eKtab
EN ع
البحث عن إستلا
اقرأ عينة مجانية

البحث عن إستلا

بقلم أوليبيرو كولو

صفحة 1
طالع
 
قبل أن يُتمّ إيفان العشرينَ بقليل، أكّدت له عرّافةٌ من الحيّ أنّ عدم معرفته بأبيه أسوأ من أن يكون له أخ ميت. "إنّ أخاً ميتاً يبقى في المطهر كروحٍ للأبد، لكنَّ أباك حيٌّ، أراه في عينيك، سيصلك رسول، ستُصغي إليه وستعمل بقوله، لأنّه سيُساعدُك، لا تَخَفْ، سيُساعِدُك". تُكرِّرُ، كما لو أنّ شيئاً عند إيفان يُزعجُها: البراءة التي تبدو حصانةً عند من لم يعودوا أطفالاً ويخلطون في إيماءتهم بين الرجل والمراهق.
 
تقول له إنّ الأمّ تهب الحياة لكنّ الأب يورَث، وتطردُه من الغرفة التي تشكل في أعماق زريبتها مستشاريَّتها.
 
يعتبرها إيفان مجنونة. لا يفهم هذه الجملة الأخيرة ويبقى أياماً يُحاول أن يُقْنِعَ نفسه بأنّ له أباً، مثل بقيّة البشر، وأنَّ هذا موجود، كما الله، في مكان ما.
 
بعد أسبوع يصل إلى بيته عجوزٌ له مظهر شحّاذٍ وعينان متوهِّجتان، يسألُ عن أمِّه. تستقبلُ جدَّتُهُ بثقل ظلّها المزمن الزائرَ في الباب وتُجيبه بأنّها ماتت منذ ثلاثة أشهر.
 
"من يعيش هنا؟" يسأل الرجلُ.
 
"أنا وحفيدي".
 
"وهل حفيدك هو الابن الوحيد؟".
 
تُشير بالإيجاب. يطلب الرجلُ التكلّم معه. تتردّدُ الجدَّةُ. "انتظرْ"، تقول، وعندما تغلق بابَ الصفيح تُفكِّرُ أن من الغريب أنّها عاشت هذا المشهدَ وأنَّ ذلك الوجه مألوفٌ لديها. وسرعان ما تذكَّرت أنّ رجلاً له تقاسيم مُشابِهة، مريب كما لا يمكن أن يكون إلاّ الشرطيون المموّهون أو الانطوائيون، وصل إلى هناك يسألُ عن ابنتها بالطريقة ذاتها، كما لو أنّه يسألُ عن قريب بعيد. الآن وبعد عقدين ما عاد وجه هذا الرجل يُمّثِّل أيّ تهديد.
 
مرّت عدّة دقائق حتى عاد وفُتح البابُ. في هذه الفترة فكَّر الرجلُ ذو العينين فاتحتي اللون بالذهاب، لكنّ الانتهاء من لغزٍ عالقٍ منذ سنواتٍ يُبقيه في الباب على الرغم من البرد. وبعكس ما كان يفترض فإنّ الشاب الذي يمثل أمامه بمظهر المستيقظ توّاً، كان صورةً طبق الأصل عن أبيه. وكان قد قلّب لزمن ريبته بأن الأمَّ تركت لوبو لأنّ الابنَ الذي أنجباه كان في الحقيقة من رجلٍ آخر. لكنّه في لحظة واحدة استبعد هذه الفرضيّة التي داعبها لسنوات بشكل مَرَضّي خلال ساعات فراغه.
صفحة 2
يشعرُ إيفان أمام ذلك العجوز ذي العينين البرّاقتين ببعض الدوار ثم بالشفقة. يسأله قبل أن يتركه يدخل سؤالاً واحداً: لماذا يبحث عن أمّه؟ وهو ما ردَّ عليه الآخرُ بطريقة آليّةٍ بينما هو يفكّ أزرار معطفه المطريّ: "لأنّ أباك طلب منّي ذلك ذات مرَّة".
 
يدخلان بأمرٍ من جدّته، التي كانت سيّئة المزاج، ولا تريد أن يُخربا عليها برنامج القيل والقال الذي تشاهده في تلفزيون في غرفة الطعام.، يمضيان مباشرة إلى غرفة إيفان. كان هناك على رفٍّ صور لأمّه، وفي صندوق صغير أشرطة التسجيل التي كانت تستمع إليها قبل ما يُقارب خمسة وعشرين عاماً، عندما كانت تنام في تلك الغرفة الباردة بجدرانها المطلية بالكلس وأرضيّتها الإسمنتية.
 
ينحرف الرجلُ باتجاه الحمّام، دون أن يستأذن. يتحرّك ببطء يسمح بأيّ نوعٍ من الفضول. يتأثّر إيفان وهو يرى الزائر الذي كان يدورُ بَدَلَ أن يسير، كما لو أنّ وركه مُصابٌ أو أنّه أعمى. يشعر بأنّ هذا الرجلَ جزء من أبيه في الحاضِر: واحدة من تلك الخردوات التي تبقى طافية في الجوّ في المكان ـ الزمان عندما ينفجر مكوك فضائي.
 
