صفحة 1
مقدمة
مقام الإيجاز عند العرب
لقد حظي المصطلح إيجاز بأسماء مختلفة: كالإشارة، والحذف والقِصَر، والاختصار، والكناية، والرمز، والتضييق· والتضييق هو أن يضيق اللفظ عن المعنى، لكون المعنى أكثر من اللفظ(2) وهو في المصنّفات البلاغية القديمة على نوعين: حذف وقِصَر· تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الدارسين يشكلون لفظة قصر بفتح القاف وتسكين الصاد (قَصْر)، وبعضهم يكسرون الأول ويفتحون الثاني (قِصَر)، وهو الأصحّ لسببين: (1) القِصَر وهو تقصير أو تقليص مساحة اللفظ وحدوده لتتّسع نتيجة لذلك مساحة المعنى· (2) والقِصَر، على نحو ما نرى، حتى لا تختلط الأوراق مع مفهوم نحوي/بلاغي آخر هو مفهوم القَصْر·(3)
يقول ابن حجة الحموي: هذا النوع، أعني الإيجاز، اعتنى به فصحاء العرب وبلغاؤها كثيرا، فإنهم كانوا إذا قصدوا الإيجاز أتوا بألفاظ استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة، كأدوات الاستفهام والشروط وغير ذلك· فقولك: أين زيد؟ مغنٍ عن قولك أزيدٌ في الدار أم في المسجد، إلى أن تستقري جميع الأماكن· وقولك: من يقم أقم معه، مغنٍ عن قولك، إن يقم زيد أو عمرو أقم معه· وما بالدار من أحدٍ، مغنٍ عن قولك: ليس فيها زيد ولا عمرو· فغالب كلام العرب مبني على الإيجاز والاختصار، وأداء المقصود من الكلام بأقلّ عبارة(4) إنّ الرغبة في الاختصار موجودة في أصل اللغة العربية، كما يقول ابن حجّة الحموي، وفي غيرها من اللغات· هكذا نجد في العربية مثلا أنّ تنوين العوض قد أريد به تعويض السامع عن نقص متعمّد في الكلام يوجزه·(5)
وعلاوة على وجود الإيجاز في أصل اللغة، لقد جعل العرب الإيجاز في أصل البلاغة أيضا· قال الإمام علي، رضي الله عنه: ما رأيت بليغا قط إلا وله في القول إيجاز، وفي المعاني إطالة(6) وهكذا أحكم الإمام علي العلاقة بين الإيجاز والبلاغة، وربط بين قلة اللفظ وكثرة المعاني· وقال أكثم بن صيفي من خطباء العرب: البلاغة الإيجاز(7) روت بعض المصادر أنّ معاوية بن أبي سفيان قد أعجب بفصاحة صحار بن عياّش العبديّ قائلا: ما هذه البلاغة التي فيكم؟ قال صحار: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا· فقال له معاوية: ما تعدّون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز· قال له معاوية: وما الإيجاز؟ قال صحار: أن تجيب فلا تبطئ، وأن تقول فلا تخطئ(8) يحدّد صحار الإيجاز في عنصرين: الإسراع والإصابة· وهما، كما سنرى لاحقا، يرتبطان بضرورة الابتعاد عن الثرثرة والإطناب لتحقيق المعنى الدقيق· وقال جعفر بن يحيى البرمكي يحثّ كتّابه على الإيجاز: إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا(9) وهو القائل أيضا: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار هذرا(10) قال عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى الكتّاب يحثّهم على تجنّب الإطالة في الكلام والوصف: واعلموا أنّ للتدبير آفة متلفة، وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإنّ ذلك مصلحة لفعله، ومدفعه للتشاغل عن إكثاره(11) قالت بنت الحطيئة لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ قال: لأنها بالآذان أولج وبالأفواه أعلق· وقيل لشاعر: لم لا تطيل في شعرك؟ فقال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق·(12) قال البحترى في استحسانه للكلام الموجز:
والشعر لمح تكفي إشارته
وليس بالهذر طولت خطبه
صفحة 2
والجاحظ في البيان والتبيين يشير، وهو يدافع عن العرب وبلاغتهم، إلى أنّ خطباء العرب مالوا إلى الإيجاز بقوله: وخطباؤهم أوجز(13) بما يعني أنّ الإيجاز هو من علامات البلاغة الرفيعة· وقالت العرب أيضا: إنّ الإطالة أكثر أسباب الملالة·(14) وقالت: خير الكلام ما قلّ ودلّ وجلّ ولم يملّ· وجعلوا البلاغة في الإيجاز· وعندما سئلوا عنها، أي البلاغة، قالوا: قليل يُفهم، وكثير لا يُسأم· وقالوا: البلاغة إجاعة اللفظ، وإشباع المعنى· وهي معان كثيرة في ألفاظ قليلة· وقالوا فيها أيضا: هي إصابة المعنى وحسن الإيجاز· أو كما قال خلف الأحمر: البلاغة لمحة دالة·(15) أو كما قال الخليل بن أحمد (ت 175 هـ): كلمة تكشف عن البقية·(16) وحينما سأل معاوية عمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ أجابه ابن العاص: من اقتصر على الإيجاز وتنكب الفضول·(17) وهذا ابن المقفع يرفع الإيجاز مقاما رفيعا بتعريفه للبلاغة بقوله: فعامة ما يكون من هذه الأبواب ]وجوه البلاغةصلى الله عليه وسلم الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة(18) وفي الموضع ذاته يجعل ابن المقفع السكوت وجها من وجوه البلاغة· ولعلّ هذا ما رمى إليه عبد القاهر الجرجاني حين قال: ترك الذكر أفصح من الذكر(19) وكلّ هذه الشواهد إن دلت على شيء فإنما تدلّ على المكانة الرفيعة التي يحظى بها الإيجاز في لغة العرب وبلاغتهم·
