eKtab
EN ع
الاستشراق في السيرة النبوية
اقرأ عينة مجانية

الاستشراق في السيرة النبوية

بقلم عبد الله محمد الأمين النعيم

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وأشهد أنه قد بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وترك الناس على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، وبعد...

تحتل الدراسات الاستشراقية حيزاً واسعاً في مجال الدراسات الإسلامية. ولهذه الدراسات أهميتها وثقلها العلمي في الدوائر العلمية، بحيث لا تكاد تخلو دراسة علمية من الإشارة إليها. ولقد عملت هذه الدراسات منذ وقت مبكر على تشكيل العقل الغربي، وتحديد موقفه تجاه الإسلام، بحيث يمكن القول بأنّ الموقف الغربي العدائي تجاه الإسلام هو في نهاية المطاف موقف الاستشراق ذاته من الإسلام. كما عملت هذه الدراسات الاستشراقية من جانب آخر على تشكيل عقلية الصفوة العلمية في العالم الإسلامي من خلال الابتعاث للجامعات الغربية، مما أدى لاستمرار النسق المعرفي الاستشراقي. يضاف لهذا ما تحدثه ترجمة الدراسات الاستشراقية إلى اللغة العربية أو اللغات المحلية في العالم الإسلامي من تأثير فكري، يؤدي في النهاية لإحداث انفصام في الشخصية المسلمة، نظراً لاهتزاز ثوابتها الدينية. وبغية التصدي لأخطار الاستشراق في مجال الدراسات الإسلامية فقد وقع اختياري على موضوع: الاستشراق في السيرة النبوية: دراسة تاريخية لآراء (وات وبروكلمان وفلهاوزن) مقارنة بالرؤية الإسلامية.

صفحة 2

1- أسباب اختيار الموضوع

أولاً: إنّ لدراسات وات وبروكلمان وفلهاوزن شهرتها في الدوائر العلمية، بحيث إنها عملت على تأهيل أجيال عديدة من أبناء المسلمين وفق نسقها المعرفي، الخاضع في نشأته وتطوره ومناهجه إلى ما حدث في الغرب من تطور في العلوم ومناهجها. ومن مؤثرات ضاغطة على العقلية الاستشراقية أثَّرت في اتجاهات الاستشراق الفكرية، وأدّت به إلى استخدام مناهج البحث الغربية في حقل السِّيرة، مع ما فيها من عدم تطابق، بل وتضاد مع وقائع السِّيرة النبوية.

فظهرت دراسات خطيرة وجدت لها موطئ قدم في مؤسسات التعليم العالي في العالم الإسلامي، ومريدين، لذلك فإنّ التصدي لهذه الدراسات ونقدها سيؤدي إلى تحصين العقل المسلم في مجال يرتبط أشد الارتباط بعقيدته وهويته.

ثانياً: تصويب الأخطاء التي وقع فيها وات وبروكلمان وفلهاوزن في تناولهم لمعطيات السِّيرة، وتفسير وقائعها، والرد على أخطائهم رداً علمياً وموضوعياً مقارناً بالرؤية الإسلامية لوقائع السيرة.

ثالثاً: إبراز ما انطوت عليه دراسات وات وبروكلمان وفلهاوزن من تعصب ديني وعنصري، أدى إلى إفراغ الإسلام من ذاتيته الحضارية، وتجريد النبي صلى الله عليه وسلم من أهم صفاته، وهي صفة النبوة.

صفحة 3

2- أهمية الموضوع

إنّ أهمية الموضوع تنبع من خلال معالجته لنماذج استشراقية في دراسة السِّيرة عبر مقارنتها بالرؤية الإسلامية، التي أرخت لأحداث السِّيرة النبوية. كما تنبع أهميته من محاولته التصدي لعملية الاستلاب الفكري الذي تتعرض له الأمة المسلمة. ومحاولته كذلك التصدي لعملية الغزو الثقافي في المجال التاريخي.

إنّ في إمكان الدراسات المقارنة لأعمال المستشرقين في مجال التأريخ الإسلامي- لاسيما الفترة النبوية - ليس تصويب الأخطاء العلمية فحسب، بل ودفع الدراسات المقارنة خطوة للأمام، إذ يعتبر المنهج المقارن من المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية. وهذه الدراسة مساهمة متواضعة في هذا المجال.

صفحة 4

3- نطاق الموضوع

يتناول هذه الموضوع آراء ثلاثة مستشرقين في دراسة السيرة، وهم وليام مونتغمري وات "W. M. Watt" من خلال مؤلفاته: (محمد بمكة) و (محمد بالمدينة)، وملخصهما؛ وهو كتاب (محمد نبياً ورجل دولة). وآراء كارل بروكلمان "Carl Brokelmann" من خلال كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية). وآراء يوليوس فلهاوزن Julius "Welhausen" من خلال كتابه (تاريخ الدّولة العربية من ظهور الإسلام حتى نهاية الدّولة الأموية)، ومعنى هذا أنّ الموضوع سيغطي الفترة المكية والمدنية معاً، مع مقارنة ذلك بالرؤية الإسلامية، وذلك حتى تخرج الدراسة متكاملة في رؤيتها، وفي دراستها لوقائع السِّيرة النبوية، وقد قام شعبان بركات بترجمة كتابي (محمد بمكة) و (محمد بالمدينة)، وكذلك قام منير بعلبكي ونبيه فارس بترجمة (تاريخ الشعوب الإسلامية)، وقد أخذت منهم النص العربي، وقارنته بالأصل الإنجليزي، وأثبت في الهامش رقم صفحات الأصول،وإنّي لأنبّه في هذه المقدمة بأنّ الترجمة العربية مأخوذة من النسخ المعربة إلا فيما ندر.وأنبّه على ضرورة أخذ ترجمة (شعبان بركات) بحذر لأنّ بها أخطاء، كما أنه لم تتم مراجعتها. أما كتاب فلهاوزن فقد حاولت جاهداً الحصول على النسخة الإنجليزية، غير أني لم أوفق لذلك، وأخيراً اعتمدت على النسخة العربية لثقتي في مترجمها، وفيمن راجعها وهو الدكتور حسين مؤنس وهو علم مشهور في مجال التأريخ الإسلامي.

ولقد وقع الاختيار على هؤلاء المستشرقين بالذات، نظراً لإلمامهم الواسع بالدراسات الإسلامية والعربية، ويكفي أنّ (وات) قدَّم رؤية متكاملة للسِّيرة النبوية، بحيث لم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها؛ مما أكسبه أهمية في هذا المجال. وأما بروكلمان فإنه لا يقل شهرة وأهمية عن وات، ولقد قدّم في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) عرضاً مركَّزاً لأحداث السِّيرة. وحتى تتكامل الرؤية فلقد ألحقت رؤية فلهاوزن بالدراسة لتتكامل مع رؤية بروكلمان، ولا سيما أنهما من مدرسة استشراقية واحدة، هي المدرسة الألمانية. وكثيراً ما يأخذ وات وبروكلمان معلوماتهما من فلهاوزن الذي يعتبر من المهتمين بتاريخ الأمويين. وعلى الرغم من أنني تناولت هؤلاء المستشرقين مفكرين، إلا أنّ أعمالهم تعكس - بالطبع - أفكار المدرستين البريطانية والألمانية في الاستشراق. وحيث إنّ وات هو الأكثر عطاءً؛ فقد تمّ تقديمه في الدراسة والتركيز عليه.

صفحة 5

4- الدراسات السابقة

إنّ الدراسات النقدية للاستشراق ظهرت حديثاً، وتناول معظمها دراسة فلسفة الاستشراق. وحسب علمي فإنه لا توجد دراسة مفردة تناولت موضوع الاستشراق في السِّيرة النبوية، عدا ذلك البحث الذي كتبه الدكتور عماد الدين خليل عن منهج مونتغمري وات في دراسة السِّيرة. وهذا البحث جاء قاصراً على المنهج، دون أن يتعمق فيدرس الجزئيات والمعطيات مع التحليل والمقارنة، وقاصراً في دراسته للفترة الزمنية، حيث تناول منهج وات في كتابه (محمد بمكة)؛ أي اقتصر على الناحية المنهجية التي اتبعها وات في دراسة السِّيرة في طورها المكي.