يجلس بعدَ عودته من الحمّام ثمّ يحكي من دون مقدّمات، كما لو أنّه مجنونٌ يدخل في رؤيا، ما عاشه قبل سنوات كثيرة مع أبيه في بوِنوس أيْرِس وباتاغونِس بحثاً عنه، هو الابن. يقول له أيضاً إنَّه على الرغم من كلّ ما يمكن أن تكون قد حكته له أمّه، فإنّ لوبو لم يهجره. يُوضِّح له أنّه إذا كان يكشف له عن كلّ هذه الأشياء فإنّما يفعل ذلك كي يُصحِّحَ ظلماً ويعالجَ فشلاً. لم يعرف قط شيئاً عن لوبو خلال كلّ السنوات العشرين التي تفصل الحاضِرَ عن تلك التحرّيات غير المجدية، لكن قبل أسبوع، وحين قرأ اسمَهُ في إعلانٍ مدفوع الأجر، حضرته الحالة كما هي: شظية مغروزة في الضمير. قضيّة غير محلولة وفي الحقيقة لا معنى لنبشها إن لم يكن على شرف ما بقي له من حياة.
 
يُصغي إيفان دون أن يقول شيئاً. لسبب ما بدا له حديث هذا الرجل مُحتملاً. في حميميته كان دائماً يعتقد أنّ أمّه مسؤولة عن أنّه بلا أب. ثمّ إنّ كلمة شرف تُؤثّر به، كما لو أنّها كلمة سكّها والده في الماضي، وأنَّ هذا العجوزَ كنزها كي ينقلها إليه في الحاضر. عندها اعترف له أنّ أمَّه لم تُكَلّمه قط عن لوبو، لكنّها فعلاً كانت تُكلّمه عن أبيها هي، أي عمّن هو جدّه، الذي لم يكد يُمضي بضعة أشهر في حضنه، حتى مات خرقاً بالرصاص. يسودُ، بعد كشفه عن هذا، صمتٌ مُطبق. يُفَكِّرُ الرجلُ ذو العينين الفاتحتين كم كان قريباً من العثور على أمِّ إيفان! لو أنّه بعد أن ترك كارمِن دِ باتاغونِس لم يُمضِ فترة مريعةً من النقاهة كي يشفى جسده المثخن، ولو لم يُقرّر أن يرمي بكلّ شيء عن ظهر السفينة، بما في ذلك مهنته كرجل تحرٍّ، لكان حلَّ القضيَّة. فجأة يخرج إيفان من صمته المُطبق ويسأله بصوت متقطّع كيف عثر على أبيه. يقول له الرجلُ إنّه يبيع الصحفَ ويقرأُ كلَّ إعلاناتِ السيارات، لأنّه يشتري أحياناً سيارةقديمة ثمّ يعود ويبيعها. قبل أيّامٍ قرأ بالمصادفة إعلاناً يبيع فيه شخص يُدعى سيلبيو لوبو سيارةً مستعملة في سان مانوِلْ، البلدة القريبة من تَنديل. لا يظهر فيه رقم هاتف، لكن يظهر عنوان.
صفحة 3
"ما نوع السيارة؟" يسأل إيفان متلهّفاً.
 
"لا أتذكَّرُ، فقط نسختُ العنوان"، ثم يخترع على الفور، كما لو أنه يفعل ذلك كي يرضي التطلّع والحيوية اللذين يلوحان على هذا الشاب، غائر العينين والهزيل: "أعتقد أنّها فولكس فاغن غولف، حديد..." ويتوقّف بغتةً.
 
"وهل كنت شرطيّاً؟".
 
أنكر الرجلُ، شارداً ومُحرّكاً رأسه. يتساءل عمّا إذا لم يكن من الأفضل له لو أنّه عاد ليقامر في العشرين سنة الماضية، بدل أن يدفع قرضاً ربويّاً كي يصبح صاحب كشك للصحافة في حيّ مقفر. وتساءل أيضاً عمّا إذا كان لوبو قد احتفظ له بدفاتره في مكان ما آمن. تلك الدفاتر هي الشيء الوحيد الذي يشتاق إليه، على الرغم من أنّه كان مقتنعاً بأنّ الإحصاءات والثوابت كانت في العمق مسؤولة عن سوء حظّه. وبفقدانه لتلك الدفاتر تخلّى وللأبد عن الفم الذي يغوي به الشيطانُ التعساء. ومع ذلك فإنّ هناك شيئاً يتأجّج في داخله: تمام الرجولة ذاته الذي يكبر في الرهان. يُستنفَد هذا الإحساسُ بعد دقيقة ويُخلّف مثل حجر ملقى في الماءِ، حزناً ينغلق على نقطة: "أين الله؟".
 
