eKtab
EN ع
البحث عن لغة
اقرأ عينة مجانية

البحث عن لغة

بقلم حسين نشوان

صفحة 1

مهاد
يضم هذا الكتابِ مجموعةً من الدراسات التي تتنوعُ بين قراءاتٍ لإصداراتٍ سرديةٍ وشعرية، أو لتجاربَ إبداعيةٍ تتناول موضعاً أثيراً عند الشاعر أو القاصّ أو الروائي.
وهي قراءاتٌ متباعدةٌ في الحقول والأزمان؛ ولكنها تنطلق للبحث عن اللغةِ التي يتمثلها المبدعُ، بما هي وسيلة للتعبير والتخاطب، وبما هي وسيلة الأسلوب الذي يضارع الخطابَ.
في القراءات التي تناولت تجاربَ لمبدعين من أجيال متباعدة، وأساليبَ مختلفة، تتبدى الكثير من العناوين التي تقارب الدراسة باختلاف وسائلها وموضوعاتها وأجيالها.
ففي مجموعة الشاعرة زليخة أبو ريشة محاولةٌ للبحث عن مرجعيات الأنثى بمعادل الأسطورة والطبيعة واللغة، بينما تتستّر لغة جميلة عمايرة بانزياحاتِ الحلم للاحتيال على الواقع.
وكما يتمثل حكمت النوايسة المشهدَ الدرامي لاجتماع التاريخ بالراهنِ، فإنّ غازي الذيبة يستحضر الغياب لإنكار الحاضر، وهو ما يتضح في رواية هزاع البراري التي أبطن حواشيها بتحولاتِ المكان الأسطورية؛ لفهم مغزى الموت، ومعنى الحياة بما أنتج المكان من وعيٍ، وما تركت المثيولوجيا من حكايةٍ، وربما هو ما قالته رواية «ربيع حار» لسحر خليفة في قراءة التحوّلات التي حملتها رواية المرأة التي فارقتْ السائد.
ولكن الشاعر حسين جلعاد في «العالي يُصْلَبُ دائما» تفادى فكرةَ الاعتراف بالأسطورة، ليعيدَ ترتيب الأشياء من جديد، وهو ترتيب يقوم على تشكيل السؤال بلغةٍ جديدةٍ وصادمةٍ، وبعكسه تماماً يذهبُ حكمت النوايسة، في تجربته المتحولة بمقارباتٍ بين شكل النص وإيقاع اللغة وغموضِ التاريخ.
في القراءة التي تتسعُ فيها الأزمنةُ والأمكنةُ برمزيات التاريخ والأسطورة، تلجأ الدراسةُ لمقايساتِ المنهج الثقافي لدراسة جملة المرجعيات التي تكوّن نسيجَ النصِّ لتفكيكه وإعادة بناءاته المثيولوجية والأنثربولوجية والثقافية؛ لفهم المكونات التي انطوى عليها النصُّ، وكذلك المؤثثات التي استبعدها النص، ولماذا تم استبعادها؟ فالاستبعاد هو أيضاً حيلة تخيلية لاقتراح كينونة حقيقية بأدواتٍ وهميةٍ، تتجلى في اللجوء إلى لغة الحلم أو الدراما والصورة والإسقاطات التاريخية والاستعارات الأسطورية واللجوء إلى المتخيل.
في هذا الكتاب دراسات نشر بعضها في دوريات محلية وعربية، تتناول سبعَ مجموعاتٍ شعريةٍ، لكل من: زليخة أبو ريشة (كلام منحّى)، وخالد محادين (لكَم تزدحم المدينة بالنساء المتعبات)، وحكمت النوايسة (الصعود إلى مؤتة)، وعبدالله رضوان (مقام المليحة)، وغازي الذيبة (خفقة الذرى)، وحسين جلعاد (العالي يصلب دائماً)، ومريم شريف (أباريق الغروب).
وفي الرواية، تتناول الدراسات أعمالاً لكلٍّ من: ليلى الأطرش (مرافئ الوهم)، وهزاع البراري (الغريب)، وسحر خليفة (ربيع حار). وفي القصة جرت دراسة أعمال كلٍّ من: محمود الريماوي (فارق التوقيت)، وسعود قبيلات (مشي)، وجميلة عمايرة (الدرجات).
وهي اختياراتٌ لا تنطلقُ من تخطيطٍ مسبقٍ بقدر ما تصدرُ عن اشتمالٍ عفوي لقراءاتٍ متفرقةٍ تسنىّ لها أنْ تجتمعَ في كتاب.  
 

صفحة 2

«كلام منحّى» لزليخة أبو ريشة..
سلطة اللغة وهندسة المعنى في المثلث

 


عندما قرأت مجموعةَ الشاعرةِ زليخة أبو ريشة «كلام منحّى»، قفز إلى ذهني العديد من الأسئلة حول قراءة الشعر وكتابته:
-لماذا تكتب المرأة الشعر؟
-كيفَ تُقرأ قصيدة المرأة؟
وربما يكون في طرح السؤال الثاني تحصينٌ من الشبهة التي يمكن أن يقعَ فيها السؤالُ الأوّل إذا فُهم على محمل التمييز؛ خصوصاً وأن السؤالَ بـ «لماذا» يقع في مجال التساؤلات النقدية التي لا يُركن إليها، فيما «الكيف» يتعدى الوصف، ويخرج عن التصنيف إلى اقتراح منهجية للقراءة النقدية التي تحول دون الرؤية المقلوبة أو المعكوسة، أو القراءات التي تنطوي على آراء مسبقة.
ومن هنا فثمة درجةٌ من (التمايز)، وليس التمييز بين «لماذا» و«كيف»، ذلك أن الأولى تمتلك حرية ذاتها وخياراتها، أما الثانيةُ، فهي تسعى إلى تعميق فاعلية أدواتها، وتعزيز موضوعيتها.
أجدني قد تورطتُ في هذه المقدمة التي لا تخلو من تبريرٍ توضيحي؛ لأن قراءة إبداع المرأة لا يخلو من إشكالية تحتاج معها إلى دقة اختيار السؤال، وهي إشكاليةٌ تاريخيةٌ وثقافيةٌ معقدةٌ، يتداخلُ فيها الاجتماعي والأسطوري والرمزي والحضاري والديني، وإنّ كتابات زليخة أبو ريشة الإبداعية والبحثية لا تخلو من مساحةٍ للجدل أو الإشكال التي تتصل باللغة، ومفهوم أدب المرأة، والحرية.
وأجدني مرة أخرى أوضّح استهلال السؤال بكيف؛ لأنه يتعلّق بأداة التعبير والكتابة التي وضعت فيها المرأة تاريخياً في المعنى.
والسؤال: كيف نقرأ أدب المرأة في ظل الشُّرك التي تنصبها اللغة التي تطورت تاريخياً في سياق قوانين المجتمع الذكوري، وأجبرت المرأة على التخلي عن ذاتها مقابل احتوائية السلطة الذكورية، وأنْ تتنكرَ لجسدِها وعقلِها ومشاعرِها، وتطوّر اللغة والسلوكات تقع بين الإيماء والصمت كتعبيرٍ عن اللارفض والولاء الاستجابي الساكن (السلبي) لمواجهة النسق الثقافي، في المجتمع القبلي الذكوري (الفحولي) الذي حوّل المرأة إلى حاجةٍ حسيةٍ لا عقلانية قابلة للتداول والملكية وتضعها خارج دائرة المجتمع وبنائه الحيوي، وخارج لغته.
فـ«المرأة محجوبة عن حيزٍ كبيرٍ من اللغة، وليس لها سوى بعض اللغة، مثلما أنْ ليسَ لها سوى بعض العُمُر، وبعض الحياة» (1).
وهي بهذا المعنى، لا تنتج الكلام (اللغة)، وإنما تستقبله، فهي أرضٌ للاستزراع والاستنبات والاستكثار، والصمتُ هنا معادلٌ للفراغ أو البياض الذي يُكتب عليه(*) وعنه، والصمت في عرف مجتمع النسق الذي أنتج المثل الشعبي هو حسنةٌ وميزةٌ للمرأة الصالحة: «لا من ثُمْها، ولا من كُمْها»، «إلها ثُمْ ما إلها لسان بشكي»، وأن فصاحة المرأة توصف بالثرثرة، فيما العقل والذكاء ليس أكثر من كيدٍ ودهاء: «النساءُ أحابيلُ إبليس».
ويعزو المجتمع الذكوري ذلك إلى أنّ عقلَ المرأةِ لا يمكن أن يمتلكَ الفصاحة؛ لأن عقلها دون عقل الرجل، وإذا تيسر لها ذلك فإنه يُعزى للرجل «بنت الرجال شاورها، شورها من شور أبوها».
«إن الثقافة النمطية، تحرم الجسد المؤنث من حقه اللغوي/ العقلي، وتحصره في حقلٍ دلالي واحدٍ لا يغادره، ولا يخرجُ عنه إلا إلى متاهاتِ الإقصاء والإلغاء» (2).

