، إذ اعتقلتُ تسع مرات، منها اعتقالاتٌ احترازية وأخرى إدارية، ودخلت السجون وكنت من أوائل من دخلوا المعتقلات الصحراوية، وعشت قسوة العزل، ووحشة الحبس الانفرادي، وفرضت عليّ الإقامة الجبرية، ومنعت من مغادرة مخيمي، وحرمت الالتحاق بجامعتي لاستكمال دراستي، وتوالت اعتقالاتي، وجاءوا بأخي الجريح من المستشفى بعد أيامٍ قليلة على إصابته بعشرات الطلقات النارية على عربةٍ متحركة ليضغطوا به عليّ، ومنعوا أفراد عائلتي من السفر ومغادرة قطاع غزة، وأجبروا العديد منهم على الحضور يومياً إلى مقرات الأمن للتوقيع والمشاهدة، ثم اعتقلت الاعتقال الأخير وعرضت على «المحكمة العليا الإسرائيلية»، التي صادقت على قرار «وزير الدفاع الإسرائيلي» بإبعادي وثلاثة أخوة آخرين إلى جنوب لبنان، فكان كتابي مزيجاً من التجربة الشخصية، والخبرة التي اكتسبتها من خلال معاناتي الخاصة، أضفت إليه بعضاً من تجارب الآخرين، وخبرات السابقين والعارفين، مما جعل الكتاب بياناً لصورٍ كثيرة، واستعراضاً لسياساتٍ و«ممارساتٍ إسرائيلية» قديمة وجديدة، تقليدية وأخرى مبتكرة.
صفحة 5
منذ زمنٍ طويل وأنا أفكر أن أكتب عن الأسرى والمعتقلين، وأن أدوّن التجربة التي عشتها، أسجل فيها تفاصيل دقيقة، وأحداثاً غريبة، وأكتب عن مشاهد قديمة قد نسيها الكثيرون، وأميط اللثام عن سلوكياتٍ و«ممارساتٍ إسرائيليةٍ» سوداء ربما لم يعشها كثيرون، وأن أكشف عن «فلسفة الإسرائيليين» في التعامل مع الأسرى والمعتقلين، ونظرتهم إليهم وهم في القيود والأغلال، أو في الزنازين و«إكسات» العزل، وأن أوضح للفلسطينيين، والعرب من بعدهم، مدى الحقد المسكون في «قلوب الإسرائيليين» ضدنا، وحجم الكره الذي يكنّون لنا، والخوف الذي يكبر في صدورهم منّا، والرعب الذي يسببه لهم صوت السلاسل التي يجرها الأسير، أو طقطقة أساور الحديد التي تحيط بمعاصم الرجال، ورغم أنني كتبت عن الأسرى والمعتقلين عشرات المقالات، لكنني أشعر أنني كتبت لم أوفّهم حقهم، ولن أتمكن بكتابي هذا أن أفي الأسرى حقوقهم التي تفوق كل قدر، وتتجاوز كل حساب، فهم أعظم درجةً من الشهداء، وأسمى مكانةً ممن سمت أرواحهم وتخلصت من ضيق الدنيا لتلحق بفضاء رحبٍ وسماءٍ لا حدود لها مع الأنبياء والصديقين والشهداء؛ إذ إن الأسرى يستشهدون كل يوم، وتسمو أرواحهم كل ساعة، وتتعاظم معاناتهم كل يوم، فإن كان الشهيد لا يجد من ألم الشهادة إلا ما يجده الإنسان من لسعة النحلة، فإن الأسير دائم المعاناة، متجدد الألم، بجرحٍ نازفٍ لا يشفى ولا يندمل، وحرقةٍ باقية لا تبرد ولا تنطفئ، وسيفٍ يحزُّ، وخنجرٍ ينغرس في عمق أجسادهم، فكيف بكتابي أوفّي الأسرى حقهم، وأكافئهم على فضلهم، وعظيم معاناتهم، ولكنني أساهم ما استطعت في بيان فضلهم، وتعداد صفاتهم ومناقبهم، وسرد معاناتهم وأحداث أيامهم، علّها تكون يوماً فقط ذكرى، ومجرد حوادث كانت في الماضي، نرويها لأولادنا وأحفادنا من بعدنا، عن بطولات رجالنا، وصبر جنرالاتنا.
كتابي « الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن» لا يوثق الشهادات، ولا يذكر الأسماء، ولا يسجل الاعترافات، ولا يربط الأحداث بالأشخاص، ولا يحاول أن يميز أسيراً يذكره بعينه، أو يحط من قدرِ أسيرٍ بتجاهل اسمه، فقد تعمدت ألا يكون في كتابي أسماء لأشخاص، أو ذكرٌ لأسماء رجالٍ وعمداء وجنرالات، وغيرهم من النجوم الساطعة في سماء مسيرة الحرية الفلسطينية؛ فلن يجد القارئ بين دفتي هذا الكتاب شهادةً لأسير، أو اعترافاً لمعتقلٍ تحت القسم، أو سرداً لشكوى مقدمة، أو مظلمة مرفوعة، فكل ما جاء في هذا الكتاب، إنما هو سيرةُ كل معتقل، وحياة كل أسير، ومعاناة كل أهل، كما أنه سلوك كل عدوٍ محتلٍ غاصب، وممارسة كل جنديٍ حاقد، وسيجد كل أسيرٍ محررٍ أو لايزال قيد الأسر نفسه في هذا الكتاب، وسيراجع وسيتذكر الأحداث التي مرت به، والأهوال التي قاسى منها وعانى، وسيتحسس آثار القيود في يديه، ورائحة الكيس المنتن الذي يكاد يخنق الأنفاس، وسيتذكر معنا البرش والزربيحة، والقمعة والجردة، والشاويش و«الخيال والكتسيم»، وغيرها الكثير من مفردات السجون والمعتقلات.
وسيتذكر «المقاش» ونوعية الطعام الرديء وكميته القليلة، والشكوى المريرة التي كان الأسرى والمعتقلون يعانون منها نتيجة نقص الطعام ورداءته في سني الاعتقال والاحتلال الأولى، وسيذكر قراء هذا الكتاب من الأسرى والمحررين وعددهم يناهز المليون من أبناء الشعب الفلسطيني وإخوانهم العرب الذين شاركوهم الزنزانة والمسلخ، والقسم والعنبر، يوميات السجن والمعتقل، ومعاناة العد ومهانة التفتيش، وصفاقة السجان وقسوة المحقق، وبطش الضباط وغلظة الجنود.
وسيذكرون المرأة الأسيرة والأشبال الرجال، ومساعي الاحتلال لإفسادهم وحرفهم، والتأثير على نفسيتهم وأخلاقهم، والإساءة إلى موروثاتهم الأدبية والأخلاقية، وستذكر الأم الفلسطينية معاناة الأسيرة الحامل، وكيف وضعت وليدها في غرفِ المستشفى القذرة، بينما يداها مقيدتان إلى السرير، ولا أحد من أهلها يقف إلى جانبها وهي تصرخ وتعاني من آلام المخاض وعسر الولادة، وسيذكرون المواليد الأسرى الذين عانوا كأمهاتهم من الأسر والقمع والغاز والركل والصفع، وكانوا يمزقون بأصواتهم وصراخهم ليل الأسيرات الطويل، وصمت الغرف والأقسام، إذ إنهم يحرمون من الحليب وفوط الأطفال، ويتركون يعانون من الرطوبة والحر والبرد والصقيع.