لقد عرف العرب، على مرّ العصور، أشكالا عديدة من الإيجاز في أدبهم أيضا· عرفوا الأمثال والحِكَم والتوقيعات والأخبار والنوادر والرسائل والقصار (المقطوعات الشعرية القصيرة) في ما تقدّم من عصور، مثلما يعرفون اليوم الأقصوصة القصيرة (القصة القصيرة جدا) والنثيرة (القصيدة القصيرة)· لقد عرفوا الإيجاز وأحبّوه في المنطوق والمكتوب· وهكذا ظهر المثل والحكمة وذاع صيتهما، كنوعين أدبيين يقومان على المشافهة، ثمّ ظهرت التوقيعات، فيما بعد، كجزئية نصية ملحقة في الرسائل المكتوبة· وهي أقصر الأشكال وأشدّها إيجازا مما ورد إلينا من أدب العرب منذ الجاهلية· إنّ الطاقة الإجمالية والتلخيصية التي تتمتّع بها هذه الأشكال الثلاثة تضعها في قلب الإيجاز بما يعنيه من تكثيف للمعاني وتوليد للدلالات في أقصر لفظ· وقد وجدنا من المناسب، في هذه العجالة، الإشارة إلى تلك الأشكال الأدبية الموجزة حتى نبيّن البيئة الأدبية التي احتضنت مفهوم الإيجاز ووفّرت له المسوّغ العملي لتثبيته وتطوّره·
أما الأمثال(20) فقد قال فيها ابن رشيق: إنما سمّي مثلا لأنه ماثل لخاطر الإنسان أبدا، يتأسّى به، ويعظ ويأمر ويزجر، وفيه خلال ثلاث: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، ويرى ابن رشيق أنّ أفضل المثل هو أوجزه(21) وتجدر الإشارة إلى أنّ الباحثين يفرّقون بين المثل والحكمة برغم نقاط التلاقي بينهما·(22)
أما التوقيعات فهي في المجمل عبارات بلاغتها في إيجازها· وهي فن أدبي كتابي، ارتبطت بداياته بظهور الرسائل المكتوبة·(23) وقد بدأت تظهر مع فترة الخلفاء الراشدين في الرسائل التي كان الخلفاء أو الوزراء أو الأمراء أو الولاة أو القضاة يبادرون إليها أو في ردودهم على رسائل كانت تُرسل إليهم·(24) وقد يكون التوقيع آية قرآنية قصيرة، أو حديثا نبويا شريفا، أو حكمة، أو بيت شعر مأنوسا، أو مثلا، وما إلى ذلك·(25) يقول البطليوسي (444 - 521 هـ) في تعريف التوقيع: وأما التوقيع فإنّ العادة جرت أن يستعمل في كلّ كتاب يكتبه الملك، أو مَنْ له أمر ونهي، في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عَرْضه، بإيجاب ما يُسْأل أو منعه، كقول الملك: ينفذ هذا إن شاء الله، أو هذا صحيح· وكما يكتب الملك على ظهر الكتاب: لِتُرَدَّ على هذا ظُلاَمته· أو لينظـر في خبر هذا، أو نحو ذلك(26) ويقول ابن خلدون (732 - 808 هـ): ومن خُطط الكتابة التوقيع، وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في مجالس حكمه وفصله، ويوقّع على القصص المرفوعة إليه أحكامها والفصل فيها، متلقاة من السلطان بأوجز لفظ وأبلغه· فإما أن تصدر كذلك، وإما أن يحذو الكاتب على مثالها في سجل يكون بيد صاحب القصة، ويحتاج الموقّع إلى عارضة من البلاغة يستقيم بها توقيعه(27) وابن خلدون في هذا التعريف الموجز، مثلما نرى، يؤكّد على ميزتين هما في غاية الأهمية: الإيجاز والبلاغة، وهما متعالقتان أشدّ التعالق·
في هذه البيئة البلاغية والأدبية نشأ الإيجاز ونما· وقد أقبل السلف من البلاغيين والكتاب والشعراء والخطباء المفوّهين على الإيجاز بكلّ أشكاله ليقيموا علاقة عكسية بين غيض اللغة وفيض المعنى، بين جزر الدالّ ومدّ المدلول· فمثلما يتراجع البحر في جزره ويتقلص وينحسر ويتكثف ليكون مدّه أشدّ وأعتى، كذا تتّسع الدلالة إذا ما تقلصت اللغة وانحسرت فانحصرت· وتظلّ اللغة، بصفة عامّة، أعجز عن احتواء الواقع الذي تتوالد فيه ومن أجله· تُعنى البلاغة، من بين ما تُعنى به في محصلتها العامة، بـتحايل اللفظ على المعنى· والتحايل قد يعني الإيجاز والإشارة والتعريض والتورية والتشبيه والاستعارة والكناية وغيرها من الآليات التعبيرية التي تسعى إلى تحسين أداء المعنى عبر تعويقه أو تأجيله وتضليله وتظليله·(28) من هنا كانت المباعدة بين اللفظ ومعناه أو التركيب اللغوي ودلالته من جملة النتائج التي تسعى إليها البلاغة العربية منذ كانت·
صفحة 3
1· أما قبل: الصرفة والإعجاز
لقد كانت مجاهرة إبراهيم النظّام (ت 231 هـ)، وقد كان من أبرز شيوخ المعتزلة في عصره، بمسألة الصرفة، ربما بتأثير بعض الأفكار الهندية في ذاك الوقت، الشرارة الأولى التي أشعلت التنافس بين علماء العرب والمسلمين في الدفاع عن التفرّد اللغوي والبلاغي للقرآن الكريم· قال النظّام: إنّ العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه، ونسجه ونظمه، بل كان لأنّ الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله(29) بهذه الصرفة، كما يعتقد النظّام، يعصم الله تعالى كتابه عن التقليد من جهة أولى، ومن جهة ثانية يدلل تعالى بها على وجوده وقدرته· غير أنّ علماء المسلمين من رجال الفقه رأوا في هذه الفكرة مسّا صارخا بالقرآن الكريم وإساءة واضحة لتفرّده وتميّزه من حيث هو كلام الله· فانبرى كلّ هؤلاء، مثلما فعل غيرهم من النحويين والمتكلمين والأدباء على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم، للتصدّي لهذه الفكرة من أصلها من خلال معاينة دقيقة ومتأنية للغة القرآن الكريم وأساليبه التعبيرية والبلاغية· وهكذا ولدت الدراسات البلاغية، والنحوية إلى حدّ بعيد، أو هي ترعرعت في حضن الدراسات القرآنية· وكانت بذرة البداية، كما نرى، في القرن الثاني للهجرة· وكان لا بدّ أن تفرز هذه الدراسات مفهوما مقابلا للصرفة وهو مفهوم الإعجاز في القرآن الكريم· ومفهوم الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم يؤكّد على أنّ القرآن معجز بذاته من حيث هو كلام الله تعالى وليس بالصرفة· واستمرّ هذا البحث المتأني في لغة القرآن الكريم وأساليبه اللغوية والبلاغية حتى استقرّ على وجه التقريب مع نهاية القرن السابع للهجرة، وإن كانت جهود الشرح والتصنيف والتثبيت قد استمرت ببعض الجدية حتى القرن العاشر مع الشيخ جلال الدين السيوطي في مؤلفاته الكثيرة·
