صفحة 1
المقدمة
لقد ادخل السلاح النووي العالم عصراً جديداً في تاريخ الأمم. فامتلاك السلاح النووي، مع ظهور الصراع العقائدي بين الشرق والغرب، قد أدى الى ظهور الاستراتيجية النووية التي جسدت تأطير الأسلحة النووية في ظل استراتيجيات لغرض تحديد دورها ووظائفها في العلاقات الدولية. وتعرضت هذه الاستراتيجيات النووية الى التعديل والتغيير في ضوء التطورات والتحولات التي انتابت العلاقات الدولية سواء خلال او بعد الحرب الباردة.
ان السلاح النووي الذي أقام سلاماً قائماً على الخوف من خطر اندلاع حرب نووية تحول الى وسيلة ناجعة للردع تحول دون اعتداء القوي على الضعيف لان الخسارة اكبر من المغانم التي تتحقق مما يعني اضفاء صفة العقل والمنطق وهذا ما يجعل المعتدي المحتمل يعدل عن عدوانه خوفاً من اثار الحرب النووية.
لقد ساهم انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى إلى دول جديدة واحتمال انتشارها الى بعض الدول في زيادة المخاطر على السلم الدولي. فضلاً عن ذلك ان التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لم يعد يعني الحفاظ على التزام الدول بنصوصها والتمسك بحالة عدم الانتشار. فمن مظاهر العلاقات الدولية الجديدة عدم التزام دول حائزة ببنود المعاهدة مما زاد من شكوك المجتمع الدولي حول جدوى سياسة عدم الانتشار النووي.
تهدف هذه الدراسة الى إلقاء الضوء على كل ما يتعلق بالاستراتيجية النووية وأبعادها في فترة ما بعد الحرب الباردة من تطورات وعقائد جديدة والاطلاع على سياسة الردع النووي وتأثيرها وسياسة عدم الانتشار ومخاطر عدم نجاحها وما يتعلق بسياسة نزع السلاح من خلال المتغيرات الدولية الجديدة.
صفحة 2
الاستراتيجية النووية للولايات المتحدة الامريكية
انتهت الحرب الباردة بدون حرب عامة. وهذا الانجاز الهام مرده الى فعالية استراتيجية الردع. فقد انتهت لعبة الصراع الدولي بدون حرب بسبب فعالية والقوة المرعبة لاسلحة الطرفين. ان تهديد البقاء قد تراجع وان البيئة الامنية الجديدة قد بعثت امالاً للتعاون بين القوى الكبرى التي واصلت سياسة خفض التسلح. وخضعت الستراتيجيات الدولية لاعادة تقويم ولاعادة نظر وتم تحديد بعض الاولويات عند القادة في العالم والتي منها ان منع اندلاع حرب شاملة هو اولوية بسبب مصالح الامن القومي مثل الرفاهية والسلام (1).
ان سياسة الامن القومي الامريكي في عهد كلنتون كانت قد عبرت عن تدهور امريكا اقتصادياً مع صعود الصين واليابان والمانيا. واخذت الولايات المتحدة تواجه منافسة تجارية حادة من منافسيها الاقتصاديين الذين ينمون بشكل اسرع منها. وعلى المدى البعيد فان هذه الاتجاهات سوف تقلل من قدرة امريكا على قيادة شؤون العالم وسوف يصبح اقتصادها من اهم اولوياتها. ولم يعن ذلك بان المنافسة العسكرية والتهديد سوف يتراجع بالضرورة. وقد قالت مادلين اولبرايت عندما كانت سفيرة للولايات المتحدة في الامم المتحدة "اين ما نتجه فان احد يقاتل او يهدد بالقتال احد اخر".
لقد حددت ادارة كلنتون الاولويات في استراتيجية الولايات المتحدة في ايلول 1993:-
1. منع استخدام الاسلحة النووية والبايولوجية والكيميائية ضد الولايات المتحدة وقواتها وحلفائها.
2. ايقاف او في الاقل ابطاء انتشار مثل هذه الاسلحة.
3. منع واحباط أي عدوان على الولايات المتحدة.
4. الاستعداد للقتال وربح معركتين اقليميتين كبيرتين في ان واحد مع احتمالية عالية للنجاح والعمل على تقليل الكوارث الامريكية.
5. اعداد القوات الامريكية للمشاركة بفعالية في عمليات سلام متعددة الجنسيات وعمليات التدخل المنفرد والتي تتضمن حفظ السلام والمساعدة الانسانية ومحاربة المخدرات ومواجهة نشاطات الارهاب.
6. الاحتفاظ بالتفوق التكنولوجي (2).
ان الاستراتيجيـــة الامريكيــة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة تتضمن:-
1. ان تحرك الاستراتيجية الامريكية من الاعداد للحرب مع الاتحاد السوفيتي واستخدام الاسلحة النووية الى الاعداد لحروب لا تهدد باستخدام الاسلحة النووية ولكن مع بقاء انفاق دفاعي عالي. وان الثلاثي الاستراتيجي النووي الامريكي، البري، البحري، الجوي اذا ما دمر واحد منها بواسطة الضربة الاولى فان الولايات المتحدة ستقوم باستخدام العمودين الباقيين من اجل تدمير العدو(3).
2. ان عقيدة الولايات المتحدة تلزمها الاستمرار في الاستعداد للقتال وربح حربين رئيستين في ان واحد. وفي مطلع 1993 فان مخططي البنتاغون قد تأملوا في الاستراتيجية القائمة على اندلاع هاتين الحربين في ان واحد على اساس استخدام القوات المسلحة بشكل فعال لربح حرب واحدة في حين تستخدم القوات الجوية وقوة محدودة من القوات البرية للصمود في الاخرى. وان هذه الاستراتيجية الثانية تم التخلي عنها وعوضاً عن ذلك فان سياسة الدفاع الامريكية تعد لشن حربين في ان واحد (4).
3. ان عقيدة الولايات المتحدة سوف تعبئ بنية متوازنة من اجل مواجهة أي تحد يمكن ان يظهر. وان الولايات المتحدة تستمر في الاستعداد من اجل ان تكون قادرة على التدخل عسكرياً حول العالم. وقد اعلن كلنتون في شباط 1993 بان امن الولايات المتحدة مرتبط بالمساعدة على منع او حل الصراعات حول العالم.
4. ان العقيدة العسكرية الجديدة تهيئ الجيش للعمليات المتعددة الجوانب التي تتراوح بين عمليات مضادة للمخدرات في امريكا اللاتينية الى الحروب مثل الحرب في الخليج العربي وبنما، ان هذه العقيدة تركز على الاستعدادات لمثل هذه العمليات مثل مهمات حفظ السلام، المساعدة الانسانية، انقاذ الكوارث، السيطرة على الشغب ومساعدة البلدان نحو الديمقراطية. ان الهدف من ذلك هو توسيع منطقة السلام في العالم وتشجيع ديمقراطيات السوق.
ان هذه الاولويات الاستراتيجية تحافظ على الردع بوصفه حجر الزاوية الاستراتيجي للولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة. ان العدو قد تغير وان تهديدات جديدة قد تم تحديدها وان تعريف الامن القومي قد توسع. ان الاساس في هذه الاستراتيجية هو افضلية الولايات المتحدة في تقاسم الاعباء وفي حماية الامن الدولي مع الاخرين كلما كان ذلك ممكناً. وبدلاً من ممارسة دور شرطي العالم لوحدها، فان الاستراتيجية الامريكية تبحث عن ضمانات سلام من خلال الاستخدام الفعال لقوات حفظ السلام (5).
صفحة 3
الاستراتيجية الامريكية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش
ما ان وصل بوش الابن للسلطة حتى سارع الى الكشف عن حقيقة ان الادارة الجديدة لن تكون اقل نزوعاً من سابقاتها الى اعتبار الولايات المتحدة مضطرة لكونها "القوة العظمى الوحيدة" الباقية، الى الاضطلاع بدور قيادي في مجابهة التهديدات التي يتعرض لها السلم والامن الدوليين. وكان واضحاً ان الادارة الجديدة تميل الى استخدام القوة العسكرية، عند الضرورة لتأمين مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية العائدة للبلاد من الهجمات والتهديدات الارهابية. وفي تقرير المراجعة الرباعية لسنة 2001 الخاصة بالدفاع اكد وزير الدفاع رامسفيلد "ان الولايات المتحدة قوة عالمية ذات مسؤوليات والتزامات تغطي العالم". وبالتالي فقد اصبح واجباً على القوات الامريكية ان تكون مهيأة للتعامل مع طيف اوسع من الاحتمالات والمتمايزة جغرافياً ووظيفياً في سائر ارجاء العالم (6).