لا أزعم أن في هذا الكتاب كل شيء عن حياة الأسرى والمعتقلين، ففي حياتهم أشياء كثيرة لا نعرفها، وفيها من الأسرار ما أخفاها الاحتلال عنا وعن الأسرى أنفسهم، ولكن فيه الكثير، مما يذكره البعض ومما قد نسيه آخرون، فهو وإن لم يأتِ بجديدٍ عن غيره، فإنه يذكر بكثيرٍ مما نخشى أن ننساه، أو يطويه الزمن فلا تعرفه الأجيال القادمة، وهو ليس سجلاً لأشكال التعذيب والإساءة والإهانة، وديواناً للشكوى والمظلمة، ونادياً للصراخ والعويل، بل هو استعراضٌ واسع، بعيداً عن الأسماء والشخصيات، لكثيرٍ من مفردات السجون والمعتقلات اليومية، وأدوات «القمع الإسرائيلية» المتوارثة، فهو يستعرض المفهوم «الأمني الإسرائيلي»، والنظرية الأمنية التي تقوم عليها عملية التعذيب والتحقيق والاعتقال، ويبين الجهات التي تصدر قرارات الاعتقال، والجهات التي تنفذه، كما يتناول الكتاب بعرضٍ صوري بياني لكيفية الاعتقال وهيئاته وأنواعه، والمراحل المختلفة التي يمر بها المعتقل وصولاً إلى غرفته في السجن.
وحرصت، في صفحات الكتاب، على بيان السجون قديمها وحديثها، وما بناه الاحتلال وما ورثه عن الانتداب، واستعرضت السجون الرسمية المعلن عنها، وتلك الخفية السرية البعيدة عن القوانين، والتي لا تخضع لقانونٍ أو شرعة، وحاولت وصف بعضها وتمييزها عن غيرها، وبيّنت أصناف الأسرى والمعتقلين، والطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها، وعددت أصنافهم عرباً وفلسطينيين، طلاباً وجامعيين، رجالاً ونساءً، كباراً وأطفالاً، أصحاء ومرضى، وغير ذلك. شاركت في الجدل القائم حول تحديد من هو الطفل، وما هو سن الطفولة في «القوانين الإسرائيلية»، العسكرية والمدنية.
تناولت بالشرح المستفيض وسائل التعذيب والإهانة المختلفة، التي يتبعها المحققون والسجانون والحراس والجنود، واستعرضت أسباب قسوتهم وحقدهم على الأسير المسربل بالقيود والسلاسل، وبيّنت اختلاف أشكال التعذيب وفقاً للمرحلة السياسية التي يمر بها الكيان الصهيوني، واختلافها أيضاً وفقاً للمرحلة التي يمر بها المعتقل؛ فوسائل التعذيب خلال عملية الاعتقال وسوق المعتقل إلى السجن، تختلف عن التعذيب في أقبية التحقيق، وعن تلك التي تمارس في الزنازين و«الإكسات»، كما أنها تختلف عن أشكال التعذيب في الأقسام والغرف بعد انتهاء التحقيق وعرض المعتقل على المحكمة، وبينت التعذيب الذي يمارسه « الإسرائيليون» وذلك الذي يقوم به العملاء والمتورطون معه، وشرحت دور «العصافير» وأوكار غرف العار.
وبيّنتُ «الأحكام العسكرية الإسرائيلية»، ودرجات المحاكم، ومواصفات القضاة، والإجراءات التي تتبعها المحاكم العسكرية على اختلافها في محاكمة الأسرى، والضمانات التي تقدمها للمعتقل وهيئة الدفاع عنه، وبينت الأحكام الجائرة القاسية الاستنسابية والمزاجية، التي يصدرها القضاة العسكريون ضد المعتقلين الفلسطينيين لأسبابٍ سياسية، واستعرضت الاعتقالات الإدارية والأحكام الإدارية ومساومات النيابة العامة، وخيارات الطرد والإبعاد، وأشكال الإبعاد المختلفة والحجة القانونية التي تعتمد عليها «سلطات الاحتلال الإسرائيلي».
تناولت في كتابي التضحيات الكبيرة التي قدمها الأسرى والمعتقلون في السجون والمعتقلات للنهوض بحياة الأسر، وتحسين ظروف الاعتقال، وبيّنتُ الكثير من الإضرابات التي خاضها المعتقلون لتحسين ظروف الاعتقال، والانجازات التي حققوها، والإخفاقات التي تعرضوا لها، وعددت أنواع الإضرابات وآلية قرار خوضها، ومددها وكيفية تعامل سلطات السجون مع الأسرى خلالها، وسلطت الضوء على شهداء الحركة الأسيرة في معارك الأمعاء الخاوية، ودورهم في تصليب مواقف الحركة الوطنية الأسيرة.
كما أفردت جانباً من الكتاب لدور الأسرى في قيادة وتوجيه العمل الوطني والنضالي من داخل السجون، وقلقهم على شعبهم وأهلهم، وحرصهم على توجيه النصح لهم، وتقديم الاقتراحات الجديدة للنهوض بهم وإخراجهم من مآزقهم؛ فالأسرى ليسوا أمواتاً خلف القضبان والسجون، بل هم قادة عسكريون وسياسيون ودينيون قادرون على توجيه وإدارة المعركة مع «الاحتلال الإسرائيلي».
صفحة 6
وتناول الكتاب بالبحث إنجازات الأسرى على مستوى التعليم والثقافة، بدءاً من الحلقة الصغيرة وصولاً إلى الجامعة، وبينت الصعاب والعقبات التي اعترضت مسيرتهم التعليمية، وكيف استطاعوا أن يقفزوا عليها وأن يتحدوها بقوة، حتى تخرج من الأسرى جامعيون بدرجاتٍ علمية مختلفة، وأنهى كثيرون فيه تعليمهم الثانوي، وأسسوا لتعليمٍ جامعي بعد نيلهم الحرية، وأصبح كثيرٌ منهم بعد نيلهم الحرية أساتذةً في الجامعات، وكتاباً وشعراء ومهنيين كباراً.
ولم أنس في هذا الكتاب استعراض معاناة الأسرى الصحية، وتعمد سلطات الاحتلال استخدامهم كمختبرات أدوية، تجرب عليهم الجديد منها، مما لا تعرف آثاره ومضاعفاته، وبينت وسائلها في التعامل مع الأسرى المرضى، ومماطلتها في العلاج وإجراء العمليات الطبية اللازمة، ورحلة العذاب المضنية من وإلى مستشفى السجن، وبينت وسائلها الكثيرة في قتل وتصفية وإعدام الأسرى، داخل السجون وخارجها، بالرصاص أو بالسم أو بغيرهما.
