صفحة 1
مقدمة
غدت (( العولمة )) أحد أهم المصطلحات التى ذاعت خلال العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الآن - إن لم تكن أهم هذه المصطلحات على الإطلاق - فشغلت أذهان المفكرين ، والسياسيين، والاقتصاديين، وعلماء الاجتماع، والقانون ، وغيرهم ، فى أرجاء المعمورة . وأثارت جدلا واسعاً لم ينقطع بصورة مكثفة لم يسبق لها مثيل .
وقد حظيت هذه الظاهرة بالتناول من قبل الباحثين فى كل التخصصات والمجالات، على كل المستويات ، وأيضاً فى أحيان كثيرة من قبل غير المتخصصين ، حتى صار المصطلح مألوفاً ، لا يغيب عن ذهن أحد .
ولكن يبدو أن هـذا السـيل المتدفق من الكتابات والتناولات الأخرى لظاهرة (( العولمة )) قد ألقى بظلال كثيف حول هذه الظاهرة ، أفضى إلى كثير من سوء الفهم وأيضاً إلى كثير من الوهم .
وقد اختلفت الأنظار حول مفهوم (( العولمة )) باختلاف الزاوية والوجهة التى ينظر منها الباحث إلى هذه الظاهرة ، وباختلاف الموقع الحضارى والفكرى والأيديولوجى الذى ينطلق منه . وتراوحت وجهات النظر بين مؤيد لها بلا حدود أو تحفظ ، وبين رافض لها إلى أقصى مدى . وثمة من يتخذ موقفاً وسطاً يحاول فيه أن يوفِّق بين الوجود الموضوعى للظاهرة ، وإمكانية التحكم بها على نحو يمكن من جنى ثمارها وتجنب مخاطرها .
إن فهم هذه الظاهرة يقتضى التناول الموضوعى لها من خلال دراسة علمية تتعرف على حقيقتها وتجلياتها المتعددة ، ليتسنى بعد ذلك التعامل معها على نحو مناسب ، يسمح باقتناص إيجابياتها وأى فرص تتيحها ، وتحاشى سلبياتها .
وفى دراستنا هذه سنبدأ أولاً بالتعرف على ماهية العولمة ، ودراسة العوامل والأوضاع التى أفرزت هذه الظاهرة ، حيث إن كثيراً من ملامح هذه الظاهرة يرتبط بتلك الأوضاع التى أنتجتها . ثم نتناول هذه الظاهرة باعتبارها حقيقة موضوعية فى الواقع المعاصر ، ونحاول كشف أبعادها وتجلياتها العامة التى ستنتج عنها بالضرورة؛ كمحصلة للعوامل والظروف التى أفرزتها ، وذلك بصورة موضوعية لا تحمل موقفا محددا سلفاً منها . ثم نتناول بعد ذلك آثار هذه الظاهرة على وطننا العربى . وبطبيعة الحال سنتناول هنا دراسة هذه الآثار من وجهة نظر محددة ، وفق ما يمليه انتماؤنا إلى هذا الوطن بظروفه الخاصة المحددة .
وسنقتصر على دراسة الآثار السلبية للظاهرة ، وكيفية مواجهة هذه الآثار ، والحماية منها . وهو النطاق الذى حددناه لهذه الدراسة .
ولا يعنى حصر نطاق الدراسة فى الآثار السلبية للعولمة أننا قد حددنا موقفنا سلفاً منها ، أو أننا لا نرى جوانب إيجابية لها؛ بل كل ما فى الأمر أننا أردنا التركيز على الآثار السلبية للظاهرة وسبل الحماية منها . ومع ذلك يبقى المجال مفتوحاً لتناول الجوانب الإيجابية فى العولمة فى دراسات أخرى .
وبناءً على ما سبق تتحدد خطة هذه الدراسة : فنبدأ فى الفصل الأول بالتعرف على ماهية العولمة من خلال تعريف المصطلح والتمييز بينه وبين ما قد يشتبه به من مصطلحات ، وبيان الظروف التى أنتجت هذه الظاهرة ، والتجليات العامة لها المرتبطة بتلك الظروف التى أنتجتها ، ونتناول فى الفصل الثانى الآثار السلبية لهذه الظاهرة على مجتمعاتنا العربية ، ونخصص الفصل الثالث لبيان كيفية الحماية من تلك الآثار ، ثم نأتى إلى خاتمة الدراسة . سائلين المولى سبحانه وتعالى التوفيق والسداد .
غدت (( العولمة )) أحد أهم المصطلحات التى ذاعت خلال العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الآن - إن لم تكن أهم هذه المصطلحات على الإطلاق - فشغلت أذهان المفكرين ، والسياسيين، والاقتصاديين، وعلماء الاجتماع، والقانون ، وغيرهم ، فى أرجاء المعمورة . وأثارت جدلا واسعاً لم ينقطع بصورة مكثفة لم يسبق لها مثيل .
وقد حظيت هذه الظاهرة بالتناول من قبل الباحثين فى كل التخصصات والمجالات، على كل المستويات ، وأيضاً فى أحيان كثيرة من قبل غير المتخصصين ، حتى صار المصطلح مألوفاً ، لا يغيب عن ذهن أحد .
ولكن يبدو أن هـذا السـيل المتدفق من الكتابات والتناولات الأخرى لظاهرة (( العولمة )) قد ألقى بظلال كثيف حول هذه الظاهرة ، أفضى إلى كثير من سوء الفهم وأيضاً إلى كثير من الوهم .
وقد اختلفت الأنظار حول مفهوم (( العولمة )) باختلاف الزاوية والوجهة التى ينظر منها الباحث إلى هذه الظاهرة ، وباختلاف الموقع الحضارى والفكرى والأيديولوجى الذى ينطلق منه . وتراوحت وجهات النظر بين مؤيد لها بلا حدود أو تحفظ ، وبين رافض لها إلى أقصى مدى . وثمة من يتخذ موقفاً وسطاً يحاول فيه أن يوفِّق بين الوجود الموضوعى للظاهرة ، وإمكانية التحكم بها على نحو يمكن من جنى ثمارها وتجنب مخاطرها .
إن فهم هذه الظاهرة يقتضى التناول الموضوعى لها من خلال دراسة علمية تتعرف على حقيقتها وتجلياتها المتعددة ، ليتسنى بعد ذلك التعامل معها على نحو مناسب ، يسمح باقتناص إيجابياتها وأى فرص تتيحها ، وتحاشى سلبياتها .
وفى دراستنا هذه سنبدأ أولاً بالتعرف على ماهية العولمة ، ودراسة العوامل والأوضاع التى أفرزت هذه الظاهرة ، حيث إن كثيراً من ملامح هذه الظاهرة يرتبط بتلك الأوضاع التى أنتجتها . ثم نتناول هذه الظاهرة باعتبارها حقيقة موضوعية فى الواقع المعاصر ، ونحاول كشف أبعادها وتجلياتها العامة التى ستنتج عنها بالضرورة؛ كمحصلة للعوامل والظروف التى أفرزتها ، وذلك بصورة موضوعية لا تحمل موقفا محددا سلفاً منها . ثم نتناول بعد ذلك آثار هذه الظاهرة على وطننا العربى . وبطبيعة الحال سنتناول هنا دراسة هذه الآثار من وجهة نظر محددة ، وفق ما يمليه انتماؤنا إلى هذا الوطن بظروفه الخاصة المحددة .
وسنقتصر على دراسة الآثار السلبية للظاهرة ، وكيفية مواجهة هذه الآثار ، والحماية منها . وهو النطاق الذى حددناه لهذه الدراسة .
ولا يعنى حصر نطاق الدراسة فى الآثار السلبية للعولمة أننا قد حددنا موقفنا سلفاً منها ، أو أننا لا نرى جوانب إيجابية لها؛ بل كل ما فى الأمر أننا أردنا التركيز على الآثار السلبية للظاهرة وسبل الحماية منها . ومع ذلك يبقى المجال مفتوحاً لتناول الجوانب الإيجابية فى العولمة فى دراسات أخرى .
وبناءً على ما سبق تتحدد خطة هذه الدراسة : فنبدأ فى الفصل الأول بالتعرف على ماهية العولمة من خلال تعريف المصطلح والتمييز بينه وبين ما قد يشتبه به من مصطلحات ، وبيان الظروف التى أنتجت هذه الظاهرة ، والتجليات العامة لها المرتبطة بتلك الظروف التى أنتجتها ، ونتناول فى الفصل الثانى الآثار السلبية لهذه الظاهرة على مجتمعاتنا العربية ، ونخصص الفصل الثالث لبيان كيفية الحماية من تلك الآثار ، ثم نأتى إلى خاتمة الدراسة . سائلين المولى سبحانه وتعالى التوفيق والسداد .
صفحة 2
الفصل الأول
ماهيَّــة العولمــة
تمهيد وتقسيم :
رغم ذيوع مصطلح (( العولمة )) فى كل أنحاء المعمورة ، ولدى الباحثين فى كل النشاطات الإنسانية تقريباً؛ حيث لا تكاد تخلو وسيلة إعلامية أو منبر ثقافى من تناول المصطلح بشكل أو بآخر ومن وقت إلى آخر منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضى وحتى الآن؛ إلا أن الاختلافات حول دلالات هذا المصطلح بين مستخدميه ضلت قائمة، بل ربما كان ذلك الطوفان الغامر من الكتابات التى تتناول العولمة سبباً آخر لإثارة البلبلة حول مفهوم المصطلح ، وخاصة أن استخدام المصطلح لم يقتصر على الباحثين المتخصصين ، بل صار فى الحقيقة مضغة يلوكها كل من أتيحت له فرصة الإطلال من أية وسيلة إعلامية أو منبر ثقافى . ويلاحظ أن القليل من تلك التناولات هى التى تهتم بتقديم تعريف للمصطلح وبيان ماهيته ، أما أغلبيتها فتستغنى عن ذلك بشيوع استخدام المصطلح ، ولا ترى معه حاجة لتعريفه وبيان ماهيته .
ولكننا نعتقد أن من الأهمية بمكان التعرُّف أولاً على ماهية الظاهرة حتى يمكن لنا فهم آثارها ، والحكم عليها بعد ذلك برؤية واضحة وفق منهج سليم .
إن التعرف على ماهية العولمة يقتضى التعريف بالمصطلح أولاً ، والتمييز بينه وبين ما قد تشتبه به من مصطلحات أخرى ، وبيان الظروف التى هيأت لبروز ظاهرة العولمة، ثم التعرف على التجليات العامة للظاهرة؛ المرتبطة بالظروف والأوضاع التى أنتجت هذه الظاهرة . وهو ما نتناوله فى هذا الفصل ، من خلال المبحثين التاليين :
المبحث الأول : فى تعريف العولمة ، والتمييز بينها وبين ما قد تشتبه بها من مصطلحات .
المبحث الثانى : الظروف التى أنتجت العولمة ، والتجليات العامة للظاهرة .
ماهيَّــة العولمــة
تمهيد وتقسيم :
رغم ذيوع مصطلح (( العولمة )) فى كل أنحاء المعمورة ، ولدى الباحثين فى كل النشاطات الإنسانية تقريباً؛ حيث لا تكاد تخلو وسيلة إعلامية أو منبر ثقافى من تناول المصطلح بشكل أو بآخر ومن وقت إلى آخر منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضى وحتى الآن؛ إلا أن الاختلافات حول دلالات هذا المصطلح بين مستخدميه ضلت قائمة، بل ربما كان ذلك الطوفان الغامر من الكتابات التى تتناول العولمة سبباً آخر لإثارة البلبلة حول مفهوم المصطلح ، وخاصة أن استخدام المصطلح لم يقتصر على الباحثين المتخصصين ، بل صار فى الحقيقة مضغة يلوكها كل من أتيحت له فرصة الإطلال من أية وسيلة إعلامية أو منبر ثقافى . ويلاحظ أن القليل من تلك التناولات هى التى تهتم بتقديم تعريف للمصطلح وبيان ماهيته ، أما أغلبيتها فتستغنى عن ذلك بشيوع استخدام المصطلح ، ولا ترى معه حاجة لتعريفه وبيان ماهيته .
ولكننا نعتقد أن من الأهمية بمكان التعرُّف أولاً على ماهية الظاهرة حتى يمكن لنا فهم آثارها ، والحكم عليها بعد ذلك برؤية واضحة وفق منهج سليم .
إن التعرف على ماهية العولمة يقتضى التعريف بالمصطلح أولاً ، والتمييز بينه وبين ما قد تشتبه به من مصطلحات أخرى ، وبيان الظروف التى هيأت لبروز ظاهرة العولمة، ثم التعرف على التجليات العامة للظاهرة؛ المرتبطة بالظروف والأوضاع التى أنتجت هذه الظاهرة . وهو ما نتناوله فى هذا الفصل ، من خلال المبحثين التاليين :
المبحث الأول : فى تعريف العولمة ، والتمييز بينها وبين ما قد تشتبه بها من مصطلحات .
المبحث الثانى : الظروف التى أنتجت العولمة ، والتجليات العامة للظاهرة .
صفحة 3
المبحث الأول:فى تعريف العولمة والتمييز بينها وبين ما قد تشتبه بها من مصطلحات
أولاً : فى تعريف العولمة :
ظهر مصطلح (( العولمة )) أولاً باللغـة الإنجليزية ثم تُرجم إلى اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية . وإلى جانب كلمة (( العولمة )) جرى تداول كلمات أخرى فى اللغة العـربية ترجمةً لِلَّفظ الإنجليزى (( Globalization )) منهـا : (( الكوكبة )) و (( الكونية )) و (( الكوننة )) ووُجِد متحمسون لكل كلمة من هذه الكلمات ، ولكلٍ منهم حججه فى ذلك ، ولكن يبدو الآن غلبة لفظ (( العولمة )) على غيره من الألفاظ الأخرى للدلالة على هذه الظاهرة .
والعولمة فى اللغة اسم مصدر على وزن (( فوعلة )) مشتق من كلمة (( العالَم )) نحو (( القولبة )) المشتقة من كلمة (( القالب )) . وتشى هذه الصيغة عن وجود فاعل يقوم بالفعل(1) . فإذا كانت القولبة هى : جعل الشيء فى شكل القالب الذى يحتويه ، فالعولمة تعنى جعل النشاطات الإنسانية فى نطاق عالمى ، بمعنى جعل العالم كله مجالاً للنشاطات الإنسانية المتعددة .
