eKtab
EN ع
البداية والنهاية الجزء الرابع
اقرأ عينة مجانية

البداية والنهاية الجزء الرابع

بقلم أبن كثير

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الجزء الرابع
 
سنة ثلاث من الهجرة
 
في أولها كانت غزوة نجد ويقال لها غزوة ذي أمر قال ابن اسحاق فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها غزا نجدا يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر قال ابن هشام واستعمل على المدينة عثمان بن عفان قال ابن اسحاق فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع ولم يلق كيدا وقال الواقدي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بني ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه فخرج اليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا وهربت منه الأعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف وذلك بمرأى من المشركين واشتغل المشركون في شئونهم فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا قد أمكنك الله من قتل محمد فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا فقال يا محمد من يمنعك مني اليوم قال الله ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يمنعك مني قال لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والله لا أكثر عليك جمعا أبدا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فلما رجع الى أصحابه فقالوا ويلك مالك فقال نظرت الى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك وشهدت أن محمدا رسول الله والله لا أكثر عليه جمعا
 
وجعل يدعو قومه الى الاسلام قال ونزل في ذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم ايديهم عنكم الآية قال البيهقي وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان قلت ان كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لأن ذلك الرجل اسم غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه ولم يكن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتله والله أعلم
صفحة 2
غزوة الفرع من بحران
 
قال ابن اسحاق فأقام بالمدينة ربيعا الأول كله أو الا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن اسحاق حتى بلغ بحران وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع وقال الواقدي انما كانت غيبته عليه السلام عن المدينة عشرة أيام فالله أعلم
صفحة 3
خبر يهود بني قينقاع في المدينة
 
وقد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فالله أعلم وهم المرادون بقوله تعالى كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم قال ابن اسحاق وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني قينقاع قال وكان من حديثهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سوقهم ثم قال يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فانكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله اليكم فقالوا يا محمد انك ترى انا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس قال ابن اسحاق فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعن عكرمة عن ابن عباس قال ما نزلت هؤلاء الآيات الا فيهم قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون الى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا يعني أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست الى صائغ هناك منهم فجعلوا
 
يريدونها على كشف وجهها فأبت قعمد الصائغ الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام اليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه قال فأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام وكان يقال لها ذات الفضول فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه طللا ثم قال ويحك أرسلني قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلثمائة دراع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة اني والله امرؤ أخشى الدوائر قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك قال ابن هشام واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرته اياهم ابا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته اياهم خمس عشرة ليلة قال ابن اسحاق وحدثني أبي عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فخلعهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ الى الله والى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وابرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم قال وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض الآيت حتى قوله فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعني عبد الله ابن أبي الى قوله ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون يعني عبادة بن الصامت وقد تكلمنا على ذلك في التفسير
صفحة 4
سرية زيد بن حارثة
 
الى عير قريش صحبة أبي سفيان أيضا وقيل صحبة صفوان قال يونس عن بكير عن ابن اسحاق وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر قال ابن اسحاق وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون الى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة وهي عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر ابن وائل يقال له فرات بن حيان يعني العجلي حليف بني سهم ليدلهم على تلك الطريق قال ابن
 
اسحاق فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك حسان بن ثابت
 
دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كافواه المخاض الأوارك
 
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك
 
اذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك
 
قال ابن هشام وهذه القصيدة في أبيات لحسان وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث وقال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الأولى علىرأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم ابن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه واجتمع بكنانة بن أبي الحقيق في بني النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الأموال وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين وقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ خمسها عشرين ألفا وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم رضي الله عنه قال ابن جرير وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وادخلت عليه في جمادى الآخرة منها
صفحة 5
مقتل كعب بن الأشرف
 
وكان من بني طيء ثم أحد بني نبهان ولكن أمه من بني النضير هكذا ذكره ابن اسحاق قبل جلاء بني النضير وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بني النضير والصحيح ما ذكره ابن اسحاق كما سيأتي فأن بني النضير انما كان أمرها بعد وقعة أحد وفي محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقه ان شاء الله قال البخاري في صحيحه قتل كعب بن الأشرف حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الاشرف فأنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فأذن لي أن أقول شيئا قال قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال ان هذا الرجل قد سألنا صدقة وانه قد عنانا واني قد أتيتك أستسلفك قال وأيضا والله لتملنه قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر الى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا قال نعم ارهنوني قلت أي شيء تريد قال ارهنوني
 
نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأمة قال سفيان يعني السلاح فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم الى الحصن فنزل اليهم فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم قال انما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ان الكريم لو دعى الى طعنه بليل لأجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال اذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه فاذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل اليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمر وقال عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فشمه ثم اشم أصحابه ثم قال أتأذن لي قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وقال محمد ابن اسحاق كان من حديث كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيء ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج الى مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن اسحاق قصيدته التي أولها
صفحة 6
طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع
 