تناولت بكثيرٍ من الأمل واليقين، سبل الحرية وآفاق الخروج من السجون والمعتقلات، وبينت الوسائل الجدية الحقيقية التي تقود إلى الحرية وتعيد الأسرى إلى بيوتهم وأسرهم، وتلك التي يعمد إليها الاحتلال لذر الرماد في العيون، ومحاولة كسب الرأي العام وتحسين صورته، وكشفت عن جهود بعض المؤسسات الفلسطينية والعربية والدولية التي تعمل لمصلحة الأسرى، وتحاول أن تخفف من معاناتهم، وتحسن شروط اعتقالهم، وتواجه «سلطات الاحتلال الإسرائيلي» بقوة القانون الدولي وشرائع حقوق الإنسان، وهي مؤسساتٌ جادة، تعمل بجدٍ واجتهاد، لا تيأس ولا تمل، رغم عناد الاحتلال وإصراره، ورفضه الانصياع إلى الشرعة الدولية وقوانين حقوق الإنسان، كما أنها بدأت تواجه سلطات الاحتلال أمام محاكمه الخاصة وأمام القضاء الدولي المختص، وتحاول أن تفضح جرائمه أمام المجتمع الدولي، وتحرك القضاء الدولي في كل مكانٍ ضد ممارساته القمعية ضد الأسرى والمعتقلين.
ولست فيما كتبت مدعياً أنني أحطت شمولاً بكل شيء، ووصفت كل ما يدور داخل السجون والمعتقلات، التي يوجد فيها أهوالٌ وأهوال، وأشياء جديدة ومبتكرة يصعب وصفها أو الكتابة عنها، وكل أسيرٍ يحمل معه ذكرياتٍ خاصة، وملاحظاتٍ كثيرة، وتجارب عاشها بنفسه، ولكني آمل أن أكون قد ساهمت، ولو قليلاً، في كشف بعض «الجرائم الإسرائيلية» بحق أسرانا ومعتقلينا، وساعدت الأجيال القادمة في الإحاطة بوسائل الاحتلال وطرقه في التعامل مع الأسرى والمعتقلين، ليكونوا على علمٍ وحذر، إذ إن المعركة مع «الاحتلال الإسرائيلي» لاتزال باقية، وسجونه لاتزال مفتوحة، وأمنه لايزال يعمل، ولن تتوقف المعركة معه، ولن تغلق السجون، ويتحرر الأسرى، إلا بتحرير الأرض، واستعادة المقدسات، وطرد الاحتلال، ولهذا وجب التعلم والتنبيه ومواجهة الاحتلال بكل الوسائل والسبل الممكنة.
* * * * *
الشكر لله أولاً وآخراً أن مكنني من المساهمة ولو بالنزر اليسير في الدفاع عن أشرف قضايا الأمة، وهيأ لي الظروف للكتابة دفاعاً عن أسرانا البواسل، وذلل أمامي الصعاب التي ظننت أني لن أقوى على تجاوزها أو تخطيها، فقد كانت صعاباً كثيرة، ولكن الله منَّ عليً فأنعش ذاكرتي، وأسعف نفسي بذكرياتها الأليمة والحزينة، والسعيدة والجميلة، فاستحضرت الماضي كله، وعشت أيامي في السجون كما عشتها، وتهيأت أمامي السجون بمبانيها وأسلاكها الشائكة، وزنازينها وأغطيتها المحدودة، وبراداتها وأفرانها، وعادت بي الذاكرة إلى أيام التحقيق، وجلسات التعذيب، وفنون المحققين القاسية، ومحاولاتهم المحمومة لاستنطاقي وجرّي للاعتراف، وتذكرت إخواني ورفاقي، ومن كان نزيلاً معي في الزنازين، ومن شاركني شظف العيش في معتقلات النقب الصحراوية، وتحمل معي أيامها الصعبة، حرارة الصيف اللاهبة، وبرد الشتاء القارس، فأحمد الله أن منحني هذه الذاكرة لئلا أكون مضطراً لعصرها أو البحث عما عانيت ولاقيت عند غيري ممن قد يملكون ذاكرةً أفضل من ذاكرتي، وممن نالهم أشد مما تعرضت له، وإن كنت في حاجةٍ إليهم، وقد أعود إلى كثيرٍ منهم عند قراءتي التالية لكتاب أيامي هذا.
بعد شكر الله عز وجل، صاحب الفضل والمنة، أهل الوفاء وصاحب العطاء، لا أنسى زوجتي الكريمة الأثيرة، التي منحتني من وقتها، وتنازلت لي عن كثيرٍ من حقوقها، فصبرت على غيابي، وتجاوزت عن تقصيري، وساهمت معي في قراءة هذه الصفحات ومراجعتها، والتدقيق فيها، وهي المحبة للعلم، المجدة في دراستها، والمثابرة في جامعتها، والمتفوقة دوماً في درجاتها ونتائج امتحاناتها، فقد أعجبها أن أكتب عن الأسرى، وأن أساهم في التخفيف عنهم، وأن يكون لي سهمٌ في نشر معاناتهم، وتوضيح حقيقة ظروفهم، فلها أقدم الشكر دوماً كما في كل كتابٍ لي، وأشعر أنه لولا الهدوء الذي توفره لي، والاستقرار الذي تحرص عليه في حياتنا، ولولا المحبة التي تغرقني بها، والحنان الذي تغدق به عليّ وعلى بناتها، والحرص الذي تبديه لأن يكون لنا في الحياة دور ومهمة، وأن تكون لنا مساهمة ولو بسيطة في قضايا الأمة الكبيرة، فلا أنسى شكرها، ولا أقلّل من شأن فنجان القهوة الذي تصعد به إلي في مكتبي، تحمله وتسرع به لتقدمه لي ساخناً كما أحب، وكذا مفاجآتها وهي تحضر لي ما أحب ليساعدني على الكتابة، ويحول دون ضياع وقتي، فلزوجتي التي أحب الشكر الموصول، ولها أدعو الله بالأجر والمثوبة وحسن الخاتمة كما تحب هي أن تدعو الله دوماً أن يحسن ختامها، وأن يحفظ عليها عقلها ودينها.
والشكر أقدمه إلى أخوين عزيزين كريمين، أما الأول فقد وقف معي في محنتي، وساندني في مصيبتي، ولم يتأخر عن مساعدتي، وهو المصاب المبتلى، المعاني من هول الابتلاء، وقسوة المحنة، وجسارة الخسارة، ولكنه تجلد وصبر، وتسلح بالصدق والإيمان، وتعاهد وإياي على المضي على بركة الله، فمن كان الله معه فلن يخذله أحد.
أما الثاني فقد عرّفه عليّ الأول، ولم تكن لي به سابق علاقةٍ ومعرفة، عرفني في المحنة فما خذلني، وصادقني في الابتلاء فما تخلى عني، اقترب مني عندما انفض الناس، سرني موقفه، وأسعدتني مشاعره، وأسعفتني كثيراً كلماته، وأعجبتني أفكاره وطموحاته وتطلعاته، سمع عن مشاريعي وأفكاري، وتعرف على رغبتي في البحث والدراسة والكتابة، ففاجأني يوماً دون علمي بأن هيأ مكتبي وهو الخاوي من كل شيء بعد المحنة المالية التي أصابتني، بكل لوازم الدراسة والكتابة والبحث، فجهزه بالجميل، وهيأه بالوثير، ووفر فيه كل ما يطمح إليه باحث ويتطلع إليه دارس، فغدا مكتباً جميلاً مريحاً أقضي فيه أفضل أوقاتي، وأجمل ساعات عملي، أكتب فيه أفضل مقالاتي وخيرة كتاباتي، فإليهما معاً أتوجه بالشكر الجزيل، معترفاً بفضلهما ومقدراً جهودهما.
أسأل الله العلي القدير أن أكون قد ساهمت بجهدي المتواضع في معركة أسرانا البواسل مع «الاحتلال الإسرائيلي»، وأن أكون بما قدمت قد أفدت أهلنا وشعبنا وأجيالنا القادمة، ونفعت إخواني الأسرى وأخواتي الأسيرات، وساعدت في حفظ حقوقهم، وتثبيت معاناتهم، وتأكيد تضحياتهم، وهي أكبر من أن أدونها في كتاب، أو أسطرها في صفحات، ولكنه جهدُ المقل، وعملٌ أسأل الله عليه الأجر والمثوبة، وأن يكون مساهمةً مع غيره من الأبحاث والدراسات في تحرير الأسرى أو تحسين شروط اعتقالهم، ومنع الاحتلال من مصادرة حقوقهم والتغول عليهم.
دمشق في 31 مارس / آذار 2012
صفحة 7

الفصل الأول

مفهوم «الأمن الإسرائيلي» وفلسفة التعذيب

«أمن الدولة الصهيونية ليس قضية حماية الأراضي أو الحدود أو السيادة، وإنما هي قضية البقاء على قيد الحياة من الناحية الفيزيائية».
دافيد بن غوريون

الأسرى في المفهوم الأمني الإسرائيلي...

«إسرائيل» دولةٌ تقوم على الأمن منذ اليوم الأول الذي تأسس فيه كيانهم المشؤوم فوق الأرض العربية الفلسطينية، بل إن الأمن المناقض للخوف قد لازمهم مدى التاريخ، وعاش في قلوبهم وانعكس على حياتهم على مدى الزمن، إذ لم يعرفوا طوال حياتهم فتراتٍ من الأمن والاستقرار والسلام، بعيداً عن الخوف والقلق وترقب المجهول، سوى تلك المراحل الزمنية الذهبية التي عاشوها في كنف الدولة الإسلامية، وفي ظل الخلافة الإسلامية الراشدة وما بعدها، فهم شعبٌ مسكونٌ بالخوف منذ آلاف السنين، يسيطر عليهم الخوف والرهبة والخشية من الآخر، فلا يعيشون إلا في غيتواتٍ مغلقة، وتجمعاتٍ يهودية نقية، يخافون على أنفسهم من الآخر أياً كان، ولا يأمنون العيش في جنبه، أو الإقامة في جيرته، رغم أن الآخر لا يكون في الغالب ظالماً أو معتدياً، بل إن أكثر من عاش عندهم وفي كنفهم اليهودُ كانوا حكاماً عادلين، ولكن سلوكيات اليهود وتصرفاتهم، وخيانتهم ونكثهم للعهود، وتآمرهم وانقلابهم على الحاكم، هو الذي كان يدفع الآخرين للانتقام منهم، والتحرز من مصائبهم ومكائدهم، حيث كانوا يبادرون بالغدر والخيانة، ويستبقون الآخرين بالإساءة والإهانة.
كما أن «تاريخ إسرائيل» الطويل المشحون بالحروب والنزاعات مع دول الجوار والمحيط، والمواجهات مع قوى المقاومة الفلسطينية والعربية، وتعرضها لهجمات المقاومة الانتقامية رداً على سياساتها العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، كان له دور كبير في تشكيل «العقيدة الأمنية الإسرائيلية»، حيث وضعت «إسرائيل» منذ تأسيسها مسألة الأمن في قمة أولوياتها، وبلورت إستراتيجية متكاملة لمفهوم أمنها وسبل تحقيقه، ووظفت إمكانيات مالية واقتصادية وتعليمية وثقافية كبيرة لخدمة إستراتيجيتها الأمنية، كما عمل سياسيوها جميعاً وفق محددات أمنية، وضوابط احترازية تتطلع نحو مزيدٍ من الأمن المرتبط مصيرياً بوجود كيانهم.
أدركت جميع «الحكومات الإسرائيلية» حجم الصعوبات التي تواجه الإسرائيليين في تأمين بيئة مناسبة تحفظ أمنهم ومستقبل وجود دولتهم، في ظل وجودها في محيط عربي معادٍ، يرفض الاعتراف بها، ويصر على شطبها وإزالتها واستعادة الأرض العربية الفلسطينية المحتلة منها، وفي ظل نزعتها العدوانية، وحروبها الاستباقية، واعتداءاتها المتكررة، مما دفعها إلى رفع درجة الأمن، والتعامل مع الآخرين وفق إحساس أمني عالٍ، الذي اتسم في كل المراحل بأمن الخوف، وقلق السقوط والضياع، إذ إن الظالم المعتدي واللص السارق يعرف جريمته، ويدرك أنه متابعٌ ومطارد، وأن عليه أن يحمي جريمته، ويهرب من العقوبة والجزاء.
لم تولِ «سلطات الاحتلال الإسرائيلية»، في تطبيقها لنظرياتها الأمنية، اهتماماً بحقوق الإنسان، وما إذا كانت الإجراءات الأمنية التي تتبعها تضر بحقوق المواطنين المدنيين الذين يخضعون لحكمها باعتبار أنها دولة الاحتلال، وأنها تنتهك كرامتهم، وتصادر حقوقهم، بل كانت على العكس من ذلك، حيث تعمدت الاعتداء على كرامة وحقوق المواطنين الفلسطينيين والعرب، فقتلت واعتقلت وشردت وطردت الآلاف من الفلسطينيين، ولم تردع اتفاقياتُ السلام التي وقعتها مع بعض الدول العربية «الحكوماتِ الإسرائيلية» عن المبالغة في الإساءة إلى المواطنين العرب بحجة ضمان أمنها، والحفاظ على استقرارها. فالأمن بالنسبة إلى إسرائيل هو أساس الوجود، وعامل الاستقرار، وأحد أهم أسباب القوة والتفوق، وبدونه تفقد «إسرائيل» قدرتها على الوجود والحفاظ على ذاتها، وأمن مواطنيها واستقرارهم، ولهذا فإن ميزانية الأمن تضاهي ميزانية الدفاع، وصلاحيات وامتيازات العاملين في المؤسسات الأمنية عالية جداً، لتمكنهم من القيام بأعمالهم وفق حاجة إسرائيل، ولحمايتهم من أي تبعات أو ملاحقات مستقبلية.
استقر في «العقل الإسرائيلي» أن الوسيلة الأفضل والأكثر ضمانة لهذا الكيان لتحقيق أمنه واستقراره هي قتل الآخر، أو استرقاقه بنزع حريته، وإهدار كرامته، وحرمانه من كثيرٍ من حقوقه، ليغدو عبداً ذليلاً تابعاً لهم، منفذاً لسياستهم. ولما كان القتل وسيلةً صعبة، وقد أصبح لها آثارٌ ونتائج خطيرة، فقد لجأت إلى التعذيب وهدر الكرامة والإساءة لضمان عدم قيام الآخر بتهديد أمنها، أو التفكير في تعريض استقرارها للخطر، ومارست مع المعتقلين التحقيق والتعذيب الشديدين للوصول إلى المعلومات التي تريدها، أو للحصول على اعترافاتٍ محددة منهم، فكان التعذيب المفضي إلى الموت أحياناً هو الوسيلة الأنجع لدى «الإسرائيليين» لضمان أمنهم، أو للحصول على معلوماتٍ تقيهم الأخطار. ومضت «الحكومات الإسرائيلية» في تطبيق هذه الرؤية الأمنية، وساعدها على ذلك صمت المجتمع الدولي، وعجزه عن محاسبتها، أو منعها من ممارسة التعذيب ضد السكان المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم.