ونظراً لأن هذه الظاهرة لا تزال قيد التشكُّل ولم تتحدد ملامحها كاملة بصورة نهائية ، بالإضافة إلى اتساع نطاق هذه الظاهرة وشمولها كافة الأنشطة الإنسانية تقريباً ، وتركيز بعض الباحثين على جانب معين أو جوانب معينة من تجلياتها المتعددة عند دارستها؛ إلى جانب أن هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة اجتماعية إنسانية ستختلف حولها وجهات النظر بالضرورة؛ نظراً لاختلاف ظروف الواقع الذى ينطلق منه الباحث لفهم هذه الظاهرة عن ظروف واقع آخر ، ونظراً لاختلاف المرجعية الفكرية والثقافية التى يقيِّم الظاهرة على أساسها؛ كل ذلك أدى إلى الاختلاف والتباين فى تعريف هذه الظاهرة . فبعض الباحثين ركَّز على الجانب الاقتصادى منها, فذهب إلى أنَّ (( العولمة ربما اتسمت عملياً بأنها سلسلة من الظواهر الاقتصادية المتصلة فى جوهرها؛ وهذه تشمل تحرير الأسواق ورفع القيود عنها ، وخصخصة الأصول ، وتراجع وظائف الدولة ولاسيما ما يتعلق منها بالرفاهية الاجتماعية وانتشار التقنية ، وتوزيع الإنتاج التصنيعى عبر الحدود ( الاستثمار الأجنبى المباشر) ، وتكامل أسواق رأس المال . وتشير العولمة - فى قالبها الاقتصادى الأضيق - إلى انتشار المبيعات ، ومنشئات الإنتاج ، وعمليات التصنيع على مستوى العالم، والتى تعيد معاً تشكيل تقسيم العمل عالمياً ))(2) . وفى نفس الاتجاه يشير بعض الباحثين إلى (( أن العولمة هى وصول الرأسمالية التاريخية عند منعطف القرن العشرين تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتجارة والسوق والاستخراج إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها ، أى حقبةثالثة متميزة تنضاف إلى مرحلتى الاستعمار التجارى الأولى ومرحلة الإمبريالية الكلاسيكية اللاحقة ))(3) . وركَّز بعض الكاتبين على البعد الاتصالى للعولمة فقال : (( إن العولمة يمكن تلخيصها فى كلمتين : كثافة انتقال المعلومات وسرعتها إلى درجة أصبحنا نشعر أننا نعيش فىعالمواحدموحد ))(4) . وبعضهم أشار إلى أن : (( جوهر عملية العولمة يتمثل فى سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول، على النطاق الكونى))(5) . ونحوه القول : (( إن العولمة تمثل تطوراً طبيعياً وثابتًا نحو عالم بلا حدود ))(6) ، أى أنها نتيجة تطور طبيعى لنزوع الإنسانية نحوالتواصـل والاندماج . وفى نفس الاتجاه ولكن بشـكل أكثر تفصيلاً يعرِّف بعض الباحثين العولمة بأنها (( عملية اجتماعية تنحسر فيها قيود الحدود الجغرافية أو السياسية فى تقرير الترتيبات السياسية والاقتصادية والثقافية ، وأن الناس يدركون بازدياد أن هذه القيود آخذة فى الانحسار ))(7) .
والغالب على التعريفات السابقة أنها تنظر للعولمة باعتبارها تطورا طبيعيا فى الحياة الإنسانية على عكس التعريفات التالية التى سنوردها والتى تنحو منحى آخر تؤكِّد على وجود قوى تسيِّر هذه الظاهرة وتحدِّد ملامحها . فيرى بعض الباحثين : (( أن العولمة تمثل مرحلة متقدمة من مراحل تطور الحضارة الرأسمالية وتسعى إلى تصدير القيم والمؤسسات والثقافات التى ولدتها هذه الحضارة إلى المجتمعات والثقافات الأخرى ، ويتمثل ذلك فى سياسات الانفتاح التحررى والاقتصاد العالمى ، من خلال ما تلعبه المؤسسات الاقتصادية والتجارية من دور مهم فى تسويق العولمة وحث الدول على إزالة القيود التجارية والموانع الثقافية سعياً لإزالة الحدود المجتمعية الفاصلة ، وفرض نموذج محدد من نمط الحياة التى تفرزه الحضارة الغربية بهدف الهيمنة والسيطرة على العالم ))(8). ويقول أحد الباحثين (( فعلى كثرة التعريفات التى تطلق على العولمة ، فإنه لا يبقى أمامنا غيرتعريفواحد لا يحتاج إلى جهد كبير للحاق به ، فالعولمة هنا تعنى ... (الأمركة) بكل وضوح ))(9) . ويذهب آخر إلى أن العولمة هى (( فرض تغيرات قاسية على المجتمعات المحلية بواسطة قوى جبارة من الأعلى ))(10) . ويرى آخر أن (( العولمة هى ما اعتدنا فى العالم الثالث ولعدة قرون أن نطلقعليه (( الاستعمار )) . ))(11) .
ومن جانبنا سـنكتفى هنا بإيراد تعريف أوَّلى للعولمة يتنـاولها كحقيقة موضـوعية موجودة فى الواقع وبصـورة مجردة ومحايدة ولا يكشـف عن موقف إيجابى أو سلبى منها .
وهذا التعريف الذى نرتضيه للظاهرة هو : أن العولمة تعنى جعل العالَم مجالاً لممارسة النشاطات المتعددة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ... الخ . أو بمعنى آخر إمكانية ممارسة النشاطات المتعددة على مستوى العالم دون أية قيود أو حواجز .
وميزة هذا التعريف الذى نختاره أنه يتناول الظاهرة كواقع موضوعى دون محاولة إضفاء وصف إيجابى أو سلبى عليها . وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنهجية للظاهرة، إذ إن تقييم هذه الظاهرة ومعرفة آثارها وتجلياتها ، إيجابية كانت أو سلبية ينبغى أن يأتى فى مرحلة لاحقة بعد فهم أساس وطبيعة الظاهرة أولاً .
أولاً : فى تعريف العولمة :
ظهر مصطلح (( العولمة )) أولاً باللغـة الإنجليزية ثم تُرجم إلى اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية . وإلى جانب كلمة (( العولمة )) جرى تداول كلمات أخرى فى اللغة العـربية ترجمةً لِلَّفظ الإنجليزى (( Globalization )) منهـا : (( الكوكبة )) و (( الكونية )) و (( الكوننة )) ووُجِد متحمسون لكل كلمة من هذه الكلمات ، ولكلٍ منهم حججه فى ذلك ، ولكن يبدو الآن غلبة لفظ (( العولمة )) على غيره من الألفاظ الأخرى للدلالة على هذه الظاهرة .
والعولمة فى اللغة اسم مصدر على وزن (( فوعلة )) مشتق من كلمة (( العالَم )) نحو (( القولبة )) المشتقة من كلمة (( القالب )) . وتشى هذه الصيغة عن وجود فاعل يقوم بالفعل(1) . فإذا كانت القولبة هى : جعل الشيء فى شكل القالب الذى يحتويه ، فالعولمة تعنى جعل النشاطات الإنسانية فى نطاق عالمى ، بمعنى جعل العالم كله مجالاً للنشاطات الإنسانية المتعددة .
ونظراً لأن هذه الظاهرة لا تزال قيد التشكُّل ولم تتحدد ملامحها كاملة بصورة نهائية ، بالإضافة إلى اتساع نطاق هذه الظاهرة وشمولها كافة الأنشطة الإنسانية تقريباً ، وتركيز بعض الباحثين على جانب معين أو جوانب معينة من تجلياتها المتعددة عند دارستها؛ إلى جانب أن هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة اجتماعية إنسانية ستختلف حولها وجهات النظر بالضرورة؛ نظراً لاختلاف ظروف الواقع الذى ينطلق منه الباحث لفهم هذه الظاهرة عن ظروف واقع آخر ، ونظراً لاختلاف المرجعية الفكرية والثقافية التى يقيِّم الظاهرة على أساسها؛ كل ذلك أدى إلى الاختلاف والتباين فى تعريف هذه الظاهرة . فبعض الباحثين ركَّز على الجانب الاقتصادى منها, فذهب إلى أنَّ (( العولمة ربما اتسمت عملياً بأنها سلسلة من الظواهر الاقتصادية المتصلة فى جوهرها؛ وهذه تشمل تحرير الأسواق ورفع القيود عنها ، وخصخصة الأصول ، وتراجع وظائف الدولة ولاسيما ما يتعلق منها بالرفاهية الاجتماعية وانتشار التقنية ، وتوزيع الإنتاج التصنيعى عبر الحدود ( الاستثمار الأجنبى المباشر) ، وتكامل أسواق رأس المال . وتشير العولمة - فى قالبها الاقتصادى الأضيق - إلى انتشار المبيعات ، ومنشئات الإنتاج ، وعمليات التصنيع على مستوى العالم، والتى تعيد معاً تشكيل تقسيم العمل عالمياً ))(2) . وفى نفس الاتجاه يشير بعض الباحثين إلى (( أن العولمة هى وصول الرأسمالية التاريخية عند منعطف القرن العشرين تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتجارة والسوق والاستخراج إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها ، أى حقبةثالثة متميزة تنضاف إلى مرحلتى الاستعمار التجارى الأولى ومرحلة الإمبريالية الكلاسيكية اللاحقة ))(3) . وركَّز بعض الكاتبين على البعد الاتصالى للعولمة فقال : (( إن العولمة يمكن تلخيصها فى كلمتين : كثافة انتقال المعلومات وسرعتها إلى درجة أصبحنا نشعر أننا نعيش فىعالمواحدموحد ))(4) . وبعضهم أشار إلى أن : (( جوهر عملية العولمة يتمثل فى سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول، على النطاق الكونى))(5) . ونحوه القول : (( إن العولمة تمثل تطوراً طبيعياً وثابتًا نحو عالم بلا حدود ))(6) ، أى أنها نتيجة تطور طبيعى لنزوع الإنسانية نحوالتواصـل والاندماج . وفى نفس الاتجاه ولكن بشـكل أكثر تفصيلاً يعرِّف بعض الباحثين العولمة بأنها (( عملية اجتماعية تنحسر فيها قيود الحدود الجغرافية أو السياسية فى تقرير الترتيبات السياسية والاقتصادية والثقافية ، وأن الناس يدركون بازدياد أن هذه القيود آخذة فى الانحسار ))(7) .
والغالب على التعريفات السابقة أنها تنظر للعولمة باعتبارها تطورا طبيعيا فى الحياة الإنسانية على عكس التعريفات التالية التى سنوردها والتى تنحو منحى آخر تؤكِّد على وجود قوى تسيِّر هذه الظاهرة وتحدِّد ملامحها . فيرى بعض الباحثين : (( أن العولمة تمثل مرحلة متقدمة من مراحل تطور الحضارة الرأسمالية وتسعى إلى تصدير القيم والمؤسسات والثقافات التى ولدتها هذه الحضارة إلى المجتمعات والثقافات الأخرى ، ويتمثل ذلك فى سياسات الانفتاح التحررى والاقتصاد العالمى ، من خلال ما تلعبه المؤسسات الاقتصادية والتجارية من دور مهم فى تسويق العولمة وحث الدول على إزالة القيود التجارية والموانع الثقافية سعياً لإزالة الحدود المجتمعية الفاصلة ، وفرض نموذج محدد من نمط الحياة التى تفرزه الحضارة الغربية بهدف الهيمنة والسيطرة على العالم ))(8). ويقول أحد الباحثين (( فعلى كثرة التعريفات التى تطلق على العولمة ، فإنه لا يبقى أمامنا غيرتعريفواحد لا يحتاج إلى جهد كبير للحاق به ، فالعولمة هنا تعنى ... (الأمركة) بكل وضوح ))(9) . ويذهب آخر إلى أن العولمة هى (( فرض تغيرات قاسية على المجتمعات المحلية بواسطة قوى جبارة من الأعلى ))(10) . ويرى آخر أن (( العولمة هى ما اعتدنا فى العالم الثالث ولعدة قرون أن نطلقعليه (( الاستعمار )) . ))(11) .
ومن جانبنا سـنكتفى هنا بإيراد تعريف أوَّلى للعولمة يتنـاولها كحقيقة موضـوعية موجودة فى الواقع وبصـورة مجردة ومحايدة ولا يكشـف عن موقف إيجابى أو سلبى منها .
وهذا التعريف الذى نرتضيه للظاهرة هو : أن العولمة تعنى جعل العالَم مجالاً لممارسة النشاطات المتعددة الاقتصادية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ... الخ . أو بمعنى آخر إمكانية ممارسة النشاطات المتعددة على مستوى العالم دون أية قيود أو حواجز .
وميزة هذا التعريف الذى نختاره أنه يتناول الظاهرة كواقع موضوعى دون محاولة إضفاء وصف إيجابى أو سلبى عليها . وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنهجية للظاهرة، إذ إن تقييم هذه الظاهرة ومعرفة آثارها وتجلياتها ، إيجابية كانت أو سلبية ينبغى أن يأتى فى مرحلة لاحقة بعد فهم أساس وطبيعة الظاهرة أولاً .
صفحة 4
ثانياً : تمييز مصطلح العولمة عما قد تشتبه به من مصطلحات :
هناك بعض المصطلحات التى قد تبدو قريبة من مصطلح (( العولمة )) لاشتباهها به لفظياً ، ولكن لا صـلة لهـا بالعولمة كمفهوم محدد . ومن تلك المصطلحات التى قد تشـتبه بمصطلح (( العولمة )) : مصطلح (( العالمية )) ومصطلح (( الدولية )) الأمر الذى يدعو إلى التمييز بين هذين المصطلحين ومصطلح العولمة؛ لتجنب اللبس بين هذه المصطلحات .
( أ ) - العولمة والعالمية :
يقصد بمصطلح العالمية : تلك الدعوة إلى تبنِّى القضايا والهموم المشتركة للبشر جميعاً ، والسعى لتسخير إمكانيات العالم لصالح الإنسانية جمعاء؛ باعتبار البشر جميعاً شركاء فى هذا العالم . فالعالمية بهذا المفهوم دعوة أخلاقية تسعى لجلب الخير للناس جميعاً ، وتجنيبهم المخاطر والشرور .
وقد جاءت دعوة الأديان السماوية تخاطب الناس جميعاً ، وتنشد الخير والصلاح لهم أجمعين ، يقول سبحانه وتعالى ( وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ((12) .
وفى إطار مفهوم العالمية بهذا المعنى تأتى دعوات المفكرين والمصلحين فى الأمم المختلفة الذين تبنوا قِيَم الخير والمحبة بمعناها الشامل فى العالم كله ، ونظروا إلى الجنس البشرى نظرة واحدة ، دون تفرقة أو تمييز بين جنس وآخر وأمة وأخرى ، مستهدفين تحقيق مصلحة البشر جميعاً .
وفى ظل هذا المفهوم تأتى دعوات توحيد الجهود فى العالم كله لتحقيق مصالح عامة للبشرية ، أو درء الأخطار عنها ، ومنها على سبيل المثال : الدعوة لتكثيف الجهود العالمية لاكتشاف مصادر جديدة للغذاء أو الطاقة ، والبحث عن حلول لمعالجة ظاهرة الاحتباس الحرارى ، ومواجهة ظاهرة انتشار المخدرات ، وعلاج الأوبئة المنتشرة، ومواجهة خطر أسلحة الدمار الشامل .
وليس لمفهوم العالمية هذا أية علاقة بمفهوم العولمة . فالعولمة تعنى فقط جعل العالم مجالاً لممارسة أى نشاط : اقتصادى ، أو اجتماعى ، أو سياسى ، أو ثقافى . . . الخ . أى إمكانية ممارسة النشاطات المختلفة الاقتصادية والثقافية والسياسية . . . الخ على مستوى العالم . بغض النظر بعد ذلك عن أن يكون هذا النشاط إيجابياً أو سلبياً ، نافعاً أو ضاراً ، وبغض النظر عن الجهة التى تقوم بهذا النشاط .
فلا تعنى العولمة أكثر من توسيع مجال ممارسة النشاط الذى كان يتم عادة فى المجال الوطنى أو القومى ليصبح العالم كله مجالاً له .