لاحظ إيفان أنّ الأفكار جرفت محدِّثَهُ خارجَ المشهد. لكنّه لا يجد الكلمات التي ينقذه بها. يظنّ أنّه هو الذي تسبَّب بهذه الحالة من الروبصة. يفترض أنه لو منح هذا المجهولَ ما يكفي من الشفقة لأفلت سرّاً ما آخرَ. ذلك أنّ هذا الرسولَ موجودٌ بحسب ما تكهَّنت له به البصّارةُ، صديقةُ جدّته،كي يُساعده.
 
"إذا ذهبت للبحث عن أبيك، فإنّك ستجده، احكِ له كلَّ الذي قلته لك. هناك خبَّأ بعض دفاتري. إذا كانت عنده، أحضِرْها معك واهتف لي، وسأكافئك"، قال الرجلُ فجأة وسجَّلَ على ورقةٍ رقمه وناولها له بينما هو ينهض. "لا تُضيّعها".
 
"ماذا؟ ستذهب الآن؟ ستذهب هكذا؟"، يحتجُّ إيفان بإحساسِ مَنْ تفلتُ من يديه فرصةُ أن يكون متواصلاً مع شخص يحتفظُ في مكان ما من تعبير وجهه بإيماءةٍ من أبيه، ما زال عليه أن يكتشفها.
 
يتساقطُ العجوزُ على كرسيّه ويُبرِّرُ: "حزنتُ... حدثت عندي فجوة. لكن إذا أردتَ بقيتُ. عمَّ كنّا نتكلَّم؟"
صفحة 4
يتنفَّس إيفان عميقاً ويجيبُ بأنّه لا يتذكَّر، وأنّه لا يريد الآن إلاّ أن يعرف أكبرَ قدر من الأشياء عن أبيه، لكنّه لا يعرف كيف ولا ماذا يسأل. يداه ترتعشان. لا يعرف ماذا يسألُ، لأنّه لم يعتقد قط أنَّ فرصة كهذه يمكن أن تأتيه. أيضاً لم يكن يظنُّ أنَّ لحظةَ قراره بأن يذهب إلى أبيه ستأزف بين يوم وآخر. تخيّلَ بالمقابل فعلاً أن يقوم بتحقيقات طويلة الأمد، حبّاً بالمغامرة والمطالبة الشخصيّة أكثر من أيّ شيءٍ آخر.
 
الفضيلة الوحيدة لكونهِ لا يملك أباً هي أنّه يستطيع أن يتصوّرَهُ على هواه، لكنّها عُلِّقَت بعد الذي حكاه له العجوز. الآن يشعرُ بالرغبة بالتمسّك بهذا الرجل ذي النظرة الشفافة، بالرغبة بألا يتركه يذهب أبداً، كما لو أنَّ الأمر يتعلّق بأبٍ ثانٍ، يحمل في داخله الأبَ الأصليَّ. يرجوه أن يُرافِقه إلى تَنديل، ذلك أنّه لم يُسافِر وحده ولم يَنَمْ خارجَ بيته قط. العجوز وإن لم يكن يستبعد الاقتراح، إلاّ أنّه لم يكن يستطيع إلاّ أن يَظْهَرَ مُتردّداً، لأنّه ليس عنده، بين أشياء أخرى، من يبقى في كشك الصحافة ويُطعِم طيورَ الكناري، التي تُسعد عمرَه كأرملٍ. يعرف أنّ رحلةً كهذه هي أفضل ما يمكن أن يحدث له في الثامنة والسبعين من عمره، إذا ما ترك جانباً الميتة الطبيعية والسريعة.
 
كان أوّل ما سارعت الجدّة لفعله ـ بينما الزائر يُغادر وبعد أن سمعت شهادةَ حفيدها ـ هو أنّها أمرته بأن يذهب للبحث عن أبيه ويتركها بسلام أيّاماً، أسابيعَ، شهوراً أو سنين. تُعطيه كلَّ النقود التي، بحسب قولها، وفّرتها، وتقول له أن يحلّ لعنته بنفسه. لا يردُّ إيفان عليها. يسأل نفسه ما هو الأقسى على الإنسان؟ أن لا يكون قد عرف أمَّه أم أباهُ؟ يُدير ظهره لجدَّته مصمّماً على ألا يطأ بعد الآن زريبة الخنازير تلك. يُطلق تلك الجملة الوحيدة الناكرة للجميل إلى هذا الحدّ أو ذاك: "شحيحة، هذا لا يكاد يكفي لبطاقة السفر".
 
"تافه الـ..."
 