أما مرحلة البدايات، كما أشرنا، فقد كانت مع القرن الثاني للهجرة بإسهامات جادة لأبي عبيدة في كتابه مجاز القرآن، ثمّ الفرّاء في كتابه معاني القرآن، ثمّ الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، الذي يردّ فيه على أستاذه إبراهيم النظّام، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن وابن جرير الطبري (ت 310 هـ) في تفسيره· وفي كلّ هذه الدراسات كانت الملاحظات البلاغية المبثوثة في ثنايا هذه الدراسات تأخذ دورا بارزا في تأكيد خصوصية اللغة والأسلوب في القرآن الكريم· ونحن وإن كنا لا نقلّل من أهمية هذه الدراسات، في هذه المرحلة المبكّرة، إلا أنه يجب التأكيد على أنها كانت تجنح إلى الانطباعية في توجّهها، تفتقر إلى أسس الدراسة العلمية المنهجية، فكانت خليطا من الإشارات والملاحظات الأدبية والنحوية والبلاغية والفكرية· ومن جملة ما التفت إليه هؤلاء الطلائعيون هو الإيجاز والحذف في القرآن الكريم· غير أنّ التفاتهم هذا كان يظهر على شكل إشارات أو ملاحظات سريعة على نحو ما تقدّم ذكره·
صفحة 4
2· الإيجاز حتى القرن العاشر للهجرة
1· 2· مرحلة المخاض: القرن الثاني - الثالث
لقد كانت بداية الاهتمام بكثير من الوجوه البلاغية مع منتصف القرن الثاني للهجرة· واستمرّت الجهود البلاغية بالبحث والتنقيب والتجديد والتطوّر حتى القرن السابع للهجرة، على وجه التقريب، ثمّ وجدنا أنّ الجهود اللاحقة عنيت بالتمثيل والتوثيق والتثبيت والتصنيف المسهب المفيد حتى القرن العاشر للهجرة، على أنّ كثيرا من الجهود اللاحقة فيما بعد قد أصيبت بالاستقرار فانتقلت إلى مهمّات النقل والاستعراض والتلخيص· أما مرحلة البدايات فنتوقّف فيها مع خمسة مؤلفات شكّلت أرضية صلبة لانطلاق الدراسات البلاغية فيا بعد، وهي: (1) سيبويه (النحوي البصري) (ت 180هـ) في الكتاب، (2) الفرّاء (النحوي الكوفي) (144-208 هـ) في كتابه معاني القرآن، (3) أبو عبيدة (112-210 هـ) في كتابه مجاز القرآن، (4) الجاحظ (159-255 هـ) في كتابيه الحيوان والبيان والتبيين، (5) ابن قتيبة (213-276 هـ) في تأويل مشكل القرآن
إنّ دارس الموروث البلاغي والنقدي يجد إشارات في غاية الأهمية والأثر إلى مسألة الإيجاز في لغة العرب، وإن كانت ما تزال أوّلية في طبعها· ولعلّ قول ابن المقفّع (ت 146 هـ) بهذا الشأن، حينما جعل الإيجاز هو البلاغة، كان من أبرز هذه الإشارات وأعمقها أثرا على تطور مفهوم الإيجاز فيما بعد· يقول ابن المقفّع حينما سئل عن رأيه في البلاغة: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة· فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة(30) بهذا الموقف يكون ابن المقفّع قد أعلى من شأن الإيجاز حتى أقام البلاغة كلها عليه، وهذا ما ترك أثرا بارزا على كثير من الدراسات اللاحقة على نحو ما سيلحق بيانه·
تشكّل المؤلفات الثلاثة الأولى أقدم مجموعة من المؤلَّفات التي يُذكر فيهما إيجاز الحذف بوضوح، والتي كانت أساسا متينا لكثير من الدراسات النحوية والبلاغية والقرآنية التي ظهرت لاحقا· أمّا الأوّل فهو كتاب سيبويه (النحوي البصري) (ت 180 هـ)، وفيه يتحدّث عن أشكال الحذف في اللغة والقرآن الكريم· يخصّص سيبويه لظاهرة الحذف بابين مستقلين يبيّن فيهما قدرة الحذف على تفادي الإطالة والاتساع في القول· ومن الشواهد التي يسوقها على ذلك، والتي سيتناقلها كلّ من أتى بعده من النحويين والبلاغيين والمفسّرين على مرّ عصور طويلة، قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} (سورة يوسف: الآية 82)· وسنتوقّف بدورنا عند هذه الآية ببعض التفصيل فيما بعد· وسيبويه في شرحه لقيمة الحذف في هذه الآية يشير إلى الطاقة المجازية التي يحملها هذا الحذف، دون أن يوظّف مصطلح مجاز باللفظ وإن كان هذا ما يُفهم من سياق كلامه·(31) الحقيقة أنّ سيبويه يربط بين الحذف وبين وضوح المعنى، فحين يكون المعنى معروفا يمكن الاستغناء عن بعض الكلام· إذن، وضوح المعنى عند سيبويه هو شرط الحذف· ولا شكّ في أنّ هذا الكلام لا يتفق مع طبيعة اللغة لا على مستوى المبدأ ولا على مستوى الحاصل· يقول سيبويه بشأن حذف الألف من لفظة باسم في البسملة: وإنما حذفوها ]···صلى الله عليه وسلم لأنها وقعت في موضع معروف لا يجهل القارئ معناه، ولا يحتاج إلى قراءته، فاستُخفّ طرحها؛ لأنّ من شأن العرب الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه(32)
صفحة 5
أمّا الثاني فهو معاني القرآن للفرّاء (النحوي الكوفي) (144-208 هـ) وفيه يشرح الفرّاء القرآن الكريم مع تأكيده على الجانب النحوي والبلاغي· يلتفت الفرّاء إلى مسألة الحذف والإيجاز في أكثر من موضع في كتابه· ففي بداية الكتاب يتوقّف الفرّاء عند حذف الألف من لفظة باسم في البسملة ويقول: وإنما حذفوها )···لأنها وقعت في موضع معروف لا يجهل القارئ معناه، ولا يحتاج إلى قراءته، فاستُخفّ طرحها؛ لأنّ من شأن العرب الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه(33) ثمّ يأتي على ذكر الحذف في آيتين من القرآن الكريم، الأولى قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوّة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأُشربوا في قلوبهم العجلَ بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين}، (سورة البقرة: الآية 93)· والثانية ما أورده سيبويه من قبل وهو قوله تعالى: {واسأل القرية}· ويقول الفرّاء بشأن هذا الحذف: ومثل هذا ممّا تحذفه العرب كثير(34) إنّ وعي النحويّين الأقدمين بمسألة الحذف في اللغة والقرآن الكريم كان مصحوبا بحسّ بلاغي واضح وإن لم تكن المصطلحات البلاغية، كالمجاز مثلا، التي ترافق الحذف قد تبلورت وثبتت بعد·(35)
