صفحة 1
مقدِّمة
صفحة من تاريخنا الروحاني
عن الإيمان يكتُب، وليس للكتابة عن الإيمان شكلٌ مهيَّأٌ أو معلَّب.
في الإيمان يكتب، وليس للكتابة في الإيمان أسلوبٌ مُسبَق.
اختار أن يسرُد. روائياً يسرّد. قصصياً يسرّد. وليس في سرده خطٌّ اتّباعيَ، كأنما من نسيج الإيمان الإبداعُ الدائم، لا الإتّباع الهائم.
وليس من حرَجٍ في هَيَمانه على فضاء السرد، فليس التشدّد في الأصول ما ينقصه، هو الآتي إلى هنا من صميم الأكاديمية ومن قلْب العلم، هو العارف بدقائق العلْم، هو الغائصُ على قراءة الآثار الدارسة والمستَخلصُ أصداء الأمس ساكبَها في أصوات اليوم. إبراهيم كوكباني: عالمٌ جاء إلى الأدب. فلْيهْنأُ به الأدب، ولا يُحاسبنّه على شكل أو أُسلوب أو إطار. حسبه أنه يكتب مؤمناً، وينسج نصّه (الروائي غير البعيد عن الخيال ولا البعيد عن الواقع) مؤمناً ينصاع للأعجوبة، وليس أمام الأعاجيب اعتراضٌ على شكلانية الأعجوبة.
منذ الاستهلال مع أغسطينُس "المعترف"، حتى الختام مع إيمان آمال "المعترف" بالشفاء، مسحةٌ إيمانيّة هي التي، بل وحدها التي، حين تَحضر، يَحضر معها صوتُ الذي هدَر فينا ذات يوم: "من كان منكم على إيمان بحجم حبة خردل، يقول للجبل: "انتقِل" فينتقِل".
إنها علاقة الإنسان بالربّ. علاقة المخلوق بالخالق.
في قصيدة "الطرح" قال إلياس أبو شبكة:
"إنّ في الحبّ صورةَ الله، لكنْ
أين في الخلْق صورةُ الخلاّق"؟
هكذا نحن هنا: في قلب الحب. إذاً في قلب الله.
وليست خيالات أبو حلمي ووردة والخوري يوسف وجميل ومخول (في القصة) إلا ركائز من الخيال الروائي (على بعض واقعيّتها) بلوغاً إلى المقولة التي ستنطبق على آمال: "من آمن بالحجر يبرأ".
وحول هذا النسج القصصي، مرّر الكاتب نَفَسَه الإيماني بتجرُّد عن كل ما هو مادي، وعلاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالحجر (فنّ النحت: منحوتاتٍ وتماثيلَ وأنصاباً)، ومرّر لمحات من حياة النسّاك والقديسين ومقاومتهم العذابَ وإصرارهم على التوحُّد بالمسيح إلههم، تعريجاً على أوديسَّة الهجرة اللبنانية: صُغراها (النّزوح إلى المدينة) وكُبراها (السَّفر إلى ما وراء البحر، والعودة بالشغف من المغتّرَب البعيد، كعودة أبي حلمي من نيويورك بعد غيابه فيها عشرين عاماً)، ومرّر عاداتٍ وتقاليدَ من الضيعة اللبنانية (الحب الخَفَر، الزواج المحرم، الخطيفة، غضب الأهل، مقاطعتهم الزوجين، ثم الرضا)، ومرّر مناخ دير ما أنطونيوس قزحيا في ذاك الوادي الرهيب التُّقى: وادي قنَُّوبين، وادي قاديشا، وادي القديسين الذي قضى جبران طوال حياته في نيويورك عشرين عاماً يحلم بالعودة إليه كي تَهْنأ برؤيته عيناه لكنه عاد إليه إنما... مُطْفأَ النور في العينين.
جميع هذه الملامح تمرّ في هذه القصة الهانئة البسيطة السلسة، شهق بها قلم إبراهيم كوكباني كأنما لا للقصة بل لخلفيتها، كأنما لا لشخصياتها بل لمغزاها، كأنما لا للسرد بل لبلوغ أنْ "آمِن بالحجر تبرأْ". هكذا كانت زيارة آمال (بِجنينها) مع خالتها مريم (بإيمانها) إلى دير مار أنطونيوس قزحيا، واقتبال آمال السلسال الحديدي الهائل مُحْكماً حول رقبتها وفي أطرافها، ثم انفكاكه عنها عند الصباح، واستفاقتها من حلمٍ رافقها فيه ملاك باللباس الأبيض أَخرجَ منها الأرواح الشريرة، وشفاها من حالتها المرضية الوسواسيّة المستعصية التي عجز عنها الطب، ولم يكن ممكناً شفاؤُها منها إلا بالأعجوبة (بوَحدها الأعجوبة التي تتخطّى الطب وتتجاوز كل منطق علمي)، ثم إتمام آمال أشهُر حَمْلها ووضْعها طفلها البكر وتسميته أنطونيوس على اسم القديس الذي شفاها، ... كل ذلك تدَرُّجٌ سَلْسَلَهُ إبراهيم كوكباني بدقّة التفصيل وتَمامية الإيمان الطقسي، حتى بلغ ما أراد أن يرمي إليه: "آمن بالحجر تَبْرَأْ".
***
لن أُفسد عليك اكتشاف تفاصيل القصة.
حسبي منها أنها هزّت فيَّ مشاعر الإيمان.
وحسبك منها أنّها ستهزُّ فيك مشاعر التلقّي، من صاحب قلمٍ اعتدناه عالماً جلوداً وبَحَّاثةً ومُنَقِّباً ثقةً في آثارنا أطلّعَها لنا حيَّةً نابضةً بصفحاتٍ مشرقاتٍ من تاريخنا البهيّ، وها هو اليوم يُطلعُ لنا، على طريقته غير المدّعية القَصَّ ولا الأسلوبَ الروائي، صفحةً مشرقةً أخرى من تاريخنا الروحانيّ البهيّ، كرمليةَ الرؤية، سوسنيَّة البهاء، عذراويةَ المدى، على دعوة عميقة إلى إيمان لا يليقُ به إلاّ نَفَسُ التقوى في خَشْعَة صلاةٍ داخل كنيسةٍ حافيةِ السكُوت، تصلّي فيها إلى العذراء جميلةُ قلبٍ وروحٍ، غيرَ مدركةٍ أنها بعذراويَّتها وُلِدّت بدَوْرها عذراءَ تُلهم قلماً يكتب بالإيمان حُبّاً لا تفيه الكلمات.
فلتتبارك ريشهٌ مغطوطةٌ بزيت الإيمان.
ولتتبارك بها أعجوبةٌ فكّكَت قيدّ السلاسل إلى وَسَاعة الفرح.
إبراهيم كوكباني، شًكراً لك مرتين: أوُلى لأنكَ كتبتَ، والأُخرى لأنكَ حَبَّبْتَنا أكثر في ما هو الإيمان.
هنري زغيب
صفحة من تاريخنا الروحاني
عن الإيمان يكتُب، وليس للكتابة عن الإيمان شكلٌ مهيَّأٌ أو معلَّب.
في الإيمان يكتب، وليس للكتابة في الإيمان أسلوبٌ مُسبَق.
اختار أن يسرُد. روائياً يسرّد. قصصياً يسرّد. وليس في سرده خطٌّ اتّباعيَ، كأنما من نسيج الإيمان الإبداعُ الدائم، لا الإتّباع الهائم.
وليس من حرَجٍ في هَيَمانه على فضاء السرد، فليس التشدّد في الأصول ما ينقصه، هو الآتي إلى هنا من صميم الأكاديمية ومن قلْب العلم، هو العارف بدقائق العلْم، هو الغائصُ على قراءة الآثار الدارسة والمستَخلصُ أصداء الأمس ساكبَها في أصوات اليوم. إبراهيم كوكباني: عالمٌ جاء إلى الأدب. فلْيهْنأُ به الأدب، ولا يُحاسبنّه على شكل أو أُسلوب أو إطار. حسبه أنه يكتب مؤمناً، وينسج نصّه (الروائي غير البعيد عن الخيال ولا البعيد عن الواقع) مؤمناً ينصاع للأعجوبة، وليس أمام الأعاجيب اعتراضٌ على شكلانية الأعجوبة.
منذ الاستهلال مع أغسطينُس "المعترف"، حتى الختام مع إيمان آمال "المعترف" بالشفاء، مسحةٌ إيمانيّة هي التي، بل وحدها التي، حين تَحضر، يَحضر معها صوتُ الذي هدَر فينا ذات يوم: "من كان منكم على إيمان بحجم حبة خردل، يقول للجبل: "انتقِل" فينتقِل".
إنها علاقة الإنسان بالربّ. علاقة المخلوق بالخالق.
في قصيدة "الطرح" قال إلياس أبو شبكة:
"إنّ في الحبّ صورةَ الله، لكنْ
أين في الخلْق صورةُ الخلاّق"؟
هكذا نحن هنا: في قلب الحب. إذاً في قلب الله.
وليست خيالات أبو حلمي ووردة والخوري يوسف وجميل ومخول (في القصة) إلا ركائز من الخيال الروائي (على بعض واقعيّتها) بلوغاً إلى المقولة التي ستنطبق على آمال: "من آمن بالحجر يبرأ".
وحول هذا النسج القصصي، مرّر الكاتب نَفَسَه الإيماني بتجرُّد عن كل ما هو مادي، وعلاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالحجر (فنّ النحت: منحوتاتٍ وتماثيلَ وأنصاباً)، ومرّر لمحات من حياة النسّاك والقديسين ومقاومتهم العذابَ وإصرارهم على التوحُّد بالمسيح إلههم، تعريجاً على أوديسَّة الهجرة اللبنانية: صُغراها (النّزوح إلى المدينة) وكُبراها (السَّفر إلى ما وراء البحر، والعودة بالشغف من المغتّرَب البعيد، كعودة أبي حلمي من نيويورك بعد غيابه فيها عشرين عاماً)، ومرّر عاداتٍ وتقاليدَ من الضيعة اللبنانية (الحب الخَفَر، الزواج المحرم، الخطيفة، غضب الأهل، مقاطعتهم الزوجين، ثم الرضا)، ومرّر مناخ دير ما أنطونيوس قزحيا في ذاك الوادي الرهيب التُّقى: وادي قنَُّوبين، وادي قاديشا، وادي القديسين الذي قضى جبران طوال حياته في نيويورك عشرين عاماً يحلم بالعودة إليه كي تَهْنأ برؤيته عيناه لكنه عاد إليه إنما... مُطْفأَ النور في العينين.
جميع هذه الملامح تمرّ في هذه القصة الهانئة البسيطة السلسة، شهق بها قلم إبراهيم كوكباني كأنما لا للقصة بل لخلفيتها، كأنما لا لشخصياتها بل لمغزاها، كأنما لا للسرد بل لبلوغ أنْ "آمِن بالحجر تبرأْ". هكذا كانت زيارة آمال (بِجنينها) مع خالتها مريم (بإيمانها) إلى دير مار أنطونيوس قزحيا، واقتبال آمال السلسال الحديدي الهائل مُحْكماً حول رقبتها وفي أطرافها، ثم انفكاكه عنها عند الصباح، واستفاقتها من حلمٍ رافقها فيه ملاك باللباس الأبيض أَخرجَ منها الأرواح الشريرة، وشفاها من حالتها المرضية الوسواسيّة المستعصية التي عجز عنها الطب، ولم يكن ممكناً شفاؤُها منها إلا بالأعجوبة (بوَحدها الأعجوبة التي تتخطّى الطب وتتجاوز كل منطق علمي)، ثم إتمام آمال أشهُر حَمْلها ووضْعها طفلها البكر وتسميته أنطونيوس على اسم القديس الذي شفاها، ... كل ذلك تدَرُّجٌ سَلْسَلَهُ إبراهيم كوكباني بدقّة التفصيل وتَمامية الإيمان الطقسي، حتى بلغ ما أراد أن يرمي إليه: "آمن بالحجر تَبْرَأْ".
***
لن أُفسد عليك اكتشاف تفاصيل القصة.
حسبي منها أنها هزّت فيَّ مشاعر الإيمان.
وحسبك منها أنّها ستهزُّ فيك مشاعر التلقّي، من صاحب قلمٍ اعتدناه عالماً جلوداً وبَحَّاثةً ومُنَقِّباً ثقةً في آثارنا أطلّعَها لنا حيَّةً نابضةً بصفحاتٍ مشرقاتٍ من تاريخنا البهيّ، وها هو اليوم يُطلعُ لنا، على طريقته غير المدّعية القَصَّ ولا الأسلوبَ الروائي، صفحةً مشرقةً أخرى من تاريخنا الروحانيّ البهيّ، كرمليةَ الرؤية، سوسنيَّة البهاء، عذراويةَ المدى، على دعوة عميقة إلى إيمان لا يليقُ به إلاّ نَفَسُ التقوى في خَشْعَة صلاةٍ داخل كنيسةٍ حافيةِ السكُوت، تصلّي فيها إلى العذراء جميلةُ قلبٍ وروحٍ، غيرَ مدركةٍ أنها بعذراويَّتها وُلِدّت بدَوْرها عذراءَ تُلهم قلماً يكتب بالإيمان حُبّاً لا تفيه الكلمات.
فلتتبارك ريشهٌ مغطوطةٌ بزيت الإيمان.
ولتتبارك بها أعجوبةٌ فكّكَت قيدّ السلاسل إلى وَسَاعة الفرح.
إبراهيم كوكباني، شًكراً لك مرتين: أوُلى لأنكَ كتبتَ، والأُخرى لأنكَ حَبَّبْتَنا أكثر في ما هو الإيمان.
هنري زغيب
صفحة 2
مناجاة
- عظيمٌ أنت يا رب، وجلالك جديرٌ بكل مديح.
- قدرتك واسعة وحكمتك لا تُحدّ.