ينسلُّ هو، الأرشق، ثمّ وقبل أن يُغلق بابَ غرفته بالمفتاح، كما كان يفعل مرّاتٍ كثيرة بعد موت أمّه، يُلاحِظُ أنَّ جدّته تتنقّل في الممرّ مثل بطريق، مشتاطةً غضباً، ممسكة بحذاءٍ كي تضربه. كانت أمّه تحميه عادةً من ثورات غضب هذه العجوز الضخمة، التي كانت ترى فيه أصل كلّ الفجائع التي حلّت بابنتها. بعد موتها ازداد هذا الانطباع عند الجدّة حتى أنّها صارت تتخيَّل في لحظاتِ الكراهيةِ العميقة طُرُقاً للتخلّص من هذا المجهول. وبما أنّها كانت واثقة من أنّ هذا الولدَ غير ذي نفعٍ، فهو لن يرحلَ أبداً، كما لن يأتيها ببيسو واحد إلى البيت، فقد سرحت بخيالها بصوت عالٍ مع فكرةِ أن تخنقه بالوسادة بينما هو نائم وتقبره في أعماق البيت. لن يلاحظ أحدٌ في العالم غياب حفيدها، إذا لا يوجد شخص بتفاهته. لذلك استغربت حين طلب منها أحدٌ، قبل ساعات، التكلُّمَ معه. لو أنّه انتابها خاطر بأنَّ هذا الغريب سيكون عامل تخليصها منه لكانت تركته يدخل فوراً، بل ولكانت قدَّمت له ماءً.
 
يهتف إيفان قبل يومٍ من صعوده إلى الحافلة إلى الرجلِ ذي العينين الشفافتين، واثقاً من أنّه الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يتعرّف على أبيه. الصحيح هو أنّ الرجل لم يفعل في الأيام السابقة شيئاً آخر غير أن يتمنى مرافقة إيفان، حتى أنّه يخفي، عندما يتلقى المكالمةَ فرحَهُ، ويضع اعتراضات غير ذات بال، ملمحاً إلى العناية التي يتطلّبها شخص بمثل عمره. يعده إيفان بأن يرعاه ويعوّضه جهدَهُ بالمال الذي يخطّطُ لكسبه في الطريق. عندئذٍ يؤكّد الرجل أنّه سيُرافِقه، شريطة ألاّ يستغرق السفرُ الأسبوعين، سيتكفل خلالها صديقٌ له بكشك الصحافة وبإطعام كنارياته. يتفقان على ساعة ومكان لقائهما في محطّة رِتيرو.
صفحة 5
(1)
 
كلّ مساوئ الشيخوخة حلّت بِدورا، عندما أعلن ابنها سيلبيو لوبو ـ ابنُ الأربعين عاماً ومعه مدخراتٌ مصدرها فسادة، الذي بدأ يتمادى فيه بفضل ترقياته، وتحالفٍ أحكم حبكه مع ثلاثة من مفتّشي البلدية، أنه سينتقل ليعيش وحده، وسيشتري، ليس شقّة في جوّ رأت أمّه أنّه مقدَّر له، بل شقّة من ثلاث غرف مع ملحقٍ سيخطّط كما وضّح، أن يُكوِّن فيها أسرة ويمارس حياةً أخرى مع امرأة ستكون مستقبلاً ودون شكّ امرأته الوحيدة.
 
كان لوبو، قبل أن يتعرَّف على إستِلا دوران، في مطعم منحطٍّ، يتردّد عليه سائقو سيّارات الأجرة والسكارى، ويُخطّط كي يضمّها إلى حقيبة اللحظات الحرجة، قد دعا للخروج معه بضع عشرة امرأة حتى ذلك الوقت من خلال صديق له في العمل اعتاد أن يصلَهُ بصديقةٍ، ابنةِ عمّ أو أخت. جميعهن وبالتساوي، حتى المجنونات والشبقات منهنّ، كنَّ يهربن مشمئزاتٍ من تفاهته ونهمه الإنجابيّ، الذي كان يقطر من عينيه الوادعتين والغراميتين. كما أنّه جرَّبَ حظّه مع الإعلانات المبوّبة، وعشق محنّكاتٍ مطلقاتٍ، نساء باهتات كنّ ينتقمن من الجنس الذكري، متظاهرات بأنّهن يمضين أكثر ما في ليالي المتعةٍ من عبثية، والتي كان لوبو يعرف خصائصها جيّداً ويتساهل معهن لأنّهنّ مستأجرات. ومن كلّ حالات الإخفاق لم يأسف لوبو إلاّ لأنّه لم يستعرض أمام دورا أيّاً من غرامياته الحقيقيّة التي تختبر شهيّة الأمومة عندها. بالمقابل بدا أنَ غياب هذا الاستعراض في تعايش دورا مع ابنها الوحيد، الذي عادة ما يُعَرّفونه في محل حلاقة الحيّ بأنّه مأبون وعانس،كان يُبهجها.
 
عندما رأى إستِلا اكتشف فيها جوهرةً خاماً. امرأة لا يبدو أنّها عانت ولا أنّها تكرهُ أحداً. كان لها الطبيعة المشاكِسة لشابّة توشكُ أن تصير امرأةً، وهو ما شعر لوبو أمامه في البداية بأنّه منحرف. كان يشتهي المرأة ذاتها التي يشتهيها غالبية السكارى وسائقو سيارات الأجرة الذين كان يأتون إلى المشوى، ويطلقون بين الفينة والأخرى وقذاراتهم اللطيفة مثل "لا أريد أن أعرف أنّ هذه المؤخّرة تجوع". هذا هو النوع من النساء الذي أحبّه دائماً: بالإضافة إلى سمرتها وعينيها الداكنتين، وبفضل أنّها ما تزال شابّة يجب ألاّ تكون قد لقيت معاملة سيّئة، وبالتالي يمكن أن تثق بل وأن تعشق رجلاً مهتمّاً، ليس باللقاءات الجنسية المحضة، بل بشكل سماوي من البناء الإنساني: التخطيط لأسرة. عندها فكّر بأنّ تلك المرأة ليست صعبة المنال. وكانت له ميّزة موضوعيّة: يتداخل مظهره كعانِس، على النقيض من بقيّة الرواد، مع مظهر الرجل النزيه.
 