تبقى المفاهيم «الأمنية الإسرائيلية» على حالها لم ولن تتغير، بل تتطور وتتساوق مع المتغيرات الجديدة الطارئة على كل المستويات السياسية الدولية والمحلية، وهي مفاهيم تنسجم مع المفهوم الأمني العام الذي ترى أنه يحفظ وجودها، ويحقق لها التفوق والتميز، ويحول دون استهدافها من دول الجوار، ولايزال سعيها للحصول على المعلومات من الأسرى والمعتقلين قائماً لا يتوقف، إذ إن وحدات التحقيق المختلفة وفرق جمع المعلومات لاتزال تعتبر أن المعتقلين هم القطاع الأكبر للحصول على المعلومات، وترى أنها معلومات جديدة وحساسة، وأنها تؤثر على أمنها تأثيراً مباشراً، حيث تصنف «المؤسسات الأمنية الإسرائيلية» الأخطار التي تتعرض لها إلى أخطار استراتيجية وجودية تهدد أصل وجودها واستمرارها، وتهديدات اعتراضية تسببها قوى المقاومة والفصائل المسلحة، وهي التي ينصب عليها عمل المؤسسات الأمنية اليومي، وعليها تقوم مفاهيم درء الأخطار الطارئة والتصدي لها من خلال بناء منظومة معلوماتية أمنية سريعة وفاعلة، تحسن الحصول على المعلومات بسرعة، وتتقن توظيفها وحسن استخدامها في التعامل مع الخصوم، خصوصاً بعد نجاح المقاومة الداخلية في ضرب بعض أسس وركائز «النظرية الأمنية الإسرائيلية»، ونجاحها أيضاً في خطف «جنود إسرائيليين» والاحتفاظ بهم لفتراتٍ طويلة، وكذلك في اختراق نظمهم المعلوماتية والاستخبارية، وتمكّن أفرادها من التنصّت على مكالمات واتصالات الجنود والضباط و«القادة الإسرائيليين»، وتهديد سرية عملياتهم ومهماتهم.
صفحة 8
وبالنظر إلى الشكل التي تتم فيه عملية الاعتقال، ومراقبة الحشود الضخمة من الجنود وقوات الجيش التي ترافق ضباط المخابرات الذين يقومون بتنفيذ عملية الاعتقال، والإجراءات الأمنية المشددة جداً التي تتخذها «القوات الإسرائيلية» حول وفي محيط منازل المقصودين بالاعتقال، فضلاً عن الطريقة التي يتعامل بها الجنود «الإسرائيليون» مع المعتقل المكبل بالقيود من الخلف، والمعصوب العينين، فإنها تدل على مدى الخوف الذي يسكن الإسرائيليين من هذا المعتقل وإن كان مكبلاً ومقيداً ومحاطاً بأعدادٍ كبيرة من الجنود والحراس.
لم تكتفِ «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» بما تجريه من استجواب وتحقيق مع الأسرى والمعتقلين، بحجة الحصول على معلوماتٍ أمنية، حيث كانت تصف بعض المعتقلين بأنهم قنابل موقوتة، وذلك بالإشارة إلى حجم المعلومات التي يمتلكونها وخطورتها، والتي في حال عدم الحصول عليها فإنها تعني تنفيذ عمليات عسكرية ضد مصالح الكيان، أو عدم القدرة على إفشالها أو تطويقها والتخفيف من آثارها، فكانت تلجأ إلى اختطاف فلسطينيين ولبنانيين، وذلك بعد أعمال مراقبة ورصد دقيقة وطويلة، وعندما يصبح المختطفون بين أيدي أجهزة «المخابرات الإسرائيلية»، فإنها تقوم معهم بعملية تحقيق قاسية وسريعة، وتستخدم ضد المختطفين وسائل تعذيب خاصة جسدية ونفسية، لتتمكن من الحصول بسرعة على المعلومات التي تريدها، أي أن «إسرائيل» ترى أن أمنها يقوم على استمرار الاعتقال، ومواصلة الاختطاف، وتكثيف عملية التحقيق وتطويرها، لأن الأسرى بما يملكون من معلوماتٍ وأسرار، فإنهم يشكلون ركناً أساسياً من أركان المفهوم «الأمني الإسرائيلي».
وما يؤكد هذا الاتجاه قيام «مسؤولين أمنيين إسرائيليين» كبار، بمشاركة شخصياتٍ سياسية وأخرى لها علاقة باتخاذ «القرار الإسرائيلي»، بمتابعة أو الاشتراك في التحقيق مع الأسرى والمعتقلين، للتعرف منهم على حقيقة المواقف والنيّات، ودراسة الأبعاد والمخاطر والنتائج المحتملة، فضلاً عن التركيز على نوعية المعلومات التي يتطلعون إلى الحصول عليها، وقد شارك في بعضها وزراء «الدفاع الإسرائيليون»، ورؤساء أركان الجيش، وقادة وضباط عسكريون كبار، فضلاً عن مختصين في علم النفس والاجتماع وغيره.
من جانبٍ آخر ترى «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» أن أمن كيانهم لا يتحقق في ظل وجود بعض الشخصيات الفلسطينية في الشارع الفلسطيني أحراراً، يمارسون أدوار التحريض والتعبئة والإثارة، ويلعبون دوراً نشطاً في تأطير المقاومة وتطويرها، وتنظيم العناصر الجديدة، ولهذا ترى من منظور مفهومها الأمني أن تقوم باعتقالهم إن تعذر قتلهم وتصفيتهم، وبهذا تبعدهم عن دائرة الفعل الحقيقية التي يتميزون فيها. وفي الوقت نفسه تحاول «المخابرات الإسرائيلية» الحصول على معلوماتٍ جديدة منهم، سواء أكانت معلومات تفصيلية تتعلق بأعمالٍ أو مهام، تعطل أو تعرقل القيام بأي أعمال تضرّ بأمن «الكيان الإسرائيلي»، أو معلوماتٍ أخرى تساعد في فهم الاستراتيجيات وتبصر الرؤى الإقليمية المتشكلة في ظل المتغيرات المتلاحقة.
يندرج الاعتقال في «المفهوم الأمني الإسرائيلي» تحت مفهوم الإنذار المبكر، حيث تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» على ثلاثية « الردع والإنذار والحسم»؛ والاعتقال وفقاً لمفهومهم الأمني يندرج تحت فهم الإنذار المبكر. حيث من شأن الاعتقال أن يمكّن «المخابرات الإسرائيلية» من الحصول على معلوماتٍ مختلفة قد تساهم في توفير «الأمن الإسرائيلي المنشود»، أو تساعد في منع وقوع عملياتٍ عسكرية، حيث أن بعض أطراف الخلايا المتهمة بالتخطيط والإعداد قيد الأسر والاعتقال، ما من شأنه أن ييسر على «المخابرات الإسرائيلية» الحصول على المزيد من المعلومات لإحباط أي عملياتٍ عسكرية أو أمنية محتملة.