•    تمرد الوعي
قبل الحديث عن مجموعة الشاعرة زليخة أبو ريشة لا بدَّ من القول، إن وعي الوهم يخلق وعياً متمرداً، متصادماً مع النسق، ومضاداً له للبحث عن الذات في فضاء اللغة، وبالتالي، فإن قصيدة «كلام منحّى» لا يمكن فهمها بعيداً عن الوعي الذي أنتجها، وبعيداً عن النسق الثقافي الذي أنتج صورة المرأة في اللغة، وقد تجلّى هذا الوعي عند الشاعرة زليخة أبو ريشة التي وجدت في اللغة ذاتِها أداةً لحريتها، ومقاومة حصاراتها وعزلها. وفي هذا السياق يمكن تبرير المقدمة النظرية التي اسُتهلَت بها هذه الورقة، ويمكن فهم «المنهج الثقافي» لقراءة مجموعتها الصادرة العام 2005 عن أمانة عمان الكبرى، بعنوان «كلام منحّى» (3).
ومن المهم التوقف عندَ العنوانِ الذي يحملُ خطاباً فنياً وجمالياً وفكرياً، فقد جاء العنوانُ في كلمتين: مبتدأ، وخبر؛ ليلخّص المتن الكلّي، وينطوي على دلالةٍ مهمةٍ تقوم على مفردتين متكاملتين، الأولى: ابتدائية، عامة، والثانية: استدراكية، خاصة؛ للتركيز على مفهوم الكلام ودلالاته.
فالكلام يرتبط بالشفاهية والخصوصية والقصدية، ويحمل زمنَ قائله، وصفاته، كما أن الشفاهية تتصل بنمط خطاب المجتمع القبلي وسماته التي لم يكن لِينفصل فيها القولُ عن قائله.
ويتصل الكلامُ بالمشاعر الجوانية، والحميمية، والبوح، والعفويةِ، كما يرتبطُ بطريقة الإلقاء التي تميّز قائله في مخارج الصوت بين القوة والضعف، والمد، والقطع، والترخيم، والخفوت، والتلوين، والتنغيم، والتطريب، والسرعة والبطء، والفرح والحزن.
والكلام غالباً ما يقع خارج التدوين، وهو جزء من اللغة التي تنطوي على الإشارة والرموز والإيماءات والعلامات والصمت، ويدلل على القداسة.
أما المنحى المشتق من النَّحو فهو مفردةٌ تقوم على مصدرية لضبط بناء الجملة، والإفصاح عن معناها، وهو رأس اللغة التي تتكون من عددٍ من الأنظمة النحوية والصرفية واللسانية التي تميز بين الفصاحة واللحن، ويقابلها الإفصاحُ لمطابقة الكلام للمعنى.
وفي تجاور المفردتين وتتابعهما دلالة اقتران دائرَتي الذاتي والموضوعي، ذاتية الكلام، وموضوعية النحو، وهي مجاورة تملكيّة يُقصد منها السّيطرة على اللغة، وفي المقابل التّمرد على أنماطها القهرية بإشباعها بكلامها، وذاتها التي تتحول فيها المرأةُ من أداةٍ للتوصيف والتشبيه إلى ذاتٍ منتجةٍ للمعنى، تسهمُ في صنع اللغة بالطريقة التي تعادلُ فيها أنوثتها حضورها الإنساني.

صفحة 3

•    اللغة والنسق الثقافي والشعر
إن الشعرَ، كأداةِ تعبيرٍ، تتصل باللغة، يظلُّ أكثرَ الفنون التي يتجلى فيها الجدلُ حولَ إنتاج المعنى واللغة ذاتها، والكشف عن جوهر الوجود، وفهم مغزى التاريخ وحركته.
وربما هذا ما يفسر ارتباط الشّعر في المجتمع القبلي بالفحولة التي تستمد دلالتها من النص الذكوري، وأن المرأة حتى لو قالت الشعرَ فإنها لا ترتقي إلى فصاحةِ الرجل وفحولتِه، بل إنّ توصيفَ المرأة بالفحولة يجيء من باب التندر والذم وليس من بابِ المدحِ والثناء.

