صفحة 1
مقدمة المترجم عن الانجليزية
ليس الروائي الياباني شوساكو إندو بالغريب على القارئ العربي، فقد سبق لنا أن تصدّينا لتعريف القارئ به في أكثر من دورية عربية واحدة، ثم عدنا في مرحلة تالية فقدمنا له ترجمتنا لأشهر أعماله، وهو رواية الصمت، وها نحن نعود لنلتقي به في عمله الماثل بين يدي القارىء: البحر والسم·
في تقديمنا للترجمة العربية لرواية الصمت، قمنا بمحاولة للتعريف الشامل بعالم إندو الروائي، وستتولى مقدمة المترجم عن اليابانية لهذا العمل التعريف بأبعاد رواية البحر والسم ومكانها في الإطار الكلي من أدب إندو، لكننا هنا نؤثر التشديد على مفهوم واحد نرى فيه جوهر أعمال إندو، وهو ما سبق للقاص الياباني نفسه أن أسماه مستنقع اليابان·
في رواية الصمت يتخذ المستنقع بعداً دينياً، فيغدو رمزاً لعجز اليابان عن تقبل مفهوم الألوهية واستيعابه على نحو ما تطرحه الديانة المسيحية، وفي فقرة محورية من العمل يقال للبطل صراحة إن ما ألحق الهزيمة به لم يكن خصومه، ولا إرادته هو نفسه، وإنما مستنقع اليابان، فكل الجذور التي تغرس فيه تتحلل، تذوي، تموت·
هذا البعد ذاته يتكرر في مسرحية البلاد الذهبية التي قدم فيها إندو تصوراً موازياً لما قدمه في رواية الصمت· في هذه المسرحية يقول مسؤول ياباني لبطل الصمت نفسه: لكن المستنقع له أيضاً جوانبه الطيبة، وليتك تسلم نفسك لدفئه المريح، إن تعاليم المسيح تشبه اللهب، وهي شأن اللهب تضرم النار في الانسان، لكن الدفء الخدر لليابان يبعث النعاس في الأطراف·
ومفهوم المستنقع، الذي يشبّه إندو في إطاره اليابان بمستنقع هائل، يمتص كل ما يأتي من خارجه، فيغيره ويحيله إلى جزء من ذاته، يأخذ في البحر والسم بُعداً أخلاقياً، هو في الواقع امتداد للبعد الديني الموجود في الصمت· ونحن نرى المستنقع عند أكثر مستوياته براءة في المريض الفضولي، الذي يصحبنا في مطلع هذا العمل· إنه موظف بسيط، يسعى إلى نوع عادي من السعادة، كما يحدثنا هو، ولا ينشد إلاّ طفلاً، وداراً صغيرة في الضواحي، وعملاً متواضعاً، وصحة وارفة الظلال، أو كما يقول هو: قليل من السعادة العادية· لكن هذا المطلب وذلك النوع من السعادة هو بالضبط ما ينشده أولئك الذين سنصادفهم تحت عنوان المتهمـون، الذين قاموا بعملية تشريح الأسرى الأحياء، هكذا فإن إندو في الواقع يفترض ضمناً أن الفارق الوحيد بين المريض الفضولي البريء والقائمين بتشريح الأحياء، والملايين الذين يشبهون المريض الفضولي لا يعدو أن يكون فارقاً في الظروف·
لا يترك إندو موضوعة المستنقع عند هذا الحد، لكنه يمضي في تطويرها عبر سلسلة من الروايات والقصص الأخرى، لم يقدر لها حتى الآن أن تترجم عن اليابانية، ولعل أبرز هذه القصص الرجل الأصفر، وفيها يقول أحد الشخوص عن نفسه: إن رجلاً أصفر مثلي لم يعايش قط شيئاً عميقاً ومتطرفاً كالوعي بالخطيئة، الذي تعايشونه أنتم معشر الرجال البيض، وكل ما نعرفه هو إعياء، إعياء عميق، تعب غائم في لون جلدي يغوص بعيداً، ثقيلاً، واهناً·
صفحة 2
لم يكتف إندو بطرح موضوعته عن مستنقع اليابان من خلال أعماله الروائية العديدة، وإنما قدم تحليلاً نظرياً مطولاً لها في سلسلة من المقالات، تعرض فيها لما أسماه الافتقار الياباني الثلاثي للحساسية، فهناك الافتقار للحساسية إزاء الرب، والافتقار لها بالنسبة للخطيئة، والافتقار لها فيما يتعلق بالموت، ولم يتردد إندو كذلك في أن يوضح أن هذا الافتقار للحساسية هو شيء يجده في أعماق ذاته، ويتعين عليه أن يصارعه·
اليابان، على نحو ما تناهت إلى وعي إندو، مستنقع هائل، عاجز عن الاستقبال الإيجابي لما هو مفارق لذاته· وفي الوقت نفسه فإن البشر الذين يعيشون في رحابه تضيع منهم، في غمار دفئه المخدر، الحساسية نحو الإله - الخطيئة - الموت·
ما المخرج إذن؟
إن رد إندو على هذا السؤال أبعد ما يكون عن المباشرة، وإن لم يفتقر إلى الوضوح في الوقت نفسه· وليس من قبيل المبالغة القول إن منطلق الأدب الروائي عند إندو هو صرخة القديس بولس المتسائلة: منذا يخلصني من جسد الموت هذا؟ وإندو لا يتردد في تبنيّ إجابة بولس نفسها·
في سلسلة من الروايات الخفيفة، التي يغلب المرح على معظمها، يقدم إندو مجموعة من الشخوص، هي بوضوح شخصيات مسيحية، بمعنى أنها تعكس جوانب شتى في شخصية المسيح، وتجسد حبه· هذه الشخصيات أبعد ما تكون عن القوة أو البطولية، فمن شأن هاتين الصفتين أن تغرّبا الشخصيات الأخرى والقارىء بالضرورة· ولعل هذا هو السبب في أن إندو يتجنب الحديث عن الشهداء، ويكتب بتعاطف شديد مع المرتدين، وهذه الشخصيات الرمزية تترك تأثيراً مراوغاً في نفس القارئ، لكن هذا التأثير يتميز في الوقت نفسه بأنه يتوغل في النفس، ويتخذ أبعاداً حاسمة، وكل من يعرف مثل هذه الشخصيات لا بدّ لأعماقه من أن تتغير·
في الصمت صادفنا المرتد إيشيجيرو، في البحر والسم سنصادف سوجورو، ولو تأمل كل منّا في أغوار عينيه عبر المرآة، فربما يصادف بطلاً ثالثاً، عندها يكون إدراك ما وراء هذه النظرة هو المدخل إلى التغيير·
المترجم
صفحة 3
مقدمة المترجم عن اليابانية
برز شوساكو إندو كروائي في منتصف الخمسينات، وذاع صيته في 1958، حينما فازت روايته البحر والسم بجائزة أكوتاجاوا الشهيرة· وإلى جوار كتابة الروايات، عكف إندو كذلك على كتابة المسرحيات والمقالات الصحافية والكتابة للشاشتين الصغيرة والكبيرة· وإلى جوار هذا الانشغال، الذي يميز شئنا أم أبينا معظم الكتّاب اليابانيين، فقد ظهر بين الحين والآخر على الشاشة الصغيرة للتعقيب على هذه القضية أو تلك، كما أجرى مقابلات دورية للنشر في المجلات الأسبوعية·
تلقى إندو العماد، تتويجاً لاعتناقه الكاثوليكية، بينما كان طالباً صغيراً، من دون أن يفكر في الأمر كثيراً، أو يجد دينه الجديد باعثاً على الضيق، أو مصدراً للعزاء على نحو خاص· إلتحق بجامعة واسيدا، وهي إحدى الجامعات الخاصة الشهيرة في اليابان، معتزماً دراسة الطب، لكنه اختار الأدب الفرنسي· بعد فترة قصيرة أمضاها في الخدمة العسكرية في نهاية الحرب، مضى إلى فرنسا للقيام بالدراسات العليا، وخلال وجوده هناك تأثر كثيراً بالمدى الذي بلغته التقاليد الأوروبية في تجذرها في المسيحية، وبالتالي بأهمية هذه الأخيرة، حتى بالنسبة لأولئك الأوروبيين الذين لا يعدون أنفسهم رسمياً من معتنقيها· وشرع في مقارنة هذا الوضع بالموقف في بلاده وبموقفه الخاص حيال الكاثوليكية التي كانت بالنسبة له، ووفق تعبيره، لا شيئاً يشكل جزءاً منه، وإنما حلة ارتداها·
وفقاً لتصور طرحه الناقد والمترجم الأمريكي اللماح فرانسيس ماتاي، فإن إندو أدرك، شأن الكثيرين من المفكرين في اليابان قبله، أن الغرب يتلقى وحيه من الإيمان المسيحي، حتى حيثما يتعرض هذا الإيمان للرفض، وبالمقابل فإن الشرق يتلقى وحيه من نزعة وحدة الوجود، وهكذا فإن التفاعل الثقافي والحضاري يصبح شكلاً منطوياً على المخاطرة من أشكال التواصل· والكاتب الياباني الذي يحاول الاستعارة من الغرب يخوض غمار مخاطرة خاصة، فنزعة وحدة الوجود لا تعرف توتراً بين الأضداد، بين الخير والشر، بين الجسد والروح، بين الله والشيطان، على نحو ما هي الحال في قرارة الرؤية الشعبية المسيحية للحياة· يقول إندو إن مثل هؤلاء الكتّاب اليابانيين قد سقطوا، حتماً، على عنصر واحد، متجاهلين العنصر الآخر المتواتر معه، سواء بتجاهل العنصر النقيض تماماً، أو بتفسيره على نحو بالغ التهافت إلى حد يفتقر معه للقوة الكافية لجعله عنصراً في صراع حقيقي·
إختار إندو، من دون أن يردعه فيما يبدو الفشل المزعوم الذي مُني به العديد من أبناء وطنه، لا أن يحاول أن يصور على وجه الدقة هذا الشكل من أشكال الصراع فحسب، وإنما أن يضع هذا الصراع ضد السلبية الفاترة لنزعة وحدة الوجود، التي ينظر إليها باعتبارها المناخ الديني السائد في اليابان· والعبارة التالية توضح مدى الإصرار وراء هذا القرار وإلى أي حدّ أدرك صعوبة المهمة التي يتصدى لها:
بمقدورنا على الأقل أن نبدأ··· بوسعنا أن نحمل عالمنا المقعر من دون اله، وأن نقارنه بأقصى ما نستطيع من قوة بالعالم الغربي المحدب الذي يعرف وجود الإله· وأعني بقولي أقصى ما نستطيع من قوة أن علينا أن ننحي جميع المناهج التي تكبح الوهم القائل بأن عالمنا المقعر هو حقاً عالم محدب، وهو وهم لا يزال الكثير من الكتّاب حتى اليوم يؤمنون به، علينا ألاّ نفكر في أدب الغرب المسيحي باعتباره ينساب في تيارنا الحضاري، وفي الوقت نفسه ألاّ نبقيه على مسافة تكفل له التوقير، حيث إن هذا الشيء ذاته الذي يُفصل عنّا إلى هذا الحدّ الكبير هو الذي يثقل علينا أكثر من غيره·
صفحة 4
في الروايات الثلاث التي تبرز فيها المقارنة القوية التي تحدث عنها كأقوى ما تكون، وهي روايات الرجل الأصفر والآن حان دورك والصمت، فإن المنهاج المحدد الذي يعمد إليه إندو هو وضع الشخصيات اليابانية والأوروبية إحداها في مواجهة الأخرى، فنجد أنفسنا بإزاء يابانيين وأوروبيين تشكل حضارة كل فريق منهم بالنسبة للفريق الآخر محنة حقيقية غالباً·
كتبت رواية الرجل الأصفر الصادرة عام 1955 في شكل رسالة بعث بها تشيبا، وهو طالب شاب لم يعد يؤمن بالكاثوليكية، إلى راعيه السابق الأب برو، وهو مبشِّر فرنسي· يتألف معظم الرسالة من فقرات من مذكرات قس فرنسي آخر ارتدّ عن المسيحية يدعى ديران، والذي لقي حتفه، وكان متزوجاً من امرأة، تدعى كيميكو· يشكل برو وكيميكو الطرفين الأقصيين، ولا يلاحظ أيّ منهما بشكل كافٍ الثقافة الأخرى التي يتعين أن تؤرقه، بينما نجد أن ديران وتشيبا من شخوص إندو، أي من تلك الشخوص الواقعة في الأرض الوسيطة· وفي هذه الرواية تبدو هذه الشخوص وقد اكتسبت من عثراتها الشخصية القدرة على إدراك أن المفاهيم الصفراء والبيضاء هي في النهاية مختلفة بصورة قاعدية، وأن أي محاولة للتبشير في اليابان ينبغي أن تنتهي بالإخفاق، ويختلف تشيبا وديران كشخصيتين اختلافاً حاداً، وعلى الرغم من ذلك فإنه اختلاف يؤكّد صحة قناعتهما الواضحة، فتشيبا لا يشعر بشيء إلاّ بنوع عام من الوهن والضجر بسبب فقده لإيمانه وبسبب مغامراته الخاوية من العاطفة مع ابنة عمه، أمّا ديران، الذي تخلىّ عن دينه، فيعذّبه الشعور بالخطيئة والخوف من اللعنة·