(ب) - العولمة والتدويل :
يقصد بمصطلح (( التدويل )) : جعل قضية من القضايا محور اهتمام أو تدخل أو نشاط دول عدة . أما العولمة فهى - كما أشرنا - وصف لظاهرة تعنى إمكانية القيام بنشاط ما على مستوى العالم دون اعتبار أى كيانات أو حدود أو حواجز داخله . فالعولمة تتعامل مع العالم كرقعة واحدة أو كيان واحد بغض النظر عن أية حدود سياسية أو عوامل جغرافية أو غيرها ، أما التدويل ففيه إشارة إلى أن هناك كيانات متميزة ومتعددة هى الدول تتجه إلى القيام بدور ما فى قضية من القضايا . فلكل من المصطلحين معنى محدد مختلف عن الآخر ، ولا صلة بينهما .
هناك بعض المصطلحات التى قد تبدو قريبة من مصطلح (( العولمة )) لاشتباهها به لفظياً ، ولكن لا صـلة لهـا بالعولمة كمفهوم محدد . ومن تلك المصطلحات التى قد تشـتبه بمصطلح (( العولمة )) : مصطلح (( العالمية )) ومصطلح (( الدولية )) الأمر الذى يدعو إلى التمييز بين هذين المصطلحين ومصطلح العولمة؛ لتجنب اللبس بين هذه المصطلحات .
( أ ) - العولمة والعالمية :
يقصد بمصطلح العالمية : تلك الدعوة إلى تبنِّى القضايا والهموم المشتركة للبشر جميعاً ، والسعى لتسخير إمكانيات العالم لصالح الإنسانية جمعاء؛ باعتبار البشر جميعاً شركاء فى هذا العالم . فالعالمية بهذا المفهوم دعوة أخلاقية تسعى لجلب الخير للناس جميعاً ، وتجنيبهم المخاطر والشرور .
وقد جاءت دعوة الأديان السماوية تخاطب الناس جميعاً ، وتنشد الخير والصلاح لهم أجمعين ، يقول سبحانه وتعالى ( وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ((12) .
وفى إطار مفهوم العالمية بهذا المعنى تأتى دعوات المفكرين والمصلحين فى الأمم المختلفة الذين تبنوا قِيَم الخير والمحبة بمعناها الشامل فى العالم كله ، ونظروا إلى الجنس البشرى نظرة واحدة ، دون تفرقة أو تمييز بين جنس وآخر وأمة وأخرى ، مستهدفين تحقيق مصلحة البشر جميعاً .
وفى ظل هذا المفهوم تأتى دعوات توحيد الجهود فى العالم كله لتحقيق مصالح عامة للبشرية ، أو درء الأخطار عنها ، ومنها على سبيل المثال : الدعوة لتكثيف الجهود العالمية لاكتشاف مصادر جديدة للغذاء أو الطاقة ، والبحث عن حلول لمعالجة ظاهرة الاحتباس الحرارى ، ومواجهة ظاهرة انتشار المخدرات ، وعلاج الأوبئة المنتشرة، ومواجهة خطر أسلحة الدمار الشامل .
وليس لمفهوم العالمية هذا أية علاقة بمفهوم العولمة . فالعولمة تعنى فقط جعل العالم مجالاً لممارسة أى نشاط : اقتصادى ، أو اجتماعى ، أو سياسى ، أو ثقافى . . . الخ . أى إمكانية ممارسة النشاطات المختلفة الاقتصادية والثقافية والسياسية . . . الخ على مستوى العالم . بغض النظر بعد ذلك عن أن يكون هذا النشاط إيجابياً أو سلبياً ، نافعاً أو ضاراً ، وبغض النظر عن الجهة التى تقوم بهذا النشاط .
فلا تعنى العولمة أكثر من توسيع مجال ممارسة النشاط الذى كان يتم عادة فى المجال الوطنى أو القومى ليصبح العالم كله مجالاً له .
(ب) - العولمة والتدويل :
يقصد بمصطلح (( التدويل )) : جعل قضية من القضايا محور اهتمام أو تدخل أو نشاط دول عدة . أما العولمة فهى - كما أشرنا - وصف لظاهرة تعنى إمكانية القيام بنشاط ما على مستوى العالم دون اعتبار أى كيانات أو حدود أو حواجز داخله . فالعولمة تتعامل مع العالم كرقعة واحدة أو كيان واحد بغض النظر عن أية حدود سياسية أو عوامل جغرافية أو غيرها ، أما التدويل ففيه إشارة إلى أن هناك كيانات متميزة ومتعددة هى الدول تتجه إلى القيام بدور ما فى قضية من القضايا . فلكل من المصطلحين معنى محدد مختلف عن الآخر ، ولا صلة بينهما .
صفحة 5
المبحث الثانى : الظروف التى أنتجت العولمة والتجليات العامة للظاهرة
أولاً : الظروف التى أنتجت العولمة :
شهد التاريخ الإنسانى فى مراحل عدة منه وقائع معينة كان من شأنها حصول تقارب وترابط بين الكيانات الاجتماعية والسياسية القائمة ، وتحقيق الانفتاح فيما بينها على نحو معين . ولكن هل يمكن اعتبار كل من تلك الوقائع صورة من صور الظاهرة المعروفة بالعولمة التى نشهدها منذ أواخر القرن العشرين؟ . أو هل يمكن اعتبار تلك الوقائع حلقات فى سلسلة متصلة تمثل العولمة المعاصرة آخر حلقاتها؟ . أم أن هذه الظاهرة المعاصرة المعروفة بالعولمة هى ظاهرة جديدة متميزة ومختلفة عن أى وقائع تاريخية أخرى قد تشتبه بها ، وأنها إفراز لظروف معينة برزت أخيراً عند غروب القرن العشرين؟ .
يذهب بعض الباحثين إلى أن (( للعولمة تاريخاً قديماً ، وبالتالى ليست نتاج العقود الماضية التى أزدهر فيها مفهوم العولمة وذاع وانتشر ))(13) . وهناك من حاول رصد مراحل متتابعة لتطور العولمة حددها بمراحل خمس(14) : المرحلة الأولى، المرحلة الجنينية: من بداية القرن الخامس عشر الميلادى ، وحتى منتصف القرن الثامن عشر ، حيث نمت المجتمعات القومية وحطمت بعض القيود التى كانت سائدة فى العصور الوسطى وتعمقت الأفكار الخاصة بالفرد والإنسانية . والمرحلة الثانية ، مرحلة النشوء : التى استمرت فى أوربا من منتصف القرن الثامن عشر حتى سنة1870م حيث أخذت تتبلور المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية ، ونشوء مفهوم أكثر تحديداً للإنسانية وزيادة الاتفاقات الدولية ، وبدء الاهتمام بموضوع القومية والعالمية . والمرحلة الثالثة ، مرحلة الانطلاق : التى استمرت من عام 1870م وحتى العشرينيات من القرن العشرين ، وفيها ظهرت مفاهيم كونية واضحة تُركِّز على المجتمع العالمى الواحد ، وبدأت عملية الصياغة الدولية للأفكار الخاصة بالإنسانية ومحاولة تطبيقها ، وتمت المنافسات الكونية مثل الألعاب الأولمبية وجوائز نوبل. والمرحلة الرابعة : مرحلة الصراع من أجل الهيمنة: من العشرينيات حتى منتصف الستينيات ، وفى هذه المرحلة نشأت صراعات كونية من أجل الهيمنة العالمية والكونية بما فيها المنافسة للوصول إلى القمر ، والتهديد بالفناء النووى الجماعى ، إلى جانب الاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته من قبل مؤسسات المجتمع المدنى على الصعيد العالمى . والمرحلة الخامسة ، مرحلة عدم اليقين : منذ الستينيات ، وفيها تصاعد الوعى الكونى ، وشهدت المرحلة نهاية الحرب الباردة ، وزادت إلى حد كبير المؤسسات الكونية والحركات العالمية ، وأصبح النظام الكونى أكثر سيولة .
وفى نفس هذا الاتجاه سار باحث آخر(15) وأشار إلى وجود خمس موجات من العولمة قبل بروز الموجة الأخيرة منها : الموجة الأولى : هى انتشار الأديان وقيام المدنيات العابرة للقارات ، حيث سادت المسيحية أوروبا عبر تبنى الإمبراطورية الرومانية لها ديناً رسمياً كما انتشرت فى أفريقيا أيضاً ، وانتشرت الهندوسية فى جنوبى شرقى آسيا من الصين إلى إندنوسيا ، وانتقلت البوذية من الهند إلى الصين وإلى كوريا واليابان ، ومع بداية القرن الثامن الميلادى ساد الإسلام فى أسبانيا والعالم العربى وحتى آسيا الوسطى والسند . أى أنه خلال هذه الفترة كانت الأديان قد استقرت باعتبارها ثقافات عبر قبلية وعبر إمبراطورية ، وإن لم تشمل العالم كله لكنها واسعة الانتشار عبر القارات والمحيطات . والموجة الثانية من العولمة كانت خلال الغزوات الاستعمارية الأوروبية مع الاكتشافات البحرية التى بدأت أواخر القرن الخامس عشر الميلادى ، وظلت تتصاعد على مدى مائة عام، وكانت التجارة فى السـلع العالمية القيِّمة حينذاك ( التوابل ) ، ونهب واستخراج المعادن الثمينة ، وعبودية المزارع؛ هى الأركان الأساسية للنظام العالمى حينذاك ، وكانت هذه الفترة بالنسبة لاثنتين من قارات العالم كارثة بكل المقاييس : إبادة سكان الأمريكتين وفتح أفريقيا أمام تجارة العبيد عبر الأطلنطى . كما كان ذلك زمن قيام العوالم الجديدة فى الأمريكتين وسيطرة الإمبراطورية الأوروبية الجديدة على أرجاء العالم . الموجة الثالثة من العولمة كانت ناتجة هذه المرة عن صراعات قوى أوربية داخلية خالصة ، فكانت تلك السلسلة الأولى من الحروب العالمية التى وضعت بريطانيا وفرنسـا فى مواجهة بعضهما بعضا وغيرت منظومة التحالفات ، لا فى أوروبا وحدها بل فى العـالم أجمع ، وهذه الحروب التى عادة ما تُعرف باسـم (( حروب الأسبان )) أو (( حروب انتقال العرش النمساوى )) الممتدة من 1700م - 1815م . ثم جاءت الموجة الرابعة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى العام 1918م مرحلة ذروة الاستعمار الأوروبى ، وكانت هذه الموجة مدفوعة بالتجارة الكبيرة والهجرات الكبيرة الطوعية ، وأسهمت فى استمرارها وسائل الاتصالات والنقل الجديدة والأكثر سرعة ، وقد أحكمت أوروبا قبضتها على معظم أرجاء آسيا ، وأخضعت أفريقيا ، وتوجهت الهجرات الضخمة من أوروبا إلى الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا ، وقامت أسواق البضائع العالمية ، خاصة أسواق الحبوب ، وظهر رأس المال العالمى، وسادت قاعدة الذهب فى كل التعاملات العابرة للقوميات بما فى ذلك التمويل، وشكلت الحرب العالمية الأولى وما أعقبها مباشرة الذروة الأخيرة لهذه الموجة ، حيث نتج عن هذه الحرب تشكيل أول منظمة عالمية للدول هى عصبة الأمم ، ومنظمة العمل الدولية ، ومجموعة من المعايير الدولية الطموحة ، وإن افتقدت الفاعلية . ثم جاءت الموجة الخامسة للعولمة منذ الحرب العالمية الثانية وما أعقبها مباشرة من ظهور الأمم المتحدة وتنظيماتها المتخصصة ، وحصول محاكمات (( نورمبرج )) ، وصدور إعلان الأمم المتحـدة لحقوق الإنسان ، وخلال هذه الفترة انخفضت تكاليف النقل والمواصـلات انخفاضاً كبيراً وبدأ اقتسام التجارة الخارجية ينتعش من جديد ، ولكن الهدف الأساسى كان سياسيا ، يضع الولايات المتحدة وحلفاءها وعملاءها أمام الاتحاد السوفييتى وحلفـائه وعملائه فى مواجهة وصـراع يشمل العالم كله ، صراع أقل عداوة لكنه ذو طابع أيديولوجى أكثر وضوحاً مما سبقه من سلسلة الحروب العالمية الطويلة بين بريطانيا وفرنسا قبل ذلك بقرنين من الزمان ، وبلغت عولمة الحرب الباردة ذروتها فيما بين السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين . أما الموجة السادسة من العولمة فهى الموجة التى يشهدها العالم الآن والتى شهد النصف الثانى من الثمانينيات انطلاقتها .
هذه كانت خلاصة لرأيين ينظران إلى ظاهرة العولمة المعروفة حالياً على أنها مجرد الحلقة الأخيرة من سلسلة سابقة ممتدة فى التاريخ الإنسانى ، أو مجرد صورة حديثة لها .
وفى تصورنا أن التاريخ الإنسانى قد شهد أحداثاً ووقائع عديدة كان من شأنها انفتاح المجتمعات والأمم والشعوب على بعضها وتخطى الحدود القومية والوطنية بشكل أو بآخر ، ولأسباب شتى ، على النحو الذى عُنِى بتفصيله القائلون بوجود موجات سابقة للعولمة .
ولا شك أن العولمة كظاهرة تاريخية لم تبرز فجأة دون مقدمات مناسبة ، بل سبقتها بكل تأكيد إرهاصات عديدة أفضت إليها ، وتقف وراء بروزها عوامل وأسباب كثيرة؛ فمثل هذه الظواهر الكبيرة والعميقة لا تأتى فجأة وطفرة واحدة ، بل لا بد لها من أسباب ومقدمات مناسبة .
ومع كل ذلك لا نعتقد أن ظاهرة العولمة كواقع تجسَّد ومفهوم برز خلال العقد الأخير من القرن العشرين يمكن فهمها من خلال الربط بينها وبين وقائع وأحداث تاريخية سابقة شهدت فيها بعض أجزاء من العالم مرحلة من الاندماج أو التقارب أو الانفتاح أو التداخل وتخطى الحدود الوطنية والقومية؛ بل بالنظر فى طبيعة ومضمون هذه الظاهرة الحديثة كما هى عليها الآن بأبعادها وتجلياتها الحالية .
وبمعنى آخر إن هذه الظاهرة التى برزت خلال العقد الأخير من القرن العشرين وعرفت بظاهرة (( العولمة )) هى ظاهرة خاصة ومتميزة لها سمات وملامح محددة أنتجتها ظروف معينة فى هذه الفترة من التاريخ الإنسانى . ولا يفيد كثيراً الربط بين هذه الظاهرة وبين حالات من الاندماج والترابط والتداخل التى شهدتها الحياة الإنسانية فى بعض أجزاء من العالم فى مراحل تاريخية سابقة .
وعليه فإننا لا نميل إلى الرأى القائل بأن هذه الظاهرة الموجودة اليوم هى حلقة جديدة من سلسلة متصلة من ظاهرة واحدة ، أو أنها الموجة الأخيرة من موجات سابقة لهذه الظاهرة؛ بل نرى أنها ظاهرة جديدة متميزة لها طبيعتها وملامحها وسماتها الخاصة بها ، أنتجتها ظروف مختلفة عن أى ظروف كانت سبباً لظواهر أخرى سابقة قد تشتبه بهذه الظاهرة . وفى هذا نتفق مع ما يذهب إليه أحد الباحثين أن (( العولمة هى ظاهرة متميزة ، وهى لحظة جديدة فى التاريخ البشرى ، وهى فى الأساس وليدة ظروف ومعطيات تاريخية وحضارية معاصرة . ورغم أنها لم تبرز فجأة ، ومن دون مقدمات سابقة ، إلا أنه لا يمكن استيعاب العولمة إلا كفصل جديد من فصول التاريخ له سماته وخصائصه المختلفة كل الاختلاف عن الفصول الأخرى ))(16) .