وكما نعلم فإنّ الفترة المكية كانت مرحلة تثبيت للعقيدة، ولم تكن مرحلة التشريع التي جاءت في الفترة المدنية، وهي المرحلة الأخطر التي وجد فيها الاستشراق ميداناً فسيحاً لممارسة تجاربه على نسيج السِّيرة.

وبحث عماد الدين خليل ورد في كتاب ألفته مجموعة من العلماء عن (مناهج المسشترقين في الدراسات العربية والإسلامية)، وهذا البحث هو في الأساس مقدمة كتابه (دراسة في السِّيرة) مع زيادات طفيفة. وفي هذا الكتاب نفسه (مناهج المستشرقين) يوجد بحث للدكتور جعفر شيخ إدريس عن (نبوة محمد في منهج مونتغمري وات)، وهو بحث في مجال العقيدة الإسلامية.

كما توجد رسالة ماجستير أعدها بجامعة أم القرى في مكة المكرمة الأستاذ عبد الكريم على الباز عن (افتراءات فيليب حتي وكارل بروكلمان على التاريخ الإسلامي) كان نصيب السِّيرة النبوية خمس عشرة صفحة، حيث تناول الباز أربع مسائل فقط، وأوضح أنه تناول بعض آراء بروكلمان وليس جميع آرائه. وتوجد بهامش (تاريخ الشعوب الإسلامية) تعليقات مبتسرة للدكتور عمر فرّوخ، وهي تعليقات غير موثّقة علميَّاً. كما علَّق الدكتور عبد الهادي أبي ريدة على آراء فلهاوزن بنفس أسلوب فرّوخ. ومع احترامي لهذه الدراسات ولمؤلفيها باعتبارها خطوة رائدة في هذا المجال، إلا أنني أرى أنّ هذه الدراسات جاءت قاصرة، واحتوت على عناوين عريضة، دون أن تفي الموضوع حقَّه من الدراسة.

صفحة 6

5- موقع هذه الدراسة من الدراسات السابقة

إنّ هذه الدراسة ستحاول إضافة الجديد، بحيث تتناول المنهج، وتدرس الجزئيات والمعطيات بالتحليل والنقد، وستحاول أن تتلافى الأخطاء التي وقعت فيها الدراسات السابقة، حيث كان الانسياق في بعض الأحيان للأسلوب العاطفي على حساب الأسلوب العلمي - الذي يرتكز على منهج المحدثين - والذي يعتبر خير وسيلة للدفاع عن السِّيرة. وقد تعرضت هذه الدراسة بالنقد لبعض الآراء الموجودة في كتب السِّيرة والمغازي التي تتناقض مع وقائع السِّيرة النبوية، وهو ما لم تفعله الدراسات السابقة عدا واقعة الغرانيق.

وتلافت هذه الدراسة النظرة الضيقة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحيث لم تعتبر ممارسة النبي قاصرة على الزمان والمكان الذي وجد فيه كما يفعل أغلب الباحثين المسلمين، فاتفقوا من حيث لا يشعرون مع الفهم الاستشراقي الرافض لعالمية الرسالة الإسلامية واستمراريتها وديمومتها، والرافض كذلك الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى التركيز على الجانب السياسي في الممارسة النبوية. ولقد وضعت هذه الدراسة القرآن الكريم في الموقع اللائق به لفهم أحداث السيرة ووقائعها، إذ إن القرآن سجّل أغلب وقائع السِّيرة عقب حدوثها مباشرة، بل كان يعلم بما سيحدث سلفاً باعتبار أنّ القرآن كلام الله تعالى. وقد يكون في تحليل بعض آياته الكريمة - في هذه الدراسة - إضافة عملية إلى حد ما.