وكان ذلك يعني كما قال رامسفيلد امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ،" ان الولايات المتحدة ستكون اضافة الى الحفاظ على القدرة على الانتصار الحاسم على خصم يهدد مصالح الولايات المتحدة الحيوية، في أي مكان من العالم" بحاجة في بيئة امنية حافلة بقدر كبير من عدم الاستقرار الى طمأنة الاصدقاء والحلفاء والى مواصلة التعاون الامني والى ردع الصراع والى امتلاك القدرة على هزيمة محاولات أي خصم لبلوغ اهدافه بالقوة او الاجبار، وعلى دحر الهجمات في عدد من المناطق الحاسمة وعلى امتلاك قابلية ادارة عدد محدود من الاحتمالات ذات المستويات الادنى (7).
لقد انطوى ذلك على تغييرات اساسية في استراتيجية الدولة او في منطلقات التخطيط العسكري في تلك الاستراتيجية في الاقل (8).
وعندما نشر تقرير المراجعة الدفاعية الرباعية في 3/ايلول/سبتمبر /2001 كانت الامة الامريكية اسيرة التهديد الارهابي. وكان ثمة تأييد من جانب الجمهور لتصميم الرئيس على اعطاء الحملة العالمية ضد الارهاب اعلى درجات الاولوية في السياسة الخارجية الامريكية. اضف الى ذلك ان منظمات استطلاعات الرأي الرئيسية كانت تتحدث عن مستويات عالية جداً من التأييد الشعبي لاستخدام القوة العسكرية سلاحاً مركزياً من اسلحة مكافحة الارهاب. لقد كان هناك قدرة صاعدة لتأييد العمل العسكري (9).
استراتيجية الامن القومي الجديدة لدى ادارة بوش:
لقد طرح الرئيس جورج ديليو بوش استراتيجية للامن القومي في خطاب له في 1حزيران 2002 في كلية ويست بوينت العسكرية مركزاً على مهام ثلاث:-
1. حماية السلام بمحاربة الارهابيين والطغاة.
2. الحفاظ على السلام عن طريق بناء علاقات جيدة بين القوى الكبرى.
3. توسيع السلام عن طريق تشجيع مجتمعات حرة ومفتوحة في كل قارة.
في حين كان الرئيس كلنتون قد حدد استراتيجية للامن القومي في ديسمبر 1999 تقوم على:-
1. تعزيز امن امريكا.
2. تقوية الرفاهية الاقتصادية لامريكا.
3. تطوير الديمقراطية وحقوق الانسان في الخارج.
ان اعلان كلنتون يبدو مجرد التزام بالسلام بينما يدعو بوش للتعاون بين القوى الكبرى المصطلح الذي لم يستخدمه كلنتون، بوش يخصص تشجيع المجتمعات الحرة والمفتوحة في كل قارة في حين يكتفي كلنتون بتطوير الديمقراطية وحقوق الانسان في الخارج (10).
ان التجديد الاول لبوش هو مساواة الارهابيين بالطغاة كمصدر من مصادر الخطر، وهذا ناجم عن احداث ايلول/ سبتمبر. ان استراتيجية امريكا في الماضي قد ركزت على الدفاع ضد الطغاة فهؤلاء الاعداء يحتاجون الى جيوش كبيرة وقدرات صناعية كبيرة وموارد لتهديد مصالح الولايات المتحدة. ويرى البعض بان الاستراتيجيات المتعلقة بالحرب الباردة-الاحتواء والردع- لا يمكن ان تعمل ضد مثل هذه التهديدات لان تلك الاستراتيجيات تتعلق بوجود انظمة محددة يقودها عدد من القادة يعملون بوسائل محددة من ارهابيين محدودين. وان هناك دوماً فوضويون ومخربون يعملون بدون راعي. ان احداث 11/ايلول قد برهنت بان الارهابيين يمكن ان يكبلوا مستويات عالية من التدمير ضد الدول الكبرى (11).
ان اسلحة الدمار الشامل هي الملجأ الاخير لاولئك الذين يملكونها خلال الحرب الباردة. ان استراتيجية الامن القومي قد اشارت اليوم الى ان الاعداء يرون في اسلحة الدمار الشامل كأسلحة خيار ذلك الذي يضع الارهابيين بمستوى الطغاة في فكر بوش. لذلك فانهم يصرون على ان الوقاية يجب ان تضاف-ليس بالضرورة في كل المواقف- الى مهام الاحتواء والردع "نحن لا نستطيع ان نسمح لاعدائنا بالبدء بالضربة" يقول بوش. ان استراتيجية الامن القومي هي دقيقة لتحديد اسس قانونية للوقاية. والقانون الدولي يعترف بان" الامم لا تحتاج الى معاناة هجوم قبل اتخاذ فعل قانوني للدفاع عن انفسهم ضد القوى التي تمثل خطراً وشيك الوقوع، هناك افضلية للوقاية جماعياً. فالولايات المتحدة سوف تكافح لتجنيد مساندة المجتمع الدولي. ولكن سوف لن تتوانى للعمل بشكل منفرد اذا كان ضرورياً لممارسة حقنا للدفاع عن النفس عن طريق العمل وقائياً ضد هؤلاء الارهابيين لمنعهم من الحاق الاذى ضد شعبنا وبلادنا "كما قال جورج بوش" (12).
ان الوقاية بدورها تتطلب التهيئة لخلق توازن قوى من اجل حرية الانسان. فبوش يرى بان" قواتنا ستكون قوية بما فيه الكفاية لردع اعداء محتملين من اتباع بناء عسكري من اجل التفوق او مساواة قوة الولايات المتحدة". اما كيف يتم ذلك فان هذا يقودنا الى التجديد في الاستراتيجية الامريكية التي تؤكد على التعاون بين القوى الكبرى (13).
صفحة 4
لقد اقترح بوش تفسيرين في خطابه:
الاول: ان القوى الكبرى الاخرى تفضل ادارة النظام الدولي من قبل قطب مهيمن واحد طالما توجد قوة واحدة. فحينما توجد قوة عظمى احادية فلا يوجد عندئذ تطلع لدى احد للقيام بالمنافسة معها في القدرات العسكرية. وان الصراعات ستتحول الى المنافسات التجارية والى النزاعات الصغرى الاخرى. ان الهيمنة الامريكية وفقاً لهذا الرأي هي مقبولة لانها مرتبطة مع بعض القيم التي تشاركها فيها الدول والثقافات (14).
الثاني: يتعلق باسباب الارهاب والطغيان. اذ يرى بوش بان الهدف الملح ينبغي ان يكون نشر الديمقراطية وذلك عن طريق تهيئة العالم للديمقراطية. ولهذا يستخلص بان استراتيجية بوش للامن القومي هي فعالة لانها تربط الولايات المتحدة مع بقية اجزاء العالم. وان بوش على النقيض من اسلافه يرى بعدم وجود تناقض بين القوة والمبادى (15).