•    سلطة اللغة
ترتبط الفحولةُ في مجتمع الكثرة والإنجاب كقوة لحماية القبيلة. وهو مصطلحٌ يُمْنَحُ من خارج نظام اللغة، إذْ يُستعار من نظام مملكة الحيوان؛ للإعراب عن القوة الجسدية، والإنجابية (الجنسيّة)، ويتصل بنسقٍ يقوم على الثروة التي تميز مكانة الرجال في القبيلة، لتكون اللغة نتاجَ تحالفِ الكثرةِ والثروة التي تدلل على السلطة في المجتمع القبلي (الرعوي) الذي لم تكن الأرضُ (المكان) جزءاً من حسابات الثروة فيه، فيما عُدّت المرأة في مجتمع الكثرة مظهراً من مظاهر الثروة والجاه التي كانت تتحقق عن طريق الملكية بالزواج أو السبي والغنيمة. وبهذا المعنى فإنها لم تكن جديرةً بامتلاكِ القوة - اللغة - وإنما كانت القوة (السلطة) هي التي تمتلكها، وتمارسُ عليها فحولتها رغم ما يجتمع بينهما من صفات التأنيث. وفي المحصلة فإن المرأة لا تقولُ القصيدةَ، وانما هي غرضها.
وفي عنوان المجموعة الشعرية ثمة خروج وتمردٌ على الوعي الذي يصادر حق المرأة في امتلاك لغتها، وإعادة توصيف (الفحولة) من داخل النص (القصيدة)، وليس باستعارتها من أنظمة تقع خارج اللغة. فهي تُذَوّت القصيدة وتظللها بمشاعرها وأحاسيسها وعواطفها الإنسانية كمرادفٍ أنثوي لإنتاج المعنى من خلال مقاربة بين وظيفة الشعر، ومكابدة الإنسان وقلقه الوجودي في بحثه المستمر عن مصيره ومغزى حياته.
«الخطاب الشعري المعاصر أصبح يمثل مركز تصادم الأفكار والتيارات والتجارب، وانتقل النص من بنيته السطحية المباشرة لينقل المعنى إلى نصٍ قابلٍ لجميع التأويلات والمحمولات» (4).
فالشاعرة زليخة أبوريشة تفصح عن جدلٍ يتصل بالذات والكون في تشاكلهما وتصادمهما؛ للكشف عن مأساة الإنسان، التي لا تخلو في جزء كبيرٍ منها من قهر الإنسان للإنسان عبر تقسيماته الوهمية، وأنساقه النمطية التي تأسَّسَ عليها النّسقُ الثقافي الذي أقصى المرأة خارجه كما يقول سيجموند فرويد: إنّ الحضارةَ الإنسانيةَ ليست سوى تراكمِ الكبتِ والتسلطِ على الإنسان، وربما مثل هذا الجدل هو الذي دفع الكثيرَ من النقاد في الغرب إلى النظر للأدب التقليدي (الكلاسيكي) بوصفه سلطةً قهريةً يتأسس عليه الأدب العربي المعاصر الذي يتسم بنزعة مركزيةٍ مشيرين إلى ضرورة الاهتمام بأدب الأقليات والعالم الثالثِ وأدبِ المرأة.
«إن العديدَ من كتب الأدبِ يحسنُ بها أنْ تُسقطَ عدداً من الكلاسيكيات التي كتبها (رجالٌ بيض موتى) ليفسح المكان لإدراج عددٍ من كتبِ النساء والسود وكتّاب العالم الثالث» (5).
ولعلَّ اختيار العنوان «كلام منحّى» هو عودة إلى توصيف اللغة باللغة، وتعريف الأشياء بذاتها؛ لقراءة النصّ بمقدار تَشَبِّعِهِ بالأنوثة، كما يتشبع بالفحولة إذا جاز التوصيف؛ فالقصيدة تجربةٌ إنسانيةٌ تُعرف بإيقاعها ولغتها وصورها وتوترها وجمالياتها، فالشعرُ كما تقول د.سلمى الخضراء الجيوسي يتطور وفقَ أنظمةٍ خاصةٍ به، وبالتالي فإن مقايسة «فصاحة» القصيدة لا تتم باستعارة أنظمةٍ وأنماط تقع خارج سياقاتها.
وتعرف الشاعرة زليخة أبو ريشة الأشياء من خلال ذاتها، لتأنيث اللغة ومنحها ملامحَ جسدها كجزء من بحثها عن الحرية في مواجهة الحصار الذي يحيط بها نتيجة خواء المعنى الذي لا تستطيع فيه المرأةُ معرفة إنْ كانت في اللغة أم خارجها، حاضرة أم غائبة، لتختزل القصيدة رحلة معاناة المرأة بإزاء سلطة اللغة التي كرّسها المجتمع في الشكل والمعنى والمفردة، وربما هذا ما يفسر إصدارها لخمس مجموعات شعرية مقابل كتابٍ واحدٍ حولَ اللغة الجنسوية والجندر:
«كان جسداً
ذلكَ الذي كانَ بين يدي
كان يفيضُ عن جسدٍ واحدٍ ولا يشفُّ إلاّ
عن نعاسٍ وانخطافٍ ملولْ
فوقنا كانَ من موته رششٌ
كان يُقْصي حضورَهُ في الحَواسْ
............
لم نكنْ لعمقِ انشغالنا بطرادِ صرخاتنا في خواء المعاني
نميّز من يفوح
نحن في الزبد
أم تلكَ الحقول؟!
عبثاً يأتي الكلامُ
ولا صمتْ..
لا دموعَ تأتي.. ولا بابَ يمحو كلاماً
............
بياضي يحاصرني
وأنا أستعيدُ لي جسداً ضاعَ في بياضٍ مقفى
وتهيأت أن أسترد يقظته من
غرفة بحرٍ ضمّني
.............
إنني الآن وحدي
خلفي مراحلُ من مفازاتِ نُعمى
وقُدّامي البحرُ يصطادُ أمواجه» (ص13).

