صفحة 1
الجزء الخامس
سنة تسع من الهجرةذ كر غزوة تبوك في رجب منها
قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره قالت قريش لينقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها فعوضهم الله عن ذلك الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
قلت فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم لأنهم اقرب الناس اليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله وقد قال الله تعالى يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال جلى للناس أمرها ودعى من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه فاوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب
الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال فقال تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ثم الآيات بعدها ثم قال تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم
قال ابن اسحاق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب يعني من سنة تسع ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم ابن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث مالم يحدث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فانه بينها للناس لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بني الاصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا اصبر فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففي الجد أنزل الله هذه الآية ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فانزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون
صفحة 2
قال ابن هشام حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن اسحاق بن ابراهيم بن عبد الله ابن حارثة عن أبيه عن جده قال بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي وكان بيته عند جاسوم يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك
ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك
كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلي كسيرا ومرفق
سلام عليكم لا أعود لمثلها * اخاف ومن تشمل به النار يخرق
قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وانفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها قال ابن هشام فحدثني من أثق به أن عثمان انفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أرض عثمان فاني عنه راض وقد قال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان إلى النبي الف دينار في ثوبه حين جهز النبي ص جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ورواه الترمذي عن محمد بن اسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة بع وقال حسن غريب وقاله عبد الله بن احمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان ابن عفان علي مائة بعير باحلاسها وأقتابها قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ما على عثمان ما عمل بعد هذا وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به وقال ثلاث مرات أنه التزم بثلاثمائة بعير باحلاسها وأقتابها قال عبد الرحمن فانا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر ما ضر عثمان بعدها أو قال بعد اليوم وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الاحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن ابي وقاص وعلي والزبير وطلحة أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جهز جيش العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا قالوا اللهم نعم ورواه النسائي من حديث حصين به
صفحة 3
فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم
قال الله تعالى وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا باموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم فيها شك اغبياء رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه قال ابن اسحاق وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله ابن المغفل المزني وبعض الناس يقولون بل هو عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري قال ابن اسحاق فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فاعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد يونس بن بكير عن ابن اسحاق وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به ولم تجعل به ولم تجعل في يد رسولك ما ي يحملنى عليه وإنى أتصدق على كل مسلم فيه بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم أحد ثم قال أين المتصدق فليقم فقام اليه فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة وقد أورد الحافظ
صفحة 4
البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم فقال والله لا أحملكم على شيء ووافقته وهو غضبان ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم البث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس فاجبته فقال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خذ هذين القربتين وهذين القربتين وهذين القربتين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لي في أول مرة ثم اعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب أبل فامر لنا بست ذودعر الذرى فاخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا فرجعنا له فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ثم قال وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها
قال ابن اسحاق وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف وكانوا نفر صدق لا يتهمون في اسلامهم
قلت أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى الذين أنزل الله فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه وأما أبو خيثمة فانه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي
صفحة 5
فصل ( تخلف عبد الله بن أبي وأهل الريب عام تبوك ) .
قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه وما كان فيما يزعمون باقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب قال ابن هشام واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال وذكر الدراوردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة قال ابن اسحاق وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم فارجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استقلالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فاخبره بما قالوا فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره ثم قال ابن اسحاق حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي واخرجاه من طرق عن شعبة نحوه وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة وقال الامام احمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن اسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن اسماعيل به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه
قال ابن اسحاق ثم إن ابا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم اياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف
صفحة 6
والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وكان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أولى لك يا أبا خيثمة ثم اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال خيرا ودعا له بخير وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن اسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك
لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب إنما لم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال لما سار رسول الله إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك به غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وابطأ به بعيره فقال دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه فتلوم أبو ذر بعيره فلما ابطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن ابا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده قال فضرب ضربه وسير أبو ذر الى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فاول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فاذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا فقيل جنازة أبي
صفحة 7
ذر فاستهل ابن مسعود يبكي وقال صدق رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فاصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر قال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خبرا فادع الله لنا فقال أو تحب ذلك قال نعم قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر واسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه وقد ذكر ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء فقال سحابة مارة وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري وكان عنده إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك لزيد بن اللصيت وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني فقال بعض الناس إن زيدا تاب وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك
قال الحافظ البيهقي وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الاعمش وقد رواه الامام احمد عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي
سعيد الخدري شك الاعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو اذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة فقال رسول الله نعم فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف من التمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم خذوا في أوعيتكم فاخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوها واكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها غير شاك فيحجب عن الجنة ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الاعمش به ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان غزوة غزاها
صفحة 8
قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلقوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا هكذا ذكره ابن اسحاق بغير اسناد وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم وتقنع بردائه وهو على الرحل ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر هو ابن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال إني اخشى أن يصيبكم مثل ما اصابهم فلا
تدخلوا عليهم وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض عن أبي ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله ورواه مسلم من حديث شعيب بن اسحاق عن عبيد الله عن نافع به وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله قيل من هو يا رسول الله قال هو ابو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه اسناده صحيح ولم يخرجوه وقال الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن اسماعيل بن واسط عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل نعجب منهم قال أفلا أنبئكم باعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فان الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا اسناده حسن
صفحة 9
ولم يخرجوه وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عبد الله ابن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي او عن العباس بن سعد الشك مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس لا تشبوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فاما الذي ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى القته بجبل طيء فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ألم انهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ثم دعا للذي اصيب على مذهبه فشفي وأما الآخر فانه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وفي رواية زياد عن ابن اسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة
قال ابن اسحاق وقد حدثني عبد الله بن ابي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو
ابن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى فاذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه أخرصوا فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة احصي ما يخرج منها حتى أرجع اليك إن شاء الله قال فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل فمن كان له بعير فليوثق عقاله قال أبو حميد فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام رجل فالقته في جبل طيء ثم جاء رسول الله ملك إيلة فاهدى لرسول الله بغلة بيضاء وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم ثم أقبل واقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة كم جاءت حديقتك قالت عشرة أوسق خرص رسول الله فقال رسول الله إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال هذه طابه فلما رأى أحدا قال هذا أحد يحبنا ونحبه ألا أخبركم بخير دور الأنصار قلنا بلى يا رسول الله قال خير دور النصار بنو النجار ثم دار بني عبد الاشهل ثم دار بني ساعدة ثم في كل دور الانصار خير وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه وقال الامام مالك رحمه الله عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آنى قال فجئناها وقد سبق اليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا أخرجه مسلم من حديث مالك به
صفحة 10
ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم الى تبوك إلى نخلة هناك
روى الامام احمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد
ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا مصعب بن عبد الله عن منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي سمعت عقبة بن عامر الجهني خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك قال فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فاصبح بتبوك فحمد الله وأثنى عليه بما هو اهله ثم قال أيها الناس أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة ابراهيم وخير السنن سنة محمد واشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص هذا القرآن وخير الامور عوازمها وشر الامور محدثاتها وأحسن الهدي هدي الانبياء واشرف الموت قتل الشهداء وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى وخير الاعمال ما نفع وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل وخير ما وقر في القلوب اليقين والارتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية والغلول من حثاء جهنم والشعر من ابليس والخمر جماع الاثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل أكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة اذرع والأمر الى الآخرة وملاك العمل خواتمه وشر الروايا روايا الكذب وكل ما هو آت قريب وسباب المؤمن فسوق وقتال المؤمن كفر وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يتألى على الله يكذبه ومن يستغفره يغفر له ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يبتغي السمعة يسمع الله به