- إنني، أنا الإنسان الموسوم بالخطيئة الأصلية، علِّة فنائي، أروم أن أمدحك، لأنك لذلك خلقتني ، لكن قلبي يظلّ قلقاً حتى يرتاح فيك.
- أعطني يا رب أن أعرف، وأَفهم هل أدعوك قبل أن أمدحك ؟ أم تجب معرفتك أولاً لأدعوك ؟
- لأن الذي يجهلك لن يدعوك، بل يدعو بدلاً عنكَ.
- يمجد الله كل من ينشده،
- والذي ينشد الرب يجدهُ، فيُمجد اسمه...
عن القديس أغسطينوس - الاعترافات
الكتاب الأول
ابتهال
- يا رب يا حقيقة أزلية، أنت نور قلبي، فاطرد عنه الظلمة التي تغلّفه.
- سقطتُ بسبب اللامبالاة في الهوة، لكني في سحيق هوتي هذه ما زلت أُحبك.
- ابتعدتُ غالباً عنك، إنما كنت أسمع دائماً صوتك يناديني لأتوب، كنت أسمعه خافتاً خفيفاً بسبب صخب الأهواء الملتهبة في صدري...
- الآن أعود إلى كنف حبك لأنعم برحمتك،
- لقد جرّت معاصيَّ علي الهلاك،
- لكن بحبَك أعود فأحيا من جديد.
- كلمني يا رب، وعلّمني أن أؤمن بكتبك ومضامينها ذات الأسرار العميقة...
صلاة إلى إله الحقيقة - الفصل العاشر
- القديس أغسطينوس - الاعترافات
- عظيمٌ أنت يا رب، وجلالك جديرٌ بكل مديح.
- قدرتك واسعة وحكمتك لا تُحدّ.
- إنني، أنا الإنسان الموسوم بالخطيئة الأصلية، علِّة فنائي، أروم أن أمدحك، لأنك لذلك خلقتني ، لكن قلبي يظلّ قلقاً حتى يرتاح فيك.
- أعطني يا رب أن أعرف، وأَفهم هل أدعوك قبل أن أمدحك ؟ أم تجب معرفتك أولاً لأدعوك ؟
- لأن الذي يجهلك لن يدعوك، بل يدعو بدلاً عنكَ.
- يمجد الله كل من ينشده،
- والذي ينشد الرب يجدهُ، فيُمجد اسمه...
عن القديس أغسطينوس - الاعترافات
الكتاب الأول
ابتهال
- يا رب يا حقيقة أزلية، أنت نور قلبي، فاطرد عنه الظلمة التي تغلّفه.
- سقطتُ بسبب اللامبالاة في الهوة، لكني في سحيق هوتي هذه ما زلت أُحبك.
- ابتعدتُ غالباً عنك، إنما كنت أسمع دائماً صوتك يناديني لأتوب، كنت أسمعه خافتاً خفيفاً بسبب صخب الأهواء الملتهبة في صدري...
- الآن أعود إلى كنف حبك لأنعم برحمتك،
- لقد جرّت معاصيَّ علي الهلاك،
- لكن بحبَك أعود فأحيا من جديد.
- كلمني يا رب، وعلّمني أن أؤمن بكتبك ومضامينها ذات الأسرار العميقة...
صلاة إلى إله الحقيقة - الفصل العاشر
- القديس أغسطينوس - الاعترافات
صفحة 3
المدخل
إن كتابة هذه القصة مع سرد وقائعها ترمي إلى إعلام الخلف عما أتاه السلف من مآثر جليلة بفضل إيمانه الراسخ والوطيد، المبني على إرادة صلبة وعزيمة لا تهون ولا تضعف.
إنها قصة واقعية، مستمدّة من الحياة الريفية البسيطة والمعاشة في محيط قروي يبقى، رغم ضيق آفاقه، متسماً بالطيبة والنخوة، بالاندفاع والمسامحة، تعتريه أحياناً مشاكل عابرة، ما تلبث أن تزول بعد معالجتها بأقل ضرر ممكن. وإن أبطالها لحقيقيون، إنما آثرت استعارة أسمائهم كي لا أحرج الأحياء منهم .
شئت من كتابة هذه القصة التأكيد على أمرين اثنين:
- الإقرار بأن قوة الإيمان الكامن في وجدان المؤمن، تخوّله اجتراح العجائب. ألم يقل السيد المسيح: إذا كان لديكم إيمان بمقدار حبة الخردل وقلتم لهذا الجبل أن ينتقل إلى البحر فينتقل؟
- الاتعاظ بأحداث هذه القصة، خاصة أننا نعايش عالماً كثرت فيه البدع والفلسفات وقلَّ الإيمان بالله، وأضحى مجتمعه ممزقاً تسوده الخلافات التي قلّما تجد سبيلاً لحلها، دون مراعاة المصلحة الذاتية. لقد أضحت المادة، خاصة المال، دين الإنسان وديدنه، هذا الإنسان المركّب من جسد وروح، أي من مادة مركبة فانية، وروح بسيطة أبدية ترجع في النهاية إلى موئلها الأساس لتأدية الحساب أمام باريها.
المقدمة
1- ما هو الإيمان؟
الإيمان هو الاعتقاد بحقائق ثابتة كوّنها العقل وأقرّها القلب ليجاهر بها قولاً وممارسة دون وجل أو محاباة.
يُعتبر الإيمان بمعناه العام فضيلة طبيعية تنبع من إرادة المؤمن الذي يسعى دائماً إلى حفظ العهود المبرمة، والبرّ بالوعود المقطوعة، كتلك التي تتعلق بالشرف والمثالية، بالصدق والأمانة. أن هذا العمل الإرادي نابع من ذات المؤمن، من عقله الفعّال الذي يملي عليه أفكاراً ومعتقدات ثابتة لا تتحمل الجدل أو المناقشة، تستمدّ قوة إثباتها من تلك المرجعية التي قطعتها أو وعدت بها.
أمّا الإيمان بمعناه اللاهوتي الوضعي، فهو فضيلة فائقة الطبيعة وهبها الله الإنسان ليقرّ ويعترف بحقائق راسخة تعلّمها الجماعة وتقول بها الشرائع والأديان.
لذلك، يُعتبر الإيمان، في الحالة الأولى، عملاً إرادياً ناتجاً عن جهد فكري يؤدي إلى قناعات ذاتية مكتسبة بفضل هذا الجهد، بينما يظلّ في الحالة الثانية هبة آلهية ترسّخت عند المرء دون أي عناء فكري يُذكر؛ فهو متلدٌ فيه أصلاً، يفوق العقل البشري إدراكاً، ويطبع مسيرة صاحبه من المهد حتى اللحد، ليحسن صنيعاً أمام الله ويستحق في النهاية التمتع بحضرته الإلهية.
ينبع الإيمان من الاعتقاد:
أ- بأن الله هو واجب الوجود، غير محدود في الزمان والمكان، بحيث لا يستطيع الإنسان، هذا المخلوق المحدود بكيانه وعقله، أن يفقه ذات الله اللامتناهية، لأن الصغير لا يمكن أن يستوعب الكبير، إنما العكس يظل صحيحاً.
ب- بأن الله هو روح محجوب عن الفكر البشري، الذي لا يمكنه التوصّل إلى استشرافه إلا بابتداع طرق فكرية تؤول إلى صياغة براهين تثبت وجوده، ماهيته وطبيعته؛ ولا يمكن هنا الركون إلى البراهين الحسية القابلة للتبدل والتغيير بحسب الظروف والأحوال.
ج- بإمكانية التوصّل إلى إثبات وجود الله بواسطة مقاربات عقلية تأخذ بالحسبان معطيات مختلفة (كطرق مار توما الأكويني)، إلاّ أن ذلك يتطلب توفر فضائل عدة منها: الأمانة، المنطق السليم والتواضع، فهذه قد تؤدي إلى فهم كنهه كواجب الوجود وعلّة الخلق ومدبّر الأكوان.
إن كتابة هذه القصة مع سرد وقائعها ترمي إلى إعلام الخلف عما أتاه السلف من مآثر جليلة بفضل إيمانه الراسخ والوطيد، المبني على إرادة صلبة وعزيمة لا تهون ولا تضعف.
إنها قصة واقعية، مستمدّة من الحياة الريفية البسيطة والمعاشة في محيط قروي يبقى، رغم ضيق آفاقه، متسماً بالطيبة والنخوة، بالاندفاع والمسامحة، تعتريه أحياناً مشاكل عابرة، ما تلبث أن تزول بعد معالجتها بأقل ضرر ممكن. وإن أبطالها لحقيقيون، إنما آثرت استعارة أسمائهم كي لا أحرج الأحياء منهم .
شئت من كتابة هذه القصة التأكيد على أمرين اثنين:
- الإقرار بأن قوة الإيمان الكامن في وجدان المؤمن، تخوّله اجتراح العجائب. ألم يقل السيد المسيح: إذا كان لديكم إيمان بمقدار حبة الخردل وقلتم لهذا الجبل أن ينتقل إلى البحر فينتقل؟
- الاتعاظ بأحداث هذه القصة، خاصة أننا نعايش عالماً كثرت فيه البدع والفلسفات وقلَّ الإيمان بالله، وأضحى مجتمعه ممزقاً تسوده الخلافات التي قلّما تجد سبيلاً لحلها، دون مراعاة المصلحة الذاتية. لقد أضحت المادة، خاصة المال، دين الإنسان وديدنه، هذا الإنسان المركّب من جسد وروح، أي من مادة مركبة فانية، وروح بسيطة أبدية ترجع في النهاية إلى موئلها الأساس لتأدية الحساب أمام باريها.
المقدمة
1- ما هو الإيمان؟
الإيمان هو الاعتقاد بحقائق ثابتة كوّنها العقل وأقرّها القلب ليجاهر بها قولاً وممارسة دون وجل أو محاباة.
يُعتبر الإيمان بمعناه العام فضيلة طبيعية تنبع من إرادة المؤمن الذي يسعى دائماً إلى حفظ العهود المبرمة، والبرّ بالوعود المقطوعة، كتلك التي تتعلق بالشرف والمثالية، بالصدق والأمانة. أن هذا العمل الإرادي نابع من ذات المؤمن، من عقله الفعّال الذي يملي عليه أفكاراً ومعتقدات ثابتة لا تتحمل الجدل أو المناقشة، تستمدّ قوة إثباتها من تلك المرجعية التي قطعتها أو وعدت بها.
أمّا الإيمان بمعناه اللاهوتي الوضعي، فهو فضيلة فائقة الطبيعة وهبها الله الإنسان ليقرّ ويعترف بحقائق راسخة تعلّمها الجماعة وتقول بها الشرائع والأديان.
لذلك، يُعتبر الإيمان، في الحالة الأولى، عملاً إرادياً ناتجاً عن جهد فكري يؤدي إلى قناعات ذاتية مكتسبة بفضل هذا الجهد، بينما يظلّ في الحالة الثانية هبة آلهية ترسّخت عند المرء دون أي عناء فكري يُذكر؛ فهو متلدٌ فيه أصلاً، يفوق العقل البشري إدراكاً، ويطبع مسيرة صاحبه من المهد حتى اللحد، ليحسن صنيعاً أمام الله ويستحق في النهاية التمتع بحضرته الإلهية.
ينبع الإيمان من الاعتقاد:
أ- بأن الله هو واجب الوجود، غير محدود في الزمان والمكان، بحيث لا يستطيع الإنسان، هذا المخلوق المحدود بكيانه وعقله، أن يفقه ذات الله اللامتناهية، لأن الصغير لا يمكن أن يستوعب الكبير، إنما العكس يظل صحيحاً.
ب- بأن الله هو روح محجوب عن الفكر البشري، الذي لا يمكنه التوصّل إلى استشرافه إلا بابتداع طرق فكرية تؤول إلى صياغة براهين تثبت وجوده، ماهيته وطبيعته؛ ولا يمكن هنا الركون إلى البراهين الحسية القابلة للتبدل والتغيير بحسب الظروف والأحوال.
ج- بإمكانية التوصّل إلى إثبات وجود الله بواسطة مقاربات عقلية تأخذ بالحسبان معطيات مختلفة (كطرق مار توما الأكويني)، إلاّ أن ذلك يتطلب توفر فضائل عدة منها: الأمانة، المنطق السليم والتواضع، فهذه قد تؤدي إلى فهم كنهه كواجب الوجود وعلّة الخلق ومدبّر الأكوان.
صفحة 4
2- الله يسكن القلوب
إن العقل البشري، رغم طاقاته الهائلة وإمكانية إشرافه من كوة المقارنات على الماورائيات، يظلّ عاجزاً عن فهم حقيقة الله، هذا، أن اتَّبعَ الطريق السوي ولم ينزلق نحو الجحود والنكران. لكن الله، سبحانه وتعالى، يعرف كيف يسكن القلوب ويحرّك المشاعر والعواطف، مضفياً على وجودنا معنى ذا قيمة إنسانية تهدف إلى تمجيده والاعتراف بفضله، دون أن نفقد حرية الفكر والعمل. وهكذا تبقى علاقتنا به التزاماً إخلاقياً نعمل بما يأمرنا، وننبذ ما عنه ينهي، يقول أفلاطون.
"يكمن الإيمان في النفس، لا في الفكر"، وقد جاراه في ذلك الفيلسوف الفرنسي باسكال.
إنَّ الإيمان المسيحي، النابع من إيحاءات الله وتعاليم الكنيسة، هو النهج الأكيد لكل مؤمن في مسيرته الحياتية: فبالإيمان ساح القديسون في الأرض، وقاوموا الجوع والضيق والاضطهاد، بالإيمان قهروا الأعداء والضواري وسدّوا أفواه الأسد، بالإيمان تحدّوا السيف والجلد، الصلب والموت... بالإيمان وحده ظلوا متمسكين ليبلغوا الخلاص، وكانوا يهتفون: "أبونا الحقيقي هو المسيح، وأمنا الإيمان الذي يدفعنا للاعتقاد به، لأن أهلنا الأرضيين قد ماتوا من زمان".