ان الهيمنة الامريكية لا تزول في المستقبل المنظور ليس بسبب عدم قدرة الدول الكبرى الموجودة على معارضتها ولكن ايضاً بسبب صعوبة اعادة تعددية الاقطاب. كما لن يؤدي ذلك الى سلطة مهيمنة اخرى تحل محل الولايات المتحدة بحيازتها على تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي وثقافي واجتماعي مشابه على الصعيد العالمي. فالقوى المألوفة التي سادت في القرن الماضي اضعف واكثر اعباء من ان تتولى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة حالياً. ولا يمكن في العقدين التاليين الاستغناء عن التأثيرالتوازني للقوة الامريكية على الاستقرار العالمي. في حين ان التحدي الرئيسي للقوة الامريكية لا يمكن ان ينبع الا من الداخل بسبب نبذ الديمقراطية الامريكية نفسها للقوة، واما بسبب سوء استخدام امريكا لقوتها في العالم. لقد استطاع المجتمع الامريكي ان يثبت في صراع شامل ومطول في مواجهة خطر الشيوعية وهو معبأ حالياً ضد الارهاب الدولي. وطالما استمر ذلك الالتزام، سيستمر معه دور امريكا كعامل استقرار عالمي، اما اذا ضعف ذلك الالتزام لان الارهاب قد تلاشى او لان الامريكيين اصابهم التعب او فقدوا الاحساس بهدف مشترك فقد ينتهي دور امريكا العالمي بسرعة (16).
ان زوال التحدي السوفيتي الذي تزامن مع عرض كاسح للقدرات العسكرية الخارقة للولايات المتحدة من الناحية التكنولوجية في حرب الخليج ادى بطبيعة الحال الى تجديد ثقة الشعب بالقوة الفريدة لامريكا. وهكذا فان ثورة الشوون العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وحركتها التكنولوجية لم تؤد فقط الى تطوير اسلحة وتكتيكات حديثة، املت النتائج احادية الجانب للحربين القصيرتين في عام 1991 و2003 ضد العراق، بل اثمرت ايضاً عن احساس جديد بالتفوق العسكري العالمي الامريكي (17).
ستصبح معضلات الامن الامريكي في القرن الحادي والعشرين مشابهة للتحديات التي تواجهها المراكز الحضارية الكبيرة منذ سنوات، حيث العنف الاجرامي متفش واعتيادي. غير ان الخطر الكامن في هذه الحالة تضخمه الامكانات التكنولوجية التي قد تجعل العنف الفتاك يخرج فجأة عن السيطرة ليتفاقم على نطاق واسع. يضاف الى ذلك، ان قدرة امريكا في القرن التاسع عشر والذي اصبح دفاعاً من خلال التحالفات الخارجية اثناء النصف الثاني من القرن العشرين اخذ يتحول من حيث الجوهر اليوم الى لا منعة عالمية مشتركة (18).
في مثل هذه الظروف وبخاصة في اعقاب 11 ايلول/سبتمبر يمكن تفهم الرغبة المتزايدة الامريكية في السعي الى امن قومي قوي والسعي الى الحماية الذاتية من التهديدات القائمة والمتوقعة او المشتبه بها او حتى المتصورة امر مبرر، لا بسبب الدور الامني العالمي الفريد الذي تولته الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة وحسب، بل ايضاً لان شهرتها الاجتماعية والثقافية العالمية تجعلها محط انظار العالم. وهذا ما يبرر لامريكا السعي الى تحقيق امن لنفسها اكثر مما تتطلبه معظم الدول الاخرى (19).
الحرب الاستباقية:
ان عقيدة الحرب الاستباقية عبارة عن جمع لخطابات ومقالات القاها الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد في مناسبات عدة. وترجع كذلك الى عدة وثائق صدرت في مناسبات عديدة منذ نهاية الحرب الباردة. ولكن ابرزها تلك التي صدرت بعد عام واحد على احداث 11 ايلول/سبتمبر وذلك في ايلول 2002، حيث اصدرت الادارة الامريكية وثيقة هامة تحمل عنوان" استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة" موقعة من قبل الرئيس بوش تؤكد فيها:
1. ان الولايات المتحدة تتمتع بقوة عسكرية لا تبارى ونفوذ اقتصادي وسياسي.
2. ان الاعداء في الامس كانوا يحتاجون الى جيوش عظيمة وامكانات صناعية ضخمة لتعريض امريكا للخطر. اما الان فان الشبكات المخيفة من الافراد تستطيع ان تأتي بالكثير من الفوضى باقل ما يمكن من الكلف.
3. لدحر هذا التهديد علينا ان نستخدم كل وسيلة في ترساناتنا والقدرة العسكرية والدفاع الداخلي. وان الحرب على الارهاب ذات الامتدادات الدولية هي مبادرة كونية ذات فترة غير محدودة.
4. ان امريكا ستساعد الدول التي تحتاج الى مساعدة في مكافحة الارهاب وان امريكا ستحاسب الدول التي اذعنت للارهاب وبضمنها تلك التي تؤوي الارهابيين.
5. ان الخطر الاكبر الذي تواجهه امريكا يتمثل في سعي الارهابيين في امتلاك اسلحة الدمار الشامل (20).
صفحة 5
انه من الخطأ التصور بان هذه الاستراتيجية وليدة احداث 11 ايلول اذ لم تكن هذه الرؤية تحتاج لتلك الاحداث لتتبلور. فقد تكونت ملامحها منذ الاشهر الاولى لنهاية الحرب الباردة وصاغ المؤمنون بها تقارير وقع تبنيها رسمياً منذ عام 1992، لقد روج لها كراو ثامر من ايلول/سبتمبر 1990 أي اشهر قليلة قبل الحرب الامريكية الاولى على العراق. وان المؤلف تسائل هل ان سقوط الاتحاد السوفيتي يعني نهاية تهديدات جدية للولايات المتحدة؟. ورأى الكاتب ان هناك تغييراً اساسياً طرأ على العالم مع بداية انهيار الكتلة الشرقية يتميز بحيازة دول صغيرة ومغامرة على اخطر الاسلحة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة مع ظهور بيئة استراتيجية جديدة تتميز برواج اسلحة الدمار الشامل. كذلك نشير الى تقرير ولفو وتيز في جريدة النيويورك تايمز في عددها الصادر يوم 8 اذار 1992 والذي قال فيه "ان التركيز الكبير في هذه الوثيقة وغيرها من وثائق التخطيط العسكري التابعة لوزارة الدفاع يقع على استعمال القوة اذا دعت الضرورة لاستباق انتشار الاسلحة النووية واسلحة اخرى للدمار الشامل في دول مثل كوريا الشمالية والعراق وغيرها".
ودار جدل حول هذه الاستراتيجية في صيف عام 2002 "الحرب الاستباقية" في سلسلة المقالات خلال النقاش الساخن الذي جرى حول ضرب العراق. بدون شك بدأ تيار المحافظين الجدد-الداعين لهذه الاستراتيجية- يتصاعد منذ اواسط التسعينات. ونشر مقال في مجلة فورين افيرز الدورية 1996 لروبرت كاغان ووليم كريستول بعنوان "من اجل سياسة خارجية نيوريغنية" يدعوان فيه الى تغيير جذري واضح في السياسة الخارجية الامريكية ويقولان في المقدمة "ان المسألة الدائمة لما بعد الحرب الباردة والمتمثلة في تساؤل اين التهديد؟ هو مطروح بشكل خاطئ. ففي عالم يعتمد السلام والامن الامريكيين فيه على القوة الامريكية وارادة استعمالها يتمثل التهديد الاساسي الذي تواجهه الولايات المتحدة الان وفي المستقبل هو ضعفها وان الهيمنة الامريكية هي خط الدفاع الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في وجه انهيار السلام والامن الدوليين وبالتالي فان الهدف المناسب للسياسة الخارجية الامريكية هو المحافظة على هذه الهيمنة ما امكن ذلك في المستقبل. وتحتاج الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف الى سياسة خارجية نيوريغنية تؤمن بالهيمنة العسكرية والثقة الاخلاقية وخاصة ميزانية عسكرية كبيرة وان ميزانية الدفاع المقترحة من قبل ادارة كلنتون غير كافية. وبالرغم من عدم تعرضهما بشكل صريح لاستراتيجية الحرب الاستباقية فان اراء كلاهما حول الاستراتيجية العامة هي للمحافظة على الهيمنة الامريكية بالاضافة الى تركيزهما على ضرورة اعتماد ميزانية دفاع كبيرة كلها خصائص شكلت اهم الاسس التي تقوم عليها الحرب الاستباقية. وهذا ما يفسر التبني العلني والواضح في وقت لاحق من قبل الكاتبين لهذه الاستراتيجية. وعند عرض ومناقشة تقرير المراجعة الرباعية للدفاع في 22/ ايار/ 1997 عادت رؤية هذه الاستراتيجية الى البروز. وعند تبنيها امام الكونغرس صدر تقرير وزير الدفاع وليم كوهين يقول في اهم فقراته "سيبقى العالم مكاناً خطراً وغير امن بشكل كبير وستواجه الولايات المتحدة على الاغلب عدداً من التحديات الجدية لامنها من الان وحتى سنة 2015. اولاً، سنواصل التعرض لمجموعة من المخاطر الاقليمية اكثر اهمية على الاطلاق يمثله تهديد التحرش بالولايات المتحدة واصدقائها في مناطق حساسة وغزو كبير لحدودها من قبل دول معادية تملك قوة عسكرية مهمة".