أولاً : الظروف التى أنتجت العولمة :
شهد التاريخ الإنسانى فى مراحل عدة منه وقائع معينة كان من شأنها حصول تقارب وترابط بين الكيانات الاجتماعية والسياسية القائمة ، وتحقيق الانفتاح فيما بينها على نحو معين . ولكن هل يمكن اعتبار كل من تلك الوقائع صورة من صور الظاهرة المعروفة بالعولمة التى نشهدها منذ أواخر القرن العشرين؟ . أو هل يمكن اعتبار تلك الوقائع حلقات فى سلسلة متصلة تمثل العولمة المعاصرة آخر حلقاتها؟ . أم أن هذه الظاهرة المعاصرة المعروفة بالعولمة هى ظاهرة جديدة متميزة ومختلفة عن أى وقائع تاريخية أخرى قد تشتبه بها ، وأنها إفراز لظروف معينة برزت أخيراً عند غروب القرن العشرين؟ .
يذهب بعض الباحثين إلى أن (( للعولمة تاريخاً قديماً ، وبالتالى ليست نتاج العقود الماضية التى أزدهر فيها مفهوم العولمة وذاع وانتشر ))(13) . وهناك من حاول رصد مراحل متتابعة لتطور العولمة حددها بمراحل خمس(14) : المرحلة الأولى، المرحلة الجنينية: من بداية القرن الخامس عشر الميلادى ، وحتى منتصف القرن الثامن عشر ، حيث نمت المجتمعات القومية وحطمت بعض القيود التى كانت سائدة فى العصور الوسطى وتعمقت الأفكار الخاصة بالفرد والإنسانية . والمرحلة الثانية ، مرحلة النشوء : التى استمرت فى أوربا من منتصف القرن الثامن عشر حتى سنة1870م حيث أخذت تتبلور المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية ، ونشوء مفهوم أكثر تحديداً للإنسانية وزيادة الاتفاقات الدولية ، وبدء الاهتمام بموضوع القومية والعالمية . والمرحلة الثالثة ، مرحلة الانطلاق : التى استمرت من عام 1870م وحتى العشرينيات من القرن العشرين ، وفيها ظهرت مفاهيم كونية واضحة تُركِّز على المجتمع العالمى الواحد ، وبدأت عملية الصياغة الدولية للأفكار الخاصة بالإنسانية ومحاولة تطبيقها ، وتمت المنافسات الكونية مثل الألعاب الأولمبية وجوائز نوبل. والمرحلة الرابعة : مرحلة الصراع من أجل الهيمنة: من العشرينيات حتى منتصف الستينيات ، وفى هذه المرحلة نشأت صراعات كونية من أجل الهيمنة العالمية والكونية بما فيها المنافسة للوصول إلى القمر ، والتهديد بالفناء النووى الجماعى ، إلى جانب الاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته من قبل مؤسسات المجتمع المدنى على الصعيد العالمى . والمرحلة الخامسة ، مرحلة عدم اليقين : منذ الستينيات ، وفيها تصاعد الوعى الكونى ، وشهدت المرحلة نهاية الحرب الباردة ، وزادت إلى حد كبير المؤسسات الكونية والحركات العالمية ، وأصبح النظام الكونى أكثر سيولة .
وفى نفس هذا الاتجاه سار باحث آخر(15) وأشار إلى وجود خمس موجات من العولمة قبل بروز الموجة الأخيرة منها : الموجة الأولى : هى انتشار الأديان وقيام المدنيات العابرة للقارات ، حيث سادت المسيحية أوروبا عبر تبنى الإمبراطورية الرومانية لها ديناً رسمياً كما انتشرت فى أفريقيا أيضاً ، وانتشرت الهندوسية فى جنوبى شرقى آسيا من الصين إلى إندنوسيا ، وانتقلت البوذية من الهند إلى الصين وإلى كوريا واليابان ، ومع بداية القرن الثامن الميلادى ساد الإسلام فى أسبانيا والعالم العربى وحتى آسيا الوسطى والسند . أى أنه خلال هذه الفترة كانت الأديان قد استقرت باعتبارها ثقافات عبر قبلية وعبر إمبراطورية ، وإن لم تشمل العالم كله لكنها واسعة الانتشار عبر القارات والمحيطات . والموجة الثانية من العولمة كانت خلال الغزوات الاستعمارية الأوروبية مع الاكتشافات البحرية التى بدأت أواخر القرن الخامس عشر الميلادى ، وظلت تتصاعد على مدى مائة عام، وكانت التجارة فى السـلع العالمية القيِّمة حينذاك ( التوابل ) ، ونهب واستخراج المعادن الثمينة ، وعبودية المزارع؛ هى الأركان الأساسية للنظام العالمى حينذاك ، وكانت هذه الفترة بالنسبة لاثنتين من قارات العالم كارثة بكل المقاييس : إبادة سكان الأمريكتين وفتح أفريقيا أمام تجارة العبيد عبر الأطلنطى . كما كان ذلك زمن قيام العوالم الجديدة فى الأمريكتين وسيطرة الإمبراطورية الأوروبية الجديدة على أرجاء العالم . الموجة الثالثة من العولمة كانت ناتجة هذه المرة عن صراعات قوى أوربية داخلية خالصة ، فكانت تلك السلسلة الأولى من الحروب العالمية التى وضعت بريطانيا وفرنسـا فى مواجهة بعضهما بعضا وغيرت منظومة التحالفات ، لا فى أوروبا وحدها بل فى العـالم أجمع ، وهذه الحروب التى عادة ما تُعرف باسـم (( حروب الأسبان )) أو (( حروب انتقال العرش النمساوى )) الممتدة من 1700م - 1815م . ثم جاءت الموجة الرابعة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى العام 1918م مرحلة ذروة الاستعمار الأوروبى ، وكانت هذه الموجة مدفوعة بالتجارة الكبيرة والهجرات الكبيرة الطوعية ، وأسهمت فى استمرارها وسائل الاتصالات والنقل الجديدة والأكثر سرعة ، وقد أحكمت أوروبا قبضتها على معظم أرجاء آسيا ، وأخضعت أفريقيا ، وتوجهت الهجرات الضخمة من أوروبا إلى الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا ، وقامت أسواق البضائع العالمية ، خاصة أسواق الحبوب ، وظهر رأس المال العالمى، وسادت قاعدة الذهب فى كل التعاملات العابرة للقوميات بما فى ذلك التمويل، وشكلت الحرب العالمية الأولى وما أعقبها مباشرة الذروة الأخيرة لهذه الموجة ، حيث نتج عن هذه الحرب تشكيل أول منظمة عالمية للدول هى عصبة الأمم ، ومنظمة العمل الدولية ، ومجموعة من المعايير الدولية الطموحة ، وإن افتقدت الفاعلية . ثم جاءت الموجة الخامسة للعولمة منذ الحرب العالمية الثانية وما أعقبها مباشرة من ظهور الأمم المتحدة وتنظيماتها المتخصصة ، وحصول محاكمات (( نورمبرج )) ، وصدور إعلان الأمم المتحـدة لحقوق الإنسان ، وخلال هذه الفترة انخفضت تكاليف النقل والمواصـلات انخفاضاً كبيراً وبدأ اقتسام التجارة الخارجية ينتعش من جديد ، ولكن الهدف الأساسى كان سياسيا ، يضع الولايات المتحدة وحلفاءها وعملاءها أمام الاتحاد السوفييتى وحلفـائه وعملائه فى مواجهة وصـراع يشمل العالم كله ، صراع أقل عداوة لكنه ذو طابع أيديولوجى أكثر وضوحاً مما سبقه من سلسلة الحروب العالمية الطويلة بين بريطانيا وفرنسا قبل ذلك بقرنين من الزمان ، وبلغت عولمة الحرب الباردة ذروتها فيما بين السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين . أما الموجة السادسة من العولمة فهى الموجة التى يشهدها العالم الآن والتى شهد النصف الثانى من الثمانينيات انطلاقتها .
هذه كانت خلاصة لرأيين ينظران إلى ظاهرة العولمة المعروفة حالياً على أنها مجرد الحلقة الأخيرة من سلسلة سابقة ممتدة فى التاريخ الإنسانى ، أو مجرد صورة حديثة لها .
وفى تصورنا أن التاريخ الإنسانى قد شهد أحداثاً ووقائع عديدة كان من شأنها انفتاح المجتمعات والأمم والشعوب على بعضها وتخطى الحدود القومية والوطنية بشكل أو بآخر ، ولأسباب شتى ، على النحو الذى عُنِى بتفصيله القائلون بوجود موجات سابقة للعولمة .
ولا شك أن العولمة كظاهرة تاريخية لم تبرز فجأة دون مقدمات مناسبة ، بل سبقتها بكل تأكيد إرهاصات عديدة أفضت إليها ، وتقف وراء بروزها عوامل وأسباب كثيرة؛ فمثل هذه الظواهر الكبيرة والعميقة لا تأتى فجأة وطفرة واحدة ، بل لا بد لها من أسباب ومقدمات مناسبة .
ومع كل ذلك لا نعتقد أن ظاهرة العولمة كواقع تجسَّد ومفهوم برز خلال العقد الأخير من القرن العشرين يمكن فهمها من خلال الربط بينها وبين وقائع وأحداث تاريخية سابقة شهدت فيها بعض أجزاء من العالم مرحلة من الاندماج أو التقارب أو الانفتاح أو التداخل وتخطى الحدود الوطنية والقومية؛ بل بالنظر فى طبيعة ومضمون هذه الظاهرة الحديثة كما هى عليها الآن بأبعادها وتجلياتها الحالية .
وبمعنى آخر إن هذه الظاهرة التى برزت خلال العقد الأخير من القرن العشرين وعرفت بظاهرة (( العولمة )) هى ظاهرة خاصة ومتميزة لها سمات وملامح محددة أنتجتها ظروف معينة فى هذه الفترة من التاريخ الإنسانى . ولا يفيد كثيراً الربط بين هذه الظاهرة وبين حالات من الاندماج والترابط والتداخل التى شهدتها الحياة الإنسانية فى بعض أجزاء من العالم فى مراحل تاريخية سابقة .
وعليه فإننا لا نميل إلى الرأى القائل بأن هذه الظاهرة الموجودة اليوم هى حلقة جديدة من سلسلة متصلة من ظاهرة واحدة ، أو أنها الموجة الأخيرة من موجات سابقة لهذه الظاهرة؛ بل نرى أنها ظاهرة جديدة متميزة لها طبيعتها وملامحها وسماتها الخاصة بها ، أنتجتها ظروف مختلفة عن أى ظروف كانت سبباً لظواهر أخرى سابقة قد تشتبه بهذه الظاهرة . وفى هذا نتفق مع ما يذهب إليه أحد الباحثين أن (( العولمة هى ظاهرة متميزة ، وهى لحظة جديدة فى التاريخ البشرى ، وهى فى الأساس وليدة ظروف ومعطيات تاريخية وحضارية معاصرة . ورغم أنها لم تبرز فجأة ، ومن دون مقدمات سابقة ، إلا أنه لا يمكن استيعاب العولمة إلا كفصل جديد من فصول التاريخ له سماته وخصائصه المختلفة كل الاختلاف عن الفصول الأخرى ))(16) .
صفحة 6
وتأسيساًً لهذه الرؤية التى ننتهجها سنتناول أهم العوامل التى أنتجت العولمة وحددت سماتها وقسماتها ، وتتمثل هذه العوامل فى : الطفرة الهائلة فى تقنية الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل ، وقيام الشركات التجارية الكبرى المتعدية للجنسيات ، وانهيار الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية ، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ، وانتصار مبدأ حرية السوق ، وإنشاء منظمة التجارة العالمية . ونتناولها بشيء من التفصيل فى ما يلى :
( ا ) - الطفرة الهائلة فى تقنية الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل :
شهد النصف الثانى من القرن العشرين تطوراً تقنياً مذهلاً فى مجالات عدة وعلى وجه الخصوص فى مجال النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات . فقد تطورت وسائل النقل بمختلف أنواعها البرية والبحرية والجوية تطوراً هائلاً سواء من جهة حمولتها أو سرعتها أو نوع الوقود المستخدم فى تسييرها . ومع زيادة سعتها وسرعتها باطِّراد أصـبح مجال حركتها أكثر اتسـاعاً ، فتقلصت بفضلها المسافات ، واختزل الزمن ، وأصبحت حركة انتقال الأفراد والسلع والخدمات أكثر يسراً وسهولة وسرعة فى أرجاء العالم .
وفى مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات شهد النصف الثانى من القرن العشرين ثورة حقيقية فى هذا المجال بفضل استخدامات الحاسب الآلى ، وشبكة الأقمار الصناعية ، والهاتف المحمول ، وأجهزة الفاكس ، وكلها أدوات فتحت المجال واسعاً أمام الأمم للتواصل وفك العزلة ، والمعرفة الأكثر بدون قيود أو حدود .
لقد سـاهمت أجهزة ( الفاكس ) منذ الثمانينيات من القرن العشرين فى تيسير وتكثيف عملية التواصل بين الأفراد وإشاعة المعرفة وإمكان التفاعل والتنسيق باتجاهات مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .
وغزت الفضاء شـبكة كثيفة من الأقمار الصناعية تتجاوز الآن ألف قمر صناعى تبث إرسالها إلى كل أنحاء الأرض على مدار الساعة بمواد إعلامية لا حصر لها(17) .
وفى التسعينيات من القرن العشرين أصبحت شبكة الإنترنت متاحة لاستخدام العامة وتحولت من شبكة خاصة بالأكاديميين والاستخدامات العسكرية إلى شبكة عامة نمت نمواً مذهلاً بفضل التطور السريع فى تقنية الحاسب الآلي؛ بزيادة كفاءته وانخفاض تكلفته بسرعة عجيبة ، والسهولة فى استخدامه ، فأصبح استخدام شبكة الإنترنت من السهولة التى تقترب بها حاليا من استخدام جهاز التلفزيون أو الهاتف المحمول(18) . وقد نمت شبكة الإنترنت نمواً هائلاً من 16 مليون مستخدم عام 1995م إلى أكثر من 400 مليون مستخدم عام 2000م ، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلىمليار مستخدم عام 2005م(19) . وفى نفس الوقت تنمو صفحات الشبكة نمواً فائقاً ، فمن 70 مليون صفحة كان يمكن للمرء أن يصل إليها على الشبكة عام 1996م إلى 2 .5 مليار صفحة يمكن الوصول إليها عام 2001م ، وهناك 7 .3 ملايين صفحة تضاف كل يوم . ومن المنتظر بحلولعام 2020م أن تصبح شبكة الإنترنت حاوية لكامل الخبرة الإنسانية لهذا الكوكب ، وهى المعرفة والحكمة اللتان تراكمتا على مدى كل التاريخ الإنساني(20) . وأصبحت شبكة الإنترنت صندوقاً للعجائب بحق ، حيث تختزن صفحاتها كل ما يمكن للإنسان أن يتخيله من معلومات ومعارف جادة أو تافهة ، مفيدة أو غير مفيدة ، ولا يحدها فى ذلك أية حدود ، فإلى جانب الكثير من صفحاتها المفيدة هناك أيضاً الكثير من الغث والرديء ، فإلى جانب صفحات الدين والحكمة والفلسفة والفكر والعلم ، هناك صفحات الجريمة والفحش والبذاءة والفسق . لقد فتحت شبكة الإنترنت أمام الإنسان آفاقاً رحبة للمعرفة بلا حدود ، وأصبح بالإمكان الحصول على المعارف والمعلومات والأخبار . . .الخ من أى مكان فى العالم فى أية لحظة بمجرد تحريك مؤشر الفأرة على أيقونة الموقع المطلوب . وأصبحت أداة تواصل عالمية فعالة ببساطتها وسهولتها وتدنى تكلفتها وتعدد مزاياها وأدواتها : من البريد الإلكترونى E-Mail إلى المحادثة عبر الإنترنت Chat بالكتابة ، أو بالصوت ، أو بالصوت والصورة معاً . وأصبح متاحاً أمام الإنسان أن يمارس أغلب نشاطاته من خلال هذه الشبكة ، من إبرام الصفقات والتعلم إلى عقد الصداقات والتسلية والترفيه دون قيد من الزمان والمكان .