أخيراً، أن الإيمان عند بسطاء القلب والسذج، رغم مجانية اتلاده، يبقى ناجزاً تاماً لا يحتمل الجدل أو التأويل، فهو إيمان يُلهب القلب والمشاعر.. وقادر على تحريك الجبال من أماكنها، واجتراح العجائب.
3- علاقة الإنسان بالحجر
إنّ علاقة الإنسان بالحجر قديمة قدم نشوء المجتمعات البشرية التي ترقى بأصولها إلى الحقبات السابقة للتاريخ، والتي ما زالت حتى اليوم تحمل أسمه العلمي كالعصر الحجري القديم "Poléolithique" ، العصر الحجري الوسيط Mésolithique" والعصر الحجري الحديث "Néolithique" ، أي منذ الموجة الجليدية الأولى غونز Günz حتى الرابعة فورم Würm مروراً بالموجتين ريس Riss ومندل Mindel ، وذلك طوال عصور مظلمة تمتدّ من مليون سنة تقريباً حتى الألف الخامس قبل الميلاد.
كان الإنسان، في العصر الحجري القديم، يعيش عيشة بدائية لا يختلف بها كثيراً عن سائر المخلوقات الحية الباحثة في الطبيعة عن سبل تأمين عيشها وسلامتها، فلجأ إلى الكهوف والمغاور الطبيعية ليتّقي عوامل الطبيعة ويدرأ عنه خطر الوحوش المفترسة. تناول الحجر فبدأ بمعالجته مستخرجاً من الصوان أدوات يستعين بها على قضاء حاجاته، مُطوّراً صناعته هذه من حجر منحوت على وجه واحد إلى وجهَين، ومن المنجل والسكين إلى الأزميل والنصل والفأس، وذلك خلال فترة تمتدّ من الحقبة المسماة أشوليان Acheulien وأبفيليان Abbevillien حتى الميكوكيان Micoquien والسوليتريان Solutrien وهذه كلها مواقع أثرية وجدت فيها مثل هذه الأدوات التي تشهد على تطوّر الإنسان من مُصنّع بالفطرة "Homo Faber" إلى الإنسان العاقل Homo Sapiens" ، الذي يعتبر بحق جدّ الإنسان الحالي.
عندما بلغ الإنسان العاقل العصر الحجري الوسيط "Mésolithique" ، تطوّر بيولوجياً وفكرياً وروحياً، أي أن جمجمته الضخمة ذات الجبهة الضيّقة أصبحت معتدلة الحجم تعلوها جبهة عريضة تنمّ عن اتساع حجم دماغه الذي انبرى، وهو جنين بعد، إلى إرسال ومضات وعيه البكر التي ستتفاعل لتخرجه من شرنقة انحباسه الضيّقة إلى العالم الأوسع، عالم الوعي والإدراك.
إن العقل البشري، رغم طاقاته الهائلة وإمكانية إشرافه من كوة المقارنات على الماورائيات، يظلّ عاجزاً عن فهم حقيقة الله، هذا، أن اتَّبعَ الطريق السوي ولم ينزلق نحو الجحود والنكران. لكن الله، سبحانه وتعالى، يعرف كيف يسكن القلوب ويحرّك المشاعر والعواطف، مضفياً على وجودنا معنى ذا قيمة إنسانية تهدف إلى تمجيده والاعتراف بفضله، دون أن نفقد حرية الفكر والعمل. وهكذا تبقى علاقتنا به التزاماً إخلاقياً نعمل بما يأمرنا، وننبذ ما عنه ينهي، يقول أفلاطون.
"يكمن الإيمان في النفس، لا في الفكر"، وقد جاراه في ذلك الفيلسوف الفرنسي باسكال.
إنَّ الإيمان المسيحي، النابع من إيحاءات الله وتعاليم الكنيسة، هو النهج الأكيد لكل مؤمن في مسيرته الحياتية: فبالإيمان ساح القديسون في الأرض، وقاوموا الجوع والضيق والاضطهاد، بالإيمان قهروا الأعداء والضواري وسدّوا أفواه الأسد، بالإيمان تحدّوا السيف والجلد، الصلب والموت... بالإيمان وحده ظلوا متمسكين ليبلغوا الخلاص، وكانوا يهتفون: "أبونا الحقيقي هو المسيح، وأمنا الإيمان الذي يدفعنا للاعتقاد به، لأن أهلنا الأرضيين قد ماتوا من زمان".
أخيراً، أن الإيمان عند بسطاء القلب والسذج، رغم مجانية اتلاده، يبقى ناجزاً تاماً لا يحتمل الجدل أو التأويل، فهو إيمان يُلهب القلب والمشاعر.. وقادر على تحريك الجبال من أماكنها، واجتراح العجائب.
3- علاقة الإنسان بالحجر
إنّ علاقة الإنسان بالحجر قديمة قدم نشوء المجتمعات البشرية التي ترقى بأصولها إلى الحقبات السابقة للتاريخ، والتي ما زالت حتى اليوم تحمل أسمه العلمي كالعصر الحجري القديم "Poléolithique" ، العصر الحجري الوسيط Mésolithique" والعصر الحجري الحديث "Néolithique" ، أي منذ الموجة الجليدية الأولى غونز Günz حتى الرابعة فورم Würm مروراً بالموجتين ريس Riss ومندل Mindel ، وذلك طوال عصور مظلمة تمتدّ من مليون سنة تقريباً حتى الألف الخامس قبل الميلاد.
كان الإنسان، في العصر الحجري القديم، يعيش عيشة بدائية لا يختلف بها كثيراً عن سائر المخلوقات الحية الباحثة في الطبيعة عن سبل تأمين عيشها وسلامتها، فلجأ إلى الكهوف والمغاور الطبيعية ليتّقي عوامل الطبيعة ويدرأ عنه خطر الوحوش المفترسة. تناول الحجر فبدأ بمعالجته مستخرجاً من الصوان أدوات يستعين بها على قضاء حاجاته، مُطوّراً صناعته هذه من حجر منحوت على وجه واحد إلى وجهَين، ومن المنجل والسكين إلى الأزميل والنصل والفأس، وذلك خلال فترة تمتدّ من الحقبة المسماة أشوليان Acheulien وأبفيليان Abbevillien حتى الميكوكيان Micoquien والسوليتريان Solutrien وهذه كلها مواقع أثرية وجدت فيها مثل هذه الأدوات التي تشهد على تطوّر الإنسان من مُصنّع بالفطرة "Homo Faber" إلى الإنسان العاقل Homo Sapiens" ، الذي يعتبر بحق جدّ الإنسان الحالي.
عندما بلغ الإنسان العاقل العصر الحجري الوسيط "Mésolithique" ، تطوّر بيولوجياً وفكرياً وروحياً، أي أن جمجمته الضخمة ذات الجبهة الضيّقة أصبحت معتدلة الحجم تعلوها جبهة عريضة تنمّ عن اتساع حجم دماغه الذي انبرى، وهو جنين بعد، إلى إرسال ومضات وعيه البكر التي ستتفاعل لتخرجه من شرنقة انحباسه الضيّقة إلى العالم الأوسع، عالم الوعي والإدراك.
صفحة 5
ما الخلق؟ ما الكون؟ ما الإنسان؟ أسئلة كبيرة طرحها الإنسان العاقل على نفسه ثم راح يجهد النفس في فهمها، وينسب ما أغلق عليه فهمه إلى قوات تفوق الطبيعة، إلى آلهة ترعى هذه الأكوان، منظماً صفوفها في مجموعات يختلف عددها بحسب البيئة والزمن، وقد أنشأ لها طقوساً يمارسها بغية إرضائها واستدرار عطفها.
نحت التماثيل الحجرية، لربات الخصب وآلهة الخير في الكون، كما خلّف على جدران المغاور التي سكنها رسوماً تتعلق بمعتقداته الدينية، ورموزاً ما تزال حتى اليوم مثار جدل بين العلماء. تطلَّع إلى الأعالي، مسكن هذه الآلهة، وراح يقيم لها الأنصاب والمعابد الشاهقة ليظل قريباً منها، وإن صفوف الأنصاب في كرنك (Menhir de Carnac) الواقعة في منطقة بريتانيا الفرنسية هي خير دليل على ذلك.
في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ابتدع الإنسان فن الكتابة، فاعتمد التدوين ليلج بفضل هذا الاختراع عتبة التاريخ. ثم نحت مختلف أنواع الحجر إرضاءً للآلهة وإكراماً للحكام ومسؤوليهم، وما تزال هذه التماثيل محفوظة إما في أماكنها الأصلية أو في مختلف متاحف العالم، تشهد على تعلق الإنسان بالحجر، ومدى ارتباط تطوّره به، ألم يدوّن حمورابي شريعته على الحجر؟ وكذلك فعل موسى لتدوين وصايا الرب؟
تطوّر فن النحت عبر التاريخ، وقد ارتقى أرفع مرتبة أيام المدرسة الكلاسيكية اليونانية، مع بوليكلات، ميرون وفيدياس، بحيث أن هذه المدرسة ظلت بالغة التأثير حتى النهضة الإيطالية والأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وأن أعمال ميكل أنجلو تظلّ خير شاهد على ذلك ؛ كما أن الفن الحديث تأثر بها وراح يطبق قواعدها ويستوحي أبهى صورها ولو بوسائل جديدة وتقنيات مختلفة، ولنا مثال على ذلك في منحوتات رودان وسواه من الفنانين المحدثين.
استخدم الإنسان في منحوتاته، كل أنواع الحجارة، من أبخسها قيمة حتى النادر والكريم، لكنّه لم يكتفِ بما هو متوفر، بل راح يفتش عن الغريب منها، فنحت الحجارة السوداء المتساقطة عن بعض النيازك (Aérolithe) اعتقاداً منه بأنها مرسلة خصيصاً من السماوات وبأنها تختزن في داخلها قوى سحرية قادرة على إبراء المريض، تقوية الضعيف، واجتراح العجائب، فكان يضعها، إما داخل معابد قد شيّدها لهذا الغرض، أو يدعها منتصبة في الهواء الطلق لتظلّ على اتصال مباشر مع موئلها الأساس الذي يمدّها مباشرة بكل طاقاته السحرية، وأن حجر الشفاء في معبد أشمون، قرب صيدا، يحاكي بمفاعيله الشفائية محدلة مار نوهرا، قديس النور وشفيع مرضى العيون، الذي يهب الشفاء لكل من يلمسها أو يمرّرها فوق عينيه المريضتين، لذلك سرى منذ البدء هذا القول المأثور: "من آمن بالحجر يبرأ".
الفصل الأول
الضيعة
ما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وفرغ الحلفاء من تقاسم النفوذ في المنطقة، حتى شرع المهاجرون بالعودة إلى الوطن الأم يحملون معهم ما جنوه من أموال، ويجاهرون بأفكار جديدة اكتسبوها في الغربة، داعين إلى إقامة مشاريع قد تعود بالنفع على مواطنيهم. وقصة الاغتراب في وطننا عميقة الجذور، ربما ترجع في أصولها إلى ديدون أو إليسا Elissa التي غادرت صور بعد موت أبيها الملك متّان، هرباً من جور أخيها بيغماليون الذي غدر بزوجها الكاهن الأكبر.
عرف لبنان على مرّ العصور نوعَين من الهجرة، واحدة صغرى تتعلق بنزوح أبناء الريف إلى المدينة طلباً للرزق وتحسين أوضاعهم المعيشية، وثانية كبرى تتناول المهاجرين إلى دنيا الاغتراب النائية، وذلك طلباً للأمان بعد مقاساتهم أهوال الحروب والاضطهاد، وطمعاً بكسب الثروات الطائلة، بحيث أن المهاجر اللبناني قد سافر إلى مختلف أصقاع الدنيا، خاصة العالم الجديد كأميركا الشمالية، البرازيل وأستراليا، ويقدّر عدد المغتربين اليوم بحوالي الخمسة عشر مليون نسمة منتشرين في القارات الخمس، منهم من آثر المحافظة على جنسيته الأصلية، سيما أن القوانين الوضعية تجيز لهم بحمل جنسيتين، ومنهم من تخلى عنها بعد أن استبعد إمكانية العودة إلى الوطن.
يتمتع المغتربون اللبنانيون بأوضاع مالية مزدهرة ومراكز اجتماعية هامة، لذلك عكفت الدولة على أخذ المبادرات الآيلة إلى تمتين العلاقات بين جناحي الوطن، المقيم والمغترب، وبدأ المغترب اللبناني يشعر بمدى هذا الاهتمام ويقابله بالمثل، وهو في عمق وجدانه، ما زال يحنّ إلى تراب هذا الوطن، مقام الآباء والأجداد.
نحت التماثيل الحجرية، لربات الخصب وآلهة الخير في الكون، كما خلّف على جدران المغاور التي سكنها رسوماً تتعلق بمعتقداته الدينية، ورموزاً ما تزال حتى اليوم مثار جدل بين العلماء. تطلَّع إلى الأعالي، مسكن هذه الآلهة، وراح يقيم لها الأنصاب والمعابد الشاهقة ليظل قريباً منها، وإن صفوف الأنصاب في كرنك (Menhir de Carnac) الواقعة في منطقة بريتانيا الفرنسية هي خير دليل على ذلك.
في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ابتدع الإنسان فن الكتابة، فاعتمد التدوين ليلج بفضل هذا الاختراع عتبة التاريخ. ثم نحت مختلف أنواع الحجر إرضاءً للآلهة وإكراماً للحكام ومسؤوليهم، وما تزال هذه التماثيل محفوظة إما في أماكنها الأصلية أو في مختلف متاحف العالم، تشهد على تعلق الإنسان بالحجر، ومدى ارتباط تطوّره به، ألم يدوّن حمورابي شريعته على الحجر؟ وكذلك فعل موسى لتدوين وصايا الرب؟
تطوّر فن النحت عبر التاريخ، وقد ارتقى أرفع مرتبة أيام المدرسة الكلاسيكية اليونانية، مع بوليكلات، ميرون وفيدياس، بحيث أن هذه المدرسة ظلت بالغة التأثير حتى النهضة الإيطالية والأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وأن أعمال ميكل أنجلو تظلّ خير شاهد على ذلك ؛ كما أن الفن الحديث تأثر بها وراح يطبق قواعدها ويستوحي أبهى صورها ولو بوسائل جديدة وتقنيات مختلفة، ولنا مثال على ذلك في منحوتات رودان وسواه من الفنانين المحدثين.
استخدم الإنسان في منحوتاته، كل أنواع الحجارة، من أبخسها قيمة حتى النادر والكريم، لكنّه لم يكتفِ بما هو متوفر، بل راح يفتش عن الغريب منها، فنحت الحجارة السوداء المتساقطة عن بعض النيازك (Aérolithe) اعتقاداً منه بأنها مرسلة خصيصاً من السماوات وبأنها تختزن في داخلها قوى سحرية قادرة على إبراء المريض، تقوية الضعيف، واجتراح العجائب، فكان يضعها، إما داخل معابد قد شيّدها لهذا الغرض، أو يدعها منتصبة في الهواء الطلق لتظلّ على اتصال مباشر مع موئلها الأساس الذي يمدّها مباشرة بكل طاقاته السحرية، وأن حجر الشفاء في معبد أشمون، قرب صيدا، يحاكي بمفاعيله الشفائية محدلة مار نوهرا، قديس النور وشفيع مرضى العيون، الذي يهب الشفاء لكل من يلمسها أو يمرّرها فوق عينيه المريضتين، لذلك سرى منذ البدء هذا القول المأثور: "من آمن بالحجر يبرأ".
الفصل الأول
الضيعة
ما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وفرغ الحلفاء من تقاسم النفوذ في المنطقة، حتى شرع المهاجرون بالعودة إلى الوطن الأم يحملون معهم ما جنوه من أموال، ويجاهرون بأفكار جديدة اكتسبوها في الغربة، داعين إلى إقامة مشاريع قد تعود بالنفع على مواطنيهم. وقصة الاغتراب في وطننا عميقة الجذور، ربما ترجع في أصولها إلى ديدون أو إليسا Elissa التي غادرت صور بعد موت أبيها الملك متّان، هرباً من جور أخيها بيغماليون الذي غدر بزوجها الكاهن الأكبر.
عرف لبنان على مرّ العصور نوعَين من الهجرة، واحدة صغرى تتعلق بنزوح أبناء الريف إلى المدينة طلباً للرزق وتحسين أوضاعهم المعيشية، وثانية كبرى تتناول المهاجرين إلى دنيا الاغتراب النائية، وذلك طلباً للأمان بعد مقاساتهم أهوال الحروب والاضطهاد، وطمعاً بكسب الثروات الطائلة، بحيث أن المهاجر اللبناني قد سافر إلى مختلف أصقاع الدنيا، خاصة العالم الجديد كأميركا الشمالية، البرازيل وأستراليا، ويقدّر عدد المغتربين اليوم بحوالي الخمسة عشر مليون نسمة منتشرين في القارات الخمس، منهم من آثر المحافظة على جنسيته الأصلية، سيما أن القوانين الوضعية تجيز لهم بحمل جنسيتين، ومنهم من تخلى عنها بعد أن استبعد إمكانية العودة إلى الوطن.
يتمتع المغتربون اللبنانيون بأوضاع مالية مزدهرة ومراكز اجتماعية هامة، لذلك عكفت الدولة على أخذ المبادرات الآيلة إلى تمتين العلاقات بين جناحي الوطن، المقيم والمغترب، وبدأ المغترب اللبناني يشعر بمدى هذا الاهتمام ويقابله بالمثل، وهو في عمق وجدانه، ما زال يحنّ إلى تراب هذا الوطن، مقام الآباء والأجداد.
صفحة 6
وصل أبو حلمي، في مطلع الثلاثينات إلى مرفأ بيروت على متن باخرة إنكليزية كانت قد غادرت نيويورك لثلاثة أشهر خلت، عابرة الأطلنتيك، معرّجة على إيطاليا في المتوسط، فمرسيليا... اليونان وقبرص قبل أن تصل إلى الثغر اللبناني، وقد تناقص وزنه بشكل ملفت لأن مؤونته الخاصة كادت تنفذ، ولأن مهاجرنا المسكين قد أصيب بدوار البحر، لا سيما في المراحل الأخيرة، ولم تعد الأدوية، المعروفة في تلك الآونة، تفي بالغرض.
تعرّف أبو حلمي بسهولة إلى إفراد عائلته وبعض الأنسباء، لكنه كان يشهق بالبكاء كلما عانق أو تعرّف إلى ولد يافع من أولاده أو أولاد أخوته، فهو قد غادر البلاد منذ عشرين حولاً، ولا يعلم شيئاً عن الأجيال التي ولدت أثناء غيابه، خاصة أن الصور الشمسية في القرى كانت نادرة جداً، والرسائل المتبادلة تقتصر على سرد الأخبار فقط، فهو يعرف أن فلاناً رزق بصبي منذ عشرين عاماً، لكنه لا يملك أي وصف له، فكان يتفرّس بوجه كل واحد ثم يقول له، استناداً إلى بعض الملامح العائلية: أنت ابن فلان!... "عرفتك على اللايحة".
تمكّن أبو حلمي، دون جهد يذكر، من التعرّف إلى ابنه البكر الذي لم يكن قد بلغ العاشرة يوم سفره، فهو الآن متزوج وله ثلاثة أولاد، لكنه بالمقابل لم يتمكن من التعرّف إلى ابنته آمال التي ولدت بعد مغادرته القرية بخمسة أشهر، وها هي الآن شابة في مقتبل العمر، حسنة الخُلق والخَلق، تمشي بدلع ودلال خاصة أن والدها مغترب ثري وأمواله، كما يشاع، لا تأكلها النيران.
بعد تخليص المعاملات واستلام جميع الصناديق والحقائب، شرع معاون بوسطة الضيعة، بمساعدة بعض الحمّالين، وضع الأمتعة فوق السطح، ثم استوى الجميع في مقاعدهم، فانطلقت المحروسة صعوداً نحو الجبل... تتهادى عبر الدساكر والمروج، سارحة وعين الرب ترعاها...
كان اللقاء على مدخل القرية مؤثراً جداً: عجائز وشيوخ، رجال ونساء، أطفال وفتيان تجمهروا جميعاً لاستقبال المهاجر، ابن البلدة البار، الذي يعود إلى ظهرانيهم مثقلاً بالمال ومكللاً بالغار... وحده مختار الضيعة تخلّف عن هذا الاستقبال، لأن عائلته طالما نافست عائلة المغترب على الوجاهة والزعامة، ولأن المختارة حلمت بأن «المختارية» قد تراءت لها بثوب ملاك يهرب من داخل بيتها ويحوم فوق بيت ذلك العائد حديثاً، وقد فَسّرت ذلك بدنو انتهاء ولاية زوجها الذي كان يرى فعلاً في أبي حلمي منافساً خطيراً له.
دخل أبو حلمي الضيعة دخول الأبطال وسط الأهازيج والزغاريد، وراح القوّال يصدح بالحداء والحوربة، والجوقة تردّد اللازمة:
"أهلاً وسهلاً بالغيّاب
فرّحتم قلب الأحباب
كلن راحوا وما جابوا
إلا السبع راح وجاب"
ثم جاء دور النوبة، فصاح قائدها عالياً: "صحايف، صحايف الدار، أهلاً بقيدوم بلدنا"، ثم أعطى الإشارة ببدء العزف، فراحت النوبة تعزف نشيد التعظيم و"الخديوي" وانبرى الشباب، بعد تأدية السلام للقادم الجديد، بالمقارعة واللعب بالسيف والترس.
عند وصول الموكب إلى دار كنيسة السيدة، ارتقى أستاذ المدرسة أعلى الدرج وراح يرتجل كلمة الترحيب والحمدلة على السلامة. كان مقتضباً ومعبِّراً، وحسناً فعل لأن المغترب المسكين كان قد بلغ من الإعياء والإرهاق مبلغاً كاد يُطّير له "ضبانات عقله"...
شكراً يا أحبائي على هذا الاستقبال الحافل، إنني اشتقت إليكم كثيراً وأحييكم فرداً فرداً وأعاهدكم على أن أظلّ معكم وفياً لهذه القرية الحبيبة ولأهلها الميامين طالما حييت. واسمحوا لي الآن بأن أتابع السير نحو البيت الوالدي، لأنني بغاية الشوق إليه، فتحرّك الموكب نحو البيت، وراح الصبية يركضون في الأزقة والزواريب لاعتلاء أماكن مشرفة بحيث لا تفوتهم عن هذا الاحتفال أية شاردة أو واردة وقد اعتلى بعضهم السطوح المجاورة، ووقفت الصبايا فوق الشرفات ينثرن الورود والأَرُز ويطلقن بعض الزغاريد.
عند الوصول إلى مدخل البيت، ركع أبو حلمي على ركبتيه وراح يقبل العتبة ويشكر الله على رجوعه بالسلامة، ثم ولج إلى الداخل بصحبة أفراد عائلته وبعض الأقارب والأصحاب.
راحت نسيبته وردة تزغرد والنسوة يرددن لولولولوليش، ثم طافت حاملات المرطبات والنقولات للقيام بواجب الضيافة، هذا يُغنّي، ذاك يعزف وآخر يرقص، والبيت في عرس حقيقي، احتفاءً بعودة المهاجر سالماً موفقاً ومعافى. دامت جلسة السمر والأفراح هذه حتى ساعة متقدمة من الليل، ثم بدأ الناس بالانصراف وهم يرددون: تصبحون على خير إلى الغد...
- لم يشأ أبو حلمي تلك الليلة اللجوء إلى الفراش قبل أن يخرج إلى الشرفة ويمتّع ناظريه بأديم السماء الصافي والنجوم المتلألئة، والقمر الأغر... سأل امرأته عن بيت فلان، ولمن هذه الجنينة، وهل أهل بو عبدو ما زالوا يقيمون هنا... كيف المواسم والغلال؟ كيف موسم القمح والتفاح هذه السنة - هل موسم الحرير كان مزدهراً كما العادة والأسعار على رواج؟
- أجابته زوجته، وقد حملت على وجهها ندوب العمر الفاضحة، أدخل يا سندي يا ركن البيت، أخلد إلى النوم أنك مُتعب مرهق والصباح رباح، وسوف يتسنّى لك الاطلاع عن كثب على مجمل هذه الأمور... والأيام أمامنا، بعون الله ومشيئته، ثم وضعت خارجاً جرة الماء والإبريق الفخاري للتسحير لأن البرادات لم تكن يومها معروفة.
تعرّف أبو حلمي بسهولة إلى إفراد عائلته وبعض الأنسباء، لكنه كان يشهق بالبكاء كلما عانق أو تعرّف إلى ولد يافع من أولاده أو أولاد أخوته، فهو قد غادر البلاد منذ عشرين حولاً، ولا يعلم شيئاً عن الأجيال التي ولدت أثناء غيابه، خاصة أن الصور الشمسية في القرى كانت نادرة جداً، والرسائل المتبادلة تقتصر على سرد الأخبار فقط، فهو يعرف أن فلاناً رزق بصبي منذ عشرين عاماً، لكنه لا يملك أي وصف له، فكان يتفرّس بوجه كل واحد ثم يقول له، استناداً إلى بعض الملامح العائلية: أنت ابن فلان!... "عرفتك على اللايحة".
تمكّن أبو حلمي، دون جهد يذكر، من التعرّف إلى ابنه البكر الذي لم يكن قد بلغ العاشرة يوم سفره، فهو الآن متزوج وله ثلاثة أولاد، لكنه بالمقابل لم يتمكن من التعرّف إلى ابنته آمال التي ولدت بعد مغادرته القرية بخمسة أشهر، وها هي الآن شابة في مقتبل العمر، حسنة الخُلق والخَلق، تمشي بدلع ودلال خاصة أن والدها مغترب ثري وأمواله، كما يشاع، لا تأكلها النيران.
بعد تخليص المعاملات واستلام جميع الصناديق والحقائب، شرع معاون بوسطة الضيعة، بمساعدة بعض الحمّالين، وضع الأمتعة فوق السطح، ثم استوى الجميع في مقاعدهم، فانطلقت المحروسة صعوداً نحو الجبل... تتهادى عبر الدساكر والمروج، سارحة وعين الرب ترعاها...
كان اللقاء على مدخل القرية مؤثراً جداً: عجائز وشيوخ، رجال ونساء، أطفال وفتيان تجمهروا جميعاً لاستقبال المهاجر، ابن البلدة البار، الذي يعود إلى ظهرانيهم مثقلاً بالمال ومكللاً بالغار... وحده مختار الضيعة تخلّف عن هذا الاستقبال، لأن عائلته طالما نافست عائلة المغترب على الوجاهة والزعامة، ولأن المختارة حلمت بأن «المختارية» قد تراءت لها بثوب ملاك يهرب من داخل بيتها ويحوم فوق بيت ذلك العائد حديثاً، وقد فَسّرت ذلك بدنو انتهاء ولاية زوجها الذي كان يرى فعلاً في أبي حلمي منافساً خطيراً له.
دخل أبو حلمي الضيعة دخول الأبطال وسط الأهازيج والزغاريد، وراح القوّال يصدح بالحداء والحوربة، والجوقة تردّد اللازمة:
"أهلاً وسهلاً بالغيّاب
فرّحتم قلب الأحباب
كلن راحوا وما جابوا
إلا السبع راح وجاب"
ثم جاء دور النوبة، فصاح قائدها عالياً: "صحايف، صحايف الدار، أهلاً بقيدوم بلدنا"، ثم أعطى الإشارة ببدء العزف، فراحت النوبة تعزف نشيد التعظيم و"الخديوي" وانبرى الشباب، بعد تأدية السلام للقادم الجديد، بالمقارعة واللعب بالسيف والترس.