زار المشوى مرّاتٍ عديدةً. كان صاحبه رجلاً فاتر الهمّة، له مظهرُ فيلِ بحرٍ، وكان امتلاك محلّ بالنسبة إليه بمثل كبرياء ابنٍ لِـبوِنوسأيْرِس، وكان عادة ما يدعوه لطاولته، وهذا ما كان يعزوه لوبو إلى تساهله معه في عمليات التفتيش الصحية. عندما صار تردّده على المكان مثاراً للريبة، استطاع أن يُكلّم صاحب المحل عن قضية السمراء. لمسَ الرجلُ شاربه كي يُخفي ابتسامته ويُتمتِم: "كان باستطاعتك أن تقوله لي منذ البداية... انظر... الآن بالضبط طَرَدْتُ صبيّاً... تعالَ غداً عندما نُغلق وسأُسَوّي لك كلّ شيء كي تخرجا معاً. تأتي أنيقاً، عندك سيّارة، الأمر منتهٍ. لا يهمّ أن لا يكون معك مليماً زيادة" وعلى الرغم من أنّ لوبو شعر بلمسة احتقار إلاّ أنّه شعر بأنه مرتاح لتفاؤل صاحب المحلّ.
صفحة 6
في اليوم التالي صفَّ السيّارةَ مقابلَ المطعم الشعبي. نزل بتؤدة كي تراه إستِلا ينزل من سيارة فورد سييرّا. كان يرتدي ثياباً ذهب في اليومِ نفسه واشتراها من أونثِ: سترة بنّية، قميص مُقَلم، كنزة بمربعات ومعطف مطري لاحتمال أن يصدق الرصد الجويّ فتُمطِر. ما إن جلس في العمقِ بقرب الطاولة التي يقوم فيها المالك بجرد الحسابات في الساعة الأخيرة حتى وجّهت إليه نظرة تواطؤ بل واستعطاء. كانت عيناها تلمعان لمعان العارفة جيّداً. لم يحْتَجْ لوبو أن يقول شيئاً كثيراً حين قامت هي بخدمته: "هل سنتناول شيئاً فيما بعد؟ وهو ما ماءت له إستِلا قائلة: "أخرجُ في الواحدة، انتظرني عند الزاوية".
 
على جادّة ريبادابيا وعلى مستوى محطّة لينييرس، رأى واحداً من محلات الويسكي التي تقاوم مرور الزمن: أنوار خافتة، أضواء في السقف، جوّ دبق ورومانسيّ، منضدة العرض من المطاط الاسفنجي منجّدة بالجلد البنّي، ومن درجة اللون ذاته المقاعدُ الدوّارة، التي كانت تؤوي حزن التجار المنهكين من التضخّم المالي الكبير.
 
على منضدة العرض كانت تغفو عاهرتان، تلفان ساقاً فوق ساق، وتسندان مرافقهما على المنضدة، كما لو أنّه مضى عليهما ساعات بل وأيّام في تلك الوضعيّة. كان نور المصابيح القاسي يبرز زينتهما. فيبدو كأنّه يُعاقِبُ تلكَ التقاسيم التي لدمية قديمة.. كلما كان النادل يتكلّم كانتا تتظاهران بابتسامة آلية. كان الفتى قصيراً وله ملامح ضفدع وآداب قوّاد. كان يتأخّر في خدمتهما على الرغم من أنّه ينظر إليهما بين فينة وأخرى، كما لو أنّه يريد أن يمنحهما الفرصة كي تهربا. أمام هذا التأخّر المقصود تساءل لوبو عمّا إذا كان ممكناً أن يتذكّراه في ذلك المكان أثناء عملية تفتيش بعيدة أدّت إلى إغلاق المحل أو رشوة.
 
الطريقة التي كان ينظر بها هو إلى منضدة العرض، باحثاً عن النادل، كما لو أنّه نادم على الموعد، ولّدَ بدوره عند إستِلا بعض الارتباك. "إذا أردت أذهب" قالت جامعةً يديها فوق الطاولة.
 
"ماذا؟" وقصّر الطريق ـ كما لو أنّ الفريسة تُهدّد بالاختفاء ـ بجُمَلٍ مدروسةٍ وجوفاء، استخدمها دائماً ولم تعطهِ قط نتيجة. أطلقت هي ضحكةً خجولة وتركت لوبو يُداعب يدها، يمرّ على جانب ذراعها ويلفّ برأسي سبّابته والإبهام الزغبَ الناعمَ الذي كان يُغطي جلدها.
 
"ماذا؟ هل صرت تحبّني؟ نحن لا نعرف بعضنا".
 
"يا إستِلا، أنا منذ رأيتُكِ أحبُّك. كما لو أنّنا نعرف بعضنا من حياة أخرى"، قال لوبو مستخرجاً من لائحته جملة أخرى جاهزة وناسياً على الفور أنّ رجل منضدة العرض ظل غير آبهٍ به. مرَّت بجانبه العاهرتان وخرجتا. عندها سيارة تاونوس كوب أمام الباب توقفت، فصعدتا إليها بوداعةٍ مثل ضاريتين مروَّضَتَيْن. لم تستطع إستِلا أمام المشهد أن تكبح ابتسامةً بدت للوبو غريبةً: "مِمّ تضحكين؟"
صفحة 7
"لا شيء"، نظرت إلى عيني لوبو وأضافت: "مما سيفعلون الآن".
 
"نحنُ نستطيعُ ذلك أيضاً".
 
تأخَّرت هي في الردّ: لم يكن لوبو يعجبها كبقيّة الرجال. كانت تحدسُ بأن وراء هذا الاستسلام مستقبلاً، لذلك، ولكي لا تفشل شيء أرادت أن تناوِر بالشيء الوحيد الذي كان لصالحها إذ ذاك. "وماذا لو انتظرنا؟".
 
حرَّك هو رأسه ببطء، كما لو أنّه تلقى جواباً سلبيّاً: "أعرفُ أنَّك ستكونين زوجتي".
 
لم تعرف هي ما إذا كانت ستشعر بأنّها مُشرَّفة أم أن عليها أن تشكّ بثقته بنفسه، فخلف هذا الرجل المسالم يمكن أن يقبع فاسدٌ. "حسن، لكن فقط ننام... يا سيلبيو، صعب بالنسبة إليّ". أحدثت كلمة "صعب" عند لوبو رضا. تصوّر بسبب هذه الصعوبة أنّ هذه الشابّة التي لا تنتمي إلى طبقة، لم تكد تنام مع أيّ شخص. وهذا ما يأتي ليؤكّد طهراً عَرَضيّاً يجعلها مرشّحة تامّة كي تتحمّل أسرة.
 
جاء نزلُ فرعون المؤقّت في لينييرس بالنتيجة مناسباً للوبو. كانت له نظافة عيادة خاصّة، قطع سيراميك مشمّعة وكبيرة كشاهدات قبور. لطف عمّال الاستقبال المحافظين على مسافة مع الزبائن الذين كانوا يَصفون، مثل التجار المسافرين، ميِّزات التجديد الوحيد في العنوان ـ غرف مصنّفة فيها مساجات مائية ـ كانت توفّر الأمان والراحة. الغرفة التي اختارها كانت متوسّطة، خضراء وبرّاقة ولها فناء فيه حديقة شتوية، تُحاكي في هذا الحظار الضيّق الدغل.
 
مرّة في الأسبوع في اليوم ذاته والساعة ذاتها وخلال شهرين عادا إلى الفندق ذاته، إلى أن استغلّ لوبو أنّهم سرقوا له الفورد سييرّا في مركز المدينة ذاته، كي يُسرّع حيلته ويقترح نقل اللقاءات إلى شقّته التي دشّنها توَّاً.
 
بعد شهرين آخرين من الاختبار قبلت مدفوعة بشخصيّة لوبو المتسلطة ووضعه الاقتصادي، أن تهجر بيت أمّها في الضاحية وتنتقل إلى منطقة المركز من حيّ وثير وحيد اللون، مثل حيّ كابايِّتو. بعد أشهر قليلة ستنطلق الرغبة بالأبوّة عند لوبو، وإستِلا الحامل،، بدأت تُصبح مجهولة لذاتها.
صفحة 8
(2)
 
حين غادر المشفى كان يوم أحد وكان الفجر يبزغ. أوقف سيّارة أجرة. بدت له بوِنوس أيْرِس من خلال النافذة القذرة أطلالاً. رأى أشجاراً منحنية وعارية، يبدو أنّ الفجر يتأخّر فيها. كان المشفى يبدو من بعيد تلك المادّةَ الأبدية لمعملٍ مهجور، ولا ينقصه إلاّ المداخن والنوافذ المحطَّمة. كان كلّما ابتعد أكثر كلمّا أدرك أنّه يعيش مرحلة ما بعد العملية. مرحلة زمنية جديدة، مثل مريض مُخدَّر،لم يتأقلم معها لوبو. إعالة وليد منحته طاقةً متناقضة: أب محصّن، بهيمة مجروحة. راجع أسماء ممكنة لابنه. كان الأمرُ شبه محسوم: إيفان.
 
كانت بِلِن، كما هي العادةُ، قد أسدلت الستائر، ورفعت صوت الموسيقى. كانت الشموع الاصطناعية تُضفي على المكان جوّاً سرّيّاً. في هذا الجوّ المقفر كان هناك زوج من تماثيل عرض الملابس، آلة خياطة سينجر على طاولةٍ قصٍّ وتصميمٍ وكرسيّ كبير. في الغرفة الأخرى، التي كان لوبو يُفضِّل عدم زيارتها، سرير زوجية وتلفزيون. ما إن كان يدخل إلى ذلك الملاذ ـ المعبد ـ حتى يفقد أيّ فكرة عن الزمان والمكان ويغوص في أسْرٍ تام.
 
"كانت البارحة أطول ليلة في السنة". اليوم الأكثر نشاطاً. "أين كنت؟".
 
"في بيت سيّدتي": ردّ هو، مدركاً أنّ لكلمة سيّدة تأثيراً خاصاً على بِلِن.
 
"وبلغ منك الملل أنّك جئت ترى عاهرتك الصغيرة..."
 
وافق بابتسامة. أجابت هي بفكّ أزرار بنطلونه. "هل ستأخذني اليوم؟" وانحنت فوق الكرسيّ الذي انهار لوبو عليه. غاصت بلسانها بخاله السعيد، لؤلؤة من فولاذ غير قابل للصدأ راحت تلويه كما لو أنّها ترتجل عملية تنظيف. أصرّت: "هل ستأخذني الآن؟".
 
"على الأرض، يا عاهرتي الصغيرة".
 
ثنت ساقيها وسحب لوبو سروالها الخيطيّ، وعلى الرغم من حجمه المنمنم فقد كان رخواً كما لو أنّ جسد صاحبته ينقصه مادة ينشدّ حولها. كان للحم بِلِن وجلدها النسيجَ الرخوَ الذي لتلك الأجساد التي اجتازت المرض وعادت إلى العالم بلا عضلات ولا بنية. كان جسداً مُعلّماً، متبدّلاً وجديداً في آنٍ معاً، كان لوبو يتأخّر في كلّ مرّة في التعوّد على هذا الجسد. يمتلكه مراتٍ ليست قليلة مهتدياً بسقم رءوم: فكرة أنّه يداوي جسماً مريضاً مغطياً إيّاه بشهوته.
صفحة 9
داعب، قبل أن يحملها إلى الأرض، ندبة كانت تُحيط بإحدى حلمتيها. كانت العلامة تُضفي على ذلك الجسد المريض والمجهول ماضياً نبيلاً. على الرغم من أنّه كان يحدس من خلال خصائص الجرح أنّها ناتجة عن عملية جراحية، خيّبه هذه المرّة افتراض أنّه يمكن أن يكون أثراً عاطفياً، على الرغم من إثارة بِلِن المستمرة إلاّ أنّه لم يتمكّن من تحميةِ نفسه تماماً، أو أنّه خرج من المشهد حين وضع اهتمامه على شيء لم يعطِه أهمّية قط: كانت تئنّ، بينما هو يمتطيها، بطريقةٍ ناعمة، كما لو كان أحداً ما، ذلك الشبح الذي نحت تلك الندبة، يحرقها من الأسفل بلهب ناعم جدّاً.
 
"لا همّ، أحبّ أن تلمسني... ماذا؟ أنت لم تعد تحبّني؟"، سألته هي.
 
هزّ برأسه، حضنها من الخلف وطلب منها أن تقف وتخرج له حمامته. وبانحناء بِلِن بزاوية خمس وأربعين درجة، حانية ظهرها أمسكت بأحد التمثالين، رطّبت بدفق من فمها إستَها وأبعدت ما بين ساقيها. عانق لوبو تلك الزوجة المصطنعة، ثمّ وقبل أن يستنفد إسفاده صفع هذه وتلك: اختلط صوت اللحم والبلاستيك، كما لو أنّ شكلاً حيّاً حبيساً فيهما يصبُّ في مادّتين مختلفتين. هكذا تدفّقت، بضراوة بطيئة، طاقة حلمية من هذا اللقاء الزوجي الثلاثي. تجمّدت حصانة لوبو العاطفية حين شعر ـ أو تذكّر ـ بالتناقض الوحشي القائم بين عظام بِلِن وعظام إستِلا، كما لو أنّ واحدة منهما كانت القالب والثانية ناتِجَهُ. صادف سقوط تمثال العرض مع نهاية العرض الحيّ. بقيا مستلقيين على الأرض. شعر لوبو ببعض الذنب وإن لم يصل حدَّ أن يسأل نفسه: لماذا؟ ذلك أن فكرة الحماية فرضت نفسها على الفور: كانت بِلِن من غرابة الأطوار بحيث أنّ أحداً لم يكن ليملك الجرأة على حبّها. كانت قصّة الصدود قد فعلت في ذلك الجسد الجميل فعلها واستنفدته. وعلى الرغم من أن انعدام الشخصية والمرض كانا يصبّان في نحولها المطلق، فإنّ الخلاخيل والوشوم التي خلّفتها فيها خلال سنواتها الثلاث من المنفى تلك المخدراتُ القويّة في إيبيثا، كانت ثورتها حيويّة فاجرة، كما لو أنّ كل الذي يحمله جلدها شاهدٌ على مجتمع مستقبليّ.
 
بقي لوبو صامتاً. حمله شيءٌ في موضوعِ الوشم على الذراعين والخصر إلى أبوّته. كان ابنه قطعة من بهيمة مقدّسة تشظّت ألف شظيّة. لم يشعر بأيّ ذنبٍ لوجوده في ذلك المعبد الخاصّ. فهو أوّلاً وأخيراً لا يستطيع أن يكون في أيّ مكان آخر حين يتزاحم الضيقُ والإحساس الغريب بالسعادة. كانت زياراته الدورية والمتهوّرة، منذ أن أصبحت إستِلا حاملاً، تستجيب لحاجتهِ لأن يكون مجهولاً في ضياعه أكثر مما تستجيب لدوافع الشبق. ومع ذلك كان يُدْرِكُ، بعد يوم أو يومين من بقائه معزولاً عن العالم، كيف أنّه، ككلّ الرجال الذين عرفهم تقريباً، لم يكن عنده الجرأة على أن يُحبّ امرأة مثل بِلِن، وكان يعود إلى إستِلا دون توضيحاتٍ ولا اعترافات.
صفحة 10
(3)
 
كان لوبو يخرج خلال أيّام الأسبوع صباحاً ويعود ليلاً. كان يذهب في بعض أيّام السبت ويعود ليظهر مجدّداً الأحدَ مساءً، يخلع حذاءه، يفكّ أزرار قميصه ويستلقي على السرير بكلّ طبيعيّة، كما لو أنّه عائد من شراء سجائر. كان يُبرِّر غيابه بطبيعة عمله في البلدية، ولم يتوقّف قط ليُقدّم توضيحات لم تطلبها إستِلا منها.
 
صار لوبو، منذ أن عادت من المشفى، يُبالغ بلفتات سخائه المالية كي يُغطّي هذه الحاجة المستعجلة أو تلك النزوة. ولم يكن خلال الوقت القليل الذي يُشارك فيه إستِلا، حين يُشاهِد التلفزيون ليلاً، يتكلّمُ عن العلاقة الجديدة بينهما. كان يسألها عمّا إذا تكلّمت مع أهلها، وبما أنّها كانت تفترض أنّ السؤال يعني المنع، صارت تُؤكّد له، دون أن تكذب، ما كان يريد أن يسمعه: "لا، لا لم أتكلّم بعد"؛ "ربّما أُكلّمهم الشهرَ المُقبِل". والمسألة ليست أنّها لم تُحاول أن تتكلّم مع أمّها، بل إنّ المجيبَ على الطرف الآخر كان يجيبها بأنّ الرقم المطلوب خارج الخدمة، وعندها لم تكن تصرّ كثيراً: عندما يكبر الصغير قليلاً، سيكون لديها وقت لتخرجَ من البيت وتأخذَ القطار وتعود إلى الضاحية وقد صارت أمّاً، وكانت أمّها نفسها تتنبّأُ، في مشاهد تحدّ وحسدٍ، أنّها لن تصبح كذلك.
 
كانت إستِلا تدور، كي تقضي الساعات الميتة، حول ذلك الكوكب الصغير، الذي دخل حياتها: كانت بالإضافة إلى أنّها تبدّل له الأقمطةَ، تلبسه ملابسه وتنزعها عنه، تُجرّب له ملابس أمام مرآة الحمّام، تُلاعبه أو تتأمّله طويلاً في مهده. وكان يقنطها أنّه، بخلاف الرضّع الآخرين الذين كانوا يضحكون أمام أدنى حركة، كان يبكي وينام فقط، وأنّه خلال الشهر الذي مضى على ولادته لم يصدر أيّ غمغمةٍ يهلوس بعدها بكلمة. ثمَّ إنه كان عندما يرضع يفتح عينيه وينظر إليها بثبات. كان يبدو أنّه يشع نوراً مؤذياً، وينكشف عن وجهين: وجه طفل ورديّ وطريّ من ناحية، ورجل متوحِّد من ناحية أخرى. هذا النور كان يشير عند الأب إلى حصانة يقشعر لها بدنه. لم تكن إستِلا تعرف ذلك، لكنّ لوبو، الذي كان حتى تلك اللحظة قد امتلكها وعمل كلّ ما بمقدوره على حمايتها ورعايتها، صار مبهوراً وفاغر الفم أمام الأبوّة، مثل أرنب أمام نور سيارة وسط الطريق. وفي كلّ مرّة كان يسير فيها في البيت، متروبصاً ويفتح الثلاجة ـ في كلّ ساعة ـ كان يبدو أنّه يجرّ ثقلاً غريباً. عندما كانت تشعر بيده تحت الملاحف دون شهيّة ولا خبرة كان ينتابها شعور بأنّ حيواناً صغيراً يُشمشم بحثاً عن بقايا، وتتساءل عما إذا كانت هذه اليد أكثر طبيعية قبل الحمل.