تستغل «المخابرات الإسرائيلية» الظروف الصعبة التي يعيشها الأسرى والمعتقلون، وأحياناً صغر سن بعضهم، فتضغط عليهم وتساومهم على الارتباط بها والعمل معها، فضلاً عن احتكاكها الدائم مع ذوي الأسرى والمعتقلين، الأمر الذي من شأنه أن يعرضهم إلى مساومات وضغوط «المخابرات الإسرائيلية»، وهكذا فإن السجون والمعتقلات قد تكون بالنسبة إلى «المخابرات الإسرائيلية» مراتع خصبة لبناء شبكات تعامل وجاسوسية تعمل وسط صفوف المقاومة، سواء داخل السجون والمعتقلات أو خارجها.
كما تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» على ضرورة الاحتفاظ برهائن في كل المراحل السياسية، وإخفاء أي معلوماتٍ عنهم، لاستخدامهم في أوقاتٍ مناسبة، كأوراق ضغطٍ أو ابتزاز ومقايضة للحصول على معلومات، أو لإجبار المقاومة العربية والفلسطينية على إتمام عمليات تبادل الأسرى، الأمر الذي يقحم موضوع الأسرى في صلب «العقيدة الأمنية الإسرائيلية»، كما أن الاحتفاظ بالأسرى في «السجون الإسرائيلية» من شأنه أن يلعب دوراً ضاغطاً على القيادة الفلسطينية على طاولة الحوار، ويجبرها على تقديم تنازلاتٍ جوهرية من أجل راحة الأسرى ومستقبلهم.
وقد تجلت محاولات الابتزاز و«الضغط الإسرائيلية» على الفلسطينيين وفصائل المقاومة في مسألة الأسرى والمعتقلين، عندما أقدمت «سلطات الاحتلال الإسرائيلي» على اعتقال العشرات من نواب المجلس التشريعي المحسوبين على حركة حماس، بقصد تعطيل أعمال المجلس التشريعي الفلسطيني، وممارسة الضغط على حركة حماس والقوى الفلسطينية الآسرة للجندي «الإسرائيلي» جيلعاد شاليط، ولم تكتفِ سلطات الاحتلال باعتقال النواب ورئيس المجلس التشريعي ومئات المسؤولين الفلسطينيين، وإنما قامت باعتقال عددٍ من الوزراء المحسوبين على حركة حماس، وكان من بينهم نائب رئيس الحكومة الفلسطينية.
كما أقدمت «سلطات الاحتلال الإسرائيلي» على استخدام الأسرى والمعتقلين للضغط على آسري الجندي المذكور، عندما أقدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على تقليص صلاحيات وامتيازات الأسرى والمعتقلين في «السجون الإسرائيلية»، وحرمانهم من كثيرٍ من حقوقهم ومنها حقهم في مواصلة التعليم الجامعي، وحرمانهم من الزيارة ولقاء ذويهم ومحاميهم، حتى يتم الإفراج عن الجندي الأسير، أو الحصول على معلوماتٍ مطمئنة عنه.
وزينت المؤسسات القضائية والقانونية والتشريعية و«المحكمة العليا الإسرائيلية» للمؤسسات الأمنية عملها، وشرعت لها ممارساتها القاسية بحق الأسرى والمعتقلين، واعتبرت أن أشكال التعذيب والضغط النفسي التي تمارسها المخابرات على المعتقلين ممارساتٌ مشروعة، يحميها القانون، وأفشلت العديد من الدعاوى المرفوعة ضد عناصر وقيادات المؤسسة الأمنية، وردت الكثير من الطعون التي تقدم بها ذوو المعتقلين أو المؤسسات الفلسطينية العاملة في مجال حقوق الإنسان، والمدافعة عن حقوق الأسرى.
تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» أخيراً على فرضية تراجع الأخطار الخارجية التي تهدد أمنهم واستقرارهم، وذلك لمصلحة تعاظم الأخطار الداخلية نتيجة صعود وتنامي قوى عسكرية منظمة ومتشددة، ترتبط وتنسق مع قوى خارجية معادية، وتمتلك عقيدة قتالية، ورؤى إستراتيجية، ولديها مفاهيم جديدة لإدارة الصراع مع «سلطات الاحتلال الإسرائيلي»، مع عدم إهمال الأولى، والتأكيد على تعاظم دور الثانية؛ ووجدت أجهزة أمن سلطات الاحتلال أن المعتقلين يخدمون كثيراً في الحد من تصاعد الأخطار المتوقعة على الجبهات الداخلية، نظراً لمكانتهم الحساسة في المجتمع الفلسطيني، وتمسك الشعب الفلسطيني بهم، واعتزازه بتاريخهم وتضحياتهم، وحرصه على أن يكفل لهم الراحة ويضمن لهم الحرية، ولهذا يرى الاحتلال أهمية المحافظة على ورقة المعتقلين، وعدم التفريط بها، أو التنازل عنها حتى في ظل فترات الهدوء النسبي، وانطلاق مفاوضات السلام، فقد تجد «إسرائيل»، خلال المفاوضات، أنها بحاجة لاستخدام ورقة الأسرى للضغط من خلالها على المفاوضين الفلسطينيين، ولهذا يرى الاحتلال ضرورة الحفاظ على درجة عالية من المرونة الأمنية، التي تمكنهم من اعتقال من شاءوا عندما يرون أن ذلك يخدم مصالحهم الأمنية.
صفحة 9

فلسفة التعذيب في «المفهوم الإسرائيلي»

التعذيب والإهانة والإساءة والقتل والغدر هي سماتٌ يهودية قديمة، امتازوا بها أكثر من غيرهم، واشتهروا بها عن سواهم، نشأوا عليها واعتادوا على ممارستها قديماً وحديثاً، وهي الترجمة المباشرة للكره والحقد والضغينة، إذ لا يحمل اليهود حباً للآخر، ولا يثقون في غيرهم، ولا يحبون الخير إلا لأنفسهم، فكان تعذيب الآخر في مفاهيمهم هو الوسيلة الفطرية للتعبير عن حقدهم وحسدهم وغيرتهم، وهو الوسيلة الأنجع لحرمان الآخرين من حقوقهم، وإجبارهم على التنازل عنها، أو الاعتراف ببعض الأسرار التي يحتفظون بها، خصوصاً أن اليهود قد اشتهروا بحب المال، والتعامل بالربا، وهم يسعون لاكتسابه وجمعه بكل الطرق والوسائل، وهي صفةٌ في اليهود يذكرها الغرب في كتبهم، ويؤكدون عليها في رواياتهم، فكان التعذيب والابتزاز إحدى أهم وسائلهم في تجريد الآخرين من أموالهم ومقتنياتهم، حتى ولو أدى التعذيب إلى القتل.
أما الحركة الصهيونية فقد اعتمدت التعذيب منذ بدايات تشكل المشروع الصهيوني، وبداية التفكير في الأحلام الصهيونية، فمارس أفرادها مع الآخر سياسة الترغيب والترهيب، أما الترغيب فكان من نصيب القوى الاستعمارية الكبرى، وأصحاب القرار الدولي الذين ساعدوا في هجرة اليهود إلى فلسطين، أما الترهيب والتعذيب والقتل فكان من نصيب أصحاب الأرض، وسكان المنطقة، وإن كان التعذيب قد أخذ شكلاً واحداً وهو الحرمان من الحقوق، والإحساس بفقدان الأمن والاستقرار، لدفع السكان على الهروب والهجرة والرحيل، وترك الأرض والممتلكات خوفاً من القتل والذبح الذي اشتهرت به العصابات الصهيونية.
التعذيب في «المفهوم الإسرائيلي» ثقافة وفكر، وعادة وتقاليد، بدليل أن الذين يمارسونه في السجون والمعتقلات ضد الأسرى والمعتقلين، ليسوا جميعاً محققين أو حرّاساً، بل إن جميع من يتعامل مع الأسرى والمعتقلين من المحققين والجنود والحراس والإداريين وعمال النظافة والأطباء والممرضين والسائقين وغيرهم، كلهم يمارسون التعذيب ويتفننون به، ويساهمون جميعاً في تعذيب الأسرى والمعتقلين والإساءة إليهم، ويرون أن من لا يقوم بدوره في تعذيب المعتقلين فإنه لا يكون مخلصاً «لدولة إسرائيل»، ولا يعمل من أجل «شعب إسرائيل»، وقد بدأت «إسرائيل»، بعد تأسيسها مباشرة بممارسة واستخدام التعذيب بأشكاله المختلفة، الجسدية والنفسية بحق الأسرى الفلسطينيين،ولم يكن التعذيب في أي يوم من الأيام في «السجون الإسرائيلية» حالة نادرة أو شاذة أو استثنائية، بل كل المعلومات والمعطيات تشير إلى أنه سياسة ونهج ثابت.فصحيح أن من يقوم به ويمارسه، هم رجال المخابرات من محققين وغيرهم،ولكن هذا النهج والسلوك مغطى من المستوى السياسي والجهاز القضائي،حتى أن أطباء وممرضي المعتقلات، والذين يفترض أن يكونوا مهنيين، ولهم دورهم الإنساني،كثيراً ما يكون دورهم مشاركاً ومكملاً ومتستراً عما يمارس بحق الأسرى من تعذيب وتنكيل. لهذا حول «الإسرائيليون» أسرّة المستشفيات إلى أسرة تعذيب، وغرفها إلى زنازين، وجعلوا من الحراسة فرصة للتعذيب، ومن الترحيل حلقة من حلقات التعذيب، وأخذوا يتعلمون من بعضهم، ويضيفون إلى خبراتهم تجارب جديدة في فن التعذيب والإساءة؛ ويشارك في التعذيب غيرهم من العاملين في الجهاز الإداري والخدمات العامة، حتى عمال النظافة يجدون الفرصة للمساهمة في تعذيب المعتقلين، وتوجيه الإهانات لهم، رغم أن ذلك ليس من مهامهم، وقد لا يطلب منهم القيام به، ولكن «الطبيعة الإسرائيلية» بصفةٍ عامة مجبولة على حب التعذيب والإساءة إلى الآخر، فيتعاملون جميعاً مع الأسير على أنه عدو، وأنه مصدر خطر على كيانهم ومواطنيهم، ولذا يجب الانتقام منه. وقد عبر مدير أحد «السجون الإسرائيلية» عن السياسة التي يتبعها مع الأسرى بقوله «إننا نعطيهم الحد الأعلى من المضايقات، والحد الأدنى من شروط الحياة، هذه هي الأوامر، وأنا عسكري أنفذ الأوامر».
التعذيب في «المفهوم الإسرائيلي» عبادة ودليل إخلاصٍ وولاء، فمن لا يمارسه ضد أعداء «دولة إسرائيل» لا يكون مخلصاً لها، ولا يعمل من أجل تحقيق الحلم اليهودي في أرض الميعاد، ويكون خائناً للأجيال اليهودية، وينبغي على الآخرين مقاطعته ومعاقبته، أما إن كان يبدي مشاعر الرحمة والشفقة تجاه الآخر، فيكون من غيره منبوذاً مكروهاً، يمارس أعمالاً شاذة، ويأتي بتصرفاتٍ مكروهة، ولا مكان له بين اليهود الطيبين و«الإسرائيليين المخلصين»، فيما أنّ من يقوم بدوره في التعذيب والإهانة والإساءة؛ يعود إلى بيته مطمئناً هانئاً راضياً عن نفسه، فخوراً في أسرته وبين أهله، يكون قد أدّى جزءاً من الواجب الملقى على عاتقه، وساهم بما يستطيع في إكراه وتعذيب أعداء «شعب إسرائيل».
التعذيب في «المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية» أمرٌ ثابتٌ وسلوكٌ معتمدٌ، وتعاليم وإرشادات لا تتغير ولا تتبدل، فلا مكان في تعاليم «المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية» لمعاني الرحمة والرأفة والشفقة، ولا وجود للتمييز في صف الأعداء بين رجلٍ وامرأة، وكبيرٍ وصغير، وقويٍ وضعيف، فهم جميعاً أعداء، ويجب التعامل معهم من منطلق نظرة العداء، وينبغي ألا يكون في التعامل معهم مكانٌ لحسن النية، أو سلامة القصد، فهم جميعاً أعداء، يستحقون العقاب، ويجب أن ينالهم قسطٌ من التعذيب، ولهذا تتعمد «المخابرات الإسرائيلية» تطعيم عناصرها المشرفة على التحقيق أو التعذيب بعناصر جديدة قليلة الخبرة، ولم يسبق لها أن مارست التعذيب أو الإساءة بصورة واسعة، وذلك لتتمكن من اكتساب الخبرة والتجربة، والأهم من ذلك أن تقوي وتشجع عندهم نزعة القيام الطوعي بالتعذيب، وعدم التأثر بالبكاء أو الاستجداء، أو مظاهر الألم أو منظر الدم النازف.
التعذيب في «المفهوم الإسرائيلي» مادةٌ للتسلية والتسرية عن النفس، وتمرير الوقت والتخلص من الوحدة والفراغ، وهو فرصة لتبديد الهموم والأحزان، ووسيلة للتعبير عما تخفيه النفوس وتكنه القلوب، وهو فرصة لتفريج الكروب والهروب من الخلافات الزوجية، وتجاوز المشاكل الاجتماعية، والتخفيف من هموم الديون والضائقة المالية، كما أنه مضمارٌ للسباق والتنافس والرهان، ومجالٌ رحبٌ لتفجير الطاقات وخلق الأفكار وابتداع الوسائل الجديدة في التعذيب وطرق الحصول على المعلومات، وهو فرصة لأخذ الصور التذكارية، وتخليد اللحظات النادرة، وهو مجال للتدريب والـتأهيل وصقل الخبرات، ووسيلة لتقوية القلوب وإظهار قسوتها على الأعداء والخصوم، إذ أضحى الجنود وعناصر «المخابرات الإسرائيلية» يمارسون وسائل التعذيب ضد الأسرى والمعتقلين بصورة طوعية اعتيادية، ولا يشعرون بأدنى ندم أو تأنيب ضمير، بل يعودون إلى بيوتهم فرحين، ويلتفون حول أفراد أسرهم وأطفالهم مبتهجين، يلعبون معهم ويتناولون معهم الطعام والشراب، وكأنهم لم يتركوا وراءهم في الزنازين والمعتقلات بشراً يعذبون ويعانون، ويضربون ويهانون.
تعذيب الأسرى والمعتقلين في «السجون الإسرائيلية»، هو بصورة عامة عقيدة دينية، وفلسفة أمنية، وسلوك اجتماعي، وسمة عامة تصبغ حياة اليهود عموماً قديماً وحديثاً، وهو ممارسة عسكرية ومدنية على السواء، وهو سلوكٌ لا يمكن فصله أو عزله عن «الشخصية الإسرائيلية»، ويمكن ملاحظته بسهولة حقداً في العيون، وأمارات غضبٍ وكره على الوجوه، وردات فعلٍ طوعية وتلقائية قاسية وعنيفة، وهو أبلغ وأوضح وسيلة للتعبير عن نزعة العدوانية والكراهية لدى «الإسرائيليين».
صفحة 10

إباحة التعذيب وتشريعه في «السجون الإسرائيلية»

التعذيب في «السجون الإسرائيلية» ليس جريمة، ولا مخالفة يعاقب عليها القانون، وليس عملاً منافياً للأخلاق والأعراف والمفاهيم المحلية، بل هو عملٌ مجاز، وفعلٌ مسموحٌ به، يرعاه القانون وتحفظه «المؤسسات التشريعية الإسرائيلية»، ويمارسه الرسميون من العسكريين والأمنيين وغيرهم، في العلن دون خفاء أو محاولة للتستر والاختباء، وإن كانوا يمارسونه في السر أكثر، إذ أجاز الاحتلال الإسرائيلي مبدأ التعذيب في السجون وأقره تشريعياً وقضائياً، وأصدر على مدى سنوات الاحتلال قوانين كثيرة تنظمه وتحميه، وهو يمارسه بانتظامٍ ووضوحٍ وصراحة وفق قوانين الأمن والمخابرات منذ إنشاء الكيان الصهيوني. غير أنّ «المشرّع الإسرائيلي» حرص على إضفاء الصفة القانونية والشرعية على ما يقوم به «جهاز المخابرات الإسرائيلي» بحق السجناء والمعتقلين خلال مراحل التحقيق المختلفة، رغبةً من قيادة «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» في حماية عناصرها، والعاملين معها من ضباطٍ ومحققين، وإضفاء حصانة قضائية وتشريعية قانونية على ممارساتهم القاسية بحق الأسرى والمعتقلين، بما يمكنهم من الإفلات من أي مساءلة أو ملاحقة قانونية، سواء داخل الكيان الصهيوني أو خارجه، الأمر الذي يدفع المحققين إلى التمادي أكثر في القسوة في استخدام وسائل التحقيق والتعذيب المختلفة، وجعلها سياسة ممنهجة، ووسيلة معتمدة، وتشعرهم بعدم الخوف من أي نتائج أو انعكاسات تطال الأسير جسدياً ونفسياً، حتى لو أدى التحقيق إلى وفاة الأسير، وهو ما حدث بالفعل إذ أفضت عمليات التحقيق القاسية إلى استشهاد العشرات من الأسرى، وإصابة كثيرين آخرين بعاهاتٍ مستديمة وأمراضٍ مزمنة.
وقد نشرت «وثيقة إسرائيلية رسمية»، أعدها جهاز «الأمن الإسرائيلي» بتاريخ 24 ـ 11 ـ 2008، كشفت عن إباحة «المحققين الإسرائيليين» استخدام وسائل تعذيب جسدي ونفسي ضد المعتقلين، وسلطت الضوء على قرارات «المحكمة العليا الإسرائيلية» التي أباحت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وسائل التعذيب والضغط النفسي ضد المعتقلين بقصد الحصول على معلوماتٍ منهم، وكشفت الوثيقة عن «التشريعات الإسرائيلية» التي أباحت اعتقال ذوي المعتقلين للضغط عليهم، وذلك حسب اعتراف رئيس شعبة التحقيقات في «جهاز الأمن الإسرائيلي»؛ ورغم أن هذه الوثيقة قد نشرت، واعتبرت حينها أنها كشفت عن أسرار «جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي» ووسائل عمله، إلا أنها في الحقيقة لم تأتِ بجديد، لأن «جهاز المخابرات الإسرائيلي»، وكل رجال التحقيق فيه، يعلمون أن مؤسستهم الأمنية، تسمح لهم باستخدام العنف ضد الأسرى، وتدافع عنهم إذا تعرض أحد الأسرى خلال التحقيق لإصاباتٍ شديدة، أو توفي نتيجة التعذيب الشديد.
كما يحرص «جهاز المخابرات الإسرائيلي» على ملاحقة أي «قوانين إسرائيلية» قد تعرض سلامة العاملين في الجهاز للخطر، أو من شأنها أن تعرضهم للمساءلة أو المحاكمة، فيبذل وسعه عبر فريقٍ كبير من المحامين و«رجال القانون الإسرائيليين» لإبطال مفاعيلها أو إلغائها، أو استباق إصدارها ليعطلها أو يجري تعديلاً عليها بما يحقق له الحصانة، وللعاملين فيه الحماية من الملاحقة، والإعفاء من المسؤولية.
ينشط «جهاز المخابرات الإسرائيلي» في تقديم الاقتراحات إلى الحكومة أو «أعضاء الكنيست الإسرائيلي» والمحاكم العسكرية على اختلاف درجاتها بالإضافة إلى المحكمة العليا لإصدار قرارات وتشريعات تسهل على أفراده، وتضيق في الوقت نفسه على الأسرى والمعتقلين، وتبيح لهم ممارسة المزيد من الضغوط والقهر والتعذيب عليهم، وتؤكد على إعفائهم من الملاحقة والمساءلة، كما تستبق «المخابرات الإسرائيلية» قرارات المحاكم بالإفراج عن بعض الأسرى، وتطالب بتغيير القرارات بحجة خطورتهم على الأمن العام.
وقد أصبحت مختلف ممارسات «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» ضد الأسرى والمعتقلين، سواء في السجون والمعتقلات، أو بعد الإفراج عن الأسرى، أو تلك التي تمس المعتقلين أنفسهم، أو تطال ذويهم وأسرهم وممتلكاتهم، محمية بالقانون، ومغطاة بمختلف التشريعات والقرارات، وما يستجد من الممارسات يجد بسرعة مقترحات مشاريع لتغطيتها وتشريعها، فإن رأت «المخابرات الإسرائيلية» أنها في حاجة إلى العزل أوعزت إلى الهيئات التشريعية بالعمل على إباحته بموجب قرارات وتشريعات، وإن رأت إشكالية في تحديد سن الطفل لجأت إلى المحكمة العليا للمساعدة في تحديد عمر الطفل بما يخالف القوانين والتشريعات الدولية، وإن رأت حرمان المعتقلين من حقوقهم في الزيارة ولقاء المحامين والتعليم والعلاج وغيره، فإنها تطلب تشريع ممارساتها ونيّاتها ومخططاتها وهكذا...
ولعل الجهات والهيئات والأشخاص الذين يشاركون ويساهمون في تشريع وإباحة التعذيب في «السجون الإسرائيلية» ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، شركاء أساسيون في الجريمة، وعليهم يقع العبء والمسؤولية الأكبر في الجريمة الدولية الكبيرة التي تمارس ضد المعتقلين؛ فهذه الهيئات تمهد الطريق أمام عناصر المخابرات، وتيسر عملهم، وتصبغ جرائمهم بالشرعية والقانونية، وهي التي تمنح المخابرات القوة، وتعطيهم الفرصة لأن يتجرأوا أكثر على المعتقلين، معتمدين على القانون الذي يحميهم، والتشريعات التي تبيح جرائمهم.