عند وصول الموكب إلى دار كنيسة السيدة، ارتقى أستاذ المدرسة أعلى الدرج وراح يرتجل كلمة الترحيب والحمدلة على السلامة. كان مقتضباً ومعبِّراً، وحسناً فعل لأن المغترب المسكين كان قد بلغ من الإعياء والإرهاق مبلغاً كاد يُطّير له "ضبانات عقله"...
شكراً يا أحبائي على هذا الاستقبال الحافل، إنني اشتقت إليكم كثيراً وأحييكم فرداً فرداً وأعاهدكم على أن أظلّ معكم وفياً لهذه القرية الحبيبة ولأهلها الميامين طالما حييت. واسمحوا لي الآن بأن أتابع السير نحو البيت الوالدي، لأنني بغاية الشوق إليه، فتحرّك الموكب نحو البيت، وراح الصبية يركضون في الأزقة والزواريب لاعتلاء أماكن مشرفة بحيث لا تفوتهم عن هذا الاحتفال أية شاردة أو واردة وقد اعتلى بعضهم السطوح المجاورة، ووقفت الصبايا فوق الشرفات ينثرن الورود والأَرُز ويطلقن بعض الزغاريد.
عند الوصول إلى مدخل البيت، ركع أبو حلمي على ركبتيه وراح يقبل العتبة ويشكر الله على رجوعه بالسلامة، ثم ولج إلى الداخل بصحبة أفراد عائلته وبعض الأقارب والأصحاب.
راحت نسيبته وردة تزغرد والنسوة يرددن لولولولوليش، ثم طافت حاملات المرطبات والنقولات للقيام بواجب الضيافة، هذا يُغنّي، ذاك يعزف وآخر يرقص، والبيت في عرس حقيقي، احتفاءً بعودة المهاجر سالماً موفقاً ومعافى. دامت جلسة السمر والأفراح هذه حتى ساعة متقدمة من الليل، ثم بدأ الناس بالانصراف وهم يرددون: تصبحون على خير إلى الغد...
- لم يشأ أبو حلمي تلك الليلة اللجوء إلى الفراش قبل أن يخرج إلى الشرفة ويمتّع ناظريه بأديم السماء الصافي والنجوم المتلألئة، والقمر الأغر... سأل امرأته عن بيت فلان، ولمن هذه الجنينة، وهل أهل بو عبدو ما زالوا يقيمون هنا... كيف المواسم والغلال؟ كيف موسم القمح والتفاح هذه السنة - هل موسم الحرير كان مزدهراً كما العادة والأسعار على رواج؟
- أجابته زوجته، وقد حملت على وجهها ندوب العمر الفاضحة، أدخل يا سندي يا ركن البيت، أخلد إلى النوم أنك مُتعب مرهق والصباح رباح، وسوف يتسنّى لك الاطلاع عن كثب على مجمل هذه الأمور... والأيام أمامنا، بعون الله ومشيئته، ثم وضعت خارجاً جرة الماء والإبريق الفخاري للتسحير لأن البرادات لم تكن يومها معروفة.
صفحة 7
نام أبو حلمي تلك الليلة نوماً عميقاً ولم يتقلب لمرة واحدة من شدة التعب وقلّة النوم... حتى أنه لم يحلم بشيء تلك الليلة، لأن كل أحلامه كانت قد تحققت.
في الصباح التالي، قصد الخوري يوسف بيت المغترب للاطمئنان، ففتحت أم حلمي الباب وبادرته - صباح الخير يا محترم، ما زال الرجل نائماً يغطّ في سُبات عميق، فأجابها الخوري، لقد بلغتْ الساعة السابعة، وحميت الشمس، يجب أن يستيقظ الآن قبل أن تكبسه المحروسة فيظل طيلة النهار يجرجر نعاسه...
- حرام عليك يا محترم... إنه بحاجة إلى النوم، وقد تغيّر عليه الطقس وتبدّل ليله بالنهار.
- معليش. معليش، لازم يتعوّد، أول يوم سيكون صعباً عليه، ثم يتأقلم رويداً رويداً.
سمع أبو حلمي هذا الحوار الصباحي الدائر بين امرأته والوافد.
- من في الباب يا حرمة؟
- إنه الخوري يوسف، جاء للسلام والاطمئنان.
- أهلاً وسهلاً يا محترم، تفضّل أدخل، البيت بيتك.
- صباح الخير يا أبا حلمي، الحمد لله على سلامتك.
- ما تواخذني يا سيدي، لقد بالغت في النوم، كم هي الساعة الآن؟
- السابعة والنصف تقريباً.
- ليلاً؟
- لا، لا، صباحاً.
- أف، بعد بكير، هل قدّست يا محترم؟
- لقد أنهيت القداس وسمعت بعض الاعترافات، وصليت فرضي...
- على كل حال، أعذرني لدقيقة واحدة حتى أحلق ذقني وأبدّل ملابسي، ثم نرشف القهوة معاً.
- خذ وقتك، أمامنا النهار بطوله، سوف نشرب القهوة معاً ونأخذ الترويقة أيضاً ونتجاذب أطراف الأحاديث.
- يا الله، يا معين، السبح لله دائماً وأبداً.
- أرأيتِ يا أم حلمي كيف أن الرجل ما زال يذكر الله، وهو متعلق بأهداب الدين، ويتكل على خالقه، الذي وفّقه وأعاده إلينا سالماً مكتنزاً، فالأصيل يظلّ أصيلاً مهما كثرت الإغراءات وتنوّعت التجارب.
- نشكر الله على كل نعمه.
- لقد ذكرته في قداسي هذا الصباح وقدّمت القرابين عن نيته.
- الشكر لك يا محترم على هذه البادرة "الكيسة"، الله يقدّرنا على مكافأتك.
- لا شكر على الواجب، قالها المحترم وراح يراقب قسمات وجه أبي حلمي وردّات فعله؛ هل سَيَفُك المصرّ أو بعد بكير!... على كل حال عليه أن ينتظر الواصل ليصل.
بعد الترويقة، ووداع المحترم، راح أبو حلمي يدور في غرف البيت ويتحسس الجدران والأثاث برفقة زوجته وأولاده، هذا التخت الحديدي أشرف على التلف يجب إبداله، وكذلك كراسي الصالون. الحائط الشرقي تغيّرت ملامحه بفعل الرطوبة. بحيث أن بياضه تحوّل إلى بني غامق بسبب صدأ المزاريب وقساطل "الوجاق" ويجب قلشه وإعادة طرشه... وكذلك بالنسبة الى المطبخ مع تحديث محتوياته وهذه كلها أمور تستلزم بعض النفقات، فالأموال متوفرة بحمد الله والنية معقودة على العمل، وقد حان الوقت لتكليف المعلم جميل بإجراء اللازم.
المعلم جميل شاب في مقتبل العمر، قوي البنية، نشيط الحركة يتقن في الضيعة عدة مهن اكتسبها بفطنته وشطارته، دون أن يدخل إلى مدرسة أو معهد فني. فهو على السواء دهّان وسنكري، نجّار وبلاّط، لا تعجز يداه عن تنفيذ ما تراه عيناه، إنه صاحب نظرية صائبة وكيف ما رميته يستقرّ جالساً. أنه الوحيد الذي خرج عن القول المأثور: "كثير الكارات قليل البارات"، فهو ميسور الحال يتمتع برصيد مهم في البنك وبيته مليء بكل شيء.
مساء اليوم الأول تقاطرت الوفود، زرافات ووحداناً، للسلام على أبي حلمي وتهنئته بالسلامة. كل عائلة على حدة، وغالباً ما كان يخرج أفراد الواحدة ليلتقوا بأفراد الأخرى على المدخل، فيتبادلون القول: عاقبال ما تشاهدوا غيّابكم. فيكون الجواب: الله يسمع منكم وعاقبال لعندكم. وكان أبو حلمي جالساً في صدر الدار يُبشّ مرحّباً بكل وافد، ثم يستقيم مودعاً عند المغادرة.
كان يروي على السامعين بعض مغامراته التي لا تخلو من الطرافة مع بعض التشويق، فهو محدّث لبق قد شحذته الغربة وصقلت طباعه. فغالباً ما كانت حركات يديه تعبّر عن أقواله بصدق وعفوية، فتارة يتحرّك بهدوء وسكينة وأحياناً بعصبية ونرفزة تبعاً للحديث الذي يدلي به. ثم كان من وقت لآخر يُسلّم بعض الوافدين أمانة مالية أو عينية قد كلّفه بها أحد مغتربي القرية المقيمين في نفس الولاية حيث كان يقيم.
- هذه من ابنك فلان مع رسالة، وهذا مبلغ من عمك فلان مع كلمة صغيرة...
- فكانت الأجوبة شبه متطابقة: الله يطوّل بعمرك، ويعوّض عليهم بدل القرش أضعافاً مضاعفة...
ظلت الوفود تتقاطر طيلة أيام الأسبوع، خاصة عند المساء، بعد أن يكون الأهالي قد عادوا من أعمالهم اليومية، وأبو حلمي يُسلّم على هذا ويداعب ذاك ويستفسر عن أحوال ذلك حتى صبيحة يوم الأحد، عندما مرّ به الكاهن باكراً وأبلغه بأنه سيقدّم قداس الشكر عن نيته، فلبس أبو حلمي أبهى حلله وتوجّه في الوقت المحدد إلى الكنيسة يتقدّم أهل بيته وعائلته، وما أن دخلها حتى سارع أبو شكري، وكيل الوقف، إلى استقباله، ثم أجلسه مع أهل بيته في الصف الأمامي وابتدأ القداس، وراحت الجوقة تنشد التراتيل الطقسية والشماس سمعان يصدح بصوته الحنون مرتلاً الإفراديات، والكنيسة تغصّ بالمصلين من أهالي البلدة والجوار كأنما عيد الميلاد أو الفصح قد حلّ في عزّ الصيف!
طبعاً بعد تلاوة الإنجيل المقدس والتعليق على ما جاء فيه، كان للأب المحترم كلمة موجهة إلى أبي حلمي، بحيث اعتبره ابناً باراً للقرية، وذخراً لسكانها وسنداً لأهلها، وعلى السامع اللبيب والفطن أن يفهم الرسالة!
في الصباح التالي، قصد الخوري يوسف بيت المغترب للاطمئنان، ففتحت أم حلمي الباب وبادرته - صباح الخير يا محترم، ما زال الرجل نائماً يغطّ في سُبات عميق، فأجابها الخوري، لقد بلغتْ الساعة السابعة، وحميت الشمس، يجب أن يستيقظ الآن قبل أن تكبسه المحروسة فيظل طيلة النهار يجرجر نعاسه...
- حرام عليك يا محترم... إنه بحاجة إلى النوم، وقد تغيّر عليه الطقس وتبدّل ليله بالنهار.
- معليش. معليش، لازم يتعوّد، أول يوم سيكون صعباً عليه، ثم يتأقلم رويداً رويداً.
سمع أبو حلمي هذا الحوار الصباحي الدائر بين امرأته والوافد.
- من في الباب يا حرمة؟
- إنه الخوري يوسف، جاء للسلام والاطمئنان.
- أهلاً وسهلاً يا محترم، تفضّل أدخل، البيت بيتك.
- صباح الخير يا أبا حلمي، الحمد لله على سلامتك.
- ما تواخذني يا سيدي، لقد بالغت في النوم، كم هي الساعة الآن؟
- السابعة والنصف تقريباً.
- ليلاً؟
- لا، لا، صباحاً.
- أف، بعد بكير، هل قدّست يا محترم؟
- لقد أنهيت القداس وسمعت بعض الاعترافات، وصليت فرضي...
- على كل حال، أعذرني لدقيقة واحدة حتى أحلق ذقني وأبدّل ملابسي، ثم نرشف القهوة معاً.
- خذ وقتك، أمامنا النهار بطوله، سوف نشرب القهوة معاً ونأخذ الترويقة أيضاً ونتجاذب أطراف الأحاديث.
- يا الله، يا معين، السبح لله دائماً وأبداً.
- أرأيتِ يا أم حلمي كيف أن الرجل ما زال يذكر الله، وهو متعلق بأهداب الدين، ويتكل على خالقه، الذي وفّقه وأعاده إلينا سالماً مكتنزاً، فالأصيل يظلّ أصيلاً مهما كثرت الإغراءات وتنوّعت التجارب.
- نشكر الله على كل نعمه.
- لقد ذكرته في قداسي هذا الصباح وقدّمت القرابين عن نيته.
- الشكر لك يا محترم على هذه البادرة "الكيسة"، الله يقدّرنا على مكافأتك.
- لا شكر على الواجب، قالها المحترم وراح يراقب قسمات وجه أبي حلمي وردّات فعله؛ هل سَيَفُك المصرّ أو بعد بكير!... على كل حال عليه أن ينتظر الواصل ليصل.
بعد الترويقة، ووداع المحترم، راح أبو حلمي يدور في غرف البيت ويتحسس الجدران والأثاث برفقة زوجته وأولاده، هذا التخت الحديدي أشرف على التلف يجب إبداله، وكذلك كراسي الصالون. الحائط الشرقي تغيّرت ملامحه بفعل الرطوبة. بحيث أن بياضه تحوّل إلى بني غامق بسبب صدأ المزاريب وقساطل "الوجاق" ويجب قلشه وإعادة طرشه... وكذلك بالنسبة الى المطبخ مع تحديث محتوياته وهذه كلها أمور تستلزم بعض النفقات، فالأموال متوفرة بحمد الله والنية معقودة على العمل، وقد حان الوقت لتكليف المعلم جميل بإجراء اللازم.