(ب) : انهيار الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم :
مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين كانت المنظومة الاشتراكية قد تهاوت وانفرط عقد الاتحاد السوفييتى . وبذلك أنهار أحد قطبى النظام العالمى ، وبانهياره انهار التوازن فى هذا النظام ، وتفردت بقيادة العالم دولة واحدة هى الولايات المتحدة الأمريكية .
ولم يكن انهيار الاتحاد السوفييتى انهياراً لدولة عظمى فقط بل كان أيضاً انهياراً لأيديولوجيته وفلسفته التى قام عليها ، وشكَّل فى نفس الوقت انتصاراً للفلسفة الأخرى المقابلة وهى الفلسفة الليبرالية ، التى ما لبثت أن أصبحت هى السائدة فى الكتلة الاشتراكية السابقة ذاتها .
وبدخول العالم عصر القطبية الأحادية وانفراد دولة واحدة بقيادة العالم أصبح من الممكن فرض سياسات معينة على مستوى العالم كله تقريباً ، على عكس الحال فى عصر الثنائية القطبية حيث كان أقصى مدى لسياسة معينة يمكن فرضها لا يتجاوز نطاق أحد المعسكرين .
كما أن تبنى الفلسفة الليبرالية فى المجتمعات التى كانت ضمن المنظومة الاشتراكية جعل أسلوب ممارسة النشاطات المتعددة واحداً على مستوى العالم كله تقريباً .
وهكذا يبدو أن الظروف التى نتجت عن انفراط عقد الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية ، وانهيار عقيدته الشيوعية؛ قد ساهمت فى بروز ظاهرة العولمة وفى تحديد ملامحها أيضاً .
( ج ) : بروز الشركات الكبرى المتعدية للجنسيات :
برزت إلى الوجود فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين ظاهرة الشركات العملاقة العاملة فى نشاطات مختلفة : صناعية ومصرفية وخدمية ... الخ . وقد نمت هذه الشركات المتعدية للجنسيات نمواً سريعاً من بضعة شركات فى السبعينيات من القرن الماضى إلى ما يفوق ال40 ألف شركةمتعدية للجنسيات حالياً(21) . وتتمتع هذه الشركات بقدرات اقتصادية ومالية ضخمة تمكنها من تخطى الحدود القومية ، وهى قوة ناتجة من قدرتها على تعبئة الموارد المالية والطبيعية والبشرية على مستوى العالم كله ، وقدرتها على تطوير التكنولوجيا الحديثة والكفاءات الإنتاجية والإداريةوالتسويقية على أوسع نطاق(22) . ويمكن القول إن وجود هذه الشركات العملاقة قد جعل العولمة حقيقة واقعة ، لأن هذه الشركات هى القادرة على الاستفادة من الظروف التى تتيحها مناخات العولمة ، كما أن لهذه الشركات دورًا فى التسريع بخطى العولمة؛ لأن مصلحتها تكمن فى هذا السبيل ، وهى قادرة فعلاً على التأثير فى هذا الاتجاه ، بما تملكه من قدرات كبيرة لإملاء شروطها على الدول . وتقوم هذه الشركات بنشاطاتها متجاوزة الحدود القومية ، بل تعتمد فى نشاطاتها على السوق العالمية ، وتقوم بتقسيم العمل فى المشروع الواحد على مستوى عالمى ، حيث يتم توزيع العمليات الإنتاجية جغرافياً على نطاق عالمى على أساس ميزات الموقع ، وتعمل على تحقيق قدر عال من اللامركزية فى الإنتاج ، ولكن مع قدر عال آخر من المركزية بالنسبة للتخطيط والتمويل والتسويق والتجديد التكنولوجي(23) .
وربما يبالغ بعض الباحثين فيذهب إلى أن (( هذه الشركات لم يعد لها هوية أو جنسية محددة ، ولم تعد تنتمى لدولة ، ولا تعترف بموطئ قدم واحدة ، ولا تؤمن بالولاء لأية قومية أو منطقة جغرافية ، كما أنه ليس لهذه الشركات من مقر واحد . ولا تتأثر بسياسات دولة من الدول ، متجاوزة بذلك الحواجز والقيود التقليدية على النشاط التجارى والمالى والصناعى . فمقرها الإدارى فى دولة, ومقرها التسويقى فى دولة ثانية ، ومقرها الهندسى والفنى فى دولة ثالثة ، ومقرها الإنتاجى فى دولة رابعة ، ومقرها الإقليمى فى دولة خامسة ، ومقرها الدعائى والإعلانى فى دولة سادسة ، ومقرها التنفيذى فى دولة سابعة ))(24) .
ولكن الواقع أن هذه الشركات تتمركز جغرافياً فى مجموعة محدودة من الدول حيث تنتمى 172 شركة من بين 200 شركة تحتل المرتبة الأكبر من هذه الشركات المتعدية للجنسية؛ إلى الدول الخمس الأكثر تقدماً ( الولايات المتحدة الأمريكية ، واليابان ، وألمانيا ، وبريطانيا ، وفرنسا)(25) .وهناك أيضاً تمركز شديد لرأس المال فيما بين هذه الشـركات أيضاً ( أى تمركز التمركز ) حيث تستأثر 10 شركات بأكثر من ثلث العوائد السـنوية لمجموع الـ200 شركة(26) . ومما تجدر الإشارة فى هذا السياق أنه (( رغم أن هذه الشركات موجودة بنشاطها وعملياتها وسلعها واستثماراتها فى كل أرجاء المعمورة؛ إلا أن الجزء الأكبر والأهم من نشاطاتها يتركز حول ثلاث مناطق اقتصادية رئيسية تتركز فيها ثروة تقدر بحوالى20 تريليون دولار ، أى أكثر من 80 % من إجمالى الناتج القومى العالمى ، وتستأثر بحوالى 85 % من إجمالى التجارة العالمية . هذه المناطق الثلاث هى : دول الاتحاد الأوروبى ، ودول منطقة التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية المعروفة باسم النافتا Nafta التى تضم كلاً من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ، وأخيراً محيط الين الذى يضم اليابان والصين ودول جنوب شرق آسيا . أما بقية المناطق مثل أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرقالأوسط ووسط آسيا وحتى الدول النفطية فى الخليج العربى فهى فى العموم مناطق اقتصادية غير أساسية بالنسبة لعمليات ونشاط هذه الشركات المعولمة ))(27) .
( د ) : إنشاء منظمة التجارة العالمية :
مثَّل قيام منظمة التجارة العالمية فى عام 1995م تحولاً هاماً فى النظام التجارى العالمى على طريق تحرير المبادلات التجارية والنشاط الاقتصادى بوجه عام على نحو غير مسبوق .
لقد ظل النظام التجارى العالمى السابق - القائم على الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة ، المعروفة اختصاراً بالجات ( G .A .T .T . ) التى تأسست عام 1947م - مفتقراً إلى المؤسسة القانونية التى تضمن تنفيذ أحكام هذه الاتفاقية ، واستمر الوضع على هذه الصورة لمدة خمسين سنة تقريباً ، تم خلالها عقد ثمانى جولات للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف كانت آخرها جولة الأوروغواى ( 1986م-1994م ) . وابتداءً من 1/1/1995م تحولت الاتفاقية إلى منظمة عالمية هى (( منظمة التجارة العالمية )) التى تختلف كثيراً عن اتفاقية (الجات) ، من حيث اتساع نطاقتنظيمها للمبادلات التجارية التى أصبحت تشمل تجارة الخدمات ، وتتناول حقوق الملكية الفكرية ، إلى جانب تجارة السلع؛ ومن جهة امتلاكها لآلياتها الكاملة من القواعد والأدوات التى تضمن تطبيق أهداف المنظمة على أكمل وجه وفرض العقوبات على المخالفين لها(28) .
وبناءً على ذلك أصبحت منظمة التجارة العالمية هى الأداة القائمة على النظام التجارى الجديد ، وهى التى تختص بفحص السياسات التجارية لأعضائها ، فهى تقوم بفحص سياسات الدول الأعضاء؛ لإظهار مدى احترام الدولة العضو لالتزاماتها المتعددة الأطراف؛ كتحرير تجارتها الخارجية من القيود الكمية والرسوم الجمركية ، وكذلك شفافية القوانين الداخلية المرتبطة بالتجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية . كما أصبحت منظمة التجارة العالمية هى الجهة الوحيدة المختصة بالنظر فى المنازعات التجارية بين الأعضاء . وتلتزم الدول الأعضاء باحترام القرارات الصادرة عن أجهزة المنظمة وبتطبيقها فوراً دون أى شرط إلا فى الحالات التى تستوجب منح فترة زمنية معقولة يحددها جهاز فض المنازعات(29) .
لقد أخذت المنظمة على عاتقها العمل على إنجاز برنامج طويل لتحرير التجارة فى العالم كله، قوامه : التحرير من القيود الكمية والرسوم الجمركية وفق مبدأين أساسيين: المبدأ الأول : الدول الأولى بالرعاية ، ويعنى أن الامتيازات الممنوحة من قبل دولة لبلد ما يجب أن تمنح أيضاً للبلدان الأخرى ، ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق المساواة بين جميع الدول . والمبدأ الثانى : المعاملة الوطنية ، ويقضى بأن السلع المستوردة يجب أن تعامل معاملة السلع المنتجة محليا(30) .
ولا شك أن قيام المنظمة وبالقواعد التى تضمنتها قد فتح الباب واسعاً لحرية تدفق السلع والخدمات فى كل أرجاء المعمورة ، وشكل مع غيره من العوامل السابقة ملامح نظام عالمى جديد هو نظام عصر العولمة .
( ا ) - الطفرة الهائلة فى تقنية الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل :
شهد النصف الثانى من القرن العشرين تطوراً تقنياً مذهلاً فى مجالات عدة وعلى وجه الخصوص فى مجال النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات . فقد تطورت وسائل النقل بمختلف أنواعها البرية والبحرية والجوية تطوراً هائلاً سواء من جهة حمولتها أو سرعتها أو نوع الوقود المستخدم فى تسييرها . ومع زيادة سعتها وسرعتها باطِّراد أصـبح مجال حركتها أكثر اتسـاعاً ، فتقلصت بفضلها المسافات ، واختزل الزمن ، وأصبحت حركة انتقال الأفراد والسلع والخدمات أكثر يسراً وسهولة وسرعة فى أرجاء العالم .
وفى مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات شهد النصف الثانى من القرن العشرين ثورة حقيقية فى هذا المجال بفضل استخدامات الحاسب الآلى ، وشبكة الأقمار الصناعية ، والهاتف المحمول ، وأجهزة الفاكس ، وكلها أدوات فتحت المجال واسعاً أمام الأمم للتواصل وفك العزلة ، والمعرفة الأكثر بدون قيود أو حدود .
لقد سـاهمت أجهزة ( الفاكس ) منذ الثمانينيات من القرن العشرين فى تيسير وتكثيف عملية التواصل بين الأفراد وإشاعة المعرفة وإمكان التفاعل والتنسيق باتجاهات مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .
وغزت الفضاء شـبكة كثيفة من الأقمار الصناعية تتجاوز الآن ألف قمر صناعى تبث إرسالها إلى كل أنحاء الأرض على مدار الساعة بمواد إعلامية لا حصر لها(17) .
وفى التسعينيات من القرن العشرين أصبحت شبكة الإنترنت متاحة لاستخدام العامة وتحولت من شبكة خاصة بالأكاديميين والاستخدامات العسكرية إلى شبكة عامة نمت نمواً مذهلاً بفضل التطور السريع فى تقنية الحاسب الآلي؛ بزيادة كفاءته وانخفاض تكلفته بسرعة عجيبة ، والسهولة فى استخدامه ، فأصبح استخدام شبكة الإنترنت من السهولة التى تقترب بها حاليا من استخدام جهاز التلفزيون أو الهاتف المحمول(18) . وقد نمت شبكة الإنترنت نمواً هائلاً من 16 مليون مستخدم عام 1995م إلى أكثر من 400 مليون مستخدم عام 2000م ، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلىمليار مستخدم عام 2005م(19) . وفى نفس الوقت تنمو صفحات الشبكة نمواً فائقاً ، فمن 70 مليون صفحة كان يمكن للمرء أن يصل إليها على الشبكة عام 1996م إلى 2 .5 مليار صفحة يمكن الوصول إليها عام 2001م ، وهناك 7 .3 ملايين صفحة تضاف كل يوم . ومن المنتظر بحلولعام 2020م أن تصبح شبكة الإنترنت حاوية لكامل الخبرة الإنسانية لهذا الكوكب ، وهى المعرفة والحكمة اللتان تراكمتا على مدى كل التاريخ الإنساني(20) . وأصبحت شبكة الإنترنت صندوقاً للعجائب بحق ، حيث تختزن صفحاتها كل ما يمكن للإنسان أن يتخيله من معلومات ومعارف جادة أو تافهة ، مفيدة أو غير مفيدة ، ولا يحدها فى ذلك أية حدود ، فإلى جانب الكثير من صفحاتها المفيدة هناك أيضاً الكثير من الغث والرديء ، فإلى جانب صفحات الدين والحكمة والفلسفة والفكر والعلم ، هناك صفحات الجريمة والفحش والبذاءة والفسق . لقد فتحت شبكة الإنترنت أمام الإنسان آفاقاً رحبة للمعرفة بلا حدود ، وأصبح بالإمكان الحصول على المعارف والمعلومات والأخبار . . .الخ من أى مكان فى العالم فى أية لحظة بمجرد تحريك مؤشر الفأرة على أيقونة الموقع المطلوب . وأصبحت أداة تواصل عالمية فعالة ببساطتها وسهولتها وتدنى تكلفتها وتعدد مزاياها وأدواتها : من البريد الإلكترونى E-Mail إلى المحادثة عبر الإنترنت Chat بالكتابة ، أو بالصوت ، أو بالصوت والصورة معاً . وأصبح متاحاً أمام الإنسان أن يمارس أغلب نشاطاته من خلال هذه الشبكة ، من إبرام الصفقات والتعلم إلى عقد الصداقات والتسلية والترفيه دون قيد من الزمان والمكان .
(ب) : انهيار الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم :
مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين كانت المنظومة الاشتراكية قد تهاوت وانفرط عقد الاتحاد السوفييتى . وبذلك أنهار أحد قطبى النظام العالمى ، وبانهياره انهار التوازن فى هذا النظام ، وتفردت بقيادة العالم دولة واحدة هى الولايات المتحدة الأمريكية .
ولم يكن انهيار الاتحاد السوفييتى انهياراً لدولة عظمى فقط بل كان أيضاً انهياراً لأيديولوجيته وفلسفته التى قام عليها ، وشكَّل فى نفس الوقت انتصاراً للفلسفة الأخرى المقابلة وهى الفلسفة الليبرالية ، التى ما لبثت أن أصبحت هى السائدة فى الكتلة الاشتراكية السابقة ذاتها .
وبدخول العالم عصر القطبية الأحادية وانفراد دولة واحدة بقيادة العالم أصبح من الممكن فرض سياسات معينة على مستوى العالم كله تقريباً ، على عكس الحال فى عصر الثنائية القطبية حيث كان أقصى مدى لسياسة معينة يمكن فرضها لا يتجاوز نطاق أحد المعسكرين .
كما أن تبنى الفلسفة الليبرالية فى المجتمعات التى كانت ضمن المنظومة الاشتراكية جعل أسلوب ممارسة النشاطات المتعددة واحداً على مستوى العالم كله تقريباً .
وهكذا يبدو أن الظروف التى نتجت عن انفراط عقد الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية ، وانهيار عقيدته الشيوعية؛ قد ساهمت فى بروز ظاهرة العولمة وفى تحديد ملامحها أيضاً .
( ج ) : بروز الشركات الكبرى المتعدية للجنسيات :
برزت إلى الوجود فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين ظاهرة الشركات العملاقة العاملة فى نشاطات مختلفة : صناعية ومصرفية وخدمية ... الخ . وقد نمت هذه الشركات المتعدية للجنسيات نمواً سريعاً من بضعة شركات فى السبعينيات من القرن الماضى إلى ما يفوق ال40 ألف شركةمتعدية للجنسيات حالياً(21) . وتتمتع هذه الشركات بقدرات اقتصادية ومالية ضخمة تمكنها من تخطى الحدود القومية ، وهى قوة ناتجة من قدرتها على تعبئة الموارد المالية والطبيعية والبشرية على مستوى العالم كله ، وقدرتها على تطوير التكنولوجيا الحديثة والكفاءات الإنتاجية والإداريةوالتسويقية على أوسع نطاق(22) . ويمكن القول إن وجود هذه الشركات العملاقة قد جعل العولمة حقيقة واقعة ، لأن هذه الشركات هى القادرة على الاستفادة من الظروف التى تتيحها مناخات العولمة ، كما أن لهذه الشركات دورًا فى التسريع بخطى العولمة؛ لأن مصلحتها تكمن فى هذا السبيل ، وهى قادرة فعلاً على التأثير فى هذا الاتجاه ، بما تملكه من قدرات كبيرة لإملاء شروطها على الدول . وتقوم هذه الشركات بنشاطاتها متجاوزة الحدود القومية ، بل تعتمد فى نشاطاتها على السوق العالمية ، وتقوم بتقسيم العمل فى المشروع الواحد على مستوى عالمى ، حيث يتم توزيع العمليات الإنتاجية جغرافياً على نطاق عالمى على أساس ميزات الموقع ، وتعمل على تحقيق قدر عال من اللامركزية فى الإنتاج ، ولكن مع قدر عال آخر من المركزية بالنسبة للتخطيط والتمويل والتسويق والتجديد التكنولوجي(23) .
وربما يبالغ بعض الباحثين فيذهب إلى أن (( هذه الشركات لم يعد لها هوية أو جنسية محددة ، ولم تعد تنتمى لدولة ، ولا تعترف بموطئ قدم واحدة ، ولا تؤمن بالولاء لأية قومية أو منطقة جغرافية ، كما أنه ليس لهذه الشركات من مقر واحد . ولا تتأثر بسياسات دولة من الدول ، متجاوزة بذلك الحواجز والقيود التقليدية على النشاط التجارى والمالى والصناعى . فمقرها الإدارى فى دولة, ومقرها التسويقى فى دولة ثانية ، ومقرها الهندسى والفنى فى دولة ثالثة ، ومقرها الإنتاجى فى دولة رابعة ، ومقرها الإقليمى فى دولة خامسة ، ومقرها الدعائى والإعلانى فى دولة سادسة ، ومقرها التنفيذى فى دولة سابعة ))(24) .
ولكن الواقع أن هذه الشركات تتمركز جغرافياً فى مجموعة محدودة من الدول حيث تنتمى 172 شركة من بين 200 شركة تحتل المرتبة الأكبر من هذه الشركات المتعدية للجنسية؛ إلى الدول الخمس الأكثر تقدماً ( الولايات المتحدة الأمريكية ، واليابان ، وألمانيا ، وبريطانيا ، وفرنسا)(25) .وهناك أيضاً تمركز شديد لرأس المال فيما بين هذه الشـركات أيضاً ( أى تمركز التمركز ) حيث تستأثر 10 شركات بأكثر من ثلث العوائد السـنوية لمجموع الـ200 شركة(26) . ومما تجدر الإشارة فى هذا السياق أنه (( رغم أن هذه الشركات موجودة بنشاطها وعملياتها وسلعها واستثماراتها فى كل أرجاء المعمورة؛ إلا أن الجزء الأكبر والأهم من نشاطاتها يتركز حول ثلاث مناطق اقتصادية رئيسية تتركز فيها ثروة تقدر بحوالى20 تريليون دولار ، أى أكثر من 80 % من إجمالى الناتج القومى العالمى ، وتستأثر بحوالى 85 % من إجمالى التجارة العالمية . هذه المناطق الثلاث هى : دول الاتحاد الأوروبى ، ودول منطقة التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية المعروفة باسم النافتا Nafta التى تضم كلاً من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ، وأخيراً محيط الين الذى يضم اليابان والصين ودول جنوب شرق آسيا . أما بقية المناطق مثل أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرقالأوسط ووسط آسيا وحتى الدول النفطية فى الخليج العربى فهى فى العموم مناطق اقتصادية غير أساسية بالنسبة لعمليات ونشاط هذه الشركات المعولمة ))(27) .
( د ) : إنشاء منظمة التجارة العالمية :
مثَّل قيام منظمة التجارة العالمية فى عام 1995م تحولاً هاماً فى النظام التجارى العالمى على طريق تحرير المبادلات التجارية والنشاط الاقتصادى بوجه عام على نحو غير مسبوق .
لقد ظل النظام التجارى العالمى السابق - القائم على الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة ، المعروفة اختصاراً بالجات ( G .A .T .T . ) التى تأسست عام 1947م - مفتقراً إلى المؤسسة القانونية التى تضمن تنفيذ أحكام هذه الاتفاقية ، واستمر الوضع على هذه الصورة لمدة خمسين سنة تقريباً ، تم خلالها عقد ثمانى جولات للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف كانت آخرها جولة الأوروغواى ( 1986م-1994م ) . وابتداءً من 1/1/1995م تحولت الاتفاقية إلى منظمة عالمية هى (( منظمة التجارة العالمية )) التى تختلف كثيراً عن اتفاقية (الجات) ، من حيث اتساع نطاقتنظيمها للمبادلات التجارية التى أصبحت تشمل تجارة الخدمات ، وتتناول حقوق الملكية الفكرية ، إلى جانب تجارة السلع؛ ومن جهة امتلاكها لآلياتها الكاملة من القواعد والأدوات التى تضمن تطبيق أهداف المنظمة على أكمل وجه وفرض العقوبات على المخالفين لها(28) .
وبناءً على ذلك أصبحت منظمة التجارة العالمية هى الأداة القائمة على النظام التجارى الجديد ، وهى التى تختص بفحص السياسات التجارية لأعضائها ، فهى تقوم بفحص سياسات الدول الأعضاء؛ لإظهار مدى احترام الدولة العضو لالتزاماتها المتعددة الأطراف؛ كتحرير تجارتها الخارجية من القيود الكمية والرسوم الجمركية ، وكذلك شفافية القوانين الداخلية المرتبطة بالتجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية . كما أصبحت منظمة التجارة العالمية هى الجهة الوحيدة المختصة بالنظر فى المنازعات التجارية بين الأعضاء . وتلتزم الدول الأعضاء باحترام القرارات الصادرة عن أجهزة المنظمة وبتطبيقها فوراً دون أى شرط إلا فى الحالات التى تستوجب منح فترة زمنية معقولة يحددها جهاز فض المنازعات(29) .
لقد أخذت المنظمة على عاتقها العمل على إنجاز برنامج طويل لتحرير التجارة فى العالم كله، قوامه : التحرير من القيود الكمية والرسوم الجمركية وفق مبدأين أساسيين: المبدأ الأول : الدول الأولى بالرعاية ، ويعنى أن الامتيازات الممنوحة من قبل دولة لبلد ما يجب أن تمنح أيضاً للبلدان الأخرى ، ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق المساواة بين جميع الدول . والمبدأ الثانى : المعاملة الوطنية ، ويقضى بأن السلع المستوردة يجب أن تعامل معاملة السلع المنتجة محليا(30) .
ولا شك أن قيام المنظمة وبالقواعد التى تضمنتها قد فتح الباب واسعاً لحرية تدفق السلع والخدمات فى كل أرجاء المعمورة ، وشكل مع غيره من العوامل السابقة ملامح نظام عالمى جديد هو نظام عصر العولمة .
صفحة 7
ثانياً : التجليات العامة لظاهرة العولمة :
لظاهرة العولمة أبعاد وتجليات ومظاهر تشمل مختلف النشاطات الإنسانية ولا تقف عند حدود معينة منها ، ولا يكاد يخلو مجال أو نشاط إنسانى اقتصادى أو سياسى أو ثقافى أو اجتماعى . . . الخ من مظهر أو تأثير لهذه الظاهرة عليه .
ولذلك فإن دراسة هذه الظاهرة بأبعادها وتجلياتها المتعددة أمر محفوف بكثير من المصاعب والمخاطر يعود سببها إلى أمرين : الأول : اتساع نطاق تأثير هذه الظاهرة وامتداده إلى مختلف مجالات النشاط الإنسانى ، الأمر الذى يجعل من المستحيل على باحث بمفرده إيفاء أى من تلك المجالات حقه من البحث والدراسة ، فذلك يقتضى - بالضرورة - تعدد التخصصات لدراسة كل نشاط على حدة . الأمر الثانى : أن هذه الظاهرة هى ظاهرة إنسانية اجتماعية لا بد أن تختلف وجهات النظر حولها تبعاً لاختلاف المصالح ، والمراجع ، والخلفيات الثقافية والأيديولوجية لكل من يتناول هذه الظاهرة بالدراسة .
ومع ذلك فإنه يمكن الحديث عن بعض مظاهر العولمة التى قد لا تثير خلافاً حول وجودها بالنظر إلى كونها وقائع مجردة تنتج بالضرورة عن الظروف التى هيأت لبروز العولمة . ونشير هنا إلى بعض من هذه الأبعاد التى - كما أسلفنا - يمكن اعتبارها وقائع مجردة تنتج بالضرورة عن مناخ العولمة فى المجالات المختلفة : الاقتصادية ، والسياسية ، والثقافية ، والاجتماعية . . . الخ .
فمن الناحية الاقتصادية : لا خلاف فى أن العولمة وفقاً للظروف التى أفرزتها ستعنى : تحويل العالم كله إلى سوق مفتوحة بدون عقبات أو حواجز على مستوى الإنتاج والتوزيع والتسويق ، وفتح باب المنافسة على مصراعيه بين الشركات والمؤسسات والمشروعات الاقتصادية على مستوى العالم كله ، وسيادة النمط الرأسمالى واقتصاد السوق على الاقتصاد العالمى .
ومن الناحية السياسية : لا خلاف فى أن العولمة ستؤدى إلى : انكماش دور السلطة السياسية ، وضعف سيطرتها على الأوضاع داخل حدود الدولة التى تحكمها ، وارتباط أجهزة الدولة وسلطاتها المتعددة : التشريعية ، والقضائية ، والإدارية ، بشبكات من العلاقات مع نظيراتها فى الدول الأخرى والمنظمات الدولية؛ على حساب جزء من سيادة هذه الأجهزة فى نطاق إقليمها .
ومن الناحية الثقافية : ستؤدى العولمة إلى : سرعة تدفق المعلومات بدون حواجز فى أرجاء الكون ، وإمكان الحصول على المعلومات بأقل جهد وأقصر وقت ، وقدرة الثقافات المتعددة على التأثير خارج نطاق إقليمها بصورة غير مسبوقة .
ومن الناحية الاجتماعية : ستؤدى العولمة إلى : المقدرة الواسعة على التأثير فى نمط حياة وسلوك الأفراد فى حضارات أخرى بفعل تقنيات الاتصال وبخاصة البث المرئى .
إن تجليات العولمة تلك ستنتج لا محالة عن هذه الظاهرة كنتيجة طبيعية للظروف والعوامل التى أفرزتها . وهذه المظاهر تبدو على هذا النحو مظاهر محايدة بمعنى أنه لا يمكن القول أن أياً منها مظهر إيجابى أو سلبى ، ولكن ما سيضفى عليها المظهر الإيجابى أو السلبى هو أسلوب تعامل المجتمعات مع تجليات الظاهرة تلك ، والقدرات التى يمتلكها المجتمع للتعامل مع هذه الظاهرة على نحو مناسب .
وفى الفصلين القادمين سنتناول هذه المظاهر من واقع ظروف مجتمعاتنا ، ونحاول رصد أهم آثارها السلبية على هذه المجتمعات ، ثم كيفية الحماية من تلك الآثار .
لظاهرة العولمة أبعاد وتجليات ومظاهر تشمل مختلف النشاطات الإنسانية ولا تقف عند حدود معينة منها ، ولا يكاد يخلو مجال أو نشاط إنسانى اقتصادى أو سياسى أو ثقافى أو اجتماعى . . . الخ من مظهر أو تأثير لهذه الظاهرة عليه .
ولذلك فإن دراسة هذه الظاهرة بأبعادها وتجلياتها المتعددة أمر محفوف بكثير من المصاعب والمخاطر يعود سببها إلى أمرين : الأول : اتساع نطاق تأثير هذه الظاهرة وامتداده إلى مختلف مجالات النشاط الإنسانى ، الأمر الذى يجعل من المستحيل على باحث بمفرده إيفاء أى من تلك المجالات حقه من البحث والدراسة ، فذلك يقتضى - بالضرورة - تعدد التخصصات لدراسة كل نشاط على حدة . الأمر الثانى : أن هذه الظاهرة هى ظاهرة إنسانية اجتماعية لا بد أن تختلف وجهات النظر حولها تبعاً لاختلاف المصالح ، والمراجع ، والخلفيات الثقافية والأيديولوجية لكل من يتناول هذه الظاهرة بالدراسة .
ومع ذلك فإنه يمكن الحديث عن بعض مظاهر العولمة التى قد لا تثير خلافاً حول وجودها بالنظر إلى كونها وقائع مجردة تنتج بالضرورة عن الظروف التى هيأت لبروز العولمة . ونشير هنا إلى بعض من هذه الأبعاد التى - كما أسلفنا - يمكن اعتبارها وقائع مجردة تنتج بالضرورة عن مناخ العولمة فى المجالات المختلفة : الاقتصادية ، والسياسية ، والثقافية ، والاجتماعية . . . الخ .