أمّا الكتاب الثالث فهو مجاز القرآن لأبي عبيدة (112-210 هـ)، فيه يُذكر إيجاز الحذف بوضوح تام، وفيه يستخدم أبو عبيدة لفظة المجاز، في مواضع عديدة من هذا المؤلف، في سياق الحديث عن الحذف· وفي هذه المواضع يذكر أبو عبيدة الشواهد نفسها التي ترد في كتاب سيبويه ومعاني القرآن للفرّاء كالآية {وأُشربوا العجل} والآية {واسأل القرية} ويسمّيه مجاز المختصر·(36) وعندما يقول أبو عبيدة مجازه كذا يعني تفسيره أو تقديره أو معناه كذا وكذا· وعلى العموم، المجاز عند أبي عبيدة يعني طرق التعبير في القرآن الكريم، وهو معنى أوسع من المعنى الذي حدّده المتأخرون عنه لهذا المصطلح· غير أن الاجتهادات الأولى في هذا المجال لم تصل حدّا من وضوح الرؤية، وبالتالي لم تصل حدّ النضوج المنهجي في التعامل مع المفاهيم البلاغية المختلفـة·
وتعاقبت المحاولات والمصنفات والرسائل في هذا المجال· ولعلّ الجاحظ (159-255 هـ) هو أبرز من بدأ يُعنى بالإيجاز عناية أدبية خاصة، فأشار إليه في مواضع عديدة من كتابيه الحيوان والبيان والتبيين يقول الجاحظ في الحيوان: وقد ذكرنا أبياتا تُضاف إلى الإيجاز وقلة الفضول، ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة· فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة لا يصدّعون عنها ولا ينزفون، وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا، وقوله عزّ وجلّ حين ذكر فاكهة أهل الجنة فقال لا مقطوعة ولا ممنوعة جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني(37) لكنّ هذا الكتاب الذي يخبرنا الجاحظ بأمره لم يصلنا· غير أنّ هذه الإشارة في كتاب الحيوان تدلّ على أمرين: (1) يفرّق الجاحظ بين الإيجاز والحذف، (2) يفرد الجاحظ كتابا مستقلا لمسألة الإيجاز والحذف، الأمر الذي يشير إلى الأهمية الكبرى التي كان الجاحظ يوليها لهذه المسألة· ولا شكّ في أنّ البيان والتبيين هو من أقدم الكتب التي تؤسّس لعلم البلاغة العربية على النحو الذي سيكون عليه في القرنين الرابع والخامس للهجرة· قال الجاحظ في هذا الكتاب على سبيل المثال: وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى(38) وقال أيضا: وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه(39) والجاحظ يمتدح الإيجاز إذا كان واضحا في معناه· أما إذا كان هذا الإيجاز لا يوصل إلى معنى واضح فهو معيب عنده· إنّ شرط الوضوح في الإيجاز، على النحو الذي يحدّده الجاحظ، يحدّ من طاقة الإيجاز وقدرته على الاستدلال· فالمعنى لا يتكامل في الكلام الموجز ولا في المطنب على حدّ سواء· وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من تفعيل المتلقي لاستكمال ما استعصى· إذا كان يُفهم من كلام الجاحظ ربطه بين الإيجاز والحقيقة، فإننا أميل إلى الاعتقاد بربط الإيجاز بالمجاز· وفي موضع آخر من كتابه هذا يعقّب الجاحظ على إجابة إياس بن معاوية حينما عابوا عليه كثرة كلامه· قال إياس في هذا الموقف فتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: لا· بل صوابا· قال إياس: فالزيادة من الخير خير يقول الجاحظ في تعقيبه على إجابة إياس هذه: وليس كما قال، للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية· وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل وهو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه(40) وقد التفت الجاحظ إلى ظاهرة الإيجاز وبلوغ المعاني بالألفاظ اليسيرة(41) في الأدب العربي وقد أورد فيه كثيرا من الشواهد الموجزة والبليغة في إيجازها·(42) ومن هذه الآيات مثلا قوله تعالى {لا يصدّعون عنها ولا يُنزفون} (الواقعة: الآية 19)· ففي رأي الجاحظ جمعت الكلمتان المركزيتان في هذه الآية كلّ عيوب الخمر في هذه الدنيا·(43)
تأخذ الدراسات في العلوم البلاغية بالتراكم، بصفة تدريجية، في القرن الثالث للهجرة· ولا شكّ في أنّ ابن قتيبة (213-276 هـ) كان من أبرز المساهمين في هذا المجال في هذه الحقبة من الزمن· لقد ذكر ابن قتيبة مسألة الإيجاز، دون أن يستعمل المصطلح نفسه، في موضعين من مؤلفاته، الأول في أدب الكاتب والثاني في تأويل مشكل القرآن وقد سمّاها ابن قتيبة باب الحذف والاختصار، ويعرّفه في معرض حديثه عن القرآن الكريم، بأنه جمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وهذا معنى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم، أوتيت جوامع الكلم(44) في كتابه تأويل مشكل القرآن يذكر ابن قتيبة الحذف باعتباره وجها من وجوه المجاز في القرآن الكريم·(45) وقد خصّص لها بابا مستقلا، غير أنه لم يبوّب لإيجاز القصر وإن كان يورد الكثير من الشواهد عليه· ويبدو أنّ ابن قتيبة كان يرى في إيجاز القصر وجها من وجوه الحذف والاختصار· وعنه يقول: وقد يشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمــار(46) ثم يأتي بالشواهد من القرآن الكريم والشعر العربي والأمثال وكلها تدخل في باب الإيجاز لا باب الحذف·(47) شغل ابن قتيبة في كتابه هذا بكثير من أشكال الحذف الموثقة بالشواهد من القرآن الكريم والأدب العربي·(48) وكثير من هذه الشواهد نفسها سترد في دراسات اللاحقين·