المعلم جميل شاب في مقتبل العمر، قوي البنية، نشيط الحركة يتقن في الضيعة عدة مهن اكتسبها بفطنته وشطارته، دون أن يدخل إلى مدرسة أو معهد فني. فهو على السواء دهّان وسنكري، نجّار وبلاّط، لا تعجز يداه عن تنفيذ ما تراه عيناه، إنه صاحب نظرية صائبة وكيف ما رميته يستقرّ جالساً. أنه الوحيد الذي خرج عن القول المأثور: "كثير الكارات قليل البارات"، فهو ميسور الحال يتمتع برصيد مهم في البنك وبيته مليء بكل شيء.
مساء اليوم الأول تقاطرت الوفود، زرافات ووحداناً، للسلام على أبي حلمي وتهنئته بالسلامة. كل عائلة على حدة، وغالباً ما كان يخرج أفراد الواحدة ليلتقوا بأفراد الأخرى على المدخل، فيتبادلون القول: عاقبال ما تشاهدوا غيّابكم. فيكون الجواب: الله يسمع منكم وعاقبال لعندكم. وكان أبو حلمي جالساً في صدر الدار يُبشّ مرحّباً بكل وافد، ثم يستقيم مودعاً عند المغادرة.
كان يروي على السامعين بعض مغامراته التي لا تخلو من الطرافة مع بعض التشويق، فهو محدّث لبق قد شحذته الغربة وصقلت طباعه. فغالباً ما كانت حركات يديه تعبّر عن أقواله بصدق وعفوية، فتارة يتحرّك بهدوء وسكينة وأحياناً بعصبية ونرفزة تبعاً للحديث الذي يدلي به. ثم كان من وقت لآخر يُسلّم بعض الوافدين أمانة مالية أو عينية قد كلّفه بها أحد مغتربي القرية المقيمين في نفس الولاية حيث كان يقيم.
- هذه من ابنك فلان مع رسالة، وهذا مبلغ من عمك فلان مع كلمة صغيرة...
- فكانت الأجوبة شبه متطابقة: الله يطوّل بعمرك، ويعوّض عليهم بدل القرش أضعافاً مضاعفة...
ظلت الوفود تتقاطر طيلة أيام الأسبوع، خاصة عند المساء، بعد أن يكون الأهالي قد عادوا من أعمالهم اليومية، وأبو حلمي يُسلّم على هذا ويداعب ذاك ويستفسر عن أحوال ذلك حتى صبيحة يوم الأحد، عندما مرّ به الكاهن باكراً وأبلغه بأنه سيقدّم قداس الشكر عن نيته، فلبس أبو حلمي أبهى حلله وتوجّه في الوقت المحدد إلى الكنيسة يتقدّم أهل بيته وعائلته، وما أن دخلها حتى سارع أبو شكري، وكيل الوقف، إلى استقباله، ثم أجلسه مع أهل بيته في الصف الأمامي وابتدأ القداس، وراحت الجوقة تنشد التراتيل الطقسية والشماس سمعان يصدح بصوته الحنون مرتلاً الإفراديات، والكنيسة تغصّ بالمصلين من أهالي البلدة والجوار كأنما عيد الميلاد أو الفصح قد حلّ في عزّ الصيف!
طبعاً بعد تلاوة الإنجيل المقدس والتعليق على ما جاء فيه، كان للأب المحترم كلمة موجهة إلى أبي حلمي، بحيث اعتبره ابناً باراً للقرية، وذخراً لسكانها وسنداً لأهلها، وعلى السامع اللبيب والفطن أن يفهم الرسالة!
صفحة 8
الفصل الثاني
مشروع الزواج
رغم أن أهل القرى متقاربون جداً في السرّاء والضرّاء، يتعاونون في ما بينهم ويغارون على مصالحهم، إلاّ أن الفوارق الاجتماعية التي تمليها أوضاعهم المالية وأحوالهم الشخصية ظلت تفعل فعلها، فتبرز بعض التناقضات بينهم لتعطي الأهمية لا للعدد فحسب، بل للقيمة المعنوية أو المادية! وقد استقرّ العرف على اعتبار بيت فلان للزعامة وبيت فلان للوجاهة، وقلما يتبدل أو يتغيّر هذا العرف إلاّ ببروز فرد من هذه العائلة أو تلك، أما عن طريق الوظيفة في الدولة (ابن دولة) أو بالإثراء السريع بواسطة ضرب تجاري أو رحلة موفقة، ويُجهد أبو حلمي النفس على أن يكون من الصنف الثاني، على الأقل، نظراً لثروته الكبيرة وغربته الطويلة، وأن تكون كلمته نافذة ومسموعة عند الجماعة. لذلك راح يكثر من المناسبات التي تظهره أهلاً لتسنم أعلى المراكز.
كانت الأفراح تقام تقريباً كل ليلة في بيته: فالسُفرة ممدودة للجميع والراح تدور عليهم والقوالون يُبدعون بالإطراء والتهليل وقد برز، بين كلّ هؤلاء، مخول؛ فهو شاب في مقتبل العمر، عبل الجسم، حاد السمرة، له شاربان معقوفان، يزيدانه هيبة ورهبة، لكنّه بالمقابل لا يجيد أية مهنة، فهو يعمل فاعلاً عند الحاجة ويقضي معظم أوقاته باللهو مع أترابه وأصحابه، لا يحسب للغد حساباً، أكول نهم، وشرّيب مسرف.
كان مخول، تأميناً لمدخول بسيط، قد تعاقد مع بعض نساء القرية، من أرامل وعجائز على الاعتناء بسطوحهن الترابية طيلة فصل الشتاء، فكان يَحدُلها "بمعوسه" في الأيام الممطرة ويزحف الثلج عنها عند كل ثلجة، كما أنه في الخريف، قبل أول شتوة، يبادر إلى تتريبها وإصلاح الرديف والمزاريب فيها، فكانت هذه الأرملة، تنقده المبلغ المرقوم، وتلك تؤجره، حقلاً معيناً لزرعه والانتفاع به.
لذلك وبحكم عمله، كان مخوّل يستلطف لمياء ويتردد على منزلها لشرب القهوة وقراءة الفنجان، وكانت هذه الأخيرة تقول له دائماً بأنه سيصبح ثرياً وصاحب نفوذ عن طريق الزواج، الذي بات وشيكاً جداً، لكن ذلك، يتطلب الصبر وطول البال؛ ومن صبر ظفر.
- أَعجبت تلك الليلة رقصات مخول المميزة آمال، فرمته بنظرة رضى أرفقتها بابتسامة بريئة... إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من العلاقات.
لاقت هذه النظرة عند مخول استحساناً، فرمقها كالصقر بواحدة حادّة تفضح كل مكنونات صدره، فهو، عدا أنه معجب بجمال آمال وأخلاقها، قد حسب للأمر ألف حساب، أنه فقير الحال، وأبوها طائل الثراء، أنها وحيدته من البنات، وسوف لا يردّ لها طلباً أو يبخل عليها بشيء، لذلك بسرعة البرق عزم على استمالتها والتقرّب منها، لأنه رأى فيها، على جميع الصُعد، ضالته المنشودة.
- بعد تأدية رقصاته المبدعة، تعمّد الجلوس بقربها، ثم أسرّ إليها، قائلاً: هل أعجبك الرقص؟ فما كان منها إلاّ أن أجابت: أنك رائع، رائع... ثم رمقته بنظرة معبّرة عن أشياء كثيرة، وهي غالباً ما كانت تحلم بفارس من أمثاله.
بدأت المسافات بين قلبي آمال ومخول تقترب أكثر فأكثر، خاصة أن المناسبات تتكرر والإعجاب يزداد والأحلام تكبر، وأضحى لازماً على أي واحد منهما أخذ زمام المبادرة، فالنظرات تكاد تفضح الأمور رغم التكتم والمناورة. فقرّر مخول، وهو الرجل المقدام، البوح بمكنونات صدره لآمال، محط كل آماله، لكنه آثر التريّث لاقتناص أقرب فرصة مؤاتية، وذات مساء تعمّد الخروج إلى الشرفة لاستنشاق الهواء، فلحقت به آمال مستفسرة عن حاله، فبادرها القول: آمال إنني معجب بك وإنني أتطلع إلى مستقبلي معك، لكنني لا أجرؤ على البوح لك بهذا الأمر لسببين هامين: أولاً لا أريد إغضاب أبيك، وثانياً أنني معدم الحال لا أملك شروى نقير، ولا أقدر بالتالي على فتح بيت، ووضع الناس في ذمتي.
- أنا أيضاً معجبة بك وأتطلع إلى نفس المستقبل، سأعمل على مكاشفة والدي بالأمر، فهو لا يردّ لي طلباً، وأنا شبه أكيدة بأنه سيمّدنا ببعض المال لبناء مستقبلنا وبدء حياتنا الزوجية.
مشروع الزواج
رغم أن أهل القرى متقاربون جداً في السرّاء والضرّاء، يتعاونون في ما بينهم ويغارون على مصالحهم، إلاّ أن الفوارق الاجتماعية التي تمليها أوضاعهم المالية وأحوالهم الشخصية ظلت تفعل فعلها، فتبرز بعض التناقضات بينهم لتعطي الأهمية لا للعدد فحسب، بل للقيمة المعنوية أو المادية! وقد استقرّ العرف على اعتبار بيت فلان للزعامة وبيت فلان للوجاهة، وقلما يتبدل أو يتغيّر هذا العرف إلاّ ببروز فرد من هذه العائلة أو تلك، أما عن طريق الوظيفة في الدولة (ابن دولة) أو بالإثراء السريع بواسطة ضرب تجاري أو رحلة موفقة، ويُجهد أبو حلمي النفس على أن يكون من الصنف الثاني، على الأقل، نظراً لثروته الكبيرة وغربته الطويلة، وأن تكون كلمته نافذة ومسموعة عند الجماعة. لذلك راح يكثر من المناسبات التي تظهره أهلاً لتسنم أعلى المراكز.
كانت الأفراح تقام تقريباً كل ليلة في بيته: فالسُفرة ممدودة للجميع والراح تدور عليهم والقوالون يُبدعون بالإطراء والتهليل وقد برز، بين كلّ هؤلاء، مخول؛ فهو شاب في مقتبل العمر، عبل الجسم، حاد السمرة، له شاربان معقوفان، يزيدانه هيبة ورهبة، لكنّه بالمقابل لا يجيد أية مهنة، فهو يعمل فاعلاً عند الحاجة ويقضي معظم أوقاته باللهو مع أترابه وأصحابه، لا يحسب للغد حساباً، أكول نهم، وشرّيب مسرف.
كان مخول، تأميناً لمدخول بسيط، قد تعاقد مع بعض نساء القرية، من أرامل وعجائز على الاعتناء بسطوحهن الترابية طيلة فصل الشتاء، فكان يَحدُلها "بمعوسه" في الأيام الممطرة ويزحف الثلج عنها عند كل ثلجة، كما أنه في الخريف، قبل أول شتوة، يبادر إلى تتريبها وإصلاح الرديف والمزاريب فيها، فكانت هذه الأرملة، تنقده المبلغ المرقوم، وتلك تؤجره، حقلاً معيناً لزرعه والانتفاع به.
لذلك وبحكم عمله، كان مخوّل يستلطف لمياء ويتردد على منزلها لشرب القهوة وقراءة الفنجان، وكانت هذه الأخيرة تقول له دائماً بأنه سيصبح ثرياً وصاحب نفوذ عن طريق الزواج، الذي بات وشيكاً جداً، لكن ذلك، يتطلب الصبر وطول البال؛ ومن صبر ظفر.
- أَعجبت تلك الليلة رقصات مخول المميزة آمال، فرمته بنظرة رضى أرفقتها بابتسامة بريئة... إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من العلاقات.
لاقت هذه النظرة عند مخول استحساناً، فرمقها كالصقر بواحدة حادّة تفضح كل مكنونات صدره، فهو، عدا أنه معجب بجمال آمال وأخلاقها، قد حسب للأمر ألف حساب، أنه فقير الحال، وأبوها طائل الثراء، أنها وحيدته من البنات، وسوف لا يردّ لها طلباً أو يبخل عليها بشيء، لذلك بسرعة البرق عزم على استمالتها والتقرّب منها، لأنه رأى فيها، على جميع الصُعد، ضالته المنشودة.
- بعد تأدية رقصاته المبدعة، تعمّد الجلوس بقربها، ثم أسرّ إليها، قائلاً: هل أعجبك الرقص؟ فما كان منها إلاّ أن أجابت: أنك رائع، رائع... ثم رمقته بنظرة معبّرة عن أشياء كثيرة، وهي غالباً ما كانت تحلم بفارس من أمثاله.
بدأت المسافات بين قلبي آمال ومخول تقترب أكثر فأكثر، خاصة أن المناسبات تتكرر والإعجاب يزداد والأحلام تكبر، وأضحى لازماً على أي واحد منهما أخذ زمام المبادرة، فالنظرات تكاد تفضح الأمور رغم التكتم والمناورة. فقرّر مخول، وهو الرجل المقدام، البوح بمكنونات صدره لآمال، محط كل آماله، لكنه آثر التريّث لاقتناص أقرب فرصة مؤاتية، وذات مساء تعمّد الخروج إلى الشرفة لاستنشاق الهواء، فلحقت به آمال مستفسرة عن حاله، فبادرها القول: آمال إنني معجب بك وإنني أتطلع إلى مستقبلي معك، لكنني لا أجرؤ على البوح لك بهذا الأمر لسببين هامين: أولاً لا أريد إغضاب أبيك، وثانياً أنني معدم الحال لا أملك شروى نقير، ولا أقدر بالتالي على فتح بيت، ووضع الناس في ذمتي.