صفحة 4

•    إعادة تشكيل اللغة
إن تجاورَ مفردتي العنوان، الذي جاء تاماً في معناه، لم يُشكّلْ حالة من الطمأنينة، بمقدار ما أثارَ من جدلٍ بين الذات والموضوع، وتصادمٍ بين رغبة الحرية وقيودِ الاستبداد، فالعنوانُ يحمل المعنى ونقيضه في آنٍ واحدٍ - الإفصاح، البعد- ينطوي على خصوصيةٍ ذاتيةٍ وشفاهية تعبر عن رؤى فنية وجمالية، وأخرى فكرية متعددة ومتداخلة تقترب من منطقة الالتباس الذي يوحي به غموض الفضاءات الجديدة.
«البنية اللغوية التي تتسم بالاحتمالية والتعدد (...) تسمح للنصوص الأخرى والأصوات بالنفوذ إلى الداخل، كما يتقدمُ فيها المدخل (المبتدى) والمنتهى»(6).
 ومن هنا فإن العنوانَ لم يقصدْ منه أن يكون علامة لإغواء القارئ فحسب، وإنما دليل لكيفية قراءة النص أو القصيدة التي تنطوي على عددٍ من الخطابات التي تصدر عن الذاكرة (التاريخ)، العقل (الفلسفة)، الخيال (الفن) التي تنصهر فيها اللغة والأنثى والطبيعة كمرادفات للنص الغائب، أو الذي تم تغييبه، وإنتاج وعي يتمرد على الذكورة التي اغتصبت الذاكرة والتاريخ والفن، وليس من المصادفة أن ترتبط المحاولات التجديدية الأولى في القصيدة العربية (التقليدية) بالشاعرة (المرأة) نازك الملائكة انطلاقاً من موضوع اللغة، ثم الشكل، وتزامن ذلك مع حراك اجتماعي وثقافي يتصل بالانفتاح على الأدب الغربي، وبروز قضايا الحرية والتطور التكنولوجي وظهور قضية المرأة، والتيارات الفكرية الحديثة التي عكست ظلالها على الأدب.
وبدا من الواضح أن القصيدة الحديثة قد تخففت من قيود القصيدة التقليدية بالمقدار الذي تزحزح فيه المجتمع التقليدي (القبلي) نتيجة اتساع التعليم والعمل وتطوّر وسائل الاتصال والتشريعات، والتيارات الفكرية، ولم يغيّر التحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع (الحداثي) واقعَ المرأةِ، بل عملتْ دينامياتُ السوق وقوانينه، والنزعاتُ الاستهلاكية على تعميق أزمتها التي جعلت من جسدها مجرد صورة وهمية تتناقلها وسائل الإعلام للترويج الاستهلاكي، وتضعها حسب تعبير «جان بودريا» في (صحراء اللامعنى)، وأعادت إنتاج العلاقات السابقة التي أبقت المرأة خارج اللغة.
والواقع أن الشاعرة نازك الملائكة في التفاتها إلى جمود اللغة كانت مسّت العتبةَ الأولى للإحساس بالمأزقِ الذي يحاصرُ الإنسانَ وهواجسَه الوجودية، وكانت العودة إلى الأسطورة والرمز في شعر الرواد ونصوصهم بمثابة استدراكات، لا وعيَ الذاكرةِ لاستحضار الصور الغائبة أو المغيبة تاريخياً. وعمل هذا الاستدراك على إنتقال القصيدة إلى فضاءاتٍ جديدةٍ تهمل الغرضية التي ولدتها شروط الفضاء المفتوح (اللامكان) وإيقاعاته ومفرداته إلى جوانيات الإنسان.
ومهدت قصيدة الشعر الحر والتيارات النقدية والفكرية، البنيوية والتفكيكية إلى بروز قصيدة النثر التي انتفضتْ على سلطة اللغة وتمثلاتها الاستبدادية في الأدب، وأضفت على الشعر خفوتاً وإيقاعاً جوانياً، وأنماطاً توالديّةً تتصل بالسرد الذي يعيد إلى المرأة ريادتها التاريخية، ويقرب اللغة من صفة الطبيعة وخصوبتها، التي تمثلت تاريخياً في (المرأة الإلهة)، وعمل استدخال السرد في القصيدة على نزع الصورة التميّزية التي تضفي على الشعر صفةَ الفحولة؛ لتغدو القصيدة مختبراً لإطفاء السيطرة الذكورية على الشعر، ووسيلة لتطوير اللغة من خلال انسراب المفردة الأنثوية إلى القاموس الشعري واللغوي، فالشعر كما يقول أدونيس ليس مجرد إيقاعات وشكل؛ وإنما هو إعادة في تشكيل اللغة.
ومن هنا فإن قراءة نصوص زليخة أبو ريشة ينبغي أن ينظر إليها وفقَ هذا التيار الفكري والفلسفي والنقدي الذي يقوم على ثلاثة أضلاع تُزاوِجُ بين المرأة والطبيعة والفن في تصادماتها وجدلها مع النسق الثقافي بالمعنى العام.
 «يتجلى المأزق اللغوي للعربية في أنه تمظهرٌ للمأزق الثقافي الذي يُقصي المرأة ويغيّبها» (7).
فهي تؤسس نصوصها على خطابٍ معرفي تجتهد في دراسته والتنظير حوله من خلال مؤلفاتها وبحوثها ودراستها الاكاديمية، وتسعى إلى تفكيك اللغة الذكورية التي تقصي الوجود الانساني للمرأة، وتختزل وجودَها في جسدِها ضمن أبعادٍ غرضيةٍ ودلالية. وتنطلق زليخة أبو ريشة من وعي وجودي لوَحدة الكون الذي يحافظ على توازن الأشياء. وهي وحدة تقوم على جدل الاختلاف والتمايز وليس التمييز، فالتمايز هو حضور ذاتي من خلال الفعل الإنساني الذي يحقق تكامل الوجود وجماله، ويتمثل في القادم الذي يحمل الحرية ويعيد العلاقة المتكافئة بين الذكورة والأنوثة:
«أيها الّليلكُ الذي لم يعدْ يصبُّ على مرتفعات الكلامْ
أيها المضادُّ المعادُ المرجّى لحملقة البرق
وجرح الهيولي، وفوضى منابت رضوى
تنمر زهر السنونو وضحكة ريش العشابا
وفجر إذا ضلَّ.. ضَلَّ الصّباح
إلى حين يأتي صباحُ الكلامْ
أيها الّليلكُ المتصف بسرسبة الوجد..
أيها الّليلكُ
اختلفْ» (ص18).
 

صفحة 5

•    اللغة «الموؤودة»
تشكل القصيدة أداةً للبحث في جوهر الوجود، ومختبراً لغوياً للإفصاح عن كينونة الإنسان وهمومه وأمنياته، وغموض الكون وأسراره. وحلماً يعيد اقتراح العالم في صورة جديدة تطمئن الروح.
وتحاول الشاعرة زليخة ابو ريشة في مجموعتها «كلام منحّى» اكتشافَ كينونتها عبر استعادة لغتها المسروقة و«الموؤودة» بسبب انحيازات النحاة، الذين ردّوا أصل كلِّ فعل إلى المذكر. «إذا كان هناك من تحيزٍ، فإنه ربما لا يعود إلى اللغة، بقدر ما يعود إلى الثقافة النحوية التي من المحتمل أن تكون مالت إلى الذكورة» (8).
وكانت القصيدة في وظيفتها الفنية والجمالية ضرورة حياتية بالنسبة للمرأة لإثبات ذاتها من خلال امتلاكها للغة، وهي ملْكية ليست قهرية أو تسلطية، وإنما تصالحية تقوم على تعزيز العلاقة بين اللغة والمرأة اللتين تقعان في دائرة الأنوثة. «النص يعدّ أحد الفضاءات التوليدية والتحويلية للجسد»(9).
على أن الشاعرة زليخة أبو ريشة لا تريد اجتراح لغة جديدة، وإنما تسعى إلى وقف استبداد اللغة التي صنعها النسق الثقافي، وبنيته التقليدية. وتريد أن تعيدَ العلاقة الحميمة بين مفرداتِ الطبيعة والقصيدة بإطلاق طاقة اللغة الاحتياطية (المغيبة) والمسكوت عنها، والمساهمة في إنتاج إبداع ينحاز إلى الحرية والجمال والإنسان، ويقف ضد الظلم والقهر الذي طاول تاريخ المرأة وأقصاها عن الفعل الإبداعي.
«إن طريق المرأة إلى موقع لغوي إبداعي، لن يكون إلاّ عبر المحاولة الواعية نحو تأسيس قيمة إبداعية للأنوثة» (10).
وتقارب الشاعرة بين جوانيات المرأة ومظاهر الطبيعة وفق قراءة معرفيةٍ واعيةٍ للفكر الإنساني الذي كانت المرأة في مراحله التاريخية القديمة تحظى بالقداسة وتسعى إلى استعادة القيم التي تأسست عليها جماليات أنثوية العالم قبل أن يصيبها الخرابُ، وتتميّز عناوين القصائد بحساسية سورياليّة صادمة، تهشّم الواقع، وتترك اثراً منه معلقاً في الفضاء الواسع، أو في الزوايا التي تخنقها الوحدة، وتترك الأشياءَ تتحدثُ عن ذاتها بذاتها، كما الصوفي الذي يتماهى مع الكون ليقول صوته وصمته بلغة جوانية تنطوي على غموضٍ وكشف يصدران عن لغة سرية، أو لغة تحمل أسرارَ معرفةٍ متجليةٍ تطمئن الروح إزاء قلق الوجود ولا يقينيته.
وتقترح الشاعرة عناوينَ القصائد بلغةٍ فانتازية تقع في منطقة الحلم الذي يتراءى بالرمز ويعود في اشارات لغوية تمجّد ثلاثية الحياة:
«حال المثلث يعلو فيه الكلام»، «حال الذي يطفو في الضياء»، «بحر يصطاد موجه»، «فنجان يفيض عن ذاته»، وهي عناوين تنطوي على مغامرات تنفذ إلى أعماق النفس وتجعل من اللغة حاملةً لنوعين متناقضين من الوعي: النمطي، والمعرفي، قابلين لتفجير فكرة التجديد والاختلاف. وتكمن في اجتماع أضلاع المثلث الذي يشكل بؤرة النص وفكرته ودلالات الحياة والثورة والقداسة، كما أنه يدل على القلق والقوة اللذين يتصلان بالنفس الإنسانية وهواجسها.
وتشكل المرأة، والطبيعة والقصيدة مثلثاً متساوي الأضلاع في اختزاله لكينونة الوجود الانساني، وتشابه دورات الحياة في الخصب، والتوالد، والموت، وبالمقدار الذي يعبر فيه المثلث عن الفعل المادي فهو يشير إلى البعد الروحي الذي يجتمع فيه المعنى الكلي للوجود الذي يمنح الحياة حركتها وسكونها وطعمها ولونها، ويفيض على الأشياء لغتها واكتمالها وتواصلها في الكلام.
وقد قاربت الشاعرة من خلال هندسة الطبيعة صورة العلاقة بين المرأة واللغة؛ لإعادة واقع العلاقة المتكافئة بين الذكورة والأنوثة. «التي تضع الشخصية الأنثوية في مواجهة الأشياء، ومواجهة العالم، ومواجهة شريكها الرجل في علاقة حميمة تلخّص وعيَها في الحياة» (11).
ومن المهم القول، إن اللغة – ككائن حيّ- لا تعبر عن الوجود فحسب، وإنما هي الوجود ذاته، كما يقول الفارابي: (اللغة مثوى الوجود)، وإن هذا الوجود لا يمكن أن يتحقق إلاّ مجسداً؛ فالمكان والإنسان والأشياء يتم التعرف إليها حسياً، لتتحول بعد ذلك من لغة الجسد إلى جسدِ اللغة بصفاتِ الطبيعة التي تقترحها، وتمنح الإنسان وضوحه، وتفيض عليه بالمعاني:
«هي ذي عتبة البيت
مفتتح الكلام
...
...
...
المثلث غضبان
مدّ يديك اتضح
وخذْ حليبَ عروقي ودوّر كلامي إليك
...
أقول له،
هذا عصيرٌ التقى والفجور
...
المثلثُ ملآن
إليك الملاذ الذي إليه
يكون الملاذُ» (ص 25).
 

