eKtab
EN ع
الإيمان والمؤمنون في سورة المؤمنون
اقرأ عينة مجانية

الإيمان والمؤمنون في سورة المؤمنون

بقلم د. نوح مصطفى الفقير

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله، أحكم الحاكمين، المتعالي بصفات الجلال والجمال على سائر العالمين، العليم العلام، الذي يخشاه حق خشيته العلماء الراسخون، ويقف عند حقيقة كبريائه العارفون وهم متحيرون مبهورون، هو { الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }(1)، المنزّه حماه عن تطرق ريب المنون، {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}(2).
والصلاة والسلام على المختار، الأمين المأمون، المُبشر في سورة(ن) بأجر غير ممنون، المرفوع ذكره، الفوّاح عطره، الباهر نوره، المنشرح صدره، الطيب اسمه، الجميل رسمه، العالي قدره وهديه، فالأئمة به يهتدون ويقتدون، والملائكة المقربون به يُرحّبون، وحول ركابه يعرجون، والمسلمون المؤمنون بالانتساب إليه يُحبرون، وبذكره يطرب المؤذنون والسامعون والمرددون.
وعلى آله وصحبه وعترته، ومَن عاشوا في رحابه وهم آمنون، ومَن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، أولئك السابقون المقربون، وهم بالعروة الوثقى مستمسكون، المحفوظون بما حُفظ به يونس عليه السلام في بطن النون، وبعد؛
فلما آثرت كتابة موجزٍ في التفسير دعوت جابر الكسير، ومُجير المستجير، واستنهضت بعض الهمم، وحبّرت القلم، وحاربت السأم، وجمعت من شتات الموضوع ما لا يزيد عن الفتيل أو النقير أو القطمير، وقد عجزت عن الفيض الكثير، ثم أطلت التفكير، واخترت التعابير، واستخلصت من جواهر القرآن المكنونة ما يعادل القناطير، ثم رتبته طاقتي وجهدي- على قلة بضاعتي- ونسقته ولخصته، حتى قارب وجبة روحية، فاق مذاقها فطير الأمير.
ودعوت العلي القدير أن لا يحرمني والمسلمين تأويل الذكر والتفسير، وأن يَقيَنا عذاب ذلك اليوم العبوس القمطرير، والشر المستطير.
وكان رائدي إبان البحث والتعطير أنني بين الأجرين أدور؛ أصبت أو أخطأت، ومما زادني سروراً وشوقاً أن مناط بحثي ودرسي كان في سورة (المؤمنون)، تلك السورة التي أبهرني نورها وجمالها- كدأب سائر سور القرآن- وشدّني بياضها، الذي فاق إشعاع البيض المكنون، واستمتعت برائع ثمارها الغض المصون.
صفحة 2
فما هي السورة؟ وما هو موضوعها؟
 
1. بين يدي السورة الشريفة: سورة {المؤمنون} المكيّة هي السورة الثالثة والعشرون ترتيباً في القرآن الكريم، ذات المائة وثماني عشرة آية، وكلماتها ألف ومائتان وأربعون، وحروفها أربعة آلاف وثمانمائة(3)، نزلت هذه السورة الشريفة بعد سورة الطور، وقبل سورة الملك(4).
والناظر في السياق التاريخي لنزول هذه السور الشريفة {الطور، المؤمنون، الملك) يجد الترابط البيّن الواضح بين موضوعاتهن؛ فسورة الطور تُعنى بأصول الإيمان، وتتحدث عن مآل السعداء والأشقياء(5)، كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}(6)،إلىقوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ}(7)، وسورة الملك شأنها شأن السور المكيّة، تعالج موضوع الوحدانية، وهو أساس الإيمان ومطلبه، ولذلك استهلت الحديث عن عظمة الله تعالى وتقديسه؛ بقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(8).
ولا يعزُبُنّ عن فكرك النيّر أن سورة {المؤمنون} واضحة الارتباط بما قبلها وما بعدها حسب ترتيب سور القرآن أيضاً؛ فهي بعد سورة الحج، وقبل سورة النور، وارتباطها بسورة النور بيّن غير خافٍ؛ قال الآلوسي(9): (مناسبتها -سورة المؤمنون- لآخر السورة قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا }(10)، وفيها { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فناسب أن يحقق ذلك فقال عزّ قائلاً: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(11).
وفي وجه اتصال سورة النور بسورة المؤمنون قال الآلوسي(12):( وجه اتصالها بسورة المؤمنون: أنه سبحانه لمّا قال فيها: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}(13) ذكر في هذه – سورة النور- أحكام من لم يحفظ فرجه من الزانية والزاني، وما اتصل بذلك؛ من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض البصر- الذي هو داعية الزنا- والاستئذان الذي إنما جُعل من أجل النظر) .
2. فضل السورة: ورد في فضل سورة (المؤمنون) الشريفة روايات كثيرة؛ منها صحيحة، ومنها ضعيفة، ومن الروايات الصحيحة ما روي عن عمر بن الخطاب ( أنه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ( إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ،وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا، ثُمَّ قَالَ (: أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّة،َ ثُمَّ قَرَأَ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ)(14) .
وقد ورد في فضلها من الروايات الواهية الكثير، ولا حاجة إلى سردها؛ ومنها حديث: ( إن أول هذه السورة وآخرها من كنوز العرش، مَن عمل بثماني آيات من أولها، واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح)، فقد قال فيه العراقي وابن حجر: لا يوجد في كتب الحديث(15).
3. موضوع السورة الشريفة ومقصودها: الوحدة الموضوعية لكل سورة قرآنية ثابتة، ويظهر أن موضوع السورة التي نحن بصدد الحديث عنها هو الإيمان والمؤمنون، يدل على ذلك أمران جليّان؛ هما:
أولهما: اسم السورة؛ فإن اسم هذه السورة يحدد موضوعها، يظهر ذلك بأدنى تأمل؛ إذ الحديث عن المؤمنين الذي بدأت به السورة لا ينفك عن الإيمان ومظاهره وحقيقته ودلائله في الأنفس والآفاق، وما كان سبباً في زيادته أو نقصانه، أو نقيضه.
ثانيهما: آيات السورة؛ إذ بدأت السورة بذكر صفة المؤمنين، ثم يستطرد السياق لبيان دلائل الإيمان وحقيقته كما عرضها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، من لدن نوح عليه الصلاة والسلام إلى محمد ( خاتم الرسل والنبيين، وتعرض لبعض شبهات المكذبين واعتراضاتهم عليها، ووقوفهم في وجه دعواتهم، حتى يستنصر الرسل بربهم، فيهلك الله المكذبين، وينجّي المؤمنين، ثم يستطرد إلى اختلاف الناس بعد الرسل في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد، وتنتهي السورة بمشهد من مشاهد القيامة، يلاقي الكفار فيها عاقبة التكذيب، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب، وتُختم السورة بتعقيبٍ، يقرر التوحيد المطلق، والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران؛ فهي إذن سورة تتحدث عن المؤمنين وعن الإيمان بكل قضاياه ودلائله وصفاته، وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل(16).
صفحة 3
ولما كان موضوع السورة هو الإيمان فإن مقصودها بيان حال المؤمنين في العبادات، وتذوّق حلاوة الطاعات، وبيان حجج التوحيد، وبراهين النبوات، وذل الكافرين المتنكبين طريق الإيمان في الدنيا وبعد الممات، وعجزهم إبان العذاب في جهنم عن دفع العقوبات، ومكافأة المؤمنين في العقبى على حسب المعاملات، وتهديد أهل اللهو واللغط والغفلات، وفي السورة أمرٌ للرسول ( بالدعوة إلى المنجيات وحثّ المؤمنين عليها، وصرفهم عن المهلكات، وسؤال المغفرة لهم والرحمات.
4. متطلبات الإيمان ( الفضائل والصفات): عرض القرآن الكريم في ثنايا هذه السورة الشريفة من الصفات ما يرسم شخصية المسلم في أُفقها الأعلى؛ من عبادات ومعاملات وكريم الخصال والعادات؛ فبعدما وصفهم بالفلاح- وجعله بالفعل الماضي {أَفْلَحَ} الذي يدل على أصالة الفلاح واستقراره؛ لأنهم مؤمنون، وأنهم بمرامهم فائزون- بيّن القرآن الكريم أنهم في صلاتهم خاشعون، نحو مَسجَدهم ينظرون، وبجوارحهم مخبتون، وبآداب الصلاة ملتزمون، فلا يتثآبون وهم يصلّون، ولا أصابعهم يفرقعون، ولا الحصى يُقلّبون، ولا بلباسهم مشغولون، وكيف لا يخشعون وهم يخشون ذهابه؟ وقد روى حذيفة ( أن رسول الله ( قال: ( أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترون فيها خاشعاً)(17)، وقد تُحمل الصلاة في النص على المعنى اللغوي، فيكون المعنى أنهم في دعائهم خاشعون، ومن هنا نجد الحسن البصري وقد نظر إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوّجني الحور العين، فقال الحسن : بئس الخاطب أنت تخطب وأنتتعبث!!(18)
والمؤمنون عن اللغو معرضون، وكراماً عنه يمرون، ولهيشات الأسواق -ما يدور فيها من لغط واختلاط واختلاف- ناكبون، وفي إخفاء الفتنة على وفق الشرع متآزرون، وبالبر والخير معروفون مشتهرون، والإثم لا يقترفون، وعند ذكر القبائح يصمتون ويعرضون، وإذا انفتحت أبواب الخير يتسابقون، وإذا ذكر الناس الدنيا هم لله ذاكرون، وبحمده يسبحون، ويقدّسون ويمجّدون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وهم للزكاة فاعلون، قصد الطهارة والنماء، والأفضل والأحب من أموالهم ينفقون؛ وهم من كرائمها يُؤدون، وبصالح الأعمال ملتزمون، فالزكاة في الآيات المدنية يُراد بها ذات الأنصبة، وفي الآيات المكيّة تُحمل على ما كان سبباً فيها كالعمل الصالح(19)، فهم في الحالتين هم الطاهرون، وهم لفروجهم حافظونممسكون، لا يرسلونها {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}(20)، وهم عن الشهوات يعزفون، وعلى العفة يعزمون، وعلى نيتها يتكاثرون، وبالإفك لا يجهرون، ولا يتخافتون، ولعوراتهم ساترون، كدأبهم في عورات أهليهم سابغون، وهم لأماناتهم وعهودهم كلها مراعون، وعلى حفظها وإصلاحها قائمون، لا يكذبون، ولا يُخلفون، ولا يخونون، بل موفون آمنون.
إن أوصاف المؤمنين تتردد في هذه السورة للتأكيد بين الفينة والفينة أنهم هم الوارثون، فهم من خشية ربهم مُشفقون، وبآياته يصدّقون ويوقنون، وبه لا يشركون، وينفقون وقلوبهم وجلة، ولا يمنّون؛ خشية أن لا تقع على الوجه اللائق؛ لأنهم إليه راجعون، ويوم القيامة إليه يُبعثون، فأحرى أن يكونوا بالخيرات يُسارعون، وهم لها سابقون، إنها نهاية مقامات الصدّيقين.
ولما كانت هذه الأوصاف والطاعات مظنة أن يُقال: إنها ثقيلة، قال سبحانه وتعالى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(21)، ولثبات هذه الخصائص في النفوس عبّر القرآن الكريم عنها جميعاً بالجملة الاسمية دون الفعلية؛ لأن الجملة الاسمية في اللغة تدل على الثبات، والفعلية تدلعلى التجدد والحدوث، فهي مظنة الانقطاع، والاسمية مظنة الاتصال والدوم(22).
5. دلائل الإيمان وبراهينه في الأنفس والآفاق: لما كان الحديث في السورة الشريفة عن الإيمان استلزم بيان أدلة أركانه، وبراهينه في الأنفس والآفاق.
أما الإنسان ذو النطفة الطينية والعلقة والمضغة بأطواره الجنينية كافة، العاجز عن معرفة ما حوله، فضلاً عن أن يدرك كنه نفسه وحقيقته، فقد تقدم في أسلوب حياته؛ فبنى بيته، وحاك ثوبه، وزرع أرضه، وجمع طعامه، ونظّم أسرته، وانضم إلى جماعته وعشيرته؛ فأسس دولته، وأشاد ملكه، وأنار الظلام، وصنع العجائب، وشارك الطير في السماء، ورافق الحيتان في أعماق البحار، واستنبط الاختراعات، حتى اعتلى متن الهلاك، وحطّ رحاله على الأفلاك.
لقد بدأ الله مشوار خلق الإنسان من تراب ثم نطفة، وقال الله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(23)، فسبحان مَن خلق الإنسان، وأتقن خلقه غاية الإتقان، سبحان مَن منحه العقل الكبير، وعقّد تركيبه، وجعله مناط التدبر والتفكير، وأعطاه الحواس، ونظمها هذا التنظيم القويم، وركّبها أحسن التركيب، حتى استجمع أكثر الغرائب، وكاد يستغرق العجائب:
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
فتبارك الله العلي الكبير، سبحانه وهو على كل شيء قدير.
ومن الوجوه الوجيهة ما ذكره الآلوسي في تفسير الآية آنفة الذكر؛ إذ قال: ( تضمنت الآية تسعة أطوار، ووقع الموت فيها الطور الثامن، ووافق ذلك أن من يُولد لثمانية أشهر من حمله قلّما يعيش) انتهى(24)، والواقع يؤيد هذا ويثبته.