- أنا أيضاً معجبة بك وأتطلع إلى نفس المستقبل، سأعمل على مكاشفة والدي بالأمر، فهو لا يردّ لي طلباً، وأنا شبه أكيدة بأنه سيمّدنا ببعض المال لبناء مستقبلنا وبدء حياتنا الزوجية.
صفحة 9
الفصل الثالث
مكاشفة الأب وعدم الموافقة
في هدأة الليل الموحش، جلس أبو حلمي على الشرفة المطلة على البيادر والكروم يسرّح الطرف ويستعيد ذكرياته التي بدأت تتدافع وتتزاحم في مخيلته:
- تذكّر الحصاد و "دوشة" البيادر وحادثة الأفعى التي دهسها النورج، وقد كادت تلسعه وتلسع الثورين لو لم يبادر إلى قتلها بضربة عصا خاطفة دون فزع أو وَجل.
- استعاد أيام الكروم وزمن المعصرة والدبس، فراح يترحم على مسطاح الزبيب ورشّه كل صباح بماء الصفوة بعد أن يكون قد عقد شملة من نبات الطيون لرشه بها. تذكر الخلقين والمسطار، وفلول النحل والزراقط التي تحوم دون كلل لنيل حصتها مما تقع عليه... تذكر كل هذه الأمور بحسرة وشوق، وبينما هو غارق في تأملاته، جلست ابنته آمال قبالته ثم راحت تدندن نغماً محاولةً لفت انتباهه...
- نعم، في وجهك كلام - قالها الأب بعد أن خرق جدار الصمت.
- هناك موضوع - يخصني وقد أردت، يا والدي العزيز، أن أستشيرك بأمره.
- خير، إن شاء الله!
- لا شيء سوى الخير، هل بودّك أن تسمع؟
- كُلي آذان صاغية. وهل عندي مئة إبنة؟ أوَهل هناك أغلى من هذه الابنة؟
تشجعت آمال لهذه المقدمة، فاستجمعت قواها، واعتدلت في جلستها ثم بدأت الحديث:
- تعلم يا والدي أنني أصبحت صبية بالغة، وما زلت تحت نصيبي، وتعرف أن كل شاب في الضيعة يخطب ودي ويريد الاقتران بي، لكن كما يقولون للقلب أسبابه التي لا يمكن للعقل أحياناً فهمها.
- ومن هو السعيد الذي اختاره هذا القلب؟
- ما رأيك بمخول؟
- إنه شاب ممتاز، الله يوفقه ويخلّيه لأهله.
- يعني؟
- يعني رغم كونه ممتازاً وابن هذه الضيعة، فهو ليس من مجاويزنا!
أنه لا يحمل شهادة، ولا يتّقن مهنة تمكّنه من العمل لاكتساب عيشه. فالزواج وتأسيس البيت وإنشاء العائلة، كلها أمور تتطلب الكثير من المال في هذه الأيام، فإذا كان صاحبنا طامعاً بمال الوالد، فقد خاب ظنّه، أنا جنيت أموالي بكدي وعرق جبيني ولست مستعداً لأن أبذرها على أشخاص لا يحسنون إلا التربّص بالفرص والانقضاض عليها دون وازع أو رادع، وإنني أنذرك منذ الآن بقطع كل علاقة معه، إذا كان فعلاً هناك من علاقة، كما أنني سأُفهم هذا الشاب بأن وجوده في هذا البيت أضحى غير مرغوب به - فهذا البيت كان له وباعنا إياه!
صُدمت الإبنة بموقف أبيها المفاجئ والجازم ولم تقدر على متابعة الحديث، فانسلّت إلى غرفتها وراحت تبكي وتندب حظها العاثر، ونامت تلك الليلة كسيرة الخاطر محطمة الفؤاد.
قامت آمال في الصباح الباكر، فحملت جرتها على غير عادة، ويممت شطر العين علّها تصادف حبيبها أو ترسل له صديقتها، لإبلاغه بما دار بينها وبين والدها. وبالفعل كان مخول يدير مكسر العين للسقاية، فبادرها قائلاً: صباح الخير يا ست الحسن!
صباح الخير يا مخول، ليس لدي متسع من الوقت للمكوث معك، لقد أخبرت والدي بقصة حبنا، فتفاجأ بالأمر وعارضه كلياً... لقد قلت لك أن الوقت لم يحن بعد، كان علينا أن ننتظر الفرصة المناسبة، لكن إلحاحك ولجاجتك كالعادة، خرّبتا كلّ شيء؛ على كل حال إصبر قليلاً، ربما تنجلي الأمور وتتبدل لصالحنا: في العجلة ندامة وفي التأني سلامة! ثم ملأت جرّتها وانصرفت.
وقف مخول دون أن يُحكم سدة القناة جيداً وقفة الحائر والواجم لا ينبث ببنت شفة. لقد تبلغ ما كان يتوقعه ويخاف منه، حاسباً له ألف حساب، لقد جرّب في الآونة الأخيرة، وخاصة في مناسبات السهر عند بيت آمال أن يستدرّ عطف والدها ويلمّع صورته ويُجمّلها أمامه. لكن كل هذه المناورات قد ذهبت سداً، وها هو يجابه الواقع المرير بالحقيقة الجارحة.
غادر مخول العين لا يلوي على شيء، وترك المياه تنساب على هواها في مكاسر جلوله؛ ثم عاد إلى البيت ورأسه يعتمر بألف فكرة وفكرة: هل يغادر القرية هرباً من الشماتة خاصة إذا انتشر خبر الرفض هذا. أم يستمرّ في محاولاته اليائسة، علّه يفلح بذلك؟
هل يقاطع آمال بعد أن بثّها لواعج حبه، وقابلته هي بالمثل؟ ومن تراها سوف تكون البديلة عنها؟ بجمالها ورقتها وذكائها...؟ ظلّت هذه الهواجس تجول في بال مخول فانقطع عن الأكل وجافاه النوم وزادت طباعه شراسة وعصبية، حتى لم يعد يطيق أية كلمة انتقاد أو مزاح من أقرب المقرّبين إليه. وفيما هو غارق في همومه وهواجسه، إذ بصديقة آمال تطرق بابه:
- آمال تسلّم عليك وقد حمّلتني الرسالة التالية:
لقد حاولت آَمال أن تثني والدها عن قراره، فجرّبت إقناعه، تارة بالمنطق، وطوراً بالعاطفة، وأحياناً بالتهديد كأن تضع حداً لحياتها، أو تهرب من البيت الوالدي، فظلّ الموقف هو عينه؛ هناك فوارق طائفية تفصل بينكما، أنت روم كاثوليك وهي مارونية، أنت من بيت وضيع وهي من أصحاب الجاه والمال، أنت لا تجيد أية مهنة ولا تقوى على تأسيس عائلة، فكيف بك تُقدم على هكذا مشروع وتضع مصير الناس في ذمتك؟ أليس هذا تهوّراً؟
- والعمل؟
- أن آمال تحبك ومستعدّة لأن تضحي بكل شيء من أجلك، فهي على أهبّة الاستعداد للالتزام بأي قرار تتخذه.
- ما رأيها بالخطيفة؟
- لقد فاتحتها صراحة بهذا الحلّ، فلم تبدِِ ممانعة، لكنها تترك لك حرية التخطيط والتوقيت والتنفيذ.
- أرجوك بأن تبلغيها أحرّ أشواقي، وإنني منذ الساعة سأقوم بالاستعدادات اللازمة مع السرّية المطلوبة كي تنجح الخطة، وسأرسل لها إشارة البدء بها عندما أصبح جاهزاً.
- على بركة الله، ثم انصرفت الصديقة لتُبلغ آمال بالأمر.
مكاشفة الأب وعدم الموافقة
في هدأة الليل الموحش، جلس أبو حلمي على الشرفة المطلة على البيادر والكروم يسرّح الطرف ويستعيد ذكرياته التي بدأت تتدافع وتتزاحم في مخيلته:
- تذكّر الحصاد و "دوشة" البيادر وحادثة الأفعى التي دهسها النورج، وقد كادت تلسعه وتلسع الثورين لو لم يبادر إلى قتلها بضربة عصا خاطفة دون فزع أو وَجل.
- استعاد أيام الكروم وزمن المعصرة والدبس، فراح يترحم على مسطاح الزبيب ورشّه كل صباح بماء الصفوة بعد أن يكون قد عقد شملة من نبات الطيون لرشه بها. تذكر الخلقين والمسطار، وفلول النحل والزراقط التي تحوم دون كلل لنيل حصتها مما تقع عليه... تذكر كل هذه الأمور بحسرة وشوق، وبينما هو غارق في تأملاته، جلست ابنته آمال قبالته ثم راحت تدندن نغماً محاولةً لفت انتباهه...
- نعم، في وجهك كلام - قالها الأب بعد أن خرق جدار الصمت.
- هناك موضوع - يخصني وقد أردت، يا والدي العزيز، أن أستشيرك بأمره.
- خير، إن شاء الله!
- لا شيء سوى الخير، هل بودّك أن تسمع؟
- كُلي آذان صاغية. وهل عندي مئة إبنة؟ أوَهل هناك أغلى من هذه الابنة؟
تشجعت آمال لهذه المقدمة، فاستجمعت قواها، واعتدلت في جلستها ثم بدأت الحديث:
- تعلم يا والدي أنني أصبحت صبية بالغة، وما زلت تحت نصيبي، وتعرف أن كل شاب في الضيعة يخطب ودي ويريد الاقتران بي، لكن كما يقولون للقلب أسبابه التي لا يمكن للعقل أحياناً فهمها.
- ومن هو السعيد الذي اختاره هذا القلب؟
- ما رأيك بمخول؟
- إنه شاب ممتاز، الله يوفقه ويخلّيه لأهله.
- يعني؟
- يعني رغم كونه ممتازاً وابن هذه الضيعة، فهو ليس من مجاويزنا!
أنه لا يحمل شهادة، ولا يتّقن مهنة تمكّنه من العمل لاكتساب عيشه. فالزواج وتأسيس البيت وإنشاء العائلة، كلها أمور تتطلب الكثير من المال في هذه الأيام، فإذا كان صاحبنا طامعاً بمال الوالد، فقد خاب ظنّه، أنا جنيت أموالي بكدي وعرق جبيني ولست مستعداً لأن أبذرها على أشخاص لا يحسنون إلا التربّص بالفرص والانقضاض عليها دون وازع أو رادع، وإنني أنذرك منذ الآن بقطع كل علاقة معه، إذا كان فعلاً هناك من علاقة، كما أنني سأُفهم هذا الشاب بأن وجوده في هذا البيت أضحى غير مرغوب به - فهذا البيت كان له وباعنا إياه!
صُدمت الإبنة بموقف أبيها المفاجئ والجازم ولم تقدر على متابعة الحديث، فانسلّت إلى غرفتها وراحت تبكي وتندب حظها العاثر، ونامت تلك الليلة كسيرة الخاطر محطمة الفؤاد.
قامت آمال في الصباح الباكر، فحملت جرتها على غير عادة، ويممت شطر العين علّها تصادف حبيبها أو ترسل له صديقتها، لإبلاغه بما دار بينها وبين والدها. وبالفعل كان مخول يدير مكسر العين للسقاية، فبادرها قائلاً: صباح الخير يا ست الحسن!
صباح الخير يا مخول، ليس لدي متسع من الوقت للمكوث معك، لقد أخبرت والدي بقصة حبنا، فتفاجأ بالأمر وعارضه كلياً... لقد قلت لك أن الوقت لم يحن بعد، كان علينا أن ننتظر الفرصة المناسبة، لكن إلحاحك ولجاجتك كالعادة، خرّبتا كلّ شيء؛ على كل حال إصبر قليلاً، ربما تنجلي الأمور وتتبدل لصالحنا: في العجلة ندامة وفي التأني سلامة! ثم ملأت جرّتها وانصرفت.
وقف مخول دون أن يُحكم سدة القناة جيداً وقفة الحائر والواجم لا ينبث ببنت شفة. لقد تبلغ ما كان يتوقعه ويخاف منه، حاسباً له ألف حساب، لقد جرّب في الآونة الأخيرة، وخاصة في مناسبات السهر عند بيت آمال أن يستدرّ عطف والدها ويلمّع صورته ويُجمّلها أمامه. لكن كل هذه المناورات قد ذهبت سداً، وها هو يجابه الواقع المرير بالحقيقة الجارحة.
غادر مخول العين لا يلوي على شيء، وترك المياه تنساب على هواها في مكاسر جلوله؛ ثم عاد إلى البيت ورأسه يعتمر بألف فكرة وفكرة: هل يغادر القرية هرباً من الشماتة خاصة إذا انتشر خبر الرفض هذا. أم يستمرّ في محاولاته اليائسة، علّه يفلح بذلك؟
هل يقاطع آمال بعد أن بثّها لواعج حبه، وقابلته هي بالمثل؟ ومن تراها سوف تكون البديلة عنها؟ بجمالها ورقتها وذكائها...؟ ظلّت هذه الهواجس تجول في بال مخول فانقطع عن الأكل وجافاه النوم وزادت طباعه شراسة وعصبية، حتى لم يعد يطيق أية كلمة انتقاد أو مزاح من أقرب المقرّبين إليه. وفيما هو غارق في همومه وهواجسه، إذ بصديقة آمال تطرق بابه:
- آمال تسلّم عليك وقد حمّلتني الرسالة التالية:
لقد حاولت آَمال أن تثني والدها عن قراره، فجرّبت إقناعه، تارة بالمنطق، وطوراً بالعاطفة، وأحياناً بالتهديد كأن تضع حداً لحياتها، أو تهرب من البيت الوالدي، فظلّ الموقف هو عينه؛ هناك فوارق طائفية تفصل بينكما، أنت روم كاثوليك وهي مارونية، أنت من بيت وضيع وهي من أصحاب الجاه والمال، أنت لا تجيد أية مهنة ولا تقوى على تأسيس عائلة، فكيف بك تُقدم على هكذا مشروع وتضع مصير الناس في ذمتك؟ أليس هذا تهوّراً؟
- والعمل؟
- أن آمال تحبك ومستعدّة لأن تضحي بكل شيء من أجلك، فهي على أهبّة الاستعداد للالتزام بأي قرار تتخذه.