صفحة 6
2·2· مرحلة الولادة: القرن الثالث - الرابع
وفي هذه المرحلة نتوقف عند ستة هم من أبرز مَن أولى الإيجاز عناية واضحة برغم التفاوت بينهم في الجهد الذي يبذله كلّ منهم في شرح باب الإيجاز، وهم: (1) ابن طباطبا العلوي (250-322 هـ) في كتابه عيار الشعر، (2) قدامة بن جعفر (260/276-337 هـ) في كتابه نقد الشعر، (3) الرماني (296-386 هـ)، (4) أبو هلال العسكري (ت 395 هـ)، (5) أبو منصور الثعالبي (350-429 هـ)، (6) الشريف المرتضى العلوي (355-436هـ)·
لقد أسهم ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشعر في تطوّر دراسة الإيجاز بأن جعله، تحت اسم الاختصار، من معايير حسن المعاني في الشعر وأشدّها استفزازا لسامعها· وهو حين يؤكّد أهمية الاختصار في تحسين المعنى الشعري إنما يجعله ينوب عن الإطالة، وفي هذه الإنابة ينحاز ابن طباطبا إلى جانب الاختصار كأداة إجرائية تخدم المعنى· وهذه المقارنة الخفية أو المفاضلة بين الاختصار والإطالة ستساهم في دراسة الإيجاز مقرونا بالإطناب في الدراسات اللاحقة· والمثير للاهتمام أنّ ابن طباطبا قد ربط في سياق واحد بين التعريض الخفي والاختصار (الإيجاز)، وقد أتى بهما متلازمين·(49) وهذا يعني أنّ للإيجاز طاقة تعريضية تلميحية تثري المعنى وتشبعه، على نحو ما سيتبع من تفصيل· أما قدامة بن جعفر فقد تحدّث عن المساواة والإيجاز (الإشارة)· يقول قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر عن الإيجاز الذي يسميه إشارة: وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بإيماء إليها، أو لمحة دالة عليها، كما قال بعضهم وقد وصف البلاغة فقال: هي لمحة دالة(50) لا شك في أنّ قدامة بن جعفر يرى في الإيجاز أساسا للبلاغة· وقد تحدّث أيضا في فصل من فصول كتابه نقد النثر أو كتاب البيان عن الحذف ويقول: وأما الحذف فإنّ العرب تستعمله للإيجاز والاختصار والاكتفاء بيسير القول إذا كان المخاطب عالما بمرادها(51)
على الرغم من التحفّظات، التي سيلحق تفصيلها، يظلّ الرماني في رسالته المشهورة أوّل حلقة مفصلية في تطوّر دراسة الإيجاز في البلاغة العربية والقرآن الكريم منذ بدأت، لسببين: (1) هو أوّل من جعل البلاغة، على وجه العموم، على عشرة أقسام وجعل الإيجاز أوّلها،(52) (2) وهو أول من التفت إلى مسألة الإيجاز في الدرس البلاغي وعلوم القرآن الكريم التفاتة مفصّلة ومستقلّة ومنهجية حين قسّم الإيجاز إلى نوعين محدّدين واضحين: الإيجاز والحذف على النحو الذي نعرفه اليوم· يبدأ الرمانيّ رسالته الهامّة بتعريف الإيجاز على النحو التالي: تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى· وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن يعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز(53) ويقول في موضع آخر في سياق الرسالة: قد يكون للمعنى طريقان أحدهما أقرب من الآخر، كقولك: تحرّكْ حركة سريعة - في موضع أسْرِعْ(54) ويختتم رسالته هذه بالتعريف نفسه مع زيادة في التمثيل، يقول: والإيجاز البيان عن المعنى بأقلّ ما يمكن من الألفاظ، والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير، والإيجاز والإكثار إنما هما في المعنى الواحد، وذلك ظاهر في جملة العدد وتفصيله كقول القائل: لي عنده خمسة وثلاثة واثنان في موضع عشرة(55) يبدو في هذا التعريف أنّ الرمانيّ يربط بين اللفظ والمعنى في الإيجاز ربطا كميا لا كيفيا، بأن ثبّت المعنى وغيّر في اللفظ· فالمعنى عنده واحد في حالتين متناقضتين: الإيجاز والإطالة، قد يعبّر عنه بألفاظ كثيرة أو بألفاظ قليلة من غير إخلال به· وعنده القول تحرّكْ حركة سريعة مساوٍ لقولك أسْرِعْ، وبنفس القدر بالضبط يساوي الرمانيّ بين القول: لي عنده خمسة وثلاثة واثنان وبين القول لي عنده عشرة غير أنه في مواضع أخرى من الرسالة يجعل الرمانيّ الإيجاز بوجهيه، الحذف والقِصَر، أبلغ من الذكر· وحتى يبيّن الرماني بلاغة التعبير في القرآن وتميّزه على كلام العرب يعقد الرماني مفاضلة عاجلة بين قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} (سورة البقرة: الآية 179) وبين قولهم في الجاهلية: القتل أنفى للقتل وإيجاز الحذف أيضا لا يخلو عنده من قيمة بلاغية كبرى، أو كما قال: وإنما صار الحذف في مثل هذا صلى الله عليه وسلمحذف جواب الشرط] أبلغ من الذكر لأنّ النفس تذهب فيه كلّ مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمّنه البيان(56) وإذا كان إيجاز الحذف لا يخلو من بلاغة فما بالك بإيجاز القصر· يقول الرمانيّ: والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف(57) وهو، تبعا لذلك، أغمض من الحذف، أو كما قال: الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضا(58) وما يجعل إيجاز القصر أغمض من الحذف هو قدرته، مثلما يُفهم من كلامه، على احتمال المعنى الكثير في اللفظ اليسير· وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كنا نتحدّث عن غموض ناتج عن حذف أو قصر تذهب النفس فيه كلّ مذهب، فكيف يساوي بين التعابير القصيرة والطويلة في الأمثلة التي تقدمت؟! وهذا ما سيلحق بيانه في موضع لاحق·
صفحة 7
لا شكّ في أنّ هناك تناقضا جوهريا في تعريفات الرمانيّ على النحو الذي تقدّم·(59) فهو من جهة أولى يحدّ المعنى بحدود اللفظ ومن جهة أخرى يترك للمتلقي مساحة من المشاركة في تحديد المعاني· المعنى عنده هو المعنى نفسه إن طال الكلام أو قصر، لا يتغيّر لا يزيد ولا ينقص· يتغافل الرمانيّ في تعريفه الكميّ هذا عن حقيقتين: (1) السياق الذي يقال فيه الكلام بما يشمله من حالة المرسِل والمرسَل إليه والسياق الحضاري الذي يقال فيه الكلام، (2) كلّ ما يحذف من الكلام لا بدّ أن يمسّ المعنى على نحو ما، إما بصورته وإما بنوعه وإما بحجمه· ونحن ندّعي أن كلّ ما يحذف من الكلام يؤثّر على نحو ما على المعنى في مداه ونوعه· والرمانيّ نفسه يتحدّث من جهة أولى عن الغموض الناتج عن الإيجاز بوجهيه، ومن جهة ثانية يقدّم أمثلة يتساوى فيها المعنى في حال الإيجاز والإطالة· علاوة على ذلك، لم يحدّد الرمانيّ بالضبط كيف تظهر هذه المعاني في اللفظ عندما ربط بين قلة اللفظ وكثرة المعاني· هل هي كلها في اللفظ، أم أنّ هناك جانبا منها في ذهن المتلقي؟ بمعنى آخر، هل تقع هذه المعاني في الحقيقة أم في المجاز، أم أن هناك حالة بينيّة تجمع كليهما على نحو ما؟
يفرد أبو هلال العسكري الباب الخامس من كتابه المعروف كتاب الصناعتين(60) في فصلين مستقلين يتحدث في أولهما عن الإيجاز والمساواة وفي ثانيهما عن الإطناب بشيء من التفصيل· وقد تحدّث العسكري في مقدمة الصناعتين عن الإيجاز البديع والاختصار اللطيف(61) في سياق حديثه عن ضرورة إتقان علوم البلاغة لإدراك إعجاز القرآن الكريم· أما أبو منصور الثعالبي فيرفع الإيجاز مقاما رفيعا، ويقول في مقدمة كتابه الإعجاز والإيجاز: في الكلمات القليلة الألفاظ الكثيرة المعاني المستوفية أقسام الحسن والإيجاز الخارجة عن حد الإعجاب إلى الإعجاز(62) يشير الثعالبي في الباب الأول من هذا الكتاب إلى الإعجاز في إيجاز القرآن الكريم بقوله: من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيحاء ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبّر القرآن وليتأمّل علوّه على سائر الكلام(63) يقسّم الثعالبي كتابه ذاك إلى ثمانية أبواب جعل الإيجاز أوّلها· وهذا إن دلّ على شيء فلا بدّ أن يدلّ على المقام الرفيع الذي جعله الثعالبي للإيجاز· والشريف المرتضى العلوي يقول في كتابه الأمالي: إعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز والاختصار والحذف طلبا لتقصير الكلام واطّراح فضوله، والاستغناء بقليله عن كثيره، ويعدون ذلك فصاحة وبلاغة(64) والعلوي يربط بوضوح بين الاختصار والحذف من جهة وبين المجاز من جهة ثانية لكونه أبلغ وأفصح· ويؤكّد على أنّ العرب لا يتكلمون بما لا يفيد·(65) فكلّ ما يحذف من الكلام وكلّ ما يثبّت فيه فلعلّة تخدم المعنى، ويمثّل لذلك بأمثلة كثيرة·(66)
صفحة 8
3· 2· مرحلة الفطام والفصال: القرن الخامس - السابع
أما في هذه المرحلة فسنتوقّف عند ثلاثة عشر بلاغيا وأديبا ومفسّرا على امتداد ثلاثة قرون هي العصر الذهبي للدرس البلاغي عند العرب بالمطلق· وعلى نحو ما فعلناه في بند سابق، سنحدّد في هذه المرحلة أيضا مواضع الإبداع في مجال الإيجاز، مثلما نحدّد مواضع النقل بالضبط· ولا شكّ في أنّ هؤلاء، أو بعضهم على أقلّ تقدير، قد ساهموا في تثبيت الإيجاز على ثلاثة مستويات: التعريف والهوية، التسمية والاصطلاح، والتطبيق والتمثيل·
أوّلهم ابن رشيق (390-456 هـ) في كتابه العمدة، وفيه يجعل الإيجاز عمودا هاما من أعمدة البلاغة العربية· وهو بذلك يقتفي أثر الرمانيّ في تأكيده على أهمية الإيجاز، ويكثر من ذكره واعتماده في التعريف والتمثيل· حتى أنّ كثيرا من الشواهد التي يسوقها ابن رشيق للدلالة على قيمة الإيجاز في لغة العرب وآدابهم هي نفسها التي يسوقها الرمانيّ في رسالته· ومن جملة ما يقدّمه ابن رشيق قصة تبيّن تفضيل النبيّ محمد (صلى الله عليه وسلم) للإيجاز على الإطناب، يقول: تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناي، فقال له: إنّ الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضّر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته(67) غير أنّ ابن رشيق لم يضف كثيرا إلى مفهوم الإيجاز على النحو الذي قدّمه الرمانيّ مثلا، وعلى ذلك يمكن القول بأنّ ابن رشيق كان ناقلا في هذه المسألة أكثر منه مجدّدا· من الأمور التي يلفت ابن رشيق النظر إليها هو تدقيق بعض التسميات· فالإيجاز الذي طابق لفظه معناه في تعريف الرمانيّ هو المساواة عند ابن رشيق· وابن رشيق في هذه التسمية ينقل، كما يعترف بنفسه، عن أهل الصناعة أما إيجاز الحذف عند الرمانيّ فيسميه ابن رشيق الاكتفاء وهو داخل في باب المجاز(68) وابن رشيق يتّفق مع الرمانيّ في تأكيده على قيمة الغموض الناتج عن الإيجاز وما يثيره هذا الغموض في نفس المتلقي· ولا شكّ في أنّ المعلوم الهيّن من الكلام لا يرقى إلى البلاغة التي يصل الغموض إليها· يقول ابن رشيق: وإنما كان هذا صلى الله عليه وسلمإيجاز الحذف/الاكتفاء] معدودا من أنواع البلاغة لأنّ نفس السامع تتّسع في الظنّ والحساب، وكلّ معلوم فهو هيّن، لكونه محصورا(69)
يقول عبد القاهر الجرجاني (400-471 هـ) في كتابه دلائل الإعجاز في علم المعاني: ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة· وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون بيانا إذا لم تبن(70) الحقيقة أنّ الجرجاني تحدّث عن الحذف النحوي وبيان بلاغته في هذا الاقتباس·(71) بهذا المفهوم ينشغل الجرجاني بإيجاز الحذف لا بإيجاز القصر· وإيجاز الحذف عنده جزء من علم المعاني· في هذا الباب المخصّص للحذف يركّز الجرجاني على حذف المبتدأ والمفعول به ويأتي بكثير من النصوص الشعرية ليدلل على بلاغة الحذف فيها·
في كتابه سرّ الفصاحة يجعل ابن سنان الخفاجي (422-466 هـ) الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام شرطا من شروط الفصاحة والبلاغة على حدّ سواء· يقول: ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام، حتى يعبّر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة· وهذا باب من أشهردلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس، حتى أنهم إنما يستحسنون من كتاب الله تعالى ما كان بهذه الصفة(72) وفي كتابه هذا يربط بين الإيجاز ووضوح المعنى أو المباشرة في مواضع عديدة· إنّ الإيجاز المحمود، في رأي الخفاجي، هو هذا الذي يوضّح معناه توضيحا تاما بغير لبس· يقول ابن سنان بهذا الشأن: نذهب إلى أنّ المحمود من الكلام ما دلّ لفظه على معناه دلالة ظاهرة ولم يكن خافيا مستغلقا، كالمعاني التي وردت في شعر أبي الطيّب ]···صلى الله عليه وسلم· فإن كان الكلام الموجز لا يدلّ على معناه دلالة ظاهرة فهو عندنا قبيح مذكوم، لا من حيث كان مختصرا، بل من حيث كان المعنى فيه خافيا(73) ثمّ يستطرد في شرح هذه المسألة، مسألة وضوح المعنى في الإيجاز، رافضا الغموض وما يوجبه من تفعيل التأمل وتدقيق الفكر عند المتلقي· إنّ المختار في الفصاحة والدالّ على البلاغة هو أن يكون المعنى مساويا للفظ أو زائدا عليه، وأعني بقولي - زائدا عليه - أن يكون اللفظ القليل يدلّ على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة، لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته، حتى يحتاج في استناباطه إلى طرف من التأمل ودقيق الفكر، فإنّ هذا عندي عيب في الكلام ونقص(74)
صفحة 9
يبدو أنّ اشتراط الخفاجي في تلازم الإيجاز والوضوح مردّه إلى شكل عملية التلقي· فالإلقاء والتلقي السمعي لا يترك مساحة كافية للغموض أو التعقيد، لأن السامع يملّ الإطالة والإطناب خصوصا إذا كان مصحوبا بشيء من الغموض· وهكذا تكون الخطبة أو القصيدة قد فشلت فشلا ذريعا في الوصول إلى متلقيها·(75) يحاول ابن سنان الخفاجي في سرّ البلاغة أن يصحّح ما أتى به الرماني في مسألة العلاقة بين الإيجاز ووضوح المعنى فيه· وحتى يتمّ له ذلك يقترح ابن سنان الخفاجي استبدال قول الرماني العبارة عن المعنى بقوله إيضاح المعنى ويعلل ابن سنان اقتراحه هذا بقوله: ويجب أن نحدّ الإيجاز المحمود بأن نقول: هو إيضاح المعنى بأقلّ ما يمكن من اللفظ، وهذا الحدّ أصحّ من حدّ أبي الحسن الرماني بأنه العبارة عن المعنى بأقلّ ما يمكن من اللفظ، وإنما كان حدّنا أولى لأنّا قد احترزنا بقولنا - إيضاح - من أن تكون العبارة عن المعنى وإن كانت موجزة غير موضحة له، حتى يختلف الناس في فهمه، فيسبق إلى قوم دون قوم بحسب أقساطه من الذهن وصحة التصوّر، فإنّ ذلك وإن كان يستحقّ لفظ الإيجاز والاختصار فليس بمحمود حتى يكون دلالة ذلك اللفظ على المعنى دلالة واضحة(76) ويبدو ابن سنان في هذا الموقف بعيدا عن الإقناع وكأنه يرفض الإقرار ببلاغة المجاز وما فيه من طاقة تحفيزية وتوليدية للمعاني الكثيرة· وهذه الحجة التي يسوقها ابن سنان أقرب إلى الحجج التي يسوقها الرافضون لفكرة المجاز في القرآن الكريم· ولمّا كان ابن سنان الخفاجي معتزليا، يحكّم العقل والمنطق في دراساته، جاءت ملاحظاته بشأن الإيجاز منهجية واضحة بغير تعقيد أو لبس· وإن كنا في الحقيقة لا نوافق على شرط الوضوح في تعريفه للإيجاز· يبدو أن ابن سنان الخفاجي قد اتّخذ موقفه هذا بدافع الحرص على ضرورة وصول القرآن الكريم بدعوته وأحكامه وتكاليفه إلى الناس كافة، وبضمنهم عامة الناس الذين لا تصل أفهامهم إلى المعاني التي قد تختبئ وراء الغموض والمجاز· وابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة يفضّل اللفظ اليسير للتعبير عن المعنى الكثير، ذلك لأنه أقدر على التوصيل أو الإيصال· يقول ابن سنان الخفاجي في ذلك وهو ينظر إلى الإيجاز نظرة كمية لا كيفية: والأصل في مدح الإيجاز والاختصار في الكلام أنّ الألفاظ غير مقصودة في أنفسها، وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها بالكلام، فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة، وإذا كان طريقان يوصل كلّ واحد منهما إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أنّ أحدهما أخصر وأقرب من الآخر، فلا بدّ أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما سلوكا إلى المقصد، فإن تقارب اللفظان في الإيجاز وكان أحدهما أشدّ إيضاحا للمعنى كان بمنزلة تساوي الطريقين في القرب وزيادة أحدهما بالسهولة(77) غير أنه في صفحة سابقة وهو يعتمد، كابن رشيق، على تعريفات الرماني للإيجاز وتقسيماته والشواهد التي يقدّمها، يقع في تناقض حادّ· ففي معرض تعليقه على الحذف في الآية القرآنية الكريمة {وسيق الذين اتقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا حتى إذا جاءوها وفتّحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (سورة الزمر: الآية 73) يقول ابن سنان الخفاجي: وفي هذا الحذف في الكلام مع الدلالة على المراد فائدة، لأنّ النفس تذهب فيه كلّ مذهب ]كما يقول الرماني بالضبطصلى الله عليه وسلم، ولو ورد ظاهرا في الكلام لاقتصر به على البيان الذي تضمّنه، فكان حذف الجواب أبلغ لهذه العلّة، كما تقول: لو رأيت عليّا بين الصفين وتحذف الجواب، فيذهب السامع كلّ مذهب· ولو قال: لو رأيت عليّا عليه السلام بين الصفين لرأيت شجاعا، أو لرأيت رجلا يقتل الأبطال، أو ما يجري هذا المجرى، لم يكن في العظم عند السامع بمنزلة حذف الجواب، لأنه يذهب مع الحذف كلّ مذهب، ولا يعوّل على نفس ما كان يرد في اللفظ فقط(78) فحين يعترف، بصورة أو بأخرى، بأنّ الحذف أبلغ من الذكر وأنّ في الحذف قدرة لا تُنكر على تكثير المعنى، مقارنة بالذكر، وقدرة مماثلة على التأثير على المتلقي، فإنه بهذا يصطدم بقوّة بموقفه الداعم للوضوح·(79)
يؤكّد البغدادي (ت 517 هـ) في مقدمة كتابه قانون البلاغة في نقد النثر والشعر على أهمية الإيجاز في لغة العرب وبلاغتهم بقوله إنّ: أكثر ما هو عليه الناس في البلاغة أنها الإختصار وتقريب المعنى بالألفاظ القصار، حتى إذا سئل بعض الناس عن البلاغة فقال: هي لمحة دالة، وهذا مذهب العرب وعادتهم في العبارة، فإنهم يشيرون إلى المعاني بأوحى إشارة ويستحبّون أن تكون الألفاظ أقلّ من المعاني في المقدار والكثرة(80) وحين ينتقل إلى تفصيل الوجوه البلاغية الموصولة بالإيجاز يقدّم البغدادي تعريفا موجزا للوجوه الثلاثة المعروفة بالتداول، المساواة والإيجاز والإطناب، يسمّيها مذاهب، يقول: ومن نعوت البلاغة: أنّ البلاغة ثلاثة مذاهب يقصد في استعمالها: المساواة، والإشارة والتذييل ]···صلى الله عليه وسلم· والإشارة: أن يكون اللفظ مشارا به إلى المعنى كاللمحة الدالّة(81) ويقصد بالتذييل الإطناب· ثمّ في موضع لاحق يقوم البغدادي بالتمثيل لهذه الوجوه، المذاهب كما يسمّيها هو، بشيء من شعر العرب·(82) غير أنّ البغدادي اكتفي بالإشارة إلى ما قاله الأقدمون دون أن يترك بصماته الخاصة في هذا المجال· والبغدادي يجعل لكل وجه من الوجوه البلاغية الثلاثة مقاما يليق به، أما الإشارة (= الإيجاز)، وهي ما تعنينا في هذه الدراسة، فأولى الأوقات بها الوقت الذي يخاطب أو يكاتب فيه ذو المراتب العالية، والشؤون الكثيرة، والهمم المنقسمة، لأنّ من كان في هذه الطبقة احتاج أن لا يُشغل خاطره بمعنى واحد بعينه، ولا ينفذ زمانه اهتمام بغيره، وكان الوحي ]الإشارة/الإيجازصلى الله عليه وسلم عنده أنفق من الإطالة، والإشارة إليه أولى من تطويل المقالة(83)
صفحة 10
جعل الزمخشري (ت 538 هـ) الإيجاز وجها من وجوه الأساليب الإنشائية (علم المعاني) في كتابه الكشاف وهو يشير إلى الإيجاز كنقيض للإشباع الذي يقوم على التكرير والإيضاح بعد الإبهام وذكر الخاص بعد العام وذكر العام بعد الخاص والإعتراض والتفصيل بعد الإجمال· غير أنّ الزمخشري لم يبيّن أثر هذا الإيجاز على مواطن الجمال والبلاغة في الآيات التي يجعلها شواهد على هذا الإيجاز· أما أسامة بن منقذ (488-584 هـ) فيفرد في كتابه البديع في نقد الشعر بابا خاصا للتضييق والتوسيع والمساواة· أما المساواة فهي ذاتها في اسمها ومسمّاها التي ترد عند معظم الدارسين ممن سبقوه أو عاصروه· ويقصد أسامة بن المنقذ بالتوسيع الإطالة، على ما يبدو، وليس الإطناب لأنه يرى فيه ضياعا للمعنى فمتى كان اللفظ أكثر من المعنى كان الكلام واسعا وضاع المعنى فيه(84) أما التضييق فهو إيجاز القصر وهو أن يضيق اللفظ عن المعنى لكون المعنى أكثر من اللفظ(85) وابن منقذ لم يضف شيئا إلى ما قد قيل في هذا المجال،(86) واكتفي بتلخيص سريع للرأي السائد في تعريفات الإيجاز والمساواة والإطناب يفرد الكلاعي (من أعلام القرن السادس للهجرة) بابا خاصا للإسهاب والمساواة والإيجاز في كتابه إحكام صنعة الكلام وشبّه اللفظ في علاقته بالمعنى، في كلّ هذه الأوجه البلاغية الثلاثة، بالثوب· فإذا رفل الثوب كان في القول إسهاب وإذا خيط على قدر الجسد كان فيه مساواة، وما كان ثوب لفظه كثوب المؤمن فهو الإيجاز· ويجعل الكلاعي لكلّ منها موطنا يصلح فيه ومقاما يختصّ به· أما الإيجاز فيخاطب به أهل الرتب العالية، والهمم السامية، لأنّ الوجيز عند هذه الطائفة أنفق من الإطالة، والإشارة لديهم أنجح من تطويل المقالة، وما ذاك إلا لبعد هممهم وتفسّح خواطرهم(87) ويتبنّى التقسيم الثنائي المعروف للإيجاز، يسمّي الأول إيجاز البيان، وهو المعروف بالقصر، والثاني إيجاز الحذف كما سمّاه الآخرون· ويمتدح الكلاعي إيجاز القصر ويعتبره أشرف الكلام ويمثّل له بسورة الإخلاص· ثمّ يتحدّث في موضع لاحق عن شكل من أشكال الإيجاز، دون أن يسمّيه، يأتي بالإشارة والإيماء، وهذا معدود في أنواع البلاغة، لأنّ نفس السامع تتّسع في الظنّ والحساب· وكلّ معلوم فهو هيّن لكونه محصورا(88) والكلاعي كما يبدو ينقل عن ابن رشيق بدقّة موقفه من الإشارة والإيماء وما يحملانه من غموض يفعّل المتلقي ويستفزّه· والإيجاز عند فخر الدين الرازي (544-606 هـ)، مثله في هذا مثل كثيرين ممن سبقوه، هو إيجاز حذف وقصر· في كتابه نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز يعرّف الرازي الإيجاز بأنه العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف من غير إخلال(89) وعنده الإيجاز جزء من علم المعاني· يركّز الرازي على ما اصطلح على تسميته بإيجاز الحذف· أما ما اصطلح على تسميته بإيجاز القصر فقد اقتصر على مقارنة بين قوله تعالى {ولكم في القصاص حياة} وبين ما كانت العرب تقوله في هذه المسألة القتل أنفى من القتل(90)