فمن الناحية الاقتصادية : لا خلاف فى أن العولمة وفقاً للظروف التى أفرزتها ستعنى : تحويل العالم كله إلى سوق مفتوحة بدون عقبات أو حواجز على مستوى الإنتاج والتوزيع والتسويق ، وفتح باب المنافسة على مصراعيه بين الشركات والمؤسسات والمشروعات الاقتصادية على مستوى العالم كله ، وسيادة النمط الرأسمالى واقتصاد السوق على الاقتصاد العالمى .
ومن الناحية السياسية : لا خلاف فى أن العولمة ستؤدى إلى : انكماش دور السلطة السياسية ، وضعف سيطرتها على الأوضاع داخل حدود الدولة التى تحكمها ، وارتباط أجهزة الدولة وسلطاتها المتعددة : التشريعية ، والقضائية ، والإدارية ، بشبكات من العلاقات مع نظيراتها فى الدول الأخرى والمنظمات الدولية؛ على حساب جزء من سيادة هذه الأجهزة فى نطاق إقليمها .
ومن الناحية الثقافية : ستؤدى العولمة إلى : سرعة تدفق المعلومات بدون حواجز فى أرجاء الكون ، وإمكان الحصول على المعلومات بأقل جهد وأقصر وقت ، وقدرة الثقافات المتعددة على التأثير خارج نطاق إقليمها بصورة غير مسبوقة .
ومن الناحية الاجتماعية : ستؤدى العولمة إلى : المقدرة الواسعة على التأثير فى نمط حياة وسلوك الأفراد فى حضارات أخرى بفعل تقنيات الاتصال وبخاصة البث المرئى .
إن تجليات العولمة تلك ستنتج لا محالة عن هذه الظاهرة كنتيجة طبيعية للظروف والعوامل التى أفرزتها . وهذه المظاهر تبدو على هذا النحو مظاهر محايدة بمعنى أنه لا يمكن القول أن أياً منها مظهر إيجابى أو سلبى ، ولكن ما سيضفى عليها المظهر الإيجابى أو السلبى هو أسلوب تعامل المجتمعات مع تجليات الظاهرة تلك ، والقدرات التى يمتلكها المجتمع للتعامل مع هذه الظاهرة على نحو مناسب .
وفى الفصلين القادمين سنتناول هذه المظاهر من واقع ظروف مجتمعاتنا ، ونحاول رصد أهم آثارها السلبية على هذه المجتمعات ، ثم كيفية الحماية من تلك الآثار .
صفحة 8
الفصل الثانى
الآثار السلبية للعولمة
تمهيد وتقسيم :
أشرنا فى الفصل السابق إلى أن لظاهرة العولمة أبعاداً وتجليات وآثاراً غير محدودة ، تشمل كل النشاطات الإنسانية تقريباً . وذكرنا أن فهم وتقييم هذه الظاهرة سيختلف باختلاف الموضوع الذى يركز عليه الباحث فى نظرته لهذه الظاهرة ، كالتركيز على البعد الاقتصادى ، أو الاجتماعى ، أو الثقافى ، أو السياسى ... الخ؛ وباختلاف الجهة التى ينظر منها إلى هذه الظاهرة ، أى باختلاف انتمائه الجغرافى أو الحضارى أو العقائدى أو الإيديولوجى . . . الخ . وبناءً على ذلك ينبغى الإشارة إلى أننا فى دراستنا لآثار العولمة لا ننطلق من واقع مجهول أو غير محدد بل من واقع معلوم بوضعه الجغرافى وظروفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحددة ، وبقيمه وتاريخه ، وأحلامه وطموحاته الخاصة؛ أى واقعنا العربى .
إننا هنا لا نتناول ظاهرة العولمة بصورة مجردة معزولة عن الواقع بأحواله وظروفه المعلومة ، بل إن هذا الواقع بأحواله وظروفه تلك هو الذى سيحكم رؤيتنا لهذه الظاهرة وآثارها الإيجابية والسلبية .
لقد كانت هذه المقدمة ضرورية قبل أن نتناول الآثار السلبية لظاهرة العولمة . فما قد نراه أثراً سلبياً من وجهة نظرنا قد لا يكون كذلك من وجهة نظر الآخرين ، بل على العكس من ذلك ربما كان هذا الأثر إيجابياً بالنسبة إليهم .
وسنبدأ بتناول الآثار السلبية للعولمة فى الجانب الاقتصادى حيث لا خلاف حول وجود البعد الاقتصادى للعولمة ، وحيث التركيز دائماً على هذا البعد لدى أغلب الباحثين مهما كان موقعهم أو موقفهم ، ثم نتناول بعد ذلك الآثار السلبية فى المجالات الأخرى : السياسية ، والثقافية ، والاجتماعية ، على النحو التالى :
المبحث الأول : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الاقتصادى .
المبحث الثانى : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الثقافى .
المبحث الثالث : الآثار السلبية للعولمة فى المجال السياسى .
المبحث الرابع : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الاجتماعى .
الآثار السلبية للعولمة
تمهيد وتقسيم :
أشرنا فى الفصل السابق إلى أن لظاهرة العولمة أبعاداً وتجليات وآثاراً غير محدودة ، تشمل كل النشاطات الإنسانية تقريباً . وذكرنا أن فهم وتقييم هذه الظاهرة سيختلف باختلاف الموضوع الذى يركز عليه الباحث فى نظرته لهذه الظاهرة ، كالتركيز على البعد الاقتصادى ، أو الاجتماعى ، أو الثقافى ، أو السياسى ... الخ؛ وباختلاف الجهة التى ينظر منها إلى هذه الظاهرة ، أى باختلاف انتمائه الجغرافى أو الحضارى أو العقائدى أو الإيديولوجى . . . الخ . وبناءً على ذلك ينبغى الإشارة إلى أننا فى دراستنا لآثار العولمة لا ننطلق من واقع مجهول أو غير محدد بل من واقع معلوم بوضعه الجغرافى وظروفه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحددة ، وبقيمه وتاريخه ، وأحلامه وطموحاته الخاصة؛ أى واقعنا العربى .
إننا هنا لا نتناول ظاهرة العولمة بصورة مجردة معزولة عن الواقع بأحواله وظروفه المعلومة ، بل إن هذا الواقع بأحواله وظروفه تلك هو الذى سيحكم رؤيتنا لهذه الظاهرة وآثارها الإيجابية والسلبية .
لقد كانت هذه المقدمة ضرورية قبل أن نتناول الآثار السلبية لظاهرة العولمة . فما قد نراه أثراً سلبياً من وجهة نظرنا قد لا يكون كذلك من وجهة نظر الآخرين ، بل على العكس من ذلك ربما كان هذا الأثر إيجابياً بالنسبة إليهم .
وسنبدأ بتناول الآثار السلبية للعولمة فى الجانب الاقتصادى حيث لا خلاف حول وجود البعد الاقتصادى للعولمة ، وحيث التركيز دائماً على هذا البعد لدى أغلب الباحثين مهما كان موقعهم أو موقفهم ، ثم نتناول بعد ذلك الآثار السلبية فى المجالات الأخرى : السياسية ، والثقافية ، والاجتماعية ، على النحو التالى :
المبحث الأول : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الاقتصادى .
المبحث الثانى : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الثقافى .
المبحث الثالث : الآثار السلبية للعولمة فى المجال السياسى .
المبحث الرابع : الآثار السلبية للعولمة فى المجال الاجتماعى .
صفحة 9
المبحث الأول : الآثار الســلبية للعــولمة فى المجال الاقتصادى
تحظى العولمة الاقتصادية بالاهتمام الأوسع لدى الدارسين لظاهرة العولمة؛ نظراً لأن الحديث عن العولمة ارتبط أولاً بهذا الجانب من تجلياتها المتعددة؛ فكان أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر العولمة هو تجلياتها الاقتصادية وكان هذا الجانب هو الأوضح والأكثر بروزاً منها .
وقبل أن نتناول الآثار السلبية للعولمة على مجتمعاتنا فى المجال الاقتصادى نرى أنه من المناسب الحديث عن أوضاعنا الاقتصادية عند هبوب رياح العولمة ، لندرك مدى خطورة الآثار السلبية للظاهرة فى ظل تلك الأوضاع .
لقد عانت البلدان العربية - مع غيرها من بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية - من السيطرة الاستعمارية الأوروبية فى الحقبة الاستعمارية الغربية التى استنزفت خيرات وإمكانيات هذه البلدان وسخرتها لخدمة مصالحها وتحقيق رفاهية شعوبها على حساب حياة ومصالح ورفاه تلك الشعوب المقهورة .
ومع الأسف لم يختلف كثيراً حال أمتنا فى المرحلة التى تلت خروج الاستعمار عن مرحلة الاستعمار السابقة؛ ففى أغلب ديارنا لم تصبح الأوضاع الاقتصادية أفضل كثيراً من مرحلة الاستعمار لأسباب متعددة منها : أولاً : ممارسات المستعمرين على الأراضى المستعمرَة فى فترة الاستعمار ، حيث لم يكن هَم المستعمرين سوى نهب ثروات البلدان المستعمرَة وجعلها سوقاً لتصريف منتجاتهم ومصدراً للمواد الأولية دون أى اهتمام بإقامة الحد الأدنى من البُنَى الأساسية فى هذه البلدان . ثانياً : ما أسفرت عنه السياسة الاستعمارية من فرض واقع التجزئة السياسية للأمة وتفتيتها إلى كيانات صغيرة عاجزة بمفردها عن إنجاز مشروعاتها التنموية الطموحة ، فافتقدت الأمة - بفعل التجزئة - الشرط الموضوعى لإنجاز مشروعها النهضوى الشامل . ثالثاً : محاربة القوى الاستعمارية لأى محاولة من جانب هذه الدول المستقلة لتبنى خطط تنموية طموحة . رابعاً : طبيعة السلطات السياسية فى الدول المستقلة ، حيث أعقب الاستعمار الأجنبى أنظمة سياسية كانت فى كثير منها تقودها نخبة غير مؤهلة للوفاء بالالتزامات والاستحقاقات التى تفرضها مسئولية قيادة هذه المجتمعات فى تلك المرحلة ، بل لا يمكن إغفال دور القوى الاستعمارية فى ترتيب الأوضاع السياسية لمرحلة ما بعد الاستعمار فى بعض الدول التى كانت تحتلها بالشكل الذى يخدم مصالحها ويبقى على نفوذها . خامساً : وجود الكيان الصهيونى الاستيطانى فى هذا الجزء المهم من وطننا ، وتهديده الدائم للاستقرار فى المنطقة ، واستنزاف عمليات مقاومته ومواجهته لموارد هائلة تستقطع من الموارد التى كان من الممكن تسخيرها للتنمية . سادساً : حالة التخلف الاجتماعى وارتفاع نسبة الأمية فى المجتمع .
وكانت نتيجة كل ذلك واقع التخلف الشامل فى كل مجالات الحياة وعلى وجه الخصوص فى المجال الاقتصادى ، حيث كانت معالم الوضع الاقتصادى : الاعتماد الكبير على القطاع الزراعى الذى لا يزال يمارس نشاطه بأساليب بدائية عتيقة ، وغياب صناعة وطنية قادرة على المنافسة فى الأسواق الخارجية ، وتبعية اقتصادية كاملة للغرب، وعزوف رؤوس الأموال الوطنية عن الاستثمار فى أوطانها وهروبها إلى الخارج لغياب الظروف الملائمة داخل أوطانها ، وسوء إدارة الإمكانيات الوطنية المتاحة ، واعتماد كامل على التقنية المستوردة ، واستمرار نهب الموارد الطبيعية بوسائل مختلفة ، وتدنى مستوى التنمية البشرية بوجه عام .
وباختصار كان وضعنا مع نهاية القرن العشرين رديئاً كلياً ، وعندما هبت رياح العولمة ونحن على تلك الحال كان علينا أن نتوقع حجم الآثار السلبية التى ستنتج فى ظل هذه الظاهرة . وسنتناول فيما يلى بعض تلك الآثار السلبية للعولمة على مجتمعاتنا فى المجال الاقتصادى .
تحظى العولمة الاقتصادية بالاهتمام الأوسع لدى الدارسين لظاهرة العولمة؛ نظراً لأن الحديث عن العولمة ارتبط أولاً بهذا الجانب من تجلياتها المتعددة؛ فكان أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر العولمة هو تجلياتها الاقتصادية وكان هذا الجانب هو الأوضح والأكثر بروزاً منها .
وقبل أن نتناول الآثار السلبية للعولمة على مجتمعاتنا فى المجال الاقتصادى نرى أنه من المناسب الحديث عن أوضاعنا الاقتصادية عند هبوب رياح العولمة ، لندرك مدى خطورة الآثار السلبية للظاهرة فى ظل تلك الأوضاع .
لقد عانت البلدان العربية - مع غيرها من بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية - من السيطرة الاستعمارية الأوروبية فى الحقبة الاستعمارية الغربية التى استنزفت خيرات وإمكانيات هذه البلدان وسخرتها لخدمة مصالحها وتحقيق رفاهية شعوبها على حساب حياة ومصالح ورفاه تلك الشعوب المقهورة .
ومع الأسف لم يختلف كثيراً حال أمتنا فى المرحلة التى تلت خروج الاستعمار عن مرحلة الاستعمار السابقة؛ ففى أغلب ديارنا لم تصبح الأوضاع الاقتصادية أفضل كثيراً من مرحلة الاستعمار لأسباب متعددة منها : أولاً : ممارسات المستعمرين على الأراضى المستعمرَة فى فترة الاستعمار ، حيث لم يكن هَم المستعمرين سوى نهب ثروات البلدان المستعمرَة وجعلها سوقاً لتصريف منتجاتهم ومصدراً للمواد الأولية دون أى اهتمام بإقامة الحد الأدنى من البُنَى الأساسية فى هذه البلدان . ثانياً : ما أسفرت عنه السياسة الاستعمارية من فرض واقع التجزئة السياسية للأمة وتفتيتها إلى كيانات صغيرة عاجزة بمفردها عن إنجاز مشروعاتها التنموية الطموحة ، فافتقدت الأمة - بفعل التجزئة - الشرط الموضوعى لإنجاز مشروعها النهضوى الشامل . ثالثاً : محاربة القوى الاستعمارية لأى محاولة من جانب هذه الدول المستقلة لتبنى خطط تنموية طموحة . رابعاً : طبيعة السلطات السياسية فى الدول المستقلة ، حيث أعقب الاستعمار الأجنبى أنظمة سياسية كانت فى كثير منها تقودها نخبة غير مؤهلة للوفاء بالالتزامات والاستحقاقات التى تفرضها مسئولية قيادة هذه المجتمعات فى تلك المرحلة ، بل لا يمكن إغفال دور القوى الاستعمارية فى ترتيب الأوضاع السياسية لمرحلة ما بعد الاستعمار فى بعض الدول التى كانت تحتلها بالشكل الذى يخدم مصالحها ويبقى على نفوذها . خامساً : وجود الكيان الصهيونى الاستيطانى فى هذا الجزء المهم من وطننا ، وتهديده الدائم للاستقرار فى المنطقة ، واستنزاف عمليات مقاومته ومواجهته لموارد هائلة تستقطع من الموارد التى كان من الممكن تسخيرها للتنمية . سادساً : حالة التخلف الاجتماعى وارتفاع نسبة الأمية فى المجتمع .
