eKtab
EN ع
البحر - التليسي موسوعة وريادة
اقرأ عينة مجانية

البحر - التليسي موسوعة وريادة

بقلم مجموعة مؤلفين

صفحة 1
مــــقـــدمـــــــة

* * *

سيراً على السنة الحميدة التي استنها مجلس تنمية الإبداع الثقافي و توافقاً مع أهدافه وطموحاته التي وردت في قرار تأسيسه وهي العمل على النشر الافقى للثقافة والفنون ، وإحداث تفاعل وتواصل علي صعيد جماهيري أوسع مع المشاريع التي يضطلع بها المجلس ، يأتي هذا الكتاب التوثيقي للاحتفالية التكريمية للأديب الكبير الأستاذ : خليفة محمد التليسي التي نظمها مجلس تنمية الإبداع الثقافي في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من شهر الكانون ـ ديسمبر 1370 و.ر ـ 2002 ف بمدينــة بنغازي ، التي تجاوزت إطارها الاحتفالي ، إلي إطار علمي معرفي من خلال الندوات العلمية التي صاحبت هذه الاحتفالية بمشاركة عدد كبير من الأدباء والكتّاب والبحّاث من أرجاء الجماهيرية قاطبة، الذين شكل حضورهم إثراءً كبيراً ليس لهذا الحدث الثقافي فحسب ، بل للمشهد الثقافي بشكل عام ، عبر دراسات وقراءات وشهادات ومداخلات أسهمت فيها أجيال متلاحقـة .

وبقدر ثراء المسيرة الإبداعية للأستاذ : خليفة محمد التليسي ، كانت هذه المشاركات ، ومن هنا رأى مجلس تنمية الإبداع الثقافي ، ضرورة أن تأخذ هذه المشاركات القيمة طريقها إلي المكتبة وإلي القارئ ، باعتبارها إضافات حقيقية في المجال المعرفي و الإبداعي ، وأن تلبّي رغبة الدارس والباحث والمتابع ، للشأن الثقافـي .

سائلين الله أن يلقى هذا العمل التوثيقي الأدبي كلّ التوفيق والسـداد

( وفقنا الله جميعاً لما فيه خير الثقافة ونفعهـــا )

والسلام عليكم

( د. سليمان صالح الغويل )

أمين اللجنة الإدارية لمجلس تنمية الإبداع الثقافي

وقائع اليوم الأول

21 ـ 12 ـ 2002ف

* الجلسة الافتتاحية *

انطلقت فعاليات الاحتفالية التكريمية للدكتورخليفة محمد التلّيسي بمدينة بنغازي ، وتحديداً بقاعة جمعية الدعوة الإسلامية ، صباح يوم السبت الموافق الحادي والعشرين من شهر الكانون ـ ديسمبر1370و.ر. 2002 ف . وذلك بحضور حشد كبير ، من الأدباء والكتّاب والمثقفين والمهتمين والمتتبعين للشأن الثقافي من مدن الجماهيرية كافة ، في مشهدية بديعة جسدت تواصل الأجيال في هذا البلد العزيز ، حيث شدّ الجميع الرحال ، وتجشموا مشاق السفر، للمشاركة الفاعلة ، في هذا التكريم ، لرمز من رموز الأدب والكتابة في ليبيا الجماهيرية ، ولإعلاء قيمة عزيزة ، رسّختها ثورة الفاتح العظيم ، التي كان لها فضل السبق في التكريم والاحتفاء بالإبداع والمبدعين ، وحضر الجلسة الافتتاحية الأديب المكرّم ، والإخوة : أمين وأعضاء اللجنة الإدارية لمجلس تنمية الإبداع الثقافي وأمين اللجنة الإدارية للهيئة العامة للصحافة بالجماهيرية وأمين جمعية حقوق الإنسان وأمين فرع رابطة الأدباء والكتاب بشعبية بنغازي والإخوة منسق عام القيادات الشعبية الاجتماعية وأمين المؤتمر الشعبي وأمين اللجنة الشعبية لشعبية بنغازي، وأمين اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة بشعبية بنغازي والأمناء المصعدون بالشعبية وقناصل الدول الصديقة والشقيقة.
صفحة 2
كلمة الدكتور سليمان الغويل .

كلمة الأخ / أمين اللجنة الإدارية لمجلس تنمية الإبداع الثقافي ،

الدكتور/ سليمان الغويل

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الحضور ، من ضيوف ومشاركين ، وأدباء ومثقفين …………

تحية طيبة مفعمة بكل معاني الود والتقدير ، والحب الكبير ، أقدمها إليكم مشفوعة بمثلها من زملائي بمجلس تنمية الإبداع الثقافي .

وتحية خاصة للأخ أمين المؤتمر الشعبي ، وأمين اللجنة الشعبية بشعبية بنغازي، والأخ منسق عام القيادة الشعبية بشعبية بنغازي ، وقناصل الدول الشقيقة والصديقة، الذين أجابوا دعوتنا وتشرفنا بحضورهم معنا .

ضيوفنا الأحباء ، وأبناء وطني الأعزاء..

إني بفؤاد ملؤه الغبطة والسرور ، والبهجة والحبور ، أقف اليوم أمامكم لندشن معكم وبكم هذا المحفل الرائع ، الذي يحمل في ثناياه أسمى المعاني ، وأرقى السجايا ، وأنبل القيم . نحتفل اليوم بالوفاء في بلد الوفاء ، لكل من أجزلوا العطاء لبنى وطنهم وأمتهم ، ثلة الشرفاء الأنقياء القدوة في التألق والإبداع ، والبذل بسخاء وكبرياء .

وأي مشهد أكثر سعادة وبهجة من مشهد التكريم لمثل هؤلاء ، وأن يرى المرء بأم عينه أعياد الوفاء لأهل الوفاء وعظيم العطاء ، وهذا الزخم الرائع من المعنيين بالشأن الإبداعي والمشهد الثقافي في جماهيريتنا الحبيبة .

ولا غرو في أن الأستاذ الأديب الكبير الدكتور خليفة محمد التليسي حريٌّ بهذا الوفاء والتكريم ، وهو الذي قدّم حياته كلهاـ ومازال ـ خدمة لوطنه وأبناء أمته في أشرف المجالات وأنفعها ، ألا وهو مجال الأدب والثقافة والفكر ، وقدم للمكتبة الليبية والعربية والعالمية خلاصة جهده وإبداعه ، في باقة رائعة من المؤلفات القيمة ، في كثير من حقول المعرفة ، في التاريخ والأدب والنقد والترجمة والشعر ، كان آخرها عمله الموسوعي الراقي (النفيس من كنوز القواميس ). لكل ذلك وفوق ذلك الكثير استحق هذا الجهبذ والعلم الكبير هذا الوفاء والتقدير ، وكان لثورة الفاتح العظيمة قصب السبق بتكريمه وعدد من أقرانه في أعياد يوم الوفاء. وعرفاناً بمكانته الأدبية كان له شرف التكريم في بعض الدول الشقيقة والصديقة.

وإننا لنزهو على الدنيا ونفتخر ، بأننا نعيش في حضارة وفي بلاد قد جعلت من التكريم والوفاء سنة حميدة ، وتقليداً راقياً، وعيداً وطنياً يحتفل به كل سنة ، فتحية لمن سنّ هذه السنة الراقية وأرسى دعائم هذا التقليد النبيل ، وجعل منه يوماً وطنياً يلتقي الشعب جميعاً لاحيائه وتكريم النجباء من أبنائه .

فالدولة التي تهمل مواهب أبنائها وإبداعاتهم وتضحياتهم ليست جديرة بما يقدمه هؤلاء الأبناء من عطاء ، والعقول الفذة والعبقريات لا تزهو ولا تتفتح وتتألق إلا بالاحتفاء بها وإعلانها على الملأ ، والإشادة بأهلها وتقديمهم للاضطلاع بمسؤوليات الشأن العام وميادين البناء والعطاء .

إنّا نُدْعى بحق ديمقراطية ؛ لأن الحكم في بلادنا للشعب ، لا للفرد أو النخبة، والقانون يضمن للجميع العدل وتكافؤ الفرص ، إلا أنَّا لا نضيع حق التفوق والفضل . فإذا نبغ مواطن من المواطنين كان له علينا حق التقدير والتكريم ، لا امتيازاً له عن الآخرين ، وإنما تقديرا للنبوغ والتفوق والإبداع .

لاغرو في أن ذلك بحكم الطبيعة هو شأن القلة من أصحاب الهمة والقدرات الجمة . وعندما يقوم الشعب بهذا العمل الأثير إنما يكرّم نفسه ، ويكون هو المستفيد الأول والأخير، فثمرة هذه الإبداعات والمكرمات تشكل في عمومها تراثاً عاماً للشعب ومعيناً لا ينضب ، وأملاً وقدوة حسنة لجيل المستقبل.

إن إقامة هذا التقليد النبيل وإحياء هذه السنة الحميدة في كل عام ، من شأنه شحذ الهمم لمزيد من العطاء والإبداع ، والعمل من أجل الظفر بهذا المجد والتكريم ، وبذلك تجنى فوائد كثيرة شخصية تعود على المحتفى به نفسه ، وعامة تعود على أبناء المجتمع قاطبة ، كما أن الاحتفاء بقيمة الوفاء بما تحمله في ثناياها من معان سامية وسجايا نبيلة، من شأنه خلق نوع من الشفافية والوشائج الحُبيّة بين المواطنين وبين الدولة وإنسانها ، بما يحقق المزيد من البذل والعطاء والتضحية والفداء ، خدمة للدولة والأمة .

وإذا كانت الحكومات اللاديمقراطية لا تجد سنداً لها سوى خوف ورهبة الرعية، ولا شرف فيها ، ولا تقدير إلا للأباطرة والنخب ذات الجاه والثروة .

فحسبنا أن الدولة الرشيدة والديمقراطية الحقة ، لا تكون بدون هوية تحترم فيها الحرية وحقوق الإنسان الأساسية ، وتحقيق المساواة بين الأكفاء ، وتصان فيها الفضائل النبيلة ، ويكرم فيها أبناء الوطن النجباء ، وأصحاب العقول الفذة والإبداعات المبهرة ، والخدمات الجليلة والتضحيات الكبيرة ، في سبيل الوطن والأمة ، فليس من المنطق والعدل في شيء المساواة بين غير المتساوين ، وبذلك تكون المساواة المطلقة افتئاتاً على العدالة المستهدفة.

واعتماداً على ذلك ، وتكريساً لما أكدته مبادئ وتشريعات جماهيريتنا الحبيبة من قيم الوفاء والتكريم لأبناء الوطن ، من أصحاب العقول النيرة والتضحيات الجمة والإبداعات الراقية ، كان احتفالنا اليوم بالأديب الكبير الدكتور خليفة التليسي ، الذي كان للتاريخ من فكره القويم حظٌّ عظيم ، فكان من حقه على التاريخ أن يسطر اسمه في ذكرياته ، وأن تكون له مساحة مضيئة بين معالمه ورجالاته . وأن ينال هذا التكريم في وطنه وبين أبناء شعبه والمنتفعين بعلمه وآدابه ، وفاء له وللوطن الذي أحبه وأحبوه . فهنيئاً لأديبنا الكبير ، بهذا التقدير والوفاء الأثير الذي هو به جدير ، من هذا الجمع الكبير .

وكلنا أمل في المحافظة على هذا التقليد النبيل ، وأن تستمر هذه السلسلة المتصلة من الإبداعات والارتقاء ، في هذا الوطن المعطاء ، ويكون لكل مجتهد نصيب من التكريم والوفاء ، والمشاركة الجادة والمثمرة في حركة البناء والنماء ، وهكذا يتصل التقليد النبيل وتتوالى الشخصيات في التاريخ على تجدد وارتقاء ، وقد نكتفي من ذلك كله أن نلتقي كل سنة على المودة والإخاء ، وابتعادا عن النرجسية والأنا ، والاحترام الدائم لتميز ونبوغ الآخر ، إذا ما التقينا وتبادلنا أنبل الأفكار ، وأرفع المشاعر والمبادئ الكبار وابتعدنا عن سقط المتاع ورخيص القول ، والهنات الصغار ، وغرسنا في كل مرة نبتة جديدة ، مهما صغرت فستتحول مع الزمن إلي سنديانة عتيدة . أو نسجنا قطعة من نسيج لبيتنا الذي نحلم به لأجيالنا المقبلة ، قطعة وان لم تكن خيوطها من الحرير والذهب ، فيكفى أن تكون بمتانة وصدق خيط الوبر . بمثل هذه المحافل والمكرمات نستطيع تحقيق الكثير من الإبداعات والإنجازات ، ومنافسة الكثير من الشعوب والحضارات ، وعساي أن أكون قد أطلت طمعاً في حلمكم ، وسعة صدركم ،ولا يسعني في الختام إلا أن أرجو لجميع ضيوفنا الأعزاء إقامة طيبة في مدينتهم العامرة ، مدينة بنغازي المبتهجة بوجودكم في أحضانها وبين أهلها ، هذه المدينة المتميزة بكرم الضيافة وسمو الثقافة ، والحنين الذي يشد كل من حلّ بها إليها وان طال زمن ترحاله وانقطاعه عنها ، وهذا ما أكده أديبنا الكبير المحتفى به في هذا اليوم ، من خلال حرصه على إقامة حفل تكريمه بمدينة بنغازي دون غيرها ، مذكراً بما كان له من ذكريات طيبة وأيام حافلة بكثير من المكارم التي لا تنسى من أهلها .

والسلام مع كل التقدير والاحترام

د.سليمان صالح الغويل

أمين اللجنة الإدارية لمجلس

تنمية الإبداع الثقافي
صفحة 3
من كلمـة منسـق عـام القيـادات الشعبية بشعبية . بنغـازي

إن هذه الاحتفالية ترسخ قيم الوفاء في المجتمع الجماهيري والاحتفال برواد المبدعين ، المنارات التي أسست بنيان دروب الإبداع والموسوعة الريادية خليفة التليسي ، رمز للعطاء في بناء الوطن ، لهذا تحتفي بنغازي وفاءً لعطاءاته وإبداعاته ، فهذا صاحب موسوعة أبراج الفاتح العظيم ، في حقل اللغة ، فهنيئاً لبنغازي وهنيئاً للمتميز المبدع خليفة التليســــي .

من كلمـة أميـــن المؤتمـــــــر الشعبــــي لشعبيــة . بنغـازي.

انّـه لشيء رائع أن نحتفي بالمبدعين المتميزين الذين أسهموا فــي بناء الحضارة ، في بناء الثقافة ، فهم رموز يحتذي بها وبعطائها وهاهي بنغـــازي الثقافة تحتضن احتفالية تكريم الموسوعة الريادية الدكتور ( خليفة التليسي ) ، فهو من صميم هذا الشعب ، وهذه الأمة ثقافة وعطاء ولم يكن هامشياً بل نقش بصماته أثراً يحتذي به ومثالاً ورائداً لجيل بل لأجيال من المثقفيــن .

من كلمـة أميـــن اللجنــــــة الشعبيـــــة لشعبيــة . بنغـازي .

إن التاريخ والحداثة هما عاملان أساسيان في زمن العولمة وسط القطب الواحد والمحتفي بتكريمه الآن هو الدكتور التليسي الذي يمثل التاريخ والحداثة في عالم أحادي فهو المؤصّل للهوية والقادر بعطاءاته على التميز بتأصيل الهوية وتجذير الأصالة . لهذا نحن نحتفي به كموسوعة ريادية قادرة على مواجهة الاستلاب الفكري والغزو الثقافي .

من كلمة أمانة اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة بشعبية . بنغازي .

أيًها السادة .. إ نّ أمانة الإعلام والثقافة في شعبية بنغازي تحتفي بهذا العلم المضىء من أعلام الضاد الذي مازج بينها وبين اللغات الأخرى . فأخذ من الضاد وأعطى وأخذ من غيرها فبيّن وجلا . إن أمانة الإعلام والثقافة لتسعد بهذا الاحتفال .

أيّها السادة . بنغازي البيان ، بنغازي الثقافة تحيى في الأستاذ التليسى حبه وتمسكه بهذا الحب واختياره لها خاصة لتكريمه . فذلك يعنى أنها أمّ رؤوم للأدباء والمفكرين .
صفحة 4
اولآ: البحوث و الأوراق

اللعب والنفيس وقصيدة البيت الواحد

د. عمر خليفه بن إدريس

ـ 1 ـ توطئة

تعّرف معجمات العربية اللعب بأنه ضد الجدّ (1) ، وتصف كل لعبة تتطرق لذكرها بأنها من ألعاب النساء والمخنثين ، أو من ألعاب الصبيان والفتيان ، أو من ألعاب النبط والزنج ، حتى إن الجرجانى لم يجد فى تعريفاته مايقوله سوى أن " اللعب هو فعل الصبيان" وأنه " يعقب التعب والمشقة " (2).

وأحسب أن هذا التعريف لايستند إلى ركيزة لغوية أو امتداد اجتماعى ، وإنما يستند إلى ركيـزة دينية تشريعيـة ، فقد أوغل بعض علماء الحديث فى التحـرى عن حـال الرواة ، فعدوا اللعب فعلاً جارحاً ، يوجب رد الرواية ورفضها ، وعده الفقهاء مما يدفع الشهادة ويطعن فيها ، فسجل أصحاب المعجمات دلالة الكلمة على النحو المذكور ، متأثرين برؤية المحدثين والفقهاء .

وأياً ما كانت الأسباب التى جعلتهم يختزلون دلالة كلمة " اللعب " فى ضدها ، وهو" الجدّ " ، فإن فعلهم هذا يدفع إلى الذهن سؤالاً تقول صيغته : وهل الرجل الوقور لا يلعب ؟ وإذا لعب فما جدوى لعبه ؟ وهو سؤال كتبت حول إجابته دراسة طريفة ، تعرضت فيها للكلمة المذكورة ودلالاتها ، ولهذا النشاط الذهني العضلي وموقعه من حياة الرجل الوقور .

ولكننى قرأت بعد ذلك مقالا كتبه صاحب النفيس حول معجمه ، وجعل عنوانه

" النفيس إضاءات إضافية " (3) ، ففتحت قراءته أمامي أفقا غاب عنى غوره .

ـ 2 ـ لعب الرجل الوقور :

ذكر التليسى فى مقاله هذا أنه قرأ فى سيرة بعض أعلام الأدب الأجانب " أنه كان إذا استعصى عليه الإلهام والعثور على موضوع تروقه الكتابة فيه ، أخذ بعض المعاجم ، وتسكع بين كلماته ، حتى يجد الكلمة التى تغريه ، وتستدرجه ، فيقف عندها ، لتبدأ لديه رحلة الإلهام وإغراء الكلمات" ثم إنه عقب على ذلك بقوله " ويبدو أني تأثرت بهذا المنهج، فيطيب لى من حين الى حين أن أتسكع فى الروائع التراثية ، ولقد بدأت هذا العمل لاعباً فى الأصل ، فانتهيت الى جدّ لا لهو فيه " . (4)

هكذا ارتقى اللعب إلى مرتبة الجد ، وأضحى تنظيماً لنشاط ذهنى خلاق ، واتسع معناه، حتى أضحت القراءة والكتابة عند من يتذوقونهما ويحبونهما لعبا هو الجد بعينه ، وفى صلب هذه الرؤية خص " ميشال بيكار " القراءة بدراسة اتخذ لها عنوان " القراءة كلعبة " (5) وفى صلبها أيضا تقع كلمة التليسى المذكورة " بدأت هذا العمل لاعباً فى الأصل ، فانتهيت الى جد لا لهو فيه " ، وهى كلمة قالها فى سياق تقديم معجمه لقراء العربية .