في رواية الآن حان دورك الصادرة عام 1965، يصور إندو، بمزيد من التفصيل، الوجه الآخر للعملة، فإذا كان الأوروبي في اليابان يواجه مهمة مستحيلة في محاولة استيعاب الثقافة اليابانية، فكذلك الحال بالنسبة للياباني في أوروبا الذي تواجهه الثقافة الغربية· والبطل هنا هو تاناكا، المحاضر الشاب في الأدب الفرنسي، الذي يذهب إلى باريس لاستكمال دراسته العليا، ويرجع مصاباً بخيبة الأمل، ضجراً ومقتنعاً فوق ذلك بأن الأمر ينبغي أن يكون كذلك، حيث أن أي ياباني يجتاز التجربة ذاتها، ويظل مقتنعاً بقدرته على استيعاب الثقافة الغربية، سيكون من الافتقار إلى اللماحية بحيث لا يدرك ضخامة هذه المهمة·
أخيراً في رواية الصمت التي حصل إندو بها على جائزة تانيزاكي عام 1966، يصور الروائي الياباني الصراع بين الفكرين الشرقي والغربي من منظور درامي بالغ الحدة· وتقوم هذه الرواية، شأن رواية السم والبحر، على أساس واقعة تاريخية، هي ارتداد الراهب اليسوعي البرتغالي فيريرا في القرن السابع عشر عن المسيحية·
لم يكن فيريرا راهباً عادياً، وإنما كان رأس الكنيسة في اليابان ورجلاً عمل بصورة بطولية طوال عقدين من الزمان في ظلّ أقسى الظروف؛ ولهذا فإن ارتداده عن الدين تحت طائلة العذاب كان لطمة قاسية للمسيحيين، الذين يتعرّضون للاضطهاد، وصدمة تفاقم تأثيرها حينما اتخذ فيريرا زوجة يابانية، وتعاون تحت ضغط لا يدري أحد مداه مع مسؤولي المقاطعة في الكشف عن المسيحيين· وليس هناك شيء على وجه التقريب مما أمكن معرفته عن تاريخ فيريرا اللاحق، الأمر الذي منح إندو آفاقاً مناسبة للإبداع·
صفحة 5
في طرح إندو الروائي لهذه الواقعة، يواجه المرتد العجوز براهب شاب يدعى رود ريجو، وهو طالب سبق له أن درس على يديه في دير كويمبرا، أُعتقل بعد وقت قصير من وصوله قادماً من ماكاو إلى اليابان· وهناك شخصية أخرى رئيسية في الرواية هي حاكم نجازاكي إينوي، الذي يحقق مع الراهب الشاب، ويخبره بأن آماله في التبشير بالمسيحية في اليابان هي آمال خاوية، لأن اليابان تشبه مستنقعاً يجتذب كل شيء وأي شيء إلى ذاته، ولكنه في غمار هذه العملية يغيره كله على نحو جوهري· ويقاوم رود ريجو هذا الطرح، ولكنه حين يسمع الشيء نفسه من فيريرا، الذي يجلّه كثيراً، فإن الأمر يكتسب قدرةً أكبر على الإقناع، ويمضي فيريرا إلى القول إنه حتى أولئك الشهداء الذين بدا أنهم لقوا حتفهم على نحو بطولي في سبيل الدين الذي حمله الرهبان الأجانب إليهم، ماتوا في سبيل رؤية من إبداع أذهانهم، لا ترتبط إلاّ بصورة سطحية بما حاول الأوروبيون تعليمهم إيّاه، ويتعرّض رود ريجو لأزمة دينية يجتازها وهو لا يزال على إيمانه بالمسيح، وإنْ لم يعد على يقين من أن الكنيسة التي وثق بها ذات يوم كل الثقة قادرة بالفعل على الحديث مع البشر جميعاً من منطلق الحكمة والأصالة الفكرية، ويراوده الشعور بأن المسيح يحادثه، محطِّماً الصمت الذي استمدّت منه الرواية عنوانها، ويخبره بأن عليه أن يطأ الأيقونة، تلك الصورة البرونزية للمسيح التي يستخدمها مسؤولو المقاطعة في اختبار مَنْ يشتبه في كونهم من المسيحيين، ولإضفاء الطابع الشكلي على الارتداد عن الدين، ذلك لأن المسيح نفسه كان حرياً به أن يفعل هذا لينقذ من المزيد من المعاناة البؤساء الجاهلين من المزارعين الذين آمنوا بالمسيحية على يد الرهبان·
في عجالة قصيرة كهذه، ليس بمقدوري أن أطرح ما يمكن أن يكون نقداً لموضوعة إندو أو طريقته في تطويرها وتفسيرها، غير أنني أعتقد أنه قد يكون من المهم أن نلفت انتباه القارئ، ونعلّق بصورة قصيرة على الاتهام الموجه إلى روايات إندو، وبصفة خاصة إلى روايته الصمت، من قبل المسيحيين اليابانيين والمبشّرين الأجانب على السواء· وكما عبَّر فرانسيس ماتاي، فإن إندو يبالغ في الصراع بين المنظورين الدينيين الغربي والشرقي، وهكذا يكدِّس الأوراق ضد احتمال التقارب، حتى وإنْ تعين عليه، كما في حالة رواية الصمت، أن يشوِّه التاريخ ليقوم بهذا·
أعتقد أن هذا الاتهام قد يكتسب بعض الثقل، إذا قبل المرء بالمقدمة التي انطلق منها، وهو ما لا يمكنني القيام به، لأنني أشعر بأن القيام بذلك يتضمن خلط اللاهوت والفلسفة والتاريخ بالنقد الأدبي، فإندو، في نهاية الأمر، روائي، وعلى المرء أن يحكم عليه وفقاً للمعايير الأدبية، وهي معايير متشددة بما فيه الكفاية·
صفحة 6
غير أنني أتيت على ذكر هذا الهجوم لا لأعبر عن اختلافي معه فحسب، ولكن لأنني أعتقد أن قدرة إندو على إثارة هذا النوع القوي من رد الفعل تكشف الكثير عنه، فهي تبرزه مختلفاً بحدة عن كتاب من نوعية ميشيما وتانيزاكي وكاواباتا· وقد أبلغ جراهام جرين يوماً صحافياً فرنسياً أجرى مقابلة معه بأن تأليف الروايات أمر مختلف عن تأليف الأطروحات الدينية، وهكذا فإنه حين يجلس للكتابة فإن اهتمامه الوحيد هو إبداع أفضل رواية ممكنة، ومن ثمّ فإنه يؤثر أن يُعرَف بأنه كاتب تصادف أنه يؤمن بالكاثوليكية، وليس كاثوليكياً مهنته الكتابة، وقد نقل نقّاد كثيرون على اختلاف توجهاتهم هذه الملاحظات، وفي اعتقادي أنها يمكن أن تلقي ضوءاً على موقف إندو الذي تأثر كثيراً بجرين، غير أن ما أعقب ذلك لقي فيما يبدو إهمالاً عاماً، فقد أضاف جرين في هذه المقابلة قوله: حينما يكون المرء كاثوليكياً، فإن ما يكتبه يكون مصطبغاً بالكاثوليكية، وهنا أيضاً، وعلى الرغم من فرضية إندو الخاصة بالثنائية، فإن القاص الياباني يجسِّد معنى جراهام جرين في عبارته الأخيرة·
لقد طرحت المسيحية، أيّاً كان مدى صلاحيتها كدين، وأيما كان مدى تماسك الفكرة الدينية ذاتها، رؤية درامية للإنسان على الأقل باعتباره مخلوقاً حراً، وبالتالي بوصفه كائناً مسؤولاً وُضع في محور الكون بحسبانه كياناً قادراً على الهبوط إلى قرار اللعنة أو السمو إلى آفاق الخلاص· وقد كانت تلك الرؤية مناسبة لطبيعة الالهام الفنيّ، أيّاً كان القمع الذي مارسته الكنيسة ذاتها، وقد ألهمت هذه الرؤية، منذ كتب القديس أوغسطين اعترافاته، أكثر الآثار الأدبية التي عرفها العالم احتراماً في طابعها الشخصي·
بغضّ النظر عن يقين إندو أو انعدام هذا اليقين، فإن نبضه الفني هو نبض مسيحي تماماً بالمعنى الذي أشرنا إليه توّاً، تسيطر عليه تماماً فكرة الحرية والمسؤولية، ويعي كلية العلاقة الجوهرية التي تربط هذين العنصرين· هكذا فإن إندو لا يستطيع الاقتصار على العالم الشخصي، الذي يشكل الجنس والحس سداه ولحمته، على نحو ما يفعل معظم الروائيين اليابانيين، غير أنه يتعينّ عليه في أعماله الجادة، شاء أم أبى، أن يعالج الاهتمامات الأوسع نطاقاً، الجديرة بإثارة ردود الأفعال من جانب الرأي العام· هكذا فإن إندو هو الروائي الياباني الكبير الوحيد الذي واجه في الرواية الماثلة بين يدي القارئ مشكلة المسؤولية الفردية في زمن الحرب·
أعتقد أن الروائيين اليابانيين قد صادفهم سوء الحظ، من حيث أن ساحتهم الأدبية ليس فيها إلاّ عدد محدود من النقّاد الذين يتميزّون باتساع البصيرة وتكامل الفكر، بحيث يواكبون مسيرتهم، وإنْ كان سوء الحظ هذا مما يحسدهم عليه الروائيون البريطانيون والأمريكيون دونما شك· ولا يزال إندو في قمة عطائه، وإذا أراد أن يكتب كأفضل ما في مقدوره أن يكتب وأن يحدّ من بعض أوجه نشاطه، فإنني أعتقد أنه قادر على الوصول إلى مكانة في الأدب العالمي تعادل، في سموقها على الأقل، ما وصل إليه بعض الكتّاب اليابانيين الذين يعرفهم الغرب الآن بصورة أفضل من معرفته لإندو·
ولعلّ رواية البحر والسم، على الرغم من كونها عملاً مبكراً من أعمال إندو، تتيح للقارئ أساساً كافياً للخروج بحكم يصدره بنفسه·
مايكل جالاجر
صفحة 7
مُفتَتَح
فـي شهـر أغسطـس، أشـد فصـول العـام قيظـاً، انتقلـت بمسكنـي إلـى هنـا، إلـى هـذه المنطقـة السكنيـة التـي يدعونهـا غـرب ماتسوبارا، وليس تعبير منطقة سكنية إلاّ إحدى نزوات الوكالة العقارية التي تمتلك المنطقة، ذلك أنه، لمّا كان على المرء أن ينفق ساعة كاملة ليصل إلى هنا من محطة شين جوكو في وسط طوكيو، فإن الدور كانت قليلة· إمتدّ الطريق الرئيس عابراً المحطة المحلية في استقامة صارمة، وراحت الشمس تلهب الطريق بوهجها الذي لا يرحم· تعبر العربات القلابة المنطقة دوماً، حاملة الحصى من مكان إلى آخر، وعلى ظهرها عمال في مقتبل العمر، يلفون مناشف حول أعناقهم، ويرددون الأغنيات الشعبية، على نحو ما يفعل أحدهم الآن:
إفرد قلوعك بلا
دمع على المرسى،
كن رجلاً، وغيّب حزنك!
تثير الناقلات سحباً كثيفة من الغبار في كل مرة تمر بالمنطقة، ثم حينما ينحسر الغبار يلوح تدريجياً لعيون الناظرين مشهد المحال على جانبي الطريق، على الجانب الأيمن كان هناك حانوت لبيع التبغ والسجائر وجزار وبدال، أما على الجانب الأيسر فهناك مطعم ومحطة للوقود، وهذا تقريباً كل ما هنالك· آه، لكنني نسيت أن أذكر أن هناك محلاً للملابس أيضاً، حانوت لا يحيطه شيء، يقع على بعد خمسين متراً من محطة الوقود، فلا تملك إلاّ أن تتساءل لماذا اختار صاحبه بقعة كهذه على هذا البعد من المدينة·
كست الناقلات لافتة محل الثياب الخاصة بالرجال وواجهة العرض التابعة له بطبقة سميكة وجيرية من الغبار· بدت في الواجهة دمية للعرض، لها لون الجلد الطبيعي، وقوامها يثير الانزعاج، وهي من ذلك النوع من الدمى الذي يستخدم في المعارض الطبية وما إلى ذلك، تمثل جذْع رجل فحسب، رجل أبيض فيما يبدو، ويلوح من الطلاء الأحمر الذي يعلو رأس الدمية أن مصممها كان يهدف إلى جعلها دمية صهباء، هكذا راحت الدمية، بأنفها الطويل وعينيها الزرقاوين، تبتسم اليوم كله ابتسامة غامضة·
حينما انتقلت إلى هنا، كنّا في وسط فترة جفاف كئيبة، وكان الحقل الممتد بين المطعم ومحطة الوقود قد جفّ وتشقّق، وراحت الجنادب تشكو محنة الجفاف·
قالت زوجتي:
- هذا الحر فظيع، أعتقد أني سآخذ حماماً، لكن الحمام بعيد، أليس كذلك؟
كان يتعين عليك للوصول إلى الحمام أن تقطع حوالي أربعمائة متر على امتداد الطريق الرئيس بعد تجاوز محطة الوقود·
صفحة 8
قلت:
- بلى، ولكن هناك حماماً على الأقل· ليس هناك طبيب، وعليّ أن أعالج هذه الرئة مرة كل أسبوع·
في اليوم التالي، وجدت زوجتي عيادة طبيب، قالت إنها قد شاهدت لافتة العيادة معلقة في مكان قريب من الحمام· في العام الماضي، وحينما صُوِّرت صدورنا جميعاً باستخدام أشعة إكس في الشركة التي أعمل بها، ظهر تجويف صغير في الجزء الأعلى من رئتي اليسرى، ومن حسن الحظ أن غشاء الجنب قد التهب، وكان بمقدوري أن أمضي من دون خوض عملية جراحية تقطع فيها ضلوعي، لكنني كنت أتلقى علاجاً للاسترواح الهوائي، طوال ستة أشهر سبقت انتقالنا إلى هنا، لذا تعين عليّ أن أعثر على طبيب جديد بأسرع ما يمكن·
للوصول إلى عيادة الدكتور سوجورو ذاك مضيت باحثاً عن الشارع الذي حدّثتني زوجتي عنه· كانت نوافذ الحمام تعكس شمس الأصيل الزاهية، كانت عائلات المزارعين بالمنطقة تأخذ حمامها بالداخل، ذلك أني كنت بمقدوري الاستماع لصوت انسكاب الماء وارتطام الدلاء الخشبية، على نحو واهن، وإن كان مميزاً· حدّثت نفسي باكتئاب لا مبرر له إن ذلك الصوت يرن فرحاً·
سرعان ما عثرت على عيادة الطبيب وراء الحمام مباشرة، يفصلها عنه حقل من ثمار البندورة الناضجة الحمراء· كانت العيادة داراً صغيرة، متهالكة البناء، أقرب إلى الاسطبل منها إلى العيادة، لم يكن هناك شيء على الإطلاق يمكنك أن تسميه سياجاً، ومثّل بعض النباتات البنية اللون حداً يواجه حقل البندوة· كانت هناك فسحة من الوقت قبل المغيب، لذا رحت أتساءل: لماذا أغلق الطبيب النوافذ الخشبية؟ كان هناك في الحديقة حذاء طفل ملطخ أحمر اللون، وقرب الباب مأوى يبعث الرثاء لكلب صغير، ولكن الكلب نفسه لم يبد له أثر· دققت الجرس عدة مرّات، لكني لم أتلق رداً، في النهاية درت متجهاً إلى الحديقة، عندئذٍ فتح أحد مصاريع النوافذ قليلاً، وأطلّ وجه رجل يرتدي معطفاً طبياً·
- من أنت؟
- طيّب، إنني مريض·
- ماذا تقصد؟
- ما أود الحصول عليه هو علاج للاسترواح الهوائي·
- الاسترواح الهوائي؟
صفحة 9
بدا الطبيب رجلاً في الأربعينات من عمره، أو نحو ذلك، راح يحدق شارداً نحوي، حاكاً دونما توقف ذقنه بيده اليمنى· بدت الغرفة، ربما لأن الشمس الغاربة كانت بعيدة عن الدار، مظلمة على نحو يوحي بالنذير· في الظل الكثيف لاح وجه الرجل رمادياً ومنتفخاً على نحو غريب·
- أحسب أنك قد ترددت على أحد الأطباء من قبل؟
- نعم، كنت أتلقى هذا العلاج طوال ستة أشهر·
- هل لديك صورة بأشعة إكس لصدرك؟
- طيّب، نعم، لكني تركتها في الدار·
- ليس بمقدوري أن أفعل شيئاً من دون أشعة إكس·
بهذه الكلمات أغلق الطبيب المصراع مجدداً· وقفت للحظة هناك أحدق مشدوهاً، لكن الدار لم يند عنها أي صوت·
في تلك الليلة قلت لزوجتي:
- ظريف حقاً هذا الطبيب، ظريف حقاً·
- آخ، أحسب أن لديه مرضى يعودهم بانتظام·
- ربما كان الأمر كذلك، ولكن إلى جوار هذا فإنه يتحدث بلكنة من نوع ما، لا بد أنه لم يقم طويلاً في طوكيو، وإنما قدم من مكان آخر·
- طيب، على أية حال يتعين عليك أن تجد لرئتك علاجاً قبل الذهاب إلى كيوشو، فقد اقترب موعد زفاف أختي، وسيحل في شهر سبتمبر·
- نعم·
لكني لم أذهب إلى عيادة الدكتور سوجورو في اليوم التالي، ولا في اليوم الذي يليه· شرع تنفسي يغدو مؤلماً تدريجياً مع نقص الهواء الداخل إلى رئتي اليسرى شيئاً فشيئاً· وفي علاج الاسترواح الهوائي يدفع الهواء جانباً لتقليل التجويف المتخلل لغشاء الجنب الضاغط على الرئة· والإبرة المستخدمة في دفعه هي إبرة ضخمة، غليظة، في مثل حجم إبرة الرفو، ويعلو المطاط طرفها· ليس غرس الإبرة هو الذي يضايقني كثيراً في هذه العملية، وإنما الموضع الذي يتعين عليهم غرسها فيه، فهي تغرس في الجانب الأسفل، وهذا الجانب هو بقعة تغطيها بالطبيعة ذراعك، وتحميها، وفي اللحظة التي ينبغي عليّ فيها رفع ذراعي وانتظار الإبرة أحسّ - ولست أدري لماذا - بألم ثلجي يقبض على جانبي، وبالطبع يرجع جانب من هذا الألم إلى عدم الارتياح الناشىء عن رفع ذراعي، وتعريض نفسي على هذا النحو الذي يجردني من الدفاع·
وغرس الإبرة على يد طبيب اعتدت عليه هو عمل فيه من الكآبة ما يكفي، من هنا فإن قيام طبيب غريب بغرسها يبدو أكثر إثارة للاضطراب، وفي بعض الأحيان إذا كان الطبيب مرتبكاً يحدث استرواح هوائي عفوي، يؤدي غالباً إلى وفاة المريض نتيجة لغياب الأوكسجين عن الرئتين· هكذا فحينما استعدت ذكرى دكتور سوجورو، دافعاً بذلك الوجه الرمادي المنتفخ خارج مصاريع نافذته، وقد غرقت الغرفة القابعة وراءه في ظلام كئيب، تلاشت رغبتي في الذهاب إلى عيادته·
ولكن أيّاً كان الأمر، فليس بمقدورك أن تحصر تفكيرك في نفسك طوال الوقت، فقد كان حفل زفاف شقيقة زوجتي سيقام في فوكوكا بجزيرة كيوشو بعد أسبوعين فحسب، ولما كانت زوجتي حاملاً، ولا يمكنها القيام بالرحلة، فقد تعيّن عليّ الذهاب بدلاً منها، حيث توفي والدا شقيقة زوجتي، ولم يكن هناك أحد غيري ينوب عنها في مراسم الزفاف·
قلت لنفسي: ليكن، إحمل صورة أشعة إكس ولنذهب، لكنني فكرت طويلاً في لنذهب تلك، واستغرق تفكيري يومين آخرين أو ثلاثة·
صفحة 10
في هذه الأثناء، زرت الحمام للمرة الأولى· لما كان اليوم هو السبت، فقد عدت إلى الدار من العمل في حوالي الثانية بعد الظهر·
هكذا مرت ناقلات عديدة فيما كنت أضرب في الطريق، حتى إن غباراً رمادياً كساني من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ، وربما لأن الوقت كان مبكراً جداً لم يكن قد سبقني أحد باستثناء رجل واحد، كان رجلاً توحي ملامحه بالحنكة، وقد تمدّد في الماء ممسكاً في استرخاء بحافة المغطس بكلتا يديه، وأراح ذقنه على الحافة· بعد أن نظر تجاهي بعض الوقت قال:
- الماء جميل حقاً الآن، أليس كذلك؟
- ماذا؟
- الماء جميل حقاً الآن، أليس كذلك؟ إذا جئت متأخراً عن هذا الوقت فستجد أنه قد اتسخ على يد أبناء الفلاحين، بل إن أولئك الأوغاد الصغار يتبولون فيه، عليهم اللعنة·
بينما كنت عاكفاً على غسل ذراعيَّ الناحلتين وصدري في أحد الأركان دونما رغبة في اظهار نفسي، لاحظت أن هذا الرجل هو صاحب محطة الوقود، كان يرتدي دوماً زي عمل أبيض، ويعالج المضخة، لذا لم أتعرفه حتى الآن· تناهى صوت بكاء الأطفال من القسم الخاص بالنساء في الحمام·
خرج من الماء في انتعاش حافل بالضجيج، بدا وجهه ماكر القسمات، مطلاً عبر مرآة الجدار·
- ليكن، دعنا نكمل استحمامنا!
ثم اقتعد الأرض، قلب الدلو الخشبي، وشرع في غسل ساقيه الطويلتين·
- هل أقمت في هذه المنطقة منذ وقت طويل؟ أحسب أنها فترة قصيرة؟
- منذ أسبوع، آمل أن نكون جيراناً طيبين·
- ما هو عملك؟
- أعمل لدى تاجر جملة يتعامل في المسامير·
- شركتك في طوكيو، أليس كذلك؟ واضطرارك للذهاب إلى طوكيو كل يوم يحملك آلاماً لا يحتملها إلاّ بغل، فيما أحسب·
اختلست النظر إلى صدره الذي حمت الملابس الداخلية جلده الرقيق من الشمس، بدت ضلوعه بارزة هوناً، لكن هيكله العظمي وثيق التركيب خلع على جسده قوة خاصة· والرجال الهضيمون من أمثالي مصابون بمحنة الشعور المرير بالدونية، خاصة حينما يواجهون رجلاً قوي البنية· كانت هناك على كتفه الأيمن آثار جرح يمتد كاشفاً عن عرض يبلغ البوصتين أو نحو ذلك، ربما كان على ما يبدو نتيجة لحرق، فقد كان اللحم المشدود الملتوي يتخذ شكل البرعم الذاوي·
- يبدو أن زوجتك حامل·