وكانت نتيجة كل ذلك واقع التخلف الشامل فى كل مجالات الحياة وعلى وجه الخصوص فى المجال الاقتصادى ، حيث كانت معالم الوضع الاقتصادى : الاعتماد الكبير على القطاع الزراعى الذى لا يزال يمارس نشاطه بأساليب بدائية عتيقة ، وغياب صناعة وطنية قادرة على المنافسة فى الأسواق الخارجية ، وتبعية اقتصادية كاملة للغرب، وعزوف رؤوس الأموال الوطنية عن الاستثمار فى أوطانها وهروبها إلى الخارج لغياب الظروف الملائمة داخل أوطانها ، وسوء إدارة الإمكانيات الوطنية المتاحة ، واعتماد كامل على التقنية المستوردة ، واستمرار نهب الموارد الطبيعية بوسائل مختلفة ، وتدنى مستوى التنمية البشرية بوجه عام .
وباختصار كان وضعنا مع نهاية القرن العشرين رديئاً كلياً ، وعندما هبت رياح العولمة ونحن على تلك الحال كان علينا أن نتوقع حجم الآثار السلبية التى ستنتج فى ظل هذه الظاهرة . وسنتناول فيما يلى بعض تلك الآثار السلبية للعولمة على مجتمعاتنا فى المجال الاقتصادى .
صفحة 10
أولاً : انهيار حلم التنمية الوطنية المستقلة :
تسعى كل المجتمعات البشرية إلى إحراز تنمية وطنية متكاملة تتمكن خلالها من استغلال مواردها وإمكانياتها المتاحة على أكمل وجه لتحقيق نهضتها وإشباع حاجات أفرادها العديدة والمتجددة .
ونجاح أى تنمية وطنية فى أى مجتمع من المجتمعات منوط بقدرة هذا المجتمع على الاستفادة من الإمكانيات والموارد المتاحة له وفق ظروفه الخاصة به لإنجاز مشروعه التنموى المطلوب .
ولا شك أن طبيعة المشروع التنموى المطلوب والملائم لمجتمع ما ستختلف عما هو ملائم لمجتمع آخر ، نظراً لاختلاف ظروف كل مجتمع واحتياجاته وإمكانياته المتاحة .
وفى مجتمع مثل مجتمعاتنا التى تفتقر إلى الحد الأدنى من البُنى الأساسية اللازمة للنهضة والتقدم تصبح المهمة الأولى لأى مشروع تنموى هى إنجاز هذه البنية الأساسية ولو فى حدها الأدنى .
وليس أمام أى مجتمع من المجتمعات التى تخلفت عن ركب التقدم الإنسانى إلا أن تبحث عن حلول واقعية لحل مشاكلها توفِّق فيها بين احتياجاتها وأحلامها وتطلعاتها ، وبين ظروفها وإمكانياتها المتاحة ، لا أن تبحث عن حلول سحرية تقفز بها من واقعها إلى أحلامها قفزة واحدة . بل إن المطلوب فقط - وهذا هو الممكن - أن تحدد احتياجاتها وترتبها بحسب إلحاح أولوياتها ثم تحسن استغلال إمكانياتها ومواردها المتاحة لإنجاز مشروعاتها المطلوبة أولاً فأول . أما المدى الذى ستبلغه فى هذا الطريق فهو رهن بمقدار ما لديها من إمكانيات ثم قدرتها على استغلالها بأسلوب أمثل ، وفى ظروف مناسبة .
وبناءً على ما سبق فإن مهمة إنجاز المشروع التنموى المستقل لمجتمع ما تتطلب الآتى :
1 - وجود سلطة سياسية لديها القناعة والتصميم على إنجاز مثل هذا المشروع ، وفق رؤية واضحة له ، ووجود أداة إدارية قادرة على القيام بالمهام التى يفرضها إنجاز هذا المشروع ، وتهيئة الظروف الملائمة لذلك .
2 - تقييم دقيق لحجم الموارد والإمكانيات المتاحة فى المجتمع .
3 - تلمس احتياجات هذا المجتمع ، وترتيب هذه الاحتياجات بحسب أولوية كل منها .
4 - وجود خطة علمية مدروسة سلفاً تحدد مراحل وكيفية إنجاز المشروع .
وفى المرحلة التاريخية السابقة على انهيار الاتحاد السوفييتى ، عندما كان النظام العالمى قائماً على الثنائية القطبية ، كانت الظروف أكثر ملاءمة أمام كثير من المجتمعات للقيام بمشروعات تنموية طموحة ، واستطاعت بعض المجتمعات أن تحرز إنجازات جيدة فى هذا السبيل . وكان متاحاً أمام تلك المجتمعات امتلاك قدر معين من الحرية للقيام بتنمية وطنية مستقلة وتبنى خطط وطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وكان بإمكان تلك المجتمعات تهيئة الظروف الملائمة لإنجاح خططها التنموية فى ظل قدرة الدولة على اتخاذ سياسات وإجراءات اقتصادية معينة فى نطاق إقليمها ، نحو اتخاذ إجراءات حماية لأسواقها ومنتجاتها فى مواجهة الخارج من خلال سياسة الحماية الجمركية والتحكم بالتجارة الخارجية وتشجيع الاستثمار الوطنى وغير ذلك .
وتراوح حجم النجاح أو الفشل فى تلك التجارب بمقدار اقتراب كل منها من توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإنجازها ، وعدم وجود عوائق خارجية واجهتها .
وقد حاولت بعض الأقطار العربية السير فى هذا الطريق كمصر والجزائر والعراق ، وربما حققت بعض الإنجازات فى هذا السبيل إلا أنها ظلت بعيدة عن الطموح المنشود لأسباب متعددة داخلية وخارجية .
وما نريد الإشارة إليه هنا هو أن الظروف التاريخية لما قبل عصر العولمة كانت تتيح للشعوب والأمم خيارات كثيرة لإقامة تنمية وطنية مستقلة .
أما فى عصر العولمة فلا شك أن الأمر أصبح أكثر صعوبة؛ فظروف وأدوات ومؤسسات العولمة تقف اليوم بالمرصاد أمام أية خطط وطنية لإجراء تنمية مستقلة . وتقف على رأس هذه المؤسسات : منظمة التجارة العالمية ، وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى .
فوفق قواعد منظمة التجارة العالمية تفقد الدولة الوطنية قدرتها على فرض إجراءات حمائية تقتضيها خطتها التنموية ، ولا مفر أمامها من فتح حدودها وأسواقها أمام طوفان السلع والخدمات الأجنبية ، وتكون النتيجة هى القضاء على المنتجات الوطنية التى لن تصبح قادرة على المنافسة مع المنتجات الأجنبية التى توفرت لها ظروف مناسبة خلال فترة زمنية طويلة؛ استقام فيها عودها وأصبحت قادرة على المنافسة بعد ذلك . بالإضافة إلى عدم قدرة الدولة على إحكام الرقابة على الاستثمار المنجز على أراضيها وتوجيهه الوجهة المناسبة . كما أن الالتزامات المفروضة فى ظل منظمة التجارة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية؛ تجعل من الحصول على التقانة أمراً صعب المنال ، أو على الأقل أكثر كلفة ، وهو عائق آخر أمام المجتمعات النامية نحو إقامة تنمية وطنية مستقلة .
وإذا ما قيل إن ظروف العولمة تتيح حرية انتقال رؤوس الأموال وتمكِّن الشركات الكبرى من إقامة مشروعاتها فى أى مكان من العالم ، وبالتالى يمكن أن تستفيد الدول النامية من استقطاب تلك المشروعات بما يخدم تنشيط اقتصادها؛ فإنه وإن كان فى هذا التصور شيء من الصحة ، لكن يبقى أن إقامة مثل هذه المشاريع يخضع لسياسة رؤوس الأموال الأجنبية وليس لمقتضى احتياج البلد وأولياته التنموية ، فرؤوس الأموال الأجنبية فى سعيها الدؤوب نحو تحقيق الربح لا يعنيها ظروف المجتمع واحتياجاته وسلم الأولويات لديه ، ولكن وجهتها الربح والمزيد من الربح ، ويمكن لها أن تعدل عن الاستمرار فى نشاطاتها ومشاريعها فى هذا البلد وتغلق مصانعها وتحول مشاريعها إلى منطقة أخرى وفقاً لمصالحها وما تحققه لها هذه المشاريع من أرباح ، بغض النظر عن الآثار السلبية الناتجة عن هذا العدول على مصالح المجتمع الحيوية .
تسعى كل المجتمعات البشرية إلى إحراز تنمية وطنية متكاملة تتمكن خلالها من استغلال مواردها وإمكانياتها المتاحة على أكمل وجه لتحقيق نهضتها وإشباع حاجات أفرادها العديدة والمتجددة .
ونجاح أى تنمية وطنية فى أى مجتمع من المجتمعات منوط بقدرة هذا المجتمع على الاستفادة من الإمكانيات والموارد المتاحة له وفق ظروفه الخاصة به لإنجاز مشروعه التنموى المطلوب .
ولا شك أن طبيعة المشروع التنموى المطلوب والملائم لمجتمع ما ستختلف عما هو ملائم لمجتمع آخر ، نظراً لاختلاف ظروف كل مجتمع واحتياجاته وإمكانياته المتاحة .
وفى مجتمع مثل مجتمعاتنا التى تفتقر إلى الحد الأدنى من البُنى الأساسية اللازمة للنهضة والتقدم تصبح المهمة الأولى لأى مشروع تنموى هى إنجاز هذه البنية الأساسية ولو فى حدها الأدنى .
وليس أمام أى مجتمع من المجتمعات التى تخلفت عن ركب التقدم الإنسانى إلا أن تبحث عن حلول واقعية لحل مشاكلها توفِّق فيها بين احتياجاتها وأحلامها وتطلعاتها ، وبين ظروفها وإمكانياتها المتاحة ، لا أن تبحث عن حلول سحرية تقفز بها من واقعها إلى أحلامها قفزة واحدة . بل إن المطلوب فقط - وهذا هو الممكن - أن تحدد احتياجاتها وترتبها بحسب إلحاح أولوياتها ثم تحسن استغلال إمكانياتها ومواردها المتاحة لإنجاز مشروعاتها المطلوبة أولاً فأول . أما المدى الذى ستبلغه فى هذا الطريق فهو رهن بمقدار ما لديها من إمكانيات ثم قدرتها على استغلالها بأسلوب أمثل ، وفى ظروف مناسبة .
وبناءً على ما سبق فإن مهمة إنجاز المشروع التنموى المستقل لمجتمع ما تتطلب الآتى :
1 - وجود سلطة سياسية لديها القناعة والتصميم على إنجاز مثل هذا المشروع ، وفق رؤية واضحة له ، ووجود أداة إدارية قادرة على القيام بالمهام التى يفرضها إنجاز هذا المشروع ، وتهيئة الظروف الملائمة لذلك .
2 - تقييم دقيق لحجم الموارد والإمكانيات المتاحة فى المجتمع .
3 - تلمس احتياجات هذا المجتمع ، وترتيب هذه الاحتياجات بحسب أولوية كل منها .
4 - وجود خطة علمية مدروسة سلفاً تحدد مراحل وكيفية إنجاز المشروع .
وفى المرحلة التاريخية السابقة على انهيار الاتحاد السوفييتى ، عندما كان النظام العالمى قائماً على الثنائية القطبية ، كانت الظروف أكثر ملاءمة أمام كثير من المجتمعات للقيام بمشروعات تنموية طموحة ، واستطاعت بعض المجتمعات أن تحرز إنجازات جيدة فى هذا السبيل . وكان متاحاً أمام تلك المجتمعات امتلاك قدر معين من الحرية للقيام بتنمية وطنية مستقلة وتبنى خطط وطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وكان بإمكان تلك المجتمعات تهيئة الظروف الملائمة لإنجاح خططها التنموية فى ظل قدرة الدولة على اتخاذ سياسات وإجراءات اقتصادية معينة فى نطاق إقليمها ، نحو اتخاذ إجراءات حماية لأسواقها ومنتجاتها فى مواجهة الخارج من خلال سياسة الحماية الجمركية والتحكم بالتجارة الخارجية وتشجيع الاستثمار الوطنى وغير ذلك .
وتراوح حجم النجاح أو الفشل فى تلك التجارب بمقدار اقتراب كل منها من توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإنجازها ، وعدم وجود عوائق خارجية واجهتها .
وقد حاولت بعض الأقطار العربية السير فى هذا الطريق كمصر والجزائر والعراق ، وربما حققت بعض الإنجازات فى هذا السبيل إلا أنها ظلت بعيدة عن الطموح المنشود لأسباب متعددة داخلية وخارجية .
وما نريد الإشارة إليه هنا هو أن الظروف التاريخية لما قبل عصر العولمة كانت تتيح للشعوب والأمم خيارات كثيرة لإقامة تنمية وطنية مستقلة .
أما فى عصر العولمة فلا شك أن الأمر أصبح أكثر صعوبة؛ فظروف وأدوات ومؤسسات العولمة تقف اليوم بالمرصاد أمام أية خطط وطنية لإجراء تنمية مستقلة . وتقف على رأس هذه المؤسسات : منظمة التجارة العالمية ، وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى .
فوفق قواعد منظمة التجارة العالمية تفقد الدولة الوطنية قدرتها على فرض إجراءات حمائية تقتضيها خطتها التنموية ، ولا مفر أمامها من فتح حدودها وأسواقها أمام طوفان السلع والخدمات الأجنبية ، وتكون النتيجة هى القضاء على المنتجات الوطنية التى لن تصبح قادرة على المنافسة مع المنتجات الأجنبية التى توفرت لها ظروف مناسبة خلال فترة زمنية طويلة؛ استقام فيها عودها وأصبحت قادرة على المنافسة بعد ذلك . بالإضافة إلى عدم قدرة الدولة على إحكام الرقابة على الاستثمار المنجز على أراضيها وتوجيهه الوجهة المناسبة . كما أن الالتزامات المفروضة فى ظل منظمة التجارة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية؛ تجعل من الحصول على التقانة أمراً صعب المنال ، أو على الأقل أكثر كلفة ، وهو عائق آخر أمام المجتمعات النامية نحو إقامة تنمية وطنية مستقلة .
وإذا ما قيل إن ظروف العولمة تتيح حرية انتقال رؤوس الأموال وتمكِّن الشركات الكبرى من إقامة مشروعاتها فى أى مكان من العالم ، وبالتالى يمكن أن تستفيد الدول النامية من استقطاب تلك المشروعات بما يخدم تنشيط اقتصادها؛ فإنه وإن كان فى هذا التصور شيء من الصحة ، لكن يبقى أن إقامة مثل هذه المشاريع يخضع لسياسة رؤوس الأموال الأجنبية وليس لمقتضى احتياج البلد وأولياته التنموية ، فرؤوس الأموال الأجنبية فى سعيها الدؤوب نحو تحقيق الربح لا يعنيها ظروف المجتمع واحتياجاته وسلم الأولويات لديه ، ولكن وجهتها الربح والمزيد من الربح ، ويمكن لها أن تعدل عن الاستمرار فى نشاطاتها ومشاريعها فى هذا البلد وتغلق مصانعها وتحول مشاريعها إلى منطقة أخرى وفقاً لمصالحها وما تحققه لها هذه المشاريع من أرباح ، بغض النظر عن الآثار السلبية الناتجة عن هذا العدول على مصالح المجتمع الحيوية .