بهذا المعنى قرر التليسى أن يمارس اللعب الذي ينتهى إلى جد لاعبث فيه ، فحكى قصته، وأنه فعل ذلك فى يوم لايحدده ، وفى شهر لايتذكره ، وفى عام لايضبطه ، فقد أنس بمعجم " تاج العروس " وعمل صاحب التاج ، وارتأى أن يلعب فى ميادين الكبار ، فطال لعبه ، وامتد سنوات طوالاً ، فخرج من الميدان ظافرا بهذا " النفيس الذي قد يغنى الاستضواء به عن الرجوع الى كثير من الأصول والفروع " .

ـ 3 ـ متن العربية الأكبر :

وإذا كان صاحب " تاج العروس " قد لعب لعبة الإدماج ، حين اعتصر معظم ماحواه لسان العرب بمراجعه المعروفة ، وأدمجه في معجمه ، فصار التاج " معجم العربية الأكبر " فإن صاحب النفيس لعب لعبة التجريد والاختصار ، أى تجريد المادة اللغوية ، وفصلها عن هوامشها ، وشروحها ، واستدراكاتها ، فصار النفيس بهذا " متن العربية الأكبر " (6) ، واتخذ لنفسه مكانا بين معجمات العربية القيمة .

ومنتهى ما أقدم عليه صاحبه أنه أباح لنفسه " ما أباحه القدماء لأنفسهم فى التصرف بالتوسع " ، فمارس هو " بالاختصار ، والاستخلاص ، والتخريج مع التركيز والتكثيف " ما مارسه متقدمو المعجميين ، فحذف الأسانيد كلها ، وحذف الشواهد إلا أقلها، وحذف ما استدرك به الزبيدى على سابقيه ، وحذف مناقشات الزبيدى وشروحه لمسائل اللغة ، ووجوه استعمالاتها ، واختلافات العلماء حولها ، وهى مناقشات تمثل الفيض الموسوعى لهذا المعجم .

وقد فعل صاحب النفيس خيراً حين تقيد بالأصل اللغوى ، فلم يزد عليه شيئاً " من المصطلحات الحديثة ، والكلمات المستجدة " (7) وأحال من يتقصاها ويبحث عنها على المعجمات الحديثة ؛ ذلك لأن المعجمات العربية قديمها وحديثها " .. وقفت عند حدود معينة من المكان والزمان لا تتعداها ، فالحدود المكانية شبه جزيرة العرب ، والحدود الزمانية آخر المائة الثانية من الهجرة لعرب الأمصار ، وآخر المائة الرابعة لأعراب البوادى ، ومعظم هذه المعاجم قد تصونت عن إثبات ما وضع المولدون والمحدثون فى الأقطار العربية من الكلمات والمصطلحات ، والتراكيب ، حتى قر فى نفوس الدارسين أن اللغة قد كملت في عهد الرواية، واستقرت فى بطون هذه المعاجم " . (8)

فهذا ملحظ جعل التليسي يتقيد بما تقيد به الأصل ،ويعزف عن خلط مادة لغوية حية بموضوعها ومنقولها فى المفردات ، والتراكيب ، والمصطلحات ، يتداولها الناس فى أماكن متعددة من زمانهم هذا أو قبل زمانهم هذا ، بمادة لغوية أخرى تعود إلى الزمان والمكان اللذين حددهما النص السابق .
صفحة 5
غايات ومقاصد :

وأوفق من هذا الخلط أنه جعل غايته تتجه الى المقاصد التالية :

1 ـ " جعل المادة اللغوية فى هذا القاموس قريبة المنال " (9) بحيث تحرك العودة إليها، والانطلاق منها ، أنشطة الباحثين ، وتحفزهم للخروج عما درج عليه الأسلاف ، وتدفعهم إلى وضع معجمات أكثر ملاءمة لزمان الناس هذا ، معجمات لاتتجاهل ما جد من " ألفاظ المظاهر الحياتية ، ومصطلحات العلوم التى ابتكرت ، وسرت على أيدي علماء كبار فى الطب ، والنبات ، والرياضيات ، والفلك ، والتاريخ ، والجغرافية " . (10)

بل إن منتهى الكمال لمعجم عربي يلائم التطور العلمي للعصر الحاضر أن يشتمل هذا المعجم على " كل كلمة ـ بلا استثناء ـ وجدت فى اللغة وأن تعرض على حسب وجهات النظر السبع التالية :

التاريخية ، والاشتقاقية ، والتصريفية ، والتعبيرية ، والنحوية ، والبيانية ، والأسلوبية " . (11) . على النحو الذي اقترحه فيشر فى مقدمة المعجم " المعجم اللغوي التاريخي " ، ذلك المعجم الذي اخترمت المنية صاحبه قبل إتمامه .

ومن هذا المنطلق كانت دعوة صاحب النفيس" إلى أن يستعيد العرب تأليف معاجمهم وإعادة النظر فى المعجمية القديمة ، بالمراجعة ، والتنقيح ، بما يساعد على تهيئة القاعدة التى ينطلق منها العمل المعجمى " قائلا : " وربما دخل عملى فى النفيس فى هذا الإطار ، وحمل هذا المعنى " (12)

2 ـ كما جعل غايته من إخراج هذا العمل بهذه الطريقة تتجه إلى كشف وشائج القربى بين معجمات المحدثين وتاج العروس ، الذي يلقى بظله (13) على كثير من هذه المعجمات ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإنه أراد عمله شاهدا على " العبث اليسوعى فى المعاجم الحديثة " ، (14) وهو عبث أصاب كتـــب العربية

الأخرى ، ودواوين الشعراء ، حتى إن الشيخ أحمد محمد شاكر حذرنا من عبثهم وتحريفهم ، قائلا فى تعليقه لـه على ترجمة أبى العتاهية فى الشعر والشعراء : " وديوانه معروف مطبوع ، طبعه الآباء اليسوعيون بمطبعتهم فى بيروت ، وهم قوم لا يوثق بنقلهم ، لتلاعبهم ، وتعصبهم ، وتحريفهم ، ولكن هذا الذي وجد بأيدي الناس الناس " (15)

فهذه التحذيرات التى يطلقها شاكر والتليسى تحذيرات توجه الانتباه الى مخاطر نافذة، وعبث مقصود بالثقافة العربية : قرآنها ، وحديثها ، ولغتها ، وشعرها ، تاريخها ، وآدابها ، وسائر مصادرها ، وهو عبث مصدره قوم لايربطهم فى أنفسهم بهذه الثقافة إلا أوهى العلائق ، فهم يكتبون بأقلامهم ، ويعبرون بضمائر غيرهم ، وعن ضمائر غيرهم .