ويضيف التقرير"ان مسألة اتخاذ القرارات بشأن استخدام القوة العسكرية يجب ان يحدد قبل كل شيء على اساس المصالح القومية للولايات المتحدة. وعندما تكون المصالح حيوية-أي تتسم باهمية كبيرة، وشاملة في بقاء وامن وحيوية الولايات المتحدة- فيجب انذاك ان تقوم بكل ما يلزم للدفاع عنها بما في ذلك، واذا دعت الضرورة الاستخدام الاحادي للقوة العسكرية وذلك لاسباب منها منع ظهور تحالف او قوة اقليمية معادية"". لقد كان الاعتماد الرسمي والعلني للمرة الاولى لاستراتيجية الحرب الاستباقية انتصاراً صامتاً ولكنه انتصار كبير للغاية لتيار المحافظين الجدد الذي كان بصدد التشكيل. غير ان هؤلاء فهموا ان التبني الرسمي لوزارة الدفاع والكونغرس سيكون حتماً ذا طابع شكلي ان لم تسر ادارة كلنتون في نفس الاتجاه. وبعد اسابيع قليلة من تبني تقرير كوهين من قبل الكونغرس وفي رسالة علنية بتاريخ 26 كانون الثاني 1998 موجهة الى الرئيس الامريكي كلنتون دعا انصار الحرب الاستباقية الرئيس لتبني استراتيجيتهم الهجومية ووضعها موضع التنفيذ من خلال الحرب على العراق. وقد وقع على هذه الرسالة ثمانية عشر شخصية سياسية وفكرية كشفوا لاول مرة فيها على وجود تيار واضح المعالم يتبنى استراتيجية الحرب الاستباقية. غير ان هذا التيار كان محدوداً انذاك حيث بقي يطلب حتى ذلك الوقت الدعم الكامل للاطراف السياسية الاساسية. واهم هذه الشخصيات دونالد رامسفيلد وبول ولفو وتيز وريتشارد بيرل وريتشارد رودمان وريتشارد ارميتاج وجون بولتون وباولا دوبريانسكي وزلماي خليل زاد. واذا لم تنجح هذه المجموعة في اقناع الرئيس كلنتون فقد نجحت في التحكم في طاقم ادارة الرئيس بوش الابن. وان عدداً من هؤلاء قد عينوا في مناصب حساسة من قبل بوش الابن وهو عكس سيطرة كاملة على وزارة الدفاع، بالاضافة الى سيطرة جزئية على وزارة الخارجية (21).
ويشار، كما ذكرنا، الى خطاب الرئيس جورج دبليو بوش في اكاديمية ويست بوينت في الاول من حزيران 2002 كعقيدة استراتيجية التي سوف تستلهمها ادارته من الان فصاعداً. والخطاب يتضمن ما يتجاوز المفهوم الدفاعي الجديد اعادة نظر صريحة في المبادئ التي كانت تعمل بموجبها الولايات المتحدة مع ما يترتب على ذلك من نتائج كبيرة في قيادة السياسة الخارجية وتنظيم القوات المسلحة وقيادتها وعقيدة استخدام القوى فيها. وبحسب بوش فان المخاطر التي على امريكا مواجهتها تأتي من مجموعات ارهابية دولية ومن دول تتساهل معها وتؤويها او تدعمها وايضاًً من هؤلاء الذين يملكون اسلحة الدمار الشامل او الذين يزودونها او يستعدون لانتاجها. وبما ان هذه المخاطر قد تغيرت في مصدرها وطبيعتها فان على الرد ان يتغير ايضاً في صورة كاملة. واكد الرئيس بوش في هذا الخطاب بانه يجب على الولايات المتحدة ان لا تقبل اطلاقاً بان يتمكن اعدائها الجدد من ان يوجهوا اليها او الى حلفائها ضربة مشابهة لتلك التي حصلت في 11 ايلول ولا حتى القبول باحتمال تنظيم هجمات ضد السفارات والوحدات البحرية او الحاميات الامريكية. واعلن ان استراتيجية واشنطن ستهدف من الان فصاعداً الى منع تجسيد هذه المخاطر من خلال اطلاق ضربات وقائية، ضد اعدائها المحتملين. انه تحول رئيسي. حتى الان كانت الولايات المتحدة تؤكد انها لن تستخدم قوتها العسكرية الا في سياق رد الاعتداء، وان مبادرة الحروب التي قد تتورط فيها تعود الى اعدائها. لقد انتهى العمل اليوم بهذا المحظور. وكان الرئيس بوش سبق ولمح الى ذلك في خطابه حول حال الاتحاد في مطلع السنة (22).
صفحة 6
خصائص العمل الوقائي:
1. يجب ان يكون مطابقاً تماماً لغرضه. ويعطي وزير الخارجية الامريكي الاسبق كولن باول امثلة على ذلك. قيام اسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي/ اوزيراك في شهر حزيران 1981، التهديد بعملية واسعة ضد مجموعة من الثوار الفلبينيين مما صرفهم عن القيام بعملية جوية ضد نظام كورازون اكينو، الرد الواجب القيام به اذا ما عرف مسبقاً باعتداء كراتشي الذي اوقع 11 قتيلاً امام القنصلية الامريكية في 14 حزيران 2001.
2. انه نظام يعيد النظر مباشرة في المفاهيم التقليدية لاستخدام الاسلحة النووية. لا يعني ذلك التخلي عن الردع النووي بالمعنى التقليدي مثلما تعتمد فرنسا حتى الان، لكن المفترض هو الاحتفاظ بترسانة محدودة تواجه الفرضية القصوى والصعبة الحدوث لهجوم شامل تشنه ضد المصالح الامريكية الحيوية دولة محددة بوضوح وقادرة على التدمير الشامل.
3. ان الوضعية الجديدة للاسلحة النووية تسمح باستعادة تشكيلة الاسلحة النووية قوتها ومواصلة التجارب في غضون بضعة اشهر واعادة تحديد خيارات نووية متغيرة في حجمها ومداها واهدافها تكون مكملة للادوات غير النووية. ولهذا اعلن عن ادخال تشكيلة جديدة من الاسلحة النووية في ترسانة الاسلحة التقليدية والنووية تستخدم كل منها في الحالة المناسبة.
4. ان نظرية استخدام السلاح النووي وفقاً لهذه الاستراتيجية ليست بالجديدة في تاريخ السياسة الدفاعية الامريكية. بل انها اشبه بترميم نظرية سابقة وعودة الى استراتيجية "الرد المتدرج" التي صاغها المسؤولون الامريكيون في مطلع الستينات لكنها عودة متوافقة مع الاطار الدولي الحالي، فازداد احتمال نشوب نزاع كان الرد المتدرج يؤكد على استخدام تشكيلة الاسلحة النووية المسماة تكتيكية كمساندة للاسلحة التقليدية او تكملة لها او بديل عنها تبعاً لتطور سير العمليات وسلوك الخصم. وكانت النتيجة كما هو معلوم نشر هذا النوع من الاسلحة في شرق القارة الاوربية وفي غربها لتتحول في حال الحرب ارض المعركتين النووية والتقليدية في ان واحد، هنا يكمن الفرق الحقيقي بين زمن الرد المتدرج والاطار الاستراتيجي الراهن، فالاستخدام المحتمل للاسلحة النووية اذا اعتبر مناسباً سيكون اداة "العمل الوقائي" الذي تقرر الولايات المتحدة القيام به ضد دول او في صورة اشمل ضد اعداء حائزين او غير حائزين هذا النوع من السلاح او هم في طريقهم للحصول عليه (23).