صفحة 6

•    الطبيعة واللغة
بين الطبيعة واللغة تشابهٌ كبيرٌ يصل حدَّ التماهي؛ فاللغة هي استعارة لأصوات الطبيعة وحركتها وسكونها ومزاجها، ولا يتوقف هذا التشابه عند التمثلات المباشرة، وإنما يذهب إلى الدلالات والرموز والإشارات التي تستعير من الطبيعة فكرة الخصب والتوالد والمخاض والخلود والسكون والحركة، فالكلام ليس مجرد ألفاظ متجاورة، وإنما هو أفكارٌ متوالدة تسبقها حالةٌ من المخاض، المعاناة التي تولد المفردات وتستنبتها في أرضٍ خصبة وفضاء رحبٍ، قابلٍ للحركة والخلود.
ومع التقارب بين صفتي الطبيعة واللغة (الأنثوية) فإن الكثيرَ من المفردات العربية تعود في جذورها إلى الطبيعة الحسية وصفاتها وجمالها، مثل: الكلمة، القصيدة، الحكمة، الشفقة، الحياة، الوردة، الزهرة، الحرية، السماء، الغيمة، الأغنية، الجنة، الحمولة، العشيرة، الرحمة،..، وتحاول الشاعرةُ استعادة التواصل مع الطبيعة من خلال استعارة مفرداتها لتوحيد الدال والمدلول في المعنى واللفظ، والصورة، التي تشكل مثلثاً متطابقاً بين صور المرأة الطبيعة، واللغة، وتعبّر عن نفسها بمتخيلات متنوعة عبر اللغة الصوفية، واللوحة السوريالية، والمفردة الأسطورية.

•    الصوفية
تقوم الصوفية على حسٍ روحاني يمجد الطبيعةَ؛ لإيمانه أنها مُعلّمُهُ الأول، يختلي بها متأملاً لتحقيق طمأنينة الروح، فهي سبيله للمعرفة والحقيقة والحرية، ووسيلته لإطفاء نزعة الشر من خلال المكان الذي يقول عنه ابن عربي: «كل مكان لا يؤنّث لا يعوّل عليه».
وهي فلسفة تسعى إلى الاندماج مع المكان (الطبيعة)؛ كفضاء للوحدة الكونية التي يرى الصوفي أنه جزء منها، وهي جزء منه. ولأن الصوفية هي تجربة ذاتية؛ فإن مفرداتها تظل أقرب إلى الأسرار الذاتية التي تهيم في برزخ بين الروح والجسد، واليقين واللايقين، والغموض والانكشاف، وهذا الهيام هو الذي يحقق الطمأنينة الروحية التي تغسل أدران القلق الذي يعيشه الإنسان في هذا العالم بعد أن يكشف أسراره وجوهره، ويغرق في فتنته وضوئه الكوني؛ فالشاعرةُ تحوّل الأشياء إلى لغةٍ مموهةٍ، رمزيةٍ، تخالف السائدَ، تشي بالوجود ولا تحدده، وتسعى إليه، لتثري ذاتها التي تثري ذات الآخر كما يقول ابن عربي: «الأنثى هي الآخر الذي يعرفنا بذواتنا، ونعي ذواتنا المختبئة عنا من خلاله؛ فالمرأة والمرآة والرؤية والرؤيا تصدر عن جذر واحد يعكس وجودنا».
«انسحرت ولم أعِ الوقتَ
ولم أكُ أسمّيه
ولم أحدده يوماً ليبقى
لأني علمتُ تماماً
بأن رحيلَ التفاصيلِ
ضوْء يشحّ.. ويغسلُ وهمَ التفاصيل
.........
من شواطئها أفضي إليها
ولعلي لا أفضي إلاّ إلى رحلتي
وقيام النهار تائباً
أن يلقي على جبهتي
تعبه» (ص13).

•    السوريالية
إنَّ ما يميّز السوريالية هو الحلم وغموضه ورمزيته، وأحيانا غلالة الحزن التي تلفه؛ فالسوريالية تستمد صورها من اللاشعور، والعقل الباطن، تمنح الأشياء مشاعر الإنسان وهواجسه، وتعيد صورته في مظاهر الطبيعة وحالاتها؛ لتكون اللغة تعبيراً رمزياً عن التصادم بين الوعي واللاوعي، والمرئي واللامرئي، كتعبير عن المأزق الذي وصل إليه الإنسان نتيجة القهر والتسلّط، إذْ خلقت معاناته ومأساته ووحدته الوجودية، فهي لا تعيد إنتاج العالم، وإنما أيضا تعيد توصيف العلاقة بين الأشياء التي تتمارى في الواقع من خلال الحلم الممزق، والصور التي تستعيدها في اللاشعور التي تجعل من اللغة أشبه بلوحات «سلفادور دالي» التي تصور حطام الطبيعة في فضاء مليء بالجمال المتخيل، وإذا كانت اللغةُ الصوفية تنهل صورها من الفلسفة (العقل)، فإن السوريالية تستعير لوحاتها من الخيال (الفن، الشعر)؛ لتحطيم الأطر المألوفة التي تفتّتُ ذاكرةَ الإنسانِ، وتعيدها بشكلٍ طازجٍ يغمرُ الوجود بالحلم:
«كنت أنحني على الجمعة
أبحث في صرتها عن ذكرٍ واحدٍ
لم يكُ من قبلُ
وما مرّ في الحواس التي تسمّرت على الشجر المنحني
كنت أغمض عيني.. استأنسُ بالظل داخل جفني
أستحمُّ بقول تدفق من قلة الفودكا
وفاضَ وأغرقَ غابات حلمي
ونحّى كلامي» (ص35).
 

•    الأسطورة
إن الأسطورة من أكثر أشكال التعبير اتصالاً بالطبيعة إزاء الأحداث والظواهر الغيبية والكوابيس التي تتهدد الروح؛ فهي نسقٌ معرفي يسعى إلى تحقيق حالةٍ من التوازن بين الإنسان ومظاهر الكون، وخصوصاً التي لم يستطع تفسيرها أو السيطرة عليها، ويمتزج في الأسطورة الحلم والمنطق والمشاعر والسحر والخرافة.
 وكما يقول «رولان بارت»: فهي «نوعٌ من الكلام الذي يتصل بالدال والمدلول والعلامة، ينتقل من الواقع إلى المعنى الكامن في الحلم، وهي نظامٌ مزدوجٌ يحدث فيه نوعٌ من كلية الوجود الذي تجتمع فيه الفكرة ومعناها وصورتها» (12).
وهي بالميزة هذه، فقد أشبعت اللغة بالمعنى الكلي الذي يتضمن الحلمَ والواقعَ، وقللت الفروق بين صورة الطبيعة وملامح الكائن ضمن مفرداتٍ تنطوي على البوح الذي يمثُل داخل الإنسان بما تعلنه الطبيعة ببساطة، وبما تتشكل عليه الطبيعة من تعددٍ وتنوعٍ واختلافٍ يتشابه مع جسدِ المرأة وجغرافيته. وكما يقول الناقد صبحي حديدي في ترجمته لكتاب «الأسطورة والمعنى» لكلود ستراوش: «إن الأسطورة لا تُقرأ سطراً بعد سطر، أو من اليمين إلى اليسار، وإنما تدرَك بكلياتها كما الموسيقى، وهو مثال يمكن أن يقرب دوافع ذهاب المرأة إلى الأسطورة، كمبررات استعادية للذاكرة، والتماهي مع الطبيعة في كلياتها»:
«هنا التموز خالعاً إزاره
وبعض ما يقول الحجر المسود من تبجح العلى
.........
تمشي التلالُ نحو فهرس التلال
كي تقرأ الأوصاف.. كي تكونها
لكن ما يشوقني في لحظةٍ الشمس هذه
لحظة الخريف عارياً في ثوبه القديم
لكن ما يشوقني في لحظة الجدوى
ولحظة التزامن الطرية
وجهُ من أحب
فقط» (ص52).

صفحة 7

•    لعبة الأضلاع
إن لعبة الأضلاع الثلاثة في النسق العام الذي يحكم رؤية الشاعرة، ليست مجرد لعبةٍ لفظيةٍ أو احتيالٍ على الهندسة وقياساتها وأبعادِها السيمترية؛ وإنما هي رؤية تتصل بالشكل (الفيثاغورسي) الذي يعدّ فلسفة لرؤية الكون. وهي مسألة تفصح عن نظرتها إلى سيرورة الوجود، وكينونة الانسان، وتصادمات الذات والموضوع والماضي والحاضر، للتعبير عن موقفٍ كلي من العالم، حيثُ تجلّى هذا الموقف معرفياً على مثلثٍ يتكون من: الذاكرة (التاريخ)، العقل (الفلسفة)، الخيال (الفن) وتفرعاتها التي وجدت مقابلاتها في الشكل الهرمي الذي يتكون من الصوفية، السوريالية، والأسطورة كأدوات للتعبير عن ذاتها، لتشكل المجموعة الشعرية سلسلةً من المرايا المثلثة أو متوالية تتجاور فيها الفنية والجمالية والتعبيرية.
ومن المؤكد أن مثل هذه البناءات لا تخلو من التعقيد والغموض والتجريد الذي يتصل بخصوصية التجربة، وتعدد الخطابات المعرفية التي عملت أيضا على إثراء التجربة.
وتمثلت التقابلات بين الذاكرة (التاريخ) في الأسطورة كنصٍ «لازماني»، يسبق التقسيمات الاجتماعية وتطور الكتابة التي تمتاز تاريخياً بالشفاهية، وكانت المرأة فيها مؤلفة النص.
أما العقلُ الذي تم تصنيف الفلسفة في دائرته، فهو يقابل الصوفية التي تشكل منهجاً معرفياً خاصاً يتصل بتأمل الطبيعة، ويتمثل لغتها ويتماها مع عناصرها، ويوازن بين العقلِ والروحِ والجسد.
وعبرت السوريالية كأحد أضلاع المثلث عن مغزى تطور تاريخ الفن إزاء مصير الإنسان في بحثه عن الحرية وتمرده ضد أشكال القهر والاستبداد والإقصاء والنفي، وكشفت كأسلوب تعبيري صوريّ (نسبة إلى الصورة) عن حقيقة المعنى الذي يتكون من الدال والمدلول والدلالة السيميائيّة التي تعبر عن ذاتها بلغتها.
وبالتالي فقد أعادت الشاعرة- في تجربتها الخاصة التي تقوم على المثلث- لغتها التي تفيض بالروح الانثوية؛ إذْ تستعيدُ عناصرها في النص من خلال صفات الطبيعة بصدى صوت (إيزيس) بوصفها «أم الأشياء، وسيدة العناصر، وبادئة العالم (**).
وتثري الشاعرة زليخة أبو ريشة قصيدتها بالتفاصيل؛ إذْ تقترب من لغة النثر، التي ترتبط بتاريخ (الساردة الأولى)، وتنماز بالتوالد الذي يقوم على إنشاء جملة لا متجانسة، تنتمي إلى كل الفنون التي تحررها من نمطية الشكل الواحد، لتأكيد (وحدة المتعدد، وتعدد الواحد).
وتستحضر الشاعرة صوت الطبيعة في تنوعها وغناها، وخفوتها وحركتها وصراعها للكشف عن (صوت الأنوثة الغائب) الذي يقوم على تماريات الأرض/ الأم/ المرأة ووظائفها وصفاتها وتشابكاتها الرحميّة، التي تُضفي على النصوص مسحةً من الحزن الوجودي الشفيف، وتعكس أصداء رحلة الإنسان ومصيره في انفصالاته المتتالية منذ الولادة وحتى الموت، ورحلة المرأة التي عانت من الإقصاء والنفي والوحدة، وعبّرت عنها بلغةٍ طقوسيةٍ حزينة:
«يا لقوت القلوب! تفتت
من لي بملاط يشد نثيرات روحي؟
انفضحت.. فمن لي بسردابِ حب إليه؟
ومن لي إليه؟» (ص24).
 

•    لغة الجسد.. جسد اللغة
إن معرفتنا بالوجود وعلاقتنا به تتم وفق انساقٍ معرفيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ يصوغها المجتمع وقوانينه، وأنماط حياته التي تختلف من مجتمع إلى آخرَ، ومن حضارةٍ إلى أخرى.
«لا يمكن فهم اللغة، وقوانين تطورها بمعزل عن حركة المجتمع الناطق بها في الزمان والمكان المعنيين، لأن فيها من الإنسان فكرَه، وطرائقه الذهنية، وفيها من العالم الخارجي تنوعه وألوانه» (13).
وبالتالي، فإن اللغة تشكل سلطةً اجتماعيةً تعبّر عن وعي لمكونات النسق وعلاقاته الإنتاجية، وتعبّر عن الوعاء الذي توضع فيه لمصلحة «الفئات والطبقات التي تستعملها». (14).
وإذا كان المجتمعُ القبلي (الكثرة والثروة) صبغ اللغة بقوانينه التي أقصت المرأة ووضعتها ضمن نظامٍ مجردٍ لمصلحة اللفظ، لتكون المرأة موضوعاً وليس ذاتاً، وطبيعة صامتة، ومفعولاً بها، ومضافاً اليه - بلغة النحاة – ما عطل مشاعرها وعقلها وحصرها فيما يمكن تسميته باللغة الخرساء التي تتمثل في: الإيماءات، الصمت، الحزن، الرقص،...، فالمجتمعات الحديثة التي تتسم بالتحولات الفكرية والتكنولوجية التي ميزت الحضارة المعاصرة لم تخلُ من الأزمات اللغوية التي انبثقت في المراحل القبلية والحقب اللاهوتية، وكانت مخلصة لإرثها الثقافي.
«فالمشاكل اللغوية والميتافيزيقية - المعاصرة التي تمتد من العصور الوسطى - التي انبثقت عن المشاكل الدينية واللاهوتية هي التي برزت وما تزال قائمة» (15).
وفي ديوان «كلام منحّى» تفكك الشاعرة سطوةَ المؤسسة الثقافية باستعادة لغة الأشياء، والكائنات. كما تتجسدُ في الطبيعة، وتنسج لغة الجسدِ مع جسدِ اللغة لتشكل لوحةً واحدةً من ثلاثة أضلاع هي: المرأة، الطبيعة، (اللغة-القصيدة)، عبر صورة شعرية إبداعية يتحول فيها العالم إلى جزء من الكائن، والإنسان إلى جزء من الطبيعة، وتجعل اللغة حاملة لمعانٍ ودلالات أبدية «تجمع بين الإدراك الحسي، والرؤية العقلية، والبعد الجمالي» التي تتطابق فيها الذات مع الموضوع في حركته وسكونه ولغته، وتغدو حركة الطبيعة متحررة من الأنساق التي أخفت جمال «المثلث» وصوته وملامحه التي تبحث عن نافذةِ الروح ولحظةِ الحبِّ الأبدي».
«ويا غرامي الذي أسرفت كي أعرف
فعرفت مملكتي
الدائم المشتاق. الدائم المشهود المحقق في الوتين
تنثره ورود الشهوة الأولى
جسداً من الأسرار
مرئياً ومخفياً
وحمّى» (ص88).
وتعيد الشاعرة من خلال نصوصها تشكيل اللغة باللغة ذاتها التي تستعديها من مناطق مسروقة/ مغتصبة/ ولغة مستعارة من الروحانية الصوفية اللاتمييزية التي تجعل من الأنوثة مضارعة للثورة:
«المثلث ريحان
وشعشع الشوق في بيت روحي
وروحي تجن» (ص23).
وتنهل الشاعرة، في تجلياتها التي لا تخلو من خذلان الرحلة الطويلة مع اللغة، من صور الطبيعة في تصادماتها للتعبير عن وحدة الاختلاف التي يتوحد فيها الباطن والظاهر والمرأة، واللغة والطبيعة في جسد اللغة بالمعنى الإنساني والجمالي. وتواصل بحثها عن الحقيقة:
«يا فاتح الشتاء! زدْ عليّ الماء والبكاء. لوعة التارنج!
شهقة الفيروز وقهقهات الريح.
مرتجف اليقين، قرقعات الصمت في اللغات
.........
وهات حفنة من الرضا
وحفنة من الغضب
وحفنة من السراب
وزدْ على ما تريد
ما زلت أنك الموعد
الذي أشتهيه
كما السكينُ في الوريد» (ص64).

صفحة 8

«فرق التوقيت» لمحمود الريماوي..
اللحظة القصصية إذ تسبر النفس الإنسانية

 

تقوم غالبيةُ نصوصِ مجموعة «فرق التوقيت» للقاص محمود الريماوي على تحويل الحادثة/ الواقعة العادية إلى واقعةٍ حكائيةٍ/ نصٍ، باللعب على مفارقة الزمن، وبمقاربة اللحظة الحقيقية/ الواقعية العابرة كلحظة إنسانية تسبر غور النفس الإنسانية في الوجود الذي يضجّ بالحيوات المتناقضة.
فالسردُ هو زمنُ الرواية والقص والسينما، والدراما هي فنونٌ زمنيةٌ، ووعي الزمن هو إدراكٌ للكونِ والحياة وتمثلاتِها وشكل إيقاعها، وهو تعبيرٌ عن موقفٍ من الوجود، الذي ينطوي على سرّ «الزمن»، الذي ازداد تعقيده في العصر الراهن بعد اكتشاف النظرية النسبية التي كان لها تأثيراتٌ على اتجاهات العلوم والفنون والآداب.
«والزمن في الرواية هو تعبير عن رؤيا تجاه الكون والحياة والإنسان» كما تقول د.مها حسن القصراوي.
القاص الريماوي في مجموعته القصصية «فرق التوقيت»، يعيد إنتاج اللحظة التي لا تصدر عن التفاتةٍ عرضيةٍ، بل تشفّ عن يقظةٍ وتفكرٍّ وعينٍ ناقدةٍ وإحساسٍ بتغير الزمن الذي اختاره عنواناً للمجموعة التي تحيل إلى فكرة التناقض بين الزمن الحقيقي والوهمي، الواقع والحلم، اليقظة والنوم، وهي إحالة ترتكز على الشعور بالقلق والاضطراب الذي يعانيه الإنسان المعاصر نتيجة تقلّب الوقت الذي يمثّل معياراً افتراضياً للتقدم أو التأخر، والشباب والكهولة، والنكوص والتراجع أو الانتقال من حال إلى حال مختلف.
الزمن في كل مستوياته، يَعُدّهُ القاصّ ركيزة أساسيّةً في تحولات الأحداث، وتطورها، ونمو الشخصيات والأحداث، وهو كما يقول الروائي جمال ناجي: «يعد أساساً لا تستقيم الأحداث والتحولات من دون توظيفه بمنهجية عقلية يلجأ الروائي إليها بوعي أو بلا وعي، لكنها تظل لازمةً وملازمةً لكل عبارة يكتبها، وإن فقدانَ الأحداثِ للضوابط الزمنيةِ يفضي إلى تهتّك الحكاية، وإلى انفلاتِ الأحداث، ووقوعِها في الفوضى، وفقدان الكاتب لزمام السيطرة على مجريات روايته.
ليس من باب التوكيد أن يُعَدّ الزمنُ المعمارَ الأساس في الرواية؛ ولكننا لا نتحدث عن الزمن في السرد أو الرواية أو القص ومساراته وخطوطه، بل نتحدث عن الزمن كموضوعٍ للقص، الزمن كبطل للنص، يبرز من خلال حضوره الطاغي، ويختلط مع الأحاسيس والمشاعر التي يمكن تقسيمها بحسب علم النفس إلى ثلاثة أبعاد:
-    الزمن السيكولوجي النفسي، هو: الزمن الذي يقاس وفق الحال النفسية للفرد؛ فالانتظار والمرض واللحظات الحزينة تُوْقِفُ الزمن وتعطّله، وتلقي بظلالها الثقيلة عليه، ويشعر معها المنتظر أن الدقائق تتحول إلى الساعات.
-    الزمن البيولوجي الحيوي، هو: زمن يتصل بالساعة البيولوجية للكائن، التي يختل إيقاعُها بتغيير المكان، وخصوصاً في حالات السفر.
-    الزمن الفيزيائي، هو: الزمن المعياري الستيني.
وهناك أزمان أخرى تتصل بالزمن الروائي، ومنها: زمنُ الحكاية والروي والتلقي، وما بينهما من اختلافات وجل وصراع.
في المجموعة القصصية، «فرق التوقيت»، تختلط الأزمان، ولم تعد متعينة بحدود الماضي أو الحاضر أو المستقبل، بل تنمحي بينها الفواصل؛ لأن الذاكرة التي تحتفظ بعلامات الحدود قد أصابها التشويش، ولم يتعطل الزمنُ، لكنه فقد وظيفتَه البنائية التي تقوم على التتابعي أو التداخلي الجدلي، أو المتشظي، وغدا الزمن دائرياً تلتقي فيه لحظة النهاية والبداية، وهي اللحظة/ اللحظات التي تصوغ في تقاطعاتها وتشابكاتها طبيعةَ الحياةِ التي تشبه حزامَ الركضِ الدوار، إذْ يواصل الكائنُ الركضَ، والركضَ دون مغادرة المكان، وتشبه ما يمر أمام ناظرَي الإنسان من أشرطةٍ سينمائية تحمل صيدَ اليوم/ الأيام.
يقول الناقد والقاص إياد ع. نصار: إنّ الريماوي «يكتب القصةَ بشهيةٍ كبيرة»، وفي عالمه القصصي المتنوع تبرز المسحة التأملية، والنزعة الفلسفية الأخلاقية التي تعيد اكتشاف تجارب الحياة المختلفة، ويومياتها «المأساوية» التي تنتهي بالخيبة»، لكن الأمر لا يتوقف عند الوقائع المأساوية والأحداث غير السارة، وإن الحياة، ذاتها، لَتنطوي على «طبيعةٍ» مأساويةٍ، كما يقول عالم النفس النمساوي «سيجموند فرويد»: «سلسلة من الانفصالات المتتالية التي تصنع المآسي التي تبدأ بوجع الولادة وتنتهي بالموت».
القصص عند محمود الريماوي، الذي صدر له في القص نحو عشر مجموعات منها: «الجرح الشمالي»، «كوكب تفاح وأملاح»، «ضرب بطيء على طبل صغير»، «غرباء»، «القطار»، «شمل العائلة»؛ وفي الرواية: «مَن يؤنِس السيدة» و«حلم حقيقي» - تحاولُ رسمَ الزمن عبر مشهديات وصورٍ أو مدوناتٍ يومية، لا تمثل سيرةً ذاتيةً، بل تأخذُ شكلَ الخواطر والمدوناتِ لحال الكائن في يومِه منذ الصباح إلى المساء بتداعيات الأمس وأمنياتِ الغد، لتبدو النصوصُ أقربَ ما يكون إلى القصة الإخبارية التي خبِرَها الكاتب بحكم اشتغاله في الصحافة العربية لزمنٍ طويل.
وهي خواطر تعيد الزمن وفقَ النظرة الدائرية إلى زمنٍ «صفري»، يقع بين «العبث»، واللاجدوى، وأحياناً الرغبة في استهلاك الزمن ذاته، بالسخرية منه.

صفحة 9

•    الموضوع والشكل
عبر الكاتب خلال نصوصه القصصية عن ذلك الزمن الصفري «المنهوب» بجملٍ قصيرةٍ مختزلةٍ تكثّفُ الفكرةَ وتضارعُ موضوعَها وشكلَها، ففي زمن السرعة لم يعد المتلقي يملكُ بذخ فائض الزمن، وكأنه يريد أن يتخفف من الوقت أو يلحقه بسرعة إيقاعه، عبر التخفف من الثرثرة والميل للخطاب بلسان المتكلم عن نوعٍ من الملل الذي يعانيه الكائنُ، معبراً عن ذلك أحياناً بالسخرية السوداء وأحياناً أخرى بخفة الظل التي تقتضيها المفارقة التي تبرز نتيجة جدل الزمن وتناقض اللحظة.
وتنحصر غالبية قصص المجموعة في جلسة بمقهى، أو غرفة، يكون فيها البطلُ مع نفسِه، متأملاً سلوكَ فراشةٍ أو عصفورٍ أو قطةٍ، أو طلبة المدارس الصغار، وهو لا يتحدث عن زمن مشاهداته، وليس من حدثٍ سوى ما يقع في رأس البطل الذي تكون معه المشاهدة ذريعة للقص، وذريعة لاستعادة ما يقع في الذاكرة التي تنتبه بالمثير/ المشاهدة والواقعة التي تفضي إلى حيرة الشخصية مما يرى أو يحلم «لا فرق»، فالزمن يختلط بين الوهم والحقيقة.

•    الشخوص
يختار شخوصه القصصية من المحيط القريب له ممن صادفهم في الشارع أو المقهى، أو ما تداولته الأخبار الصحفية، ولكنه يعيدهم ضمن نماذج تضج بالحياة، وهي شخوص في الغالب «هامشية»، تمتاز بالطرافة والحيوية، ويركز الكاتب على المشهد أو الموقف أكثر مما يصرف عنايته باللغة الشعرية، وهو خيار يتناسب مع طبيعة الشخوص، وينطلق من فكرة الاختزال ولغة الصحافة التي تقوم على الوضوح والحياد والموضوعية، ويقارب القاص بين الأشياء وممالك الحيوان والنبات؛ ما يضفي على الأشياء سمة «الأنسنة» التي تطفئ صلابة العصر، وجفاف علاقتة بتأثير التكنولوجيا والعولمة.
يصف الناقد «نصار» قصصَ الريماوي، بأنها: «عوالمُ ملونةٌ واسعةٌ تمتد إلى آفاقٍ تعجّ بالبشر وأجواء الموسيقى والشعر والصحافة