ومهما يكن من أمر فإنّ هذه الدراسة تكاد تكون استوعبت معظم آراء وات وبروكلمان وفلهاوزن في مجال السِّيرة.

صفحة 7

6- منهج الدراسة

إنّ المنهج المتبع في كتابة هذه الرسالة هو المنهج التحليلي والمقارن، بحيث أوردت آراء المستشرقين، ثم عقبت عليها بآراء المصادر الإسلامية. وكل هذا في إطار التحليل للرؤيتين. وبما أنّ هذه الدراسة درست آراء المستشرقين التي تتناقض مع الرؤية الإسلامية، فلم يكن ثمة داع للتساؤل عن أي الرؤيتين هي الأصدق؟ وفي حالة وجود خلل في رؤَى كُتّاب السِّيرة من المسلمين، فإننا عملنا على تصويب رؤاهم؛ لأنّ رؤية الباحث نفسه جزء من الرؤية الإسلامية بحكم تكوينه الثقافي والفكري.

صفحة 8

7- المصادر

اعتمدت في هذه الدراسة بصورة أساسية على المصادر الأولية؛ إذ إنها بحكم قرب عهدها بوقائع السِّيرة أقرب للصدق. ولم أستخدم المصادر المعاصرة إلا في نطاق ضيق، وذلك ليقيني أنّ بعض المراجع المعاصرة ذاتها لا تخلو من وجود مؤثرات استشراقية فيها. وفي نطاق المصادر الأولية، استفدتُ استفادة قصوى من القرآن الكريم ولا سيما في ما يتعلق بأحوال مكّة العامة، وفي ما يتعلق بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العلاقات العامة بين المسلمين واليهود والنصارى والمنافقين، وفي تفسير الغزوات. ولقد أفادتني تفاسير الطبري والزمخشري والشوكاني في استيعاب الآيات القرآنية. وأما كتب الحديث فقد استفدت من صحيح البخاري ومسلم وسنن ابن ماجه والترمذي ومسند الإمام أحمد.

وأَمدَّتني سيرة النبي لابن هشام وتفاسيرها (عيون الأثر) لابن سيد الناس و (الروض الأنف) للسهيلي بمادة غنية. وأما الواقدي فقد أفادني في مجال الغزوات، وطبقات ابن سعد كانت خير معين لي في أحداث الوفود، وكانت دراسات البيهقي (دلائل النبوة) وابن القيم (زاد المعاد) والقاضي عياض (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، وابن كثير (السيرة النبوية) ذات نفع كبير لي، ولا سيما أن مؤلفيها على درجة عالية في امتلاك الحس النقدي للروايات.

ولا تقل دراسات الطبري وابن الأثير وابن خلدون وابن الجوزي واليعقوبي والمسعودي والزرقاني أهمية عن هذه المصادر. ولقد زودتني دراسات أميل درمنغم (حياة محمد) وإدوارد سعيد (الاستشراق) والمسلاتي (الاستشراق السِّياسي) وعماد الدين خليل (منهج وات في كتابه محمد بمكة) بمعلومات قيمة استفدت منها في التمهيد والفصلين الأول والثاني، كما أنّ دراسة نجيب العقيقي عن (المستشرقين) كانت ذات نفع كبير لي في معرفة تراجم المستشرقين، وهذا ما يقال عن (الإصابة) لابن حجر في معرفة تراجم الصحابة، وغيرها من المراجع الكثيرة التي أثبتناها في قائمة المراجع.

صفحة 9

8- خطة الموضوع

تنقسم الدراسة إلى سبعة فصول ومقدمة وتمهيد وملاحق. في التمهيد أعطينا لمحة عامة عن الاستشراق وموقفه من الإسلام، وفي الفصل الأول تحدثنا عن منهج وات وبروكلمان وفلهاوزن في دراسة السِّيرة. أما في الفصل الثاني فقد حللنا رؤاهم للسيرة في العهد المكي. وفي الفصل الثالث درسنا آراءهم في تأسيس دولة المدينة ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم فيها وإصلاحاته. وفي الفصل الرابع ناقشنا معارضة المنافقين. وخصَّصنا الفصل الخامس لدراسة العلاقات الإسلامية - اليهودية. وخصصنا الفصل السادس لدراسة العلاقات الإسلامية - المسيحية. أما الفصل السابع والأخير، فقد تحدثنا فيه عن العلاقات الإسلامية بالقبائل العربية الوثنية، وهذا من خلال تقديم الطرح الاستشراقي. وختمنا الموضوع بخاتمة أوضحنا فيها ما توصلنا إليه من نتائج وما نوصي به. ثم ألحقنا بالدراسة بعض الملاحق لأهميتها في نطاق الدراسة.

على الرغم من أنّ هذه الخطة هدفت إلى دراسة الموضوع دراسة نوعية (منافقون، يهود، مسيحيون، وثنيون)، إلا أنّ الدراسة خرجت متشابكة؛ فمثلاً الأصول الإسلامية لعالمية الدعوة وجدتْ منذ العهد المكي، فإذا ناقشنا ذلك في الفصل الثاني فسرعان ما تواجهنا الإشكالية نفسها حينما نتطرق لرسائل النبي صلى الله عليه وسلم للرسل والملوك في العهد المدني، وقد يحسب هذا تكراراً، إلا أننا توسعنا في دراسة الواقعة حينما تصادفنا في أكثر من فصل. كما يلاحظ كذلك أن آراء وات أخذت حيزاً واسعاً في هذه الدراسة، تكاد تغطي على آراء بروكلمان وفلهاوزن، ولهذا ما يبرره؛ فدراسات وات في مجال السيرة النبوية تقع في ثلاثة مؤلفات، بينما بروكلمان وفلهاوزن قدما عرضاً مركَّزاً وسريعاً لأحداث السِّيرة في صفحات لا تتجاوز الخمسين صفحة لكل منهما في كتابيهما. لذلك لا غرابة في أن تنال آراء وات النصيب الأوفر في هذه الدراسة، لكن هذا لا يعني أنّ الباحث قد تجاهل آراء بروكلمان وفلهاوزن، فلقد نقد جميع آرائهما الخاطئة في مجال السِّيرة النبوية.

إن كان هناك شيء يجب تأكيده في خاتمة هذه المقدمة، فهو أنّ الباحث تناول فقط الآراء الخاطئة في كتابات وات وبروكلمان وفلهاوزن. ولا شك أنّ هناك آراء إيجابية كان من العسير تناولها، إذ إنّ تناولها يحتاج إلى مجلدات لنقد جميع ما كتبوه من الألف إلى الياء، وهذا غير ممكن. وقد وضعت في تصوري أنهم إذا أنصفوا بعض جوانب السِّيرة فهذا واجب كل باحث في البحث عن الحقيقة وإثباتها، كما أنّ إثبات الحقائق لا يتطلب منا تمجيد المستشرق، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كما أنّ احتمال الاختلاف وارد في نقدي لبعض آراء المستشرقين، لأنّ ما رأيته خطأ قد يراه غيري صواباً، والعكس صحيح. والشيء الأخير الذي يجب تأكيده هو أنّ الباحث لا يدَّعي نقده لجميع الآراء الخاطئة، وإن حاول جاهداً فِعْل ذلك، لكن تبقى قدرات الإنسان - مهما تسامت - محدودة وقاصرة، بل وعاجزة عن بلوغ الكمال أو حتى ملامسة حدوده.

صفحة 10

تمهيد

نحاول في هذا التمهيد إلقاء نظرة عامة توضح الخطوط العريضة للظروف التي أحاطت بنشأة الاستشراق، والمؤثرات التي لعبت دورها في تحديد مساره وأهدافه ووسائله التي استخدمها، وإبراز مواقفه تجاه الإسلام.