- ما رأيها بالخطيفة؟
- لقد فاتحتها صراحة بهذا الحلّ، فلم تبدِِ ممانعة، لكنها تترك لك حرية التخطيط والتوقيت والتنفيذ.
- أرجوك بأن تبلغيها أحرّ أشواقي، وإنني منذ الساعة سأقوم بالاستعدادات اللازمة مع السرّية المطلوبة كي تنجح الخطة، وسأرسل لها إشارة البدء بها عندما أصبح جاهزاً.
- على بركة الله، ثم انصرفت الصديقة لتُبلغ آمال بالأمر.
صفحة 10
الفصل الرابع
الخطيفة
ذهب مخول لزيارة فيليب، وهو من القلائل الذين يملكون سيارة أجرة في القرية، فأبلغه، بعد أن استحلفه بكتم الأمر، بمخطط الخطيفة، وطلب منه أن يكون جاهزاً في سيارته عصر ذلك اليوم، وأن يوافيه إلى الموقع المعروف بشقيف العروس، ثم اتصل بعمته أم عجاج القاطنة في القرية المتاخمة، وطلب منها إيواءه مع المخطوفة سحابة ليلة ليتمكن من إجراء الاتصالات اللازمة لإقامة مراسم الزواج، فرحّبت هذه، وأبقت الأمر سراً إلاّ على زوجها وابنها عجاج، ثم أرسل بطلب الصديقة المشتركة لإفهامها بتفاصيل المخطط والتوقيت، ومكان الانتظار.
ذهبت الصديقة بخفَي حنين لملاقاة آمال وهي تحمل هذه التفاصيل، فدخلت البيت في زيارة عادية لا يبدو على وجهها أي ارتباك أو مناورة، ثم تعمّدت النصح أمام الحضور قائلة لآمال: الدنيا قسمة ونصيب، راح واحد، سيأتي بعده ألف... لازم الواحدة تكون قنوعة وتعرف أين هي مصلحتها...
ثم غمزت آمالَ بطرف عينها قائلة ما رأيك بمشوار صغير يرفّه عنك وينسيك كل هذه الأمور؟
أدركت آمال المقصود، فرحّبت بالفكرة، واستمهلتها دقيقة لتَستَعدَّ، ثم قامت إلى غرفتها فغيّرت بعض ملابسها ووضعت هويتها في الجزدان مع ما توفر لديها من مال، ثم خرجت مع صديقتها بعد أن أبلغت أمها بأنها تقوم بمشوار صغير للترفيه، وسوف لن تتأخر عن العودة.
كان المساء قد هبط، فانحسر المرور على الطريق حتى كاد ينقطع لولا بعض المزارعين العائدين إلى بيوتهم. عند بلوغهما المكان المعيّن، وصل مخول في سيارة فيليب فأشار إلى آمال بالصعود فصعدت، ثم أوعز إلى الصديقة بافتعال الولولة والصراخ للتضليل وإبعاد الشبهة عنها.
وصل الخبر إلى أبي حلمي، فاستشاط غيظاً، ثم راح يرمي ابنته بالحرم الوالدي المثلث: "لا ابنتي ولا بعرفها"، وانفجرت الأم بالبكاء على فقدان وحيدتها، وهي تردد همساً: الكبت يولد الانفجار، وكثرة الشد تؤدي إلى القطيعة...
في هذه الأثناء، كان والد مخول بإيعاز من ابنه، قد باشر اتصالاته مع سعاة الخير علّه يهدئ غضب الأب ويقنعه بمباركة زواج ابنيهما، فزار المختار وهو رجل حكيم، قد جرّبته الأيام، وطلب منه أن يتوسّط مع والد العروس لحلّ هذه المشكلة. استجاب المختار لهذا الطلب، لكنه لم يَعِدْ مخول بشيء، فهو يعرف حق المعرفة طباع أبي حلمي ومدى تشبثه برأيه، وهو برغم سنوات الغربة التي قضاها في المهجر، لم يتبدّل أبداً بل ظلّ محافظاً حتى التزمّت على مبادئ وعادات أهل القرية التي تعتبر الخطيفة خروجاً عن طاعة الوالدين ملحقه العار بالعائلة وفروعها.
توجه المختار صوب بيت أبي حلمي، ثم استأذن بالدخول عليه، فرآه على حال يرثى له: منفوش الشعر على قلته، غير حليق، يلتحف عباءته المقصبة ويداعب بسطونه بنرفزة وعصبية ولسان حاله يردد حكمة ابن سيراخ:
"إذا أردت تأديب ولدك فهيئ له رزمة من القضبان".
يا ليتني استعملت هذه العصا وقت اللزوم، ما كنت قد وقَعْت في هذه المشكلة المخزية:
- صباح الخير يا أبا حلمي.
- من أين الخير يا مختار؟ ما سمعت شو صار.
- هوّنها يا شيخ تهون، لا هي أول مرة تصير الخطيفة، ولا آخر مرة، المهم أن الذي صار أصبح واقعاً وعلينا أن نتداركه بحكمة وروية.
- الحرب بالنظارات هينة، والجمرة لا تحرق إلاّ في موضعها.
- يا لطيف قديش معظّمها، أنا مطرحك أبادر فوراً إلى مباركة هذا الزواج وأفرح بأنه عوض الولد، أصبح عندي ولدان.
- الله يلعن الأولاد العاقين وساعتهم!
- مخول شاب طيب، لا أفكح ولا أعور، بل كله حيوية ونشاط، ومستقبله ناطره، يكفي أنه ابن هذه القرية وقد تشرّب عاداتها وتقاليدها الحميدة، ومع قليل من المساعدة سوف يقوم بأود بيته وينطلق خير انطلاقة.
- لا، لا، يا مختار، إذا توسمت أنت فيه شاباً طيّباً، زوّجه بابنتك؛ أنه كسول عديم الفائدة لا يحسن سوى طق الحنك والتنقل من مكان إلى آخر تبعاً لأهوائه ورغباته، فكيف له أن يتسلم مسؤولية بيت وعائلة؟
ظلّ المختار طيلة ذلك الصباح يجهد النفس في إقناع أبي حلمي بجدوى هذا الزواج، وبقي أبو حلمي على موقفه دون أن يلين له عزم أو يتزحزح قيد أنملة. المختار يأمل بفتح كوة ولو ضيّقة للمضي قدماً بهذه الوساطة، وأبو حلمي على موقفه، فما كان منه إلاّ أن استودعه طالباً منه التفكير ملياً بما أشار عليه من آراء.
وصل المختار إلى البيت متعباً منهكاً يجرجر أذيال الخيبة، وقبل أن يتفوه بكلمة، بادره أبو مخول، الذي كان ينتظر، بالقول: لقد قرأت الجواب على وجهك وفي عينيك، إنك حاولت وأنا شاكر لك سعيك هذا، وليس عندنا من سعاة الخير أفضل منك!
ذهب أبو مخول إلى "أنطش" الكنيسة، فسأل عن الخوري يوسف، فأجابته الخورية بأنه تمشى ناحية الكرم ليتفقده، فلحق به حيث رآه يزرع الجلول ذهاباً وإياباً، وهو يقرأ في شحيمته ويتلو بعض الصلوات،
- المجد لله يا محترم.
الخطيفة
ذهب مخول لزيارة فيليب، وهو من القلائل الذين يملكون سيارة أجرة في القرية، فأبلغه، بعد أن استحلفه بكتم الأمر، بمخطط الخطيفة، وطلب منه أن يكون جاهزاً في سيارته عصر ذلك اليوم، وأن يوافيه إلى الموقع المعروف بشقيف العروس، ثم اتصل بعمته أم عجاج القاطنة في القرية المتاخمة، وطلب منها إيواءه مع المخطوفة سحابة ليلة ليتمكن من إجراء الاتصالات اللازمة لإقامة مراسم الزواج، فرحّبت هذه، وأبقت الأمر سراً إلاّ على زوجها وابنها عجاج، ثم أرسل بطلب الصديقة المشتركة لإفهامها بتفاصيل المخطط والتوقيت، ومكان الانتظار.
ذهبت الصديقة بخفَي حنين لملاقاة آمال وهي تحمل هذه التفاصيل، فدخلت البيت في زيارة عادية لا يبدو على وجهها أي ارتباك أو مناورة، ثم تعمّدت النصح أمام الحضور قائلة لآمال: الدنيا قسمة ونصيب، راح واحد، سيأتي بعده ألف... لازم الواحدة تكون قنوعة وتعرف أين هي مصلحتها...
ثم غمزت آمالَ بطرف عينها قائلة ما رأيك بمشوار صغير يرفّه عنك وينسيك كل هذه الأمور؟
أدركت آمال المقصود، فرحّبت بالفكرة، واستمهلتها دقيقة لتَستَعدَّ، ثم قامت إلى غرفتها فغيّرت بعض ملابسها ووضعت هويتها في الجزدان مع ما توفر لديها من مال، ثم خرجت مع صديقتها بعد أن أبلغت أمها بأنها تقوم بمشوار صغير للترفيه، وسوف لن تتأخر عن العودة.
كان المساء قد هبط، فانحسر المرور على الطريق حتى كاد ينقطع لولا بعض المزارعين العائدين إلى بيوتهم. عند بلوغهما المكان المعيّن، وصل مخول في سيارة فيليب فأشار إلى آمال بالصعود فصعدت، ثم أوعز إلى الصديقة بافتعال الولولة والصراخ للتضليل وإبعاد الشبهة عنها.
وصل الخبر إلى أبي حلمي، فاستشاط غيظاً، ثم راح يرمي ابنته بالحرم الوالدي المثلث: "لا ابنتي ولا بعرفها"، وانفجرت الأم بالبكاء على فقدان وحيدتها، وهي تردد همساً: الكبت يولد الانفجار، وكثرة الشد تؤدي إلى القطيعة...
في هذه الأثناء، كان والد مخول بإيعاز من ابنه، قد باشر اتصالاته مع سعاة الخير علّه يهدئ غضب الأب ويقنعه بمباركة زواج ابنيهما، فزار المختار وهو رجل حكيم، قد جرّبته الأيام، وطلب منه أن يتوسّط مع والد العروس لحلّ هذه المشكلة. استجاب المختار لهذا الطلب، لكنه لم يَعِدْ مخول بشيء، فهو يعرف حق المعرفة طباع أبي حلمي ومدى تشبثه برأيه، وهو برغم سنوات الغربة التي قضاها في المهجر، لم يتبدّل أبداً بل ظلّ محافظاً حتى التزمّت على مبادئ وعادات أهل القرية التي تعتبر الخطيفة خروجاً عن طاعة الوالدين ملحقه العار بالعائلة وفروعها.
توجه المختار صوب بيت أبي حلمي، ثم استأذن بالدخول عليه، فرآه على حال يرثى له: منفوش الشعر على قلته، غير حليق، يلتحف عباءته المقصبة ويداعب بسطونه بنرفزة وعصبية ولسان حاله يردد حكمة ابن سيراخ:
"إذا أردت تأديب ولدك فهيئ له رزمة من القضبان".
يا ليتني استعملت هذه العصا وقت اللزوم، ما كنت قد وقَعْت في هذه المشكلة المخزية:
- صباح الخير يا أبا حلمي.
- من أين الخير يا مختار؟ ما سمعت شو صار.
- هوّنها يا شيخ تهون، لا هي أول مرة تصير الخطيفة، ولا آخر مرة، المهم أن الذي صار أصبح واقعاً وعلينا أن نتداركه بحكمة وروية.
- الحرب بالنظارات هينة، والجمرة لا تحرق إلاّ في موضعها.
- يا لطيف قديش معظّمها، أنا مطرحك أبادر فوراً إلى مباركة هذا الزواج وأفرح بأنه عوض الولد، أصبح عندي ولدان.
- الله يلعن الأولاد العاقين وساعتهم!
- مخول شاب طيب، لا أفكح ولا أعور، بل كله حيوية ونشاط، ومستقبله ناطره، يكفي أنه ابن هذه القرية وقد تشرّب عاداتها وتقاليدها الحميدة، ومع قليل من المساعدة سوف يقوم بأود بيته وينطلق خير انطلاقة.
- لا، لا، يا مختار، إذا توسمت أنت فيه شاباً طيّباً، زوّجه بابنتك؛ أنه كسول عديم الفائدة لا يحسن سوى طق الحنك والتنقل من مكان إلى آخر تبعاً لأهوائه ورغباته، فكيف له أن يتسلم مسؤولية بيت وعائلة؟
ظلّ المختار طيلة ذلك الصباح يجهد النفس في إقناع أبي حلمي بجدوى هذا الزواج، وبقي أبو حلمي على موقفه دون أن يلين له عزم أو يتزحزح قيد أنملة. المختار يأمل بفتح كوة ولو ضيّقة للمضي قدماً بهذه الوساطة، وأبو حلمي على موقفه، فما كان منه إلاّ أن استودعه طالباً منه التفكير ملياً بما أشار عليه من آراء.
وصل المختار إلى البيت متعباً منهكاً يجرجر أذيال الخيبة، وقبل أن يتفوه بكلمة، بادره أبو مخول، الذي كان ينتظر، بالقول: لقد قرأت الجواب على وجهك وفي عينيك، إنك حاولت وأنا شاكر لك سعيك هذا، وليس عندنا من سعاة الخير أفضل منك!
ذهب أبو مخول إلى "أنطش" الكنيسة، فسأل عن الخوري يوسف، فأجابته الخورية بأنه تمشى ناحية الكرم ليتفقده، فلحق به حيث رآه يزرع الجلول ذهاباً وإياباً، وهو يقرأ في شحيمته ويتلو بعض الصلوات،
- المجد لله يا محترم.