3 ـ بيان الجانب الإبداعى فى الشاهد الشعرى :

كانت شواهد الزبيدى فى معجمه من مصادر خمسة : القرآن الكريم ، والشعر الفصيح ، والحديث النبوى الشريف ، والمأثورمن فصحاء العرب فى أمثالهم وأقوالهم، وماكان سنده من توثيق أئمة اللغة ورواتها .

غير أن صاحب النفيس توسع فى الاختصار ، فحذف شواهد التاج التى يرتفع نسبها إلى المصادر الثلاثة الأخيرة ، واستبقى الشاهد القرآنى ، وتصرف فى الشاهد الشعرى ، فكان عمود منهجه فى معالجة هذا العنصر من عناصر بنية المعجم قائما على قوله : " ولقد حافظت محافظة شديدة على الشاهد القرآني كما أورده المؤلف ، كما حافظت على الشاهد الشعري المختار " .

ومعنى هذا أن محافظته على الشاهد القرآني تتسم بالشمولية والاستقصاء، وأن محافظته على الشاهد الشعري لا تتسع إلا لما كان ينتقيه منه ويختاره ، وهذا أسلوب فى العمل يحتاج إلى تأمل وتتدبر فى مقاصد صاحبه .
صفحة 6
ـ 5 ـ النفيس وقصيدة البيت الواحد :

إن الذي يتبع أسلوب الاختيار الشعري ، فيجتنى مما هو مجموع مدون أشياء ويسقط أشياء أخرى ، إنما يبتغى غاية مؤداها أن تكون مختاراته مصورة للمثل الشعري فى بابها ، وأن تتوفر فيها شرائط الإحسان ، وجودة الاختيار ، لأنهم يقولون : " شعر الرجل قطعة من كلامه ، و ظنه قطعة من علمه ، واختياره قطعة من عقله " . (16)

وقديماً دقق النقاد فى مسألة اختلاف جودة مايختاره أبوتمام من شعر غيره عما يقوله شعراً من تلقاء ذاته ، فاتضح لهم أن هذه المخالفة ترتد إلى أن " أبا تمام كان يختار ما يختار لجودته لاغير ، ويقول مايقول من الشعر بشهوته ، والفرق بين ما يشتهى ويستجاد ظاهر " (17) لكنهم لم يبرزوا لنا وجه هذا الظهور ، فالتمسنا نحن تعليله فى : أن الجانب الذاتى يقوى أثره مع الشهوة الشاعرة ، ويضعف أثره إلى حد ما مع القوة الناقدة ، فيكون للشاعر حيزه ، وللناقد حيزه فى الذات الواحدة .

بهذه القوة الناقدة انتقى التليسي من شواهد التاج ما انتقى ، وأسقط ما أسقط . وفي صلب هذا التوجه كان الالتقاء بين "النفيس" معجما يتضمن اختيارات شعرية ، وبين "قصيدة البيت الواحد " مصنفا في الاختيارات الشعرية ، يتضمن بعض ما اختير من شعر النفيس ، وفي صلب هذا التوجه أيضا كان الالتقاء بين . "النفيس" و "قصيدة البيت الواحد"، فكلاهما بدأ التليسي يعمل فيه لاعبا ، وانتهى منه إلى جد لا لهو فيه ، وقد صرح المؤلف بهذا فقال : " ومن هذا اللعب ولعي بالبحث عما أسميته بقصيدة البيت الواحد ، أو البيت المفرد ، والذي قدمت شواهد له في الجزء الأول والثاني من مختاراتي عن الشعر العربي الصادرة في ستة أجزاء والسابع في طريق الصدور ، والتي غطت عصور الشعرالعربي منذ مطالع فجره حتى العصر الحاضر ، وفي العزم أن ينتهي إلى عشرة أجزاء ، يدخل في نهايتها شعراء الحداثة .

وقد اتسعت قراءاتي في هذا الباب بحثا عن البيت المفرد ، حتى غطت ديوان الشعر العربي ، ثم كانت الرحلة إلى المعاجم بحثاً عن هذا البيت المفرد ، وفي هذه المعاجم بعض منها ، ولكن أصحاب المعاجم لا يقفون إزاءها وقفة إبداعيـة ، يبحثـون عن الومضة والإلماعة ، والدفقة الوجدانية ، وتشغلهم فقط اللفظة إما في أصولها واشتقاقاتها ، أو في غرابتها . وأعتقد أن إغفال الجانب الإبداعي في الشاهد الشعري ، قد أضعف تأثير هذه المعاجم في مسار الإبداع الشعري العربي " (18)

لامناص من نقل هذه الفقرة كاملة ، ففى نقلها تتبدى القرب القريبة بين " النفيس "، و" قصيدة البيت الواحد " ، وهما عملان متكاملان ، عملان يستنهضان الهمم، للقضاء على التوجس بين أصحاب التراث ، وأصحاب الحداثة ، سيما المتشككون من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء إلى ثقافة تجمعهما ، إذ لا معنى لحداثة تعزل نفسها عن تراث بينها ، ولاجدوى من تراث لا يملأ رئتيه من هواء الحياة المتجدد .
صفحة 7
خليفة التليسى…" شخصية لاتبحث عن مؤلف (19) "

د. جمعة احمد عتيقة

لست في حاجة إلى التأكيد بأن رحلة الأستاذ الكبير خليفة التليسي عبر الكلمات كانت رحلة متميز ، ليس هناك أجمل وأدق في التعبير عنها أورده هو في مقدمة كتابة " رحلة عبر الكلمات – حين قال " إنها رحلة عبر دروب غير مطروقة وسبل محفوفة بالأشواك وطرق لم تكن آمنة ولا معبدة ولا تقوم علي جوانبها الأضواء والعلامات المرشدة … )

رحلة خليفة التليسي ومكابداته ومعاناته مع الكلمة تمثل أنموذجا فارقا وأمثولة سامقة ومعلما مضيا يعلم الاجيال معني العصامية المبدعة والتكوين الذاتي الرصين المغرم باستكناه الغوامض والخوض في المستعصيات تلك الخاصية التي رافقت رحلة خليفة التليسي منذ البواكير الأولي حين كان يخطو خطوت الابتداء في دنيا الأدب والفكر في بداية الخمسينات ، ومن القرن الماضي دارساً ومثابراً يلج دنيا الثقافة من أزخر وأعمق وأعقد أبوابها ناقدا ومحللاً ومحاضراً عن " الشابي شاعر الألم والحب " لتستمر هذه الرحلة الطبية وتتواصل عبر مساحة جاوزت نصف قرن من الزمان حتى تصل بصحابها إلى ما وصلت إليه … قامت عملاقة وعطاءات زاخرة وإحاطات غنية …

ولست في حاجة أيضا إلى التأكيد بأن دراسات خلفية التليسي النقدية والتاريخية واليت أصبحت موضوعا لدراسات تحليلية وأكاديمية وبنيوية قد شكلت مخزوناً وثروة وفكرية لم تعد معها هذه الشخصية في حاجة إلى البحث عن مؤلف بل ولا أبالغ إن قلت بأن خليفة التليسي يحمل بمكونات عبقرية وتعدد مواهبه " ست شخصيات لا تبحث عن مؤلف " حيث نجد فيها شخصية المؤرخ الأمين وشخصية الناقد المتميز … وشخصية المترجم الرصين والشاعر المبدع والمثقف الموسوعي ثم وشخصية التليسي الإنسان ، كل هذه التوليفة من الشخصيات التي ينتضمها عقد فريد في تناغم بديع لا إنفصام بينهما ولا ازدواج فيها … وكل ما يهمني هنا في هذه التحية المتواضعة التي لا تطمح في تقييم أو توصيف او نقداً فكرياً لأعمال هذه الشخصية التي عرفتها في مرحلة مبكرة من سنوات التكوين ، وشخصيا من خلال علاقته الحميمة بشقيقي الأكبر ، وكان ذلك منتصف ستينيات القرن الماضي بقدر ما هي محاولة للاقتراب منه ورصد علامة فارقة وسمة دالة وخصوصية يكاد ينفرد بها بين أدباء العربية .

تلك هي اهتمامه بالأدب الإيطالي عموما والروائي والمسرحي المبدع " لويجي براندللو " علي وجه التخصيص ، وهو محور هذه الورقة المتواضعة ، فالمتتبع والراصد لكتابات التليسي ومعالجات ودراساته وترجماته واهتماماته بالآداب العالمية يجد أن هناك بؤرة جذب ووشيجه شد تشده إلى أعمال هذا العلم الخلاق وهذه الموهبة المتفردة بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول بأن خليفة التليسي كان بوابة رئيسية فتحت الطريق وعبدته وساهمت بشكل متميز في تقدم هذا الكاتب الكبير إلى قراء العربية بعد أن كان مجهولاً أو شبه مجهول لا يعرف الناس عنه سوء شذرات ونتف وعناوين وقبل ان يلتفت إليه بعض الدارسين الذين نتبهوا إلى قيمة أعماله فيما بعد …

والسؤال الذي نطرحه في هذه المحاولة والذي نحاول أن نجد له ما يشبع علامة استفهامه يدور حول العلاقة بين " لويجي براندللو " و خليفة التليسي " ؟

وإذا كان كاتبنا الكبير قد طرح السؤال في مقدمة كتابه " كراسات أدبية " بالصيغة التالية " لماذا براندللو ؟ فإننا نضع للسؤال صياغة أخرى وهي " لماذا التليسي ….؟!

والأستاذ التليسي في إجابته علي السؤال المطروح ينطلق من عنصرية أساسيين يعتمدها تفسيراً لسر اهتمامه بأدب " براندللو " هذان العنصران هما :- " اللغة " … والتاريخ " فالعنصر الأول يتمثل في اهتمامه باللغة والذي دفعة إلى ان يهتم " بأقصر الطرق التي تساعد علي إدراك صيغ التعبير وبناء العبارة السليمة التي تؤدي للناس ما يريدون أن تؤديه في هذه اللغة الغربية لديه " ومن هنا جاء اهتمامه بدراسة نصوص براندللو من خلال بوابة اللغة كوسيلة للاتصال والإيصال والتواصل ، وخاص خليفة التليسي هذا الغمار بصبر ومعاندة وإصرار فالقي بنفسه في هذا الخضم اللجي متسلحا " بقادومة " الذي لا يعرف للاستسلام معني ولسان حالة ومقالة يقول .." لم تكن المرة الأولى التى فيها علي الجبل " بقاوم " عزائي في جميع الحالات أنني لن أن أخسر شيئا وإني سأكسب من ذلك تمرينا لقوتي وشحداً لإرادتي واصراراً علي الطواف بهذا الجبل مرة أولى وثانية وثالثة جتى اكتشف المفتاح او الثغرة التي يعمل فيها " القادم" ولأن التليسي كما أوردنا في بداية هذا المحاولة مغرم باستكناه الغوامض والخوض في المستعصيات فقد تسلح بالارادات وتسربل بالإصرار والعزم والعناد الخلاق وغالب خيبات الأمل المريرة التي رواته أمام صعوبة نصوص " براندللو" ونزعتها الذهنية وخلوها من زخرفات اللفظ وشاعرية الكلمة ومحسنات البلاغة ومنمنمات الشفافية …

وإيقاعات الوجدان ليواصل الإيجار بأشرعة الإصرار والإرادة في خضم " لويجي براندللو" … والعنصر الآخر الذي بورده كاتبنا الكبير في معرض إجابته علي السؤال المطروح يتمثل في وشائخ التاريخ ولحمة الثقافة وتواصل الحضارة …
صفحة 8
فارتباط براندللو في إبداعاته بالبيئة " الصقلية " التي كانت مسرحا لمد حضاري عربي طال واستطال فوق تلك الأرض ، تاركاً بصمات وخطوط ومؤثرات لازلت محفورة في ذاكر المكان ، فاعلة في تشكيل قسماته وعبقرية ، ومن هنا كان ولع خلفية التليسي بهذا الكاتب وتعلقه بآدابه معبرا عن ذلك بقوله " وذلك تفسير الصلة الوجدانية التي نشأت لي بأدب " براندلل و وفكرة والذي وجدت فيه التعبير عن هموم متشابهة تشغلنا ومواقف متماثلة تجمعنا ونظرة متقاربة إلى الحياة تكاد تجمع بيننا وذلك ردا آخر علي السؤال " لماذا براندللو" ؟

ونحن بدورنا حين نعود إلى الصياغة الجديد للسؤال " لماذا التليسي ؟ "فإننا نحاول ان نلتمس في سيرة التليسي ورحلته الشاقة عبر الكلمة والناس ، والحياة مفتاحا لسر هذا الإصرار الدؤوب والدائب .

الصبور الذي نجده لديه تجاه براندللو " علتا نقدم من خلالها إجابة أخري علي السؤال المطروح … ولعل الأستاذ عيسي الناعوري ،وهو أحد الكتاب العرب القلائل الذين اهتموا بالأدب الإيطالي دراسة وترجمة ونقد ، يدلنا علي سر ما نبحث عنه ، ويقول الأستاذ الناعوري بعد أن يستعرض صفحة من ذكريات معرفته وعلاقته بالأستاذ التليسي منذ لقائهما الأولي في مؤتمر الأدباء العرب في الكويت سنة 1958 ف مرورا بلقائهما مجددا في إيطاليا … ( منذ ذلك الحين أصبحنا رفيقين متلازمين بعثتان هو "أي التليسي " لدراسة الروائي والمسرحي الإيطالي " لويجي براندللو " وأنا للتعرف بالأدباء والشعراء والحركة الأدبية في إيطاليا ) ويعترف الأستاذ الناعوري بأن التليسي لم يكن مثله خالي الوفاض عديم المعرفة بالآداب وللغة الإيطالية فقد كان التليسي علي إلمام واطلاع باللغة وآدابها حتى أن زيارة الأدبيين لأعلام الأدب في إيطاليا آنذاك " البرتولوراقيا …. دانيا تسوسيلون … وفاسكو باتوليني " قد أتاحت للأستاذ التليسي فرصة التحدث إليهم وتبادل جوانب من اعمالهم وكتاباتهم كان ذلك في بداية 1960 ف .

ومن هنا يمكننا أن نلتقط الخيط الذي يساعدنا في فهم الخلفية الذهبية والمعرفية اليت انطلق خليفة التليسي وهو يخطو خطواته الأولي في دنيا " براندللو "فمعلوم لدينا أن المرحلة التي سبقت هذه الانطلاقة نحو افاق عمالية ، كانت بالنسبة للتليسي مرحلة التأسيس والتكوين بكل ما يصاحبها من قلق وتربص … عصاميا جاءت أسرته إلى مدينة طرابلس .. من أعماق الريف .. تفتح وعية في مرحلة الأربعينات التي تقاسمتها فوق أرضنا المدافع ومفرقعات الألغام وأزيز الطائرات وقعقعت المجنزرات إبان الحرب العالمية الثانية والتي كانت بلادنا أحد مسارحها الكبرى ، ثم بدايات نمو وتشكل الحركة الوطنية في أو أخر العقد الأربعيني للمطالبة بالاستقلال والتحرر وكأي عصامي جاد كان عليه أن يعتمد علي التثقيف الذاتي الذاتي حيث لم يكن متاحا أمامه آنذاك سوى بعض المنافذ الضيقة ، والبؤر المحاصرة ، والروافد التقليدية المحدودة ….. ومع بداية عقد الخمسينات بدأت الملامح الأدبية لهذه الشخصية العصامية تتشكل وكان طبيعيا أن يبدأ اهتمامه بالأدب العربي دراسة ونقدا فكانت دراسته " عن الشابي وجبران " التي نشرها منجمه في مطبوعات ذلك الزمان ثم جمعها فيما بعد في كتاب يرصد بداية ظهوره الواعد علي الساحة الثقافية إلى جانب مقالات متنوعة بين النقد والخاطرة والدراسة ولعلني أجدها مناسبة هنا للإشارة إلى معلومة قد تخفي عن الكثيرين وهي أن علاقة التليسي بالشعر بدأت منذ تلك الفترة المبكرة قد ألقي قصيدة شعرية عقب محاضرته الأولى عن " الشابي يوم 14 مايو 1950 ف " بالنادي الأدبي … فالشاعر الكبير الذي عرفناه مؤخرا كان معانقا للكلمة المنغومه الموزونه منذ البداية وما حجبها عنا إلا عدم النشر واسباب تتعلق بتوقيتات اختارها هو لحكمة ارتضاها .

نعود إلى القول بأن خليفة التليسي الذي بدأ اهتمامه بالأدب العربي .. كأمر طبيعي " قد قادته موهبته وطموحة ومثايريه إلى ارتقاء مرتقي جديدا وفتح رئة أخري للتنفس فطور حصيلته في اللغة الإيطالية سالكا بها دربا والجا من خلالها أبوابا مكنته من الاطلاع والدراسة والبحث في الأدب الإيطالي والتحقيق في فضاءاته المبدعة …

وكانت البعثة الدراسية التي فأوفدته فيها " اليونسكو " إلى إيطاليا لدراسة أدب واعمال ( براندللو" آنذاك ، بداية مشوار واعد معطاء ومن هنا كانت البداية الجادة مع هذا العلم الشامخ ، فالتليسي بإصراره ورغبته المتقدة للمعرفة وكذلك بداية وشغفة للإيجار في دنيا المستعصيات وسلوك مجاهل الصعاب وبتركيبته العصامية التي لا تعرف المستحيل كما أسلفنا ، وجد نفسه أمام مهمة عسيرة شاقة فكان لقاءه الأول مع " براندللو " الذي قال عنه " لم أظفر بشئ مما كنت أرغب من حرارة وعاطفة ونبض شاعري وانسياب موسيقي تلقائي ")

ولكن خلفية التليسي بموهبته الفذة وذهنه الوقاد ونزوعه إلى فض أختام المستعصيات أدرك .." إن خلف هذا الأسلوب الذهني عالما من المعاني الكبيرة تعبر عن قضيه يمتلئ بها الوجدان الإنساني المعاصر .." حسب تعبيره .
صفحة 9
إن خيبة أمل خليفة التليسي في " براندللو " والتي تبدو للوهلة الأولي قد استحالت بفضل الإصرار والعناد والمثابرة علي البحث والاستقراء والتحليل والتفكيك والجهد المضني ، إلي استجابة للتحدي جعلته يشحذ أسلحة ويكشف عن مواطن وبواطن العزم والإصرار ويعقل ركبته في رباط البحث والدراسة والاستكشاف … ليعثر بعد ذلك علي ضالته ونعثر نحن معه علي مفتاح للإجابة علي سؤالنا المطروح " لماذا التليسي ..؟

إن خليفة التليسي الشاب القادم من ضفاف ثقافة مزقتها عصور التخلف و الاستيلاب ، يجد نفسه أمام امتحان عسير وهو الذي لم يدخل الفشل قاموسه ومفرداته الحياتية وجد نفسه أمام " براندللو " فحقق ذاته في أدبه وتواصل مع كوامنه و استجلي جواهر فكرة علي هذه الصخرة العنيدة " الإصرار … والعزيمة .

فانكب علي دراسته وترجمة أعماله بل قدم من خلاله أسفارا مضيئة إلى قراء العربية ، عرفوا من سطورها كيف يمكن للإنسان أن ينتصر علي عوامل السلب وأن يواجه معوقات النجاح وأن يحفر طريقة عبر الكلمة الجادة الملتزمة التي لا تنافق ولا تداهن ولا تهادن السائد ولا تتلاعب بعقل القارئ لتبقي جامدة كعرائس الثلج ،تقف عاجزة فوق سطح العاطفة مبللة برذاذ الانفعالات الزائفة مرتعدة كجرو مقرور …بل هي تصل بعناد أسطوري قادر علي النفاذ إلى مساحات الوعي ومرابض الوجدان الفاعل وإشراقات العقل المستنير .

هكذا كان " براندللو" الذي نقل الأدب الإيطالي من مبتدأ الـ Provincialismo الإقليمي إلى آفاق إنسانية رحبة ، " واستطاع أن يلامس أعمق وأبرز الحقائق التى يعبر عنها الأدب والفكر الحديث كما عبر عن ذلك الأستاذ التليسي أن مسرح الأقنعة العارية أو iIPIRANDELISMO نسبة إلى " براندللو " قد أصبح منجما تستقطع منه كافة الأعمال المسرحية المعاصرة ما يساعدها علي الثبات والوجود ولعل بعض النقاد لم يخطئوا حين قالوا أن المسرح الحديث قد خرج من تحت عباءة "براندللو" … هذا هو براندللو الذي كان للتليسي اكبر الفضل في تقديمه وفي جلي جواهر احجاره الكريمة وكوامن درره الفريدة مدفوعا في ذلك بنهم لايعرف الارتواء وبصبر ، لايعرف النفاذ وبعزيمة الاستكانة ، وقد سبق في ذلك كتاب العربية القلائل الذي اهتموا براندللو " كاميليا خوري " بسنوات طويلة خليفة التليسي الذي ساهم في تشكيل أربعة أجيال من الإضاءة " جيل الزيت وجيل الكيروسين وجيل الغاز وجيل الكهرباء " !

أنه لشئ كثير كما يقول " براندللو" إنه لشئ يبهر البصر ويدير الرأس نعم حتى الرأس!!

وختاما فإن هذه الكلمة لا ترقي أن تكون أكثر من تحية لقامة شامخة وأديب فذ وأستاذ مربي ومكتبة غنية … نكن له الحب والتقدير والإعزاز….

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حول تقديم التليسي لروائعة من الشعر العربي

تقديم الدكتور / فيصل مفتاح الحداد

أستاذ الأدب العربي المشارك

بكلية الآداب جامعة قاريونس

2002 ف
صفحة 10
حول تقديم التليسي لروائعه من الشعر العربي

لقد آمن التليسي إيمانا عميقا بتراث أمته العربية ، وانتبه إلى ما فيه من جوانب فنية باقية خالدة تعبر عن نفسه الإنسان ومعضلاته الإنسانية وتعبيره الصادق عن سمات الشخصية العربية في بعديها القومي والإنساني في صراعها العظيم في بحر الودود وأمواجه المتلاطمة .

وإذا كانت أشعار الشعراء في تعبيرها عن تجاربهم الذاتية تبدو متنوعة وذات صور متعددة فإنها من ناحية أخري تعبر عن أمر واحد هو عبقرية الأمة العربية وشعرها الخالد الذي لا يزال ناضرا في صورته المشرقة التي تبدو واضحة لكل من عاني تجربة البحث عن هذه الجواهر المطموسة واللمحات الخاطفة العابرة التي هي في الواقع لب الشعر وجوهرة .

وما الدواوين والاختيارات الشعرية إلا ثروة هائلة غنية بأتم معاني المعاصرة وتنبئ عن معرفة القدامى بالتجربة الشعرية وبالنماذج العليا المعبرة عنها وهي نماذج راقية تدل علي ذوق صاف رفيع مؤثر وتزخر بالمشاعر والعواطف والأفكار والمواقف مما يدل علي ان الأدب العربي أدب حياة وهو يحتاج من إلى العناية به وروايته وتلقينه للنشئ تربية لوجدانهم وتقوية لتعبيرهم وترسيخا لفهمهم فهو مدرسة للقومية العربية في أوسع قيمها الأخلاقية وأكثرها رحابة وسموا و ارتفاعا وفيها التعبير عن الوجدان الحضاري العربي و بخاصة ما كان خاليا من الاحتراف والارتزاق إلى التعبير عن الذات في لمحات خاطفة قصيرة مؤثرة .

وإذا كانت الحضارات الأخرى قد خلفت للإنسانية آثارا مشهودة فإن الحضارة العربية ق خلفت لنا ديوانا عربيا حوى كل القيم الوجدانية التي عاش لها العربي وأخلص لها وذاد عنها وآمن بها ودعا إليها.

ولقد حظي الشاعر بمكانه عظيمة عبر العصور فقد كان في نظر العربي حكيما وواعظا ومربيا ومرشدا وفيلسوفا ومبشرا بالقيم الأخلاقية الرفيعة وهو لم يغب عن نفسه وذاته بل كان حاضرا في شعره بوجدانه ووجدان أمته العربية حتى في أسوأ عصور الانحطاط لم يغب بالرغم من الضغوط القبلية التي كانت تحيط به بل إن التنوع الموضوعي الذي لجأ إليه في قصيدته القديمة

إنما كان وسيلة منه إلى الخلوص إلى نفسه هربا من هذه الضغوط فيدس موقفا شخصيا وجدانيا رائعا .

وقد سبقت التليسي وروائعه المختاره كثير من المختارات الشعرية بيد أنها كانت ذوات أغراض مختلفة وبعضها كانت لدراسة الشواهد النحوية واللغوية أو لعرض نماذج تأديبية ، وقد ظلت هذه المختارات حتى في جهودنا الحديثة لإحياء التراث قابعة حدودها المدرسية الأكاديمية ولم تمتد إلى دراسة الأسس التي قام عليها الاختيار وأثر هذا الاختيار في مختلف التيارات الشعرية التالية .

وما التدني الذي نراه الآن في مستوي الإبداع الشعري إلا ناشئا من عدم عنايتنا لتربية الذوق الشعري واكتشاف جانب المعاصرة فيه وكان علي الذين استلهموا الغرب في تجاربهم الشعرية أن يستلهموا منه أيضا العناية بعرض تراثهم الفني وانتقائه وتبسيطه ونشره علي المستويات الثقافية عامة .

وهكذا رأي التليسي أن يجمع مختاراته ترجمة للذوق والوجدان وتربية لهما وكشفا عن العناصر المكونة لكل مهما ومساعدة للنشئ علي تكوين ذوق وجداني وحس عاطفي ناضج والسعي لربط الصلة بن الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة باكتشاف " المعاصرة " في نصوص تراثنا العربي القديم .