وفي تقرير استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة يؤكد على ان الولايات المتحدة لا تستطيع الاعتماد على اكثر من موقف رد الفعل لوحده بعد الان كما كان الامر في السابق، ان عدم القدرة على ردع المهاجم المحتمل وانية التهديدات اليومية وحجم الاذى المحتمل الذي يمكن ان يتسبب عن نوع الاسلحة التي اختارها الخصوم لا يتيح استخدام مثل هذا الخيار وليس بالامكان اتاحة الفرصة للاعداء للقيام بالضرب اولاً.
ففي الحرب الباردة وخصوصاً بعد ازمة الصواريخ الكوبية واجهت الولايات المتحدة خصماً ينفر من المخاطرة، الا ان الردع يتركز على التهديد بالرد فقط لا يحتمل ان يعمل ضد قادة الدول المارقة المستعدين للمجازفة والمغامرة بارواح مواطنيهم وبثروة دولهم، في الحرب الباردة كانت اسلحة الدمار الشامل تعد الملاذ الاخير الذي يتم اللجوء اليه والذي يتمخض عن استخدام المخاطرة بتدمير اولئك الذين يستخدمونها. اما اليوم فيرى الاعداء اسلحة الدمار الشامل كخيار، وبالنسبة للدول المارقة فان هذه الاسلحة تمثل وسيلة للاذلال والعدوان العسكري على الجيران. لقد جاء ذلك في استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة. ويضيف التقرير بان هذه الاسلحة قد تتيح ابتزاز الولايات المتحدة وحلفاءها بهدف منعها من ردع او دحر السلوك العدواني للدول المارقة. وترى هذه الدول مثل هذه الاسلحة وسيلتها الفضلى لتجاوز الفائقية في الاسلحة التقليدية التي تتمتع بها الولايات المتحدة. وسوف لا تعمل المفاهيم التقليدية ضد العمل الارهابي الذي ترمي تعبئته المعلنة لالحاق التدمير ضد الابرياء (24).
ويضيف التقرير بان الولايات المتحدة ادامت مفهوم العمل الاستباقي منذ مدة طويلة لمجابهة التهديد الهائل للامن القومي. وكلما كان التهديد اكبر كانت المخاطرة اكبر من التراخي، وكان اتخاذ اجراء متوقع اكثر الحاحاً للدفاع عن النفس، حتى لو ظلت حالة عدم الوثوق قائمة في تعيين وقت هجوم العدو ومكانه، ولايقاف مثل هذه الافعال العدوانية التي يقوم بها الاعداء فان على الولايات المتحدة ان تقوم بفعل استباقي ان كان ذلك ضرورياً. وسوف لا تستخدم الولايات المتحدة القوة في جميع الحالات لاستباق التهديدات الناشئة ولا على الدول استخدام الاستباق ذريعة للعدوان ومع ذلك وفي عصر يسعى فيه الاعداء بشكل علني وصريح لاستخدام اكبر التقنيات التدميرية في العالم فان الولايات المتحدة لا يمكن ان تبقى ساكتة في الوقت الذي تتجمع فيه المخاطر. ولاجل دعم الخيارات الاستباقية فيجب القيام بما يلي:-
1. بناء امكانات استخبارات افضل واكثر تكاملاً بهدف تأمين معلومات موقوتة ودقيقة عن التهديدات في أي مكان تنشأ فيه.
2. الاستمرار في تمويل القوات المسلحة لضمان امكانيات الولايات المتحدة على قيادة عمليات سريعة ودقيقة لتحقيق نتائج حاسمة.
3. التنسيق القريب مع الحلفاء لاعطاء تقويم عام لاكثر التهديدات خطورة (25).
صفحة 7
تقويم الاستباق:
ان هذه الاستراتيجية لا تعلن ان الردع قد انتهى. وفي تأكيدها على ان الولايات المتحدة ينبغي ان تبني دفاعاتها وتديمها لما وراء التحديات فانها تبين بشكل صريح ان القوة العسكرية الامريكية ينبغي ان تكون قادرة على ردع التهديدات ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها واصدقائها. وتحت أي ظرف فان هذه الاستراتيجية توسع في الواقع من دور الردع في السياسة الامنية القومية للولايات المتحدة. ان الغرض من القوة العسكرية القوية هو ليس مجرد ردع الخصم في ميدان المعركة " بل لمنع الخصوم المحتملين من السعي لتحقيق الحشد العسكري بامل معادلة قوة الولايات المتحدة" او تجاوزها. وعلى الرغم من انه قد يبدو من اللاسياسة عدم الاشارة الى عدم حكمة مناقشة اولوية الولايات المتحدة وتفوقها بهذا الشكل الصريح، فان ما جاء بالوثيقة ليس هدفاً لا يمكن تحقيقه او هدفاً غير معقول للعقد القادم في الاقل. ان تأثيراته العملية قد تكون متواضعة، ومع ذلك ونظراً لان غالبية الدول تبني وتحشد دفاعاتها لتواجه التهديدات المباشرة الموجهة الى امنها وليس للتنافس مع الولايات المتحدة (26).
ويقابل ذلك ان هذه الاستراتيجية تتصور دوراً اكثر محدودية للاستباق. فهي تناقش الاستباق في مضمون محدد لدحر الارهاب والدول المارقة، وليس هنالك من مقترحات بان للاستباق دوراً يؤديه بما يخص الصين الناهضة او اية تهديدات متبقية تشكلها روسيا. كما ان الجدال حول تنفيذ الضربة الاستباقية ضد الارهابيين لا يتعارض مع ذلك (27).
ان تنفيذ الاستباق على الدول المارقة يستند الى ادعاء مشكوك فيه. ذلك بان الردع يستند الى الاستجابة للتهديد هو اقل احتمالاً للفعل حيال قادة الدول المارقة الذين لديهم الارادة على اتخاذ المخاطرة ويرتكز هذا الاستنتاج على الحدس اكثر منه على دليل دامغ، فالعراق وكوريا الشمالية هما الدولتان الوحيدتان اللتان تشير اليهما هذه الاستراتيجية بالاسم وان كليهما قد اظهرتا بانهما تفهمان الردع. فبغداد قد اهتمت بالتحذيرات التي وجهت اليها خلال حرب الخليج 1991 بانها ستواجه رداً ساحقاً اذا ما لجأت الى استخدام اسلحة الدمار الشامل، وبيونغ يانغ من جهتها قد التزمت بالهدنة في شبه الجزيرة الكورية طيلة نصف قرن وفي الوقت نفسه اخفقت هذه الاستراتيجية فلقد اعترفت بان الهجوم الاستباقي قد يدفع لحدوث الهجمات التي يرمي الى منعها (28).
ان خطراً واضحاً موجوداً وهو ان الدول المارقة قد تستخدم اسلحة الدمار الشامل التي بحوزتها قبل ان تخسرها او انها قد تعطيها بشكل مدبر الى مجموعات قد تستخدمها. وهنالك خطر اقل وضوحاً يكمن في حالة الفوضى التي ستصاحب الحرب، فالارهابيون سيكونون قادرين على شراء اسلحة الدمار الشامل او سرقتها (29).
وعند تركها لمزية مناقشة الردع جانباً فان هذه الاستراتيجية لا تقدم مرشداً للوقت الذي يتم فيه تنفيذ الاستباق. ان الهدف المحتمل هو عدد قليل من الدول المارقة. وان الولايات المتحدة سوف لا تستخدم القوة في الحالات كلها لتنفيذ الهجوم الاستباقي ضد التهديدات الناشئة. ان سكوت هذه الاستراتيجية عن الظروف التي تبرر الاستباق تنشئ خطراً اخر اكثر احتمالاً ذلك ان الدول ستتبنى الاستباق كغطاء لتسوية مشكلاتها الامنية القومية الخاصة مثلما تقوم به روسيا الان في جورجيا. وكما قال هنري كيسنجر مجادلاً "انه لا يمكن ان يكون في المصالح القومية الامريكية او المصالح الدولية ان تطور مبادئ تضمن لكل امة حقاً لا جدال فيه للاستباق بهذه المشكلة بتحذير الدول بعدم استخدام الاستباق كذريعة للعدوان". ولكن الى الوقت الذي تستطيع الادارة رسم الخط الفاصل بين الاستباق وبين العدوان غير المشروع بطريقة تحصل على قبول شامل في الخارج فانها تخاطر بان تستخدم اقوالها لتبرير نتائج تعارضها هي (30).
ويؤكد بريجسنكي بان الرئيس بوش قد استبعد في خطابه في ويست بوينت سياسة الردع التقليدي باعتبار ان لا صلة لها بمخاطر الارهاب وانتشار الاسلحة ما بعد الحرب الباردة، واعلن عن عزمه على نقل المعركة الى ارض العدو، وعرقلة مخططاته، ومواجهة اسوأ الاخطار قبل بروزها. وتجد الاشارة الى انه اغفل العدو وبالتالي ابقى نطاق التحرك مفتوحاً على مصراعيه لاختيار الهدف بشكل تعسفي. ولم يحدد هذا المذهب الجديد للتدخل الاستباقي المعايير التي سوف تستخدم في تعريف الارهاب، كما انه لم يوضح ما هي الظروف التي يعتبر فيها انتشار الاسلحة سراً يبرر قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري وقائي (31).
ويضيف بانه تم استبدال المذهب الراسخ الذي يقوم على الدمار المتبادل المحقق MAD بالمفهوم الجديد الذي يقوم على الدمار الاحادي المحقق SAD ومن غير المفاجئ ان يكون الانتقال من الدمار المتبادل المحقق الى الدمار الاحادي المحقق في نظر العديدين انتكاسة استراتيجية يمكن تبرير العمل الاستباقي بذريعة ان المصلحة الوطنية العليا تواجه خطراً وشيكاً، ومن ثم بموجب هذا التعريف من المرجح ان يكون عملاً احادياً. وهو يتطلب استخبارات ممتازة لتبرير مثل هذا العمل الاعتباطي من الناحية الخطابية في الاقل. بالمقابل يجب ان يسبق العمل الوقائي اذا امكن تعبئة للضغوط السياسية (بما في ذلك الدعم الدولي) من اجل الحيلولة دون وقوع ما هو غير مرغوب فيه. ويجب عدم اللجوء الى القوة الا بعد استنفاذ وسائل المعالجة الاخرى، وحين لا يعود الردع بديلاً مقنعاً (32).
ان الخطأ الاول الذي وقع فيه انصار هذه النظرية كما يرى جوزيف ناي كونهم يركزون بشدة على القوة العسكرية لوحدها فقط. ان القوة العسكرية للولايات المتحدة هي ضرورية لايجاد الاستقرار الشامل وهي الجزء الاساسي للرد على الارهاب ولكن الاتكال على الحرب يجب الا يغفل الحقيقة بان قمع الارهاب سيستغرق سنوات من الصبر والتعاون المدني مع البلدان الاخرى في المناطق التي تشترك بالتعاون الاستخباراتي وعمل الشرطة واقتفاء التدفقات المالية والسيطرة على الحدود. فعلى سبيل المثال فان النجاح الامريكي في افغانستان قد تعامل مع الجانب السهل من المشكلة، وذلك باسقاط حكومة ضعيفة ولكن القصف قد دمر جزء صغير من شبكة القاعدة التي تحافظ على خلايا في حوالي 60 بلداً. وان القصف لا يحل المشكلة في خلايا متواجدة في مناطق اخرى من العالم بشكل سري. ان الطبيعة الجزئية للنجاح في افغانستان باتت تعبر عن الحاجة الماسة للتعاون (33).
صفحة 8
احتمالات تطور النزاعات:
امام ضباط متدرجين في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن عرض وزير الدفاع رامسفيلد في 31 كانون الثاني 2002 العقيدة العسكرية الجديدة للولايات المتحدة واعلن "علينا التحرك الان لكي يكون لنا القدرة على الردع في اربعة مواقع مهمة" مضيفاً انه يجب التمكن من التغلب على عدوين يشنان هجوماً متزامناً مع امكانية قيام الولايات المتحدة بهجوم مضاد كبير واحتلال عاصمة العدو لاقامة نظام جديد فيها. هكذا ادخل تعديل مهم على العقيدة السارية المفعول الان.
قبل ذلك كانت اهداف السياسة الدفاعية الرئيسة قد مرت بثلاث مراحل اساسية. فقبل السبعينات كانت سياسة الدفاع الامريكية تضع نصب اعينها الاستعداد لخوض "حربين ونصف الحرب". فمن ضمن روحية الحرب الباردة حيث كانت البلدان الشيوعية تشكل كتلة واحدة، كان من المفترض الاستعداد لحرب محتملة ضد الاتحاد السوفيتي واخرى من الصنف نفسه ضد الصين وثالثة في الوقت نفسه لكن بحجم اقليمي ضد بلدان عدوة لا تقاس قدرتها العسكرية بالجبارين الاخرين. ومن هذه النزاعات مثلاً الحرب الكورية والفيتنامية او الحملات العسكرية في لبنان وغواتيمالا وسانتا دومينغو. وقد دفع الطلاق بين الاتحاد السوفيتي والصين الرئيس ريتشارد نكسون الى تبني مبدأ "الحرب ونصف الحرب" الذي يتحسب لمواجهة رئيسية مع الاتحاد السوفيتي او مع الصين اضافة الى نزاع اقليمي من النوع المذكور انفاً (34).
ومباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة اصدرت ادارة الرئيس بوش عام 1991 وثيقة بعنوان نظرة الى القدرة العسكرية الاساسية تتضمن مبدأً جديداً بات يتوقع "نزاعين اقليميين كبيرين". واكدت الادارة الامريكية في عهد كلنتون هذا التوجه عام 1993 في تقويمها الشمولي، وعام 1997 في وثيقة حول سياسة الدفاع الرباعية، اربع سنوات، حيث اطلق على هذه النزاعات اسم "حروب رئيسية في مسرح عمليات" (35).
ولم يكتف رامسفيلد في الخطاب الذي القاه في 31 كانون الثاني/ يناير 2002 بتوسيع احتمالات النزاع من اثنين الى اربعة رئيسية تدور في مسرح عمليات بل حاول تقديم تعريف اكثر دقة للاخطار التي على الولايات المتحدة مواجهتها فجمع في معسكر الاعداء نفسه المنظمات الارهابية ذات التطلعات الدولية والدول التي تساندها وخصوصاً تلك التي يمكن ان تمدها باسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيميائية، والتي تقوم هذه الدول بتطويرها، فالخطر لا يتحدد فقط بمصدره بل ايضاً بطبيعته. ويشير رامسفيلد في هذا السياق "علينا الاستعداد لمواجهة اشكال جديدة من الارهاب وايضاً هجمات يتعرض لها المشروع الفضائي الامريكي وهجمات افتراضية ضد انظمة اتصالاتنا من دون ان ننسى الصواريخ البعيدة المدى والبالستية والاسلحة الجرثومية والكيميائية". وفي تقرير مسبق للزيادة الضخمة في الموازنة العسكرية الامريكية، حدد رامسفيلد ستة اهداف رئيسية لسياسة الدفاع الجديدة:
1. حماية الاراضي الوطنية والقواعد الامريكية في الخارج.
2. ايصال القوات والمعدات الى مسارح العمليات البعيدة.
3. تدمير معامل العدو.
4. امن انظمة المعلومات والاتصالات.
5. تطوير استعمال التقنيات الضرورية من اجل خوض عمليات مختلطة على الارض.
6. حماية الوصول الى الفضاء والقدرة الفضائية للولايات المتحدة.
بيد ان التغييرات التي اعلنها وزير الدفاع لا تطاول نظرية استخدام القوات والمتابعة مما سمي "الثورة في المسائل العسكرية" المرتبطة بالتقنيات الجديدة الخاصة بالتصويب الدقيق عن بعد والاستعلام الدائم حول القوى المتواجهة وتحديد الاهداف المحتملة. هكذا تم التوصل الى المبدأ المركزي المعروف ب "السيطرة الاستراتيجية" القائم على المقدرة الدائمة في تحديد موقع الخصم والقضاء على قدراته العسكرية والصناعية والسياسية وابادتها عند الضرورة لارغامه على التراجع او الاستسلام. لا يستدعي ذلك في الضرورة احتلال الاراضي المتنازع عليها او ارض العدو، في الاقل في المرحلة الاولى من النزاع فالمواجهة الارضية تحصل فقط حول اهداف تختارها السلطة السياسية، أي الحكومة الامريكية (36).
صفحة 9
طالما شدد واضعوا الخطط العسكرية الامريكية على ان نظرتهم في "السيطرة الاستراتيجية" وجدت استجابة لكل اشكال النزاع. ويجري تطبيقها بحسب طبيعة الخصم واعدادة وقوته الصناعية وبنيته التحتية وحجم مدنه ولاسيما نظامه السياسي وما المطلوب القيام به لقلبه او تحييده. فالنظرية تترك المجال واسعاً امام التجريبية في تطبيقها، وذلك يعني ان الخبراء الامريكيين (سواء في الادارة او في مؤسسات الابحاث المتعاقدة مع هذه الادارة) قد درسوا بدقة تنفيذها خلال حروب الخليج والبوسنة ومن بعدها كوسوفو (37).
دامت الهجمات الامريكية على العراق 43 يوماً تبعتها اربعة ايام فقط من العمليات الارضية. في البوسنة تناول القصف 300 هدف تمت اصابتها مقابل خسارة طائرتين وقتيلين بعدما تكفل الحلفاء العمليات على الارض. في كوسوفو دامت الحرب 78 يوماً ولم تكن فعالة الا ضد الاهداف المدنية في صربيا ومونتنيغرو وفي اقليم كوسوفو من دون ان يتكبد الامريكيون أي خسارة في الارواح. ولم تعترف وزارة الدفاع الامريكية الا بخسارة طائرة "اف 117" وحوالي 15 طيارة دون طيار. ويتفق الخبراء على الفشل شبه العام للضربات الموجهة للجيش اليوغسلافي معترفين فقط بتدمير 12 او 13 دبابة أي بالتحديد العدد الذي اعلنته القيادة اليوغسلافية وهو بعيد كل البعد عن النتائج الباهرة التي كان يعلنها مكتب الاعلام والدعاية في حلف شمال الاطلسي ابان الحرب نفسها. بيد ان هؤلاء الخبراء يقرون بان فعالية القصف تتحسن من تجربة الى اخرى (38).
اما في حرب افغانستان فقد تم تطبيق النظرية نفسها لكن من خلال ملائمتها مع طبيعة الارض وطبيعة القوى المتواجهة. ففي مرحلة اولى وطالما كانت الاولوية معطاة لتكوين سلطة سياسية بديلة من "طالبان" كانت الضربات الجوية موجهة الى قدرات العدو العسكرية من مطارات ودبابات وتجمعات للمعدات ومخازن ذخيرة، مع استخدام اضافي للصواريخ البعيدة المدى التي تطلق بدقة كبيرة من الطائرات او من البوارج البحرية في مرحلة ثانية، عندما اصبح الهدف احتلال الارض على يد تحالف الشمال ومن ثم بواسطة المليشيات البشتونية المجندة محلياً، تم اللجوء الى عمليات القصف المكثف (39).
وبشكل عام، وبعد افغانستان والعراق والبوسنة وكوسوفو يحق للمسؤولين الامريكيين الاعتقاد بحسن تطبيق مبدأهم في السيطرة الاستراتيجية مع بعض التنويعات التي لا مفر منها وبفعالية كافية تمكنهم من تحقيق اهدافهم الاساسية من دون خسائر تذكر من جانبهم.
يعرض دعاة العقيدة العسكرية الامريكية وصناعها ببساطة ومن دون ارتباك للارتباط بين مفهوم السيطرة الاستراتيجية ومشاريع الدفاع المضاد للصواريخ الراهنة، فيشيرون في طبيعة الحال الى التهديد الذي تمثله بعض الدول ذات القوة العسكرية المحدودة لكن القادرة على مهاجمة الاراضي الامريكية بواسطة صواريخ متوسطة او بعيدة المدى. ويطمئنون الى ان القوة الجوية الامريكية تفترض حصانة الاراضي الامريكية، اذ ان وسائل الدفاع المضادة للصواريخ المنشورة في الخارج او في عرض البحر لا يمكن ان تكون سوى صلات وصل. هكذا يبدو الرابط بين "مفهوم السيطرة الاستراتيجية" ومشروع الدرع الصاروخي حاسماً اكثر من التفسيرات التي تعطى له رسمياً. وكان هذا المشروع المعروف باسم "نظام الدفاع الصاروخي" قد اثار العديد من الاعتراضات التي لم تصمد امام التصميم الامريكي حتى عندما اعلنت حكومة بوش للملأ انها ستوقف من جانب واحد العمل بمعاهدة 1972 حول الحد من الاسلحة الصاروخية. ولا عندما قامت بتجربة ناجحة لاطلاق صاروخ مضاد للصواريخ من ظهر بارجة بحرية قبل انقضاء مهلة الستة اشهر التي تنص عليها المعاهدة في حال وقف العمل بها من جانب واحد (40).
وفي خطابه في الجامعة الوطنية للدفاع في الاول من ايار/ مايو 2001 صرح الرئيس بوش انه "لا يمكن الان ان يستند الردع بعد اليوم الى التهديد بالردع الانتقامي النووي فقط". ودعا الى ايجاد مفاهيم جديدة للردع تعتمد القوات الهجومية والدفاعية. من المفروض ان تساعد هذه المفاهيم الجديدة للردع في تامين استراتيجية شاملة لمحاربة انتشار اسلحة الدمار الشامل وتكنولوجيا انتاج الصواريخ العابرة للقارات. وتتطلب هذه الاستراتيجية:
1. المحافظة على علاقات التحالف الاساسية وتحسينها، واعادة طمأنة الاصدقاء بأن الولايات المتحدة تلتزم بتأمين نظام دولي مستقر وان مصالحها الامنية لا تنفصل عن مصالحهم.
2. انهاء التحديات، بدلاً من تأجيلها بطريقة تؤخر حدوثها ولكن تجعل مما سوف تواجهه الولايات المتحدة منها في المستقبل اشد خطورة.
3. اعادة صياغة السياسة الخارجية الامريكية بحيث تدمج بشكل متكامل كافة مصادر التأثير المتوفرة.
4. ثني الاعداء عن اتباع مسارات عمل معادية مع الاحتفاظ بالقدرة على دحر الاعتداءات (41).
ولكي تكون الاستراتيجية الامريكية فعالة، فانها يجب ان تشمل مجالاً واسعاً من السياسات والبرامج بما في ذلك جهود مستبقة للاحداث لمنع انتشار الاسلحة، وخفض التهديدات، واجراءات مضادة لانتشار الاسلحة، وقدرات استجابة فعالة لتخفيف نتائج استخدام اسلحة الدمار الشامل. يقوم احد المكونات الضرورية لنجاح هذه الاستراتيجية على اعادة تشكيل المبدأ العسكري للولايات المتحدة وقدراتها العسكرية بحيث تستجيب الى التهديدات المعاصرة الناشئة. ويتطلب ذلك تحويل موقف الولايات المتحدة من الردع. ان المفاهيم الاستراتيجية والقوات العسكرية لا تناسب مواجهة العناصر الاكثر الحاحاً لتهديدات اليوم الحاضر. ونتيجة لذلك، يصبح من الالزامي ادارة الانتقال الى بيئة امنية اكثر استقراراً من خلال تغيير طريقة التفكير الامريكي حول الردع وممارسته. وعلى الولايات المتحدة ان تعيد تصميم الردع لجعله مستبقاً للاحداث بدلاً من ان يكون رد فعل. يتطلب ردع التهديدات الجديدة مفاهيم وقدرات جديدة ومختلفة. تشكل خطة مراجعة الوضع النووي التي اكملتها حديثاً وزارة الدفاع الامريكية خطوة مهمة في هذا الاتجاه. فهي تضع اساسات لمقاربة متنوعة للردع تضم قدرات توجيه ضربات هجومية تقليدية كما تضم انظمة صواريخ دفاعية وبذلك يتم الحد من مدى الاعتماد على السلطة النووية (42).
صفحة 10
تطور العلاقات الاستراتيجية الامريكية-الروسية
عندما وقع الرئيس الامريكي جورج بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعلاناً مشتركاً عن وضع اطار استراتيجي جديد للعلاقات الامريكية-الروسية في موسكو في 24/ آيار/ مايو 2002 وضع البلدان في مسار يفضي مباشرة الى علاقة متحولة. وهذه العلاقة المتحولة تعد بخدمة مصالح البلدين في السنوات القادمة. وسبب ذلك يعود الى ان الاعلان المشترك يقوم بارجاع دور سياسة القوة العسكرية في العلاقات الامريكية-الروسية الى موضعها الصحيح. ففي اثناء الحرب الباردة اصبحت سياسة القوة العسكرية هي المهيمنة، ان لم نقل المحددة بالكامل للعلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وفرضت هذه العلاقات المتحولة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية فتتيح للجانبين التخلص من هذه الاعباء واغتنام فرص جديدة. يرى بعض المعلقين بأن العلاقة المتحولة لا تعدو كونها انعكاساً لتفوق قوة الولايات المتحدة على قوة روسيا، وانها امر فرضته الولايات المتحدة على الحكومة الروسية على حساب الشعب الروسي. وفي حين يبدو واضحاً ان الولايات المتحدة هي اقوى الدولتين في ذلك الوقت وان سياسات القوة ستعلب دوراً مهماً في العلاقات بينهما، فأن هذا التحليل لا يأخذ بنظر الاعتبار حقيقة غياب هيمنة سياسة القوة العسكرية. ان المنتقدين مخطئون لانهم يحكمون على العلاقة الجديدة بمنظار الحرب الباردة الذي عفا عنه الزمن. واكثر ما ادى بهؤلاء المنتقدين الى الوقوع في الخطأ في تحليليهم مقولة ان العلاقة الامريكية-الروسية الجديدة ستكون ضارة بالمواطنين الروس. فبعد ان تخلص الشعب الروسي من الاعباء التي كانت تفرضها عليهم حكومة ركزت بشدة على تعزيز قوة الدولة، ازدادت الفرص امام هذا الشعب في تحقيق آماله (45).
لقد كان الاتحاد السوفيتي كدولة تمجد تكديس القوة، لاسيما قوة الدولة، والايديولوجية الشيوعية التي شرعت النظام نتيجة لذلك دفعت الدولة الى اعتبار القوة لا كوسيلة لتحقيق مثل عليا مثل الحرية والازدهار، بل غاية في حد ذاتها. ودفعت الدولة ايضاً الى ان تطلب من الشعب الروسي ان يبذل المزيد من التضحيات خدمة لزيادة قوتها ومكانها. وعلى الصعيد الدولي، دفع الهدف نفسه النظام السوفيتي الى قياس هيبته بقدرته على ترهيب واكراه دول اخرى. ودفع الشعب السوفيتي ثمناً مريباً لطموحات الدولة السوفيتية. فتم حرمان الناس من الحرية الشخصية واصبح الاقتصاد عسكرياً بصورة مفرطة وهبط مستوى المعيشة اما المنافذ الروحية فقد اقفلت. ان السعي الى القوة على حساب قيم اخرى امر لا يمكن الحفاظ عليه ومصيره الفشل، كما اكتشف الاتحاد السوفيتي في نهاية المطاف. وتبين بأن قدراته كقوة عظمى كانت في الحقيقة فراغ. بسبب ذلك هو ان مطالب النظام من شعبه في نهاية الامر ادى الى اصابة المجتمع بالاعياء. فالدولة كانت تأخذ من الناس ولا تعطيهم في المقابل سوى الاعلان عن نفسها كقوة عظمى. ان المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة زادت من الضغط على الشعب السوفيتي وسرعت معدل الاعياء. وفي نهاية الامر كان السؤال الذي واجهه الشعب السوفيتي هو ما اذا كانت المنافسة مع الولايات المتحدة على القوة جديرة بالتضحيات التي يبذلها. بحلول نهاية عام 1991، اجاب شعب الاتحاد السوفيتي عن السؤال بالنفي. ووضعت الحرب الباردة اوزارها (46).
لقد اسهمت الحكومة الروسية في اطار العمل الاستراتيجي الامريكي-الروسي من خلال ادراكها انها ليست بحاجة الى قياس قيمتها الذاتية على اساس ما اذا كان لديها من القوة العسكرية اكثر مما لدى الولايات المتحدة، بل انها تبدو الان مستعدة للحكم على نجاحها بمقياس قدرتها على تحسين نوعية حياة شعبها. وبخلاف الاتحاد السوفيتي يبدو ان الحكومة الروسية تضع اولوياتها في الترتيب الصحيح. ولعل من المفارقات ان الاولويات الجديدة تحسن بالفعل احتمالات تمكن روسيا من تجديد وتقوية نفسها بمرور الزمن. وبالمقابل لا تخشى الولايات المتحدة روسيا قوية بل تسعى الى تحاشي ان تكون روسيا مهددة (47).
وسينعكس الوضع الاستراتيجي ايجابياً بالنسبة لروسيا بالشكل الآتي:-
1. تحسن احتمالات السلام على الجبهة الروسية الغربية وفي ما يخص الشؤون الاقليمية فأن اطار العمل الاستراتيجي الجديد يقرب روسيا من الهيكلية الامنية التي يقودها حلف الاطلسي في اوربا. تساعد هذه الهيكلية التي قامت بعد الحرب الباردة في تقليل احتمالات اضطراب الامن والنزاع المسلح في اوربا. نتيجة لذلك، لا يواجه الشعب الروسي خطر وقوع نزاع عسكري ينبع من بلدان تقع الى الغرب من روسيا، كما ان التعاون الاقليمي مع الولايات المتحدة يمتد الى مناطق اخرى من العالم ايضاً.
2. حرب اكثر فعالية على الجريمة المنظمة، تشكل الجريمة المنظمة مشكلة خطيرة في روسيا ويعزز اطار العمل الاستراتيجي الجديد التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في هذا المجال البالغ الاهمية. في كانون الثاني/ يناير 2002 دخلت المعاهدة الروسية- الامريكية حول المساعدة المتبادلة في الشؤون الاجرامية حيز التنفيذ. تهدف المعاهدة الى المساعدة في خفض امكانية تعرض الشعب الروسي للاخطار بسبب نشاطات الجريمة المنظمة الدولية.
3. تحسن الامكانيات الاقتصادية المستقبلية. تكمن زيادة الفرص الاقتصادية في صلب الجهد الرامي الى تحسين معيشة الشعب الروسي. ويتصور اطار العمل الاستراتيجي الجديد دمج روسيا في الاقتصاد العالمي بالموافقة على انضمامها الى منظمة التجارة العالمية. وسوف تكون الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع روسيا في مجال استكشاف وتطوير الطاقة.
4. المساعدة في مكافحة الارهاب الدولي. ترى الولايات المتحدة بأنها ليست وحيدة في مواجهة الارهاب الدولي. وتتعاون مع روسيا بصورة وثيقة منذ هجوم الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر لمواجهة الارهاب حيث يقلل هذا التعاون من احتمال تعرض الشعب الروسي في المستقبل لمثل الهجوم الذي تعرضت له الولايات المتحدة.
5. استقرار استراتيجي اكبر وعب دفاعي اصغر. ان توقف روسيا من اعتماد سياسة القوة كأساس لعلاقاتها مع الولايات المتحدة تقضي بتخفيض عدد الرؤوس النووية المنشورة الى ما بين 1700 و2200 لكل جانب.
هذا الامر سيساعد في تقليص العبء الدفاعي المفروض على الاقتصاد الروسي. كما ان تدابير الشفافية ستحد الى اقل قدر ممكن من احتمال وقوع مجابهة استراتيجية. ويشكل التعاون في الدفاع الصاروخي جزءاً من اطار العمل الاستراتيجي، الامر الذي يتيح للبلدين التصدي لخطر انتشار الصواريخ (48).