وذكر جوابها من حسان بن ثابت رضي الله عنه ومن غيره ثم عاد الى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال موسى بن عقبة وكان كعب بن الأشرف أحد بني النضير أو فيهم قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وركب الى قريش فاستغواهم وقال له أبو سفيان وهو بمكة أناشدك أديننا أحب الى الله أم دين محمد وأصحابه وأينا أهدى في رأيك وأقرب الى الحق إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال فقال له كعب بن الأشرف أنتم أهدى منهم سبيلا قال فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا وما بعدها قال موسى ومحمد بن اسحاق وقدم للمدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من
 
نساء المسلمين قال ابن اسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد الله بن المغيث بن ابي بردة من لابن الاشرف فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الاشهل أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك قال فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلأا ما يعلق نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله إنه لا بد لنا أن نقول قال فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك قال فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد الاشهل وكان أخا كعب بن الاشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الاشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الاشهل وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة قال فقدوموا بين أيديهم الى عدو الله كعب سلكان ابن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الاشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني قال أفعل قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب أنا ابن الاشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير الى ما أقول فقال له سلكان إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال ترهنونى أبناءكم قال لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها فقال ان في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان الى أصحابه فاخبرهم خبره وأمرهم ان يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا اليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيته وهو في ليلة مقمرة فانطلقوا حتى انتهوا الى
صفحة 7
 حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت أنت امرؤ محارب وان أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة قال انه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني فقالت والله اني لأعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى الى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه قال إن شئتم فخرجوا فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فاختلفت
 
عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس يجرح في رجله أو في رأسه اصابه بعض سيوفنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم اتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرح صاحبنا ورجعنا الى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه قال ابن جرير وزعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الاشرف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق وفي ذلك يقول كعب بن مالك
 
فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير
 
على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور
 
بأمر محمد إذ دس ليلا * الى كعب أخا كعب يسير
 
فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور
 
قال ابن هشام وهذه الأبيات في قصيدة له في يوم بني النضير ستأتي قلت كان قتل كعب ابن الاشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر ثم ان الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه ان شاء الله وبه الثقة وقد أورد ابن اسحاق شعر حسان بن ثابت
صفحة 8
لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف
 
يسرون بالبيض الخفاف اليكم * مرحا كاسد في عرين مغرف
 
حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف
 
مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف
 
قال محمد بن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان أخوه حويصة بن مسعود اسن منه ولم يسلم بعد فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله اقتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة فقلت والله لقد أمرني بقتله من لو امرني بقتلك لضربت عنقك قال فوالله إن كان لأول اسلام حويصة وقال والله لو أمرك محمد بقتلي لقتتلني قال نعم والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها قال فوالله ان دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة قال ابن اسحاق حدثني بهذا الحديث مولى لبني
 
حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها وقال في ذلك محيصة
 
يلوم ابن أم لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قارب
 
حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب
 
وما سرني أني قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصري ومارب
 
وحكى ابن هشام عن أبي عبيدة عن أبي عمرو المدني أن هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة فان المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما تقدم فأسلم حويصة يومئذ فالله أعلم
 
تنبيه ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب ايرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن اسحاق وغيره من أئمة المغازي وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر كانت اذ ذاك حلالا وانما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله أعلم
 
تنبيه آخر خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم وكذلك قتل كعب بن الاشرف اليهودي على يدي الاوس وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي وكذلك مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الاحزاب وقصة الخندق كما سيأتي
صفحة 9
غزوة أحد في شوال سنة ثلاث
 
فائدة ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال سمى أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح أحد جبل يحبنا ونحبه قيل معناه أهله وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله اذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله وان منها لما يهبط من خشية الله وفي الحديث عن أبي عبس بن جبر أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار قال السهيلي مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه عليه السلام قال المرء مع من أحب وهذا من غريب صنع السهيلي فان هذا الحديث انما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرءا وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق ومالك قال ابن اسحاق للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل
 
المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين الآيات وما بعدها الى قوله ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة ولنذكر ههنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن اسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رح وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت قالوا أو من قال منهم لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم الى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم واخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا ففعلوا قال ابن اسحاق ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى ان الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون قالوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان 
صفحة 10
وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الاسارى فقال له صفوان بن أمية يا ابا عزة انك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا فقال ان محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه قال بلى فأعنا بنفسك فلك الله ان رجعت أن أغنيك وان قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج ابو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول
 
قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه قال ابن جرير وقيل أن الحسن بن علي ولد فيها قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن اسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها قال فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل تم الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة
 
أيا بني عبد مناة الرزام * أنتم حماة وأبوكم حام
 
لا يعدوني نصركم بعد العام * لا تسلموني لا يحل اسلام
 
قال وخرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح الى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويقول
 
يا مال مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم
 
من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم
 
عند حطيم الكعبة المعظم *
 
قال ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له أخرج مع الناس فان أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فانت عتيق قال فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا وخرج أبو سفيان صخر بن حرب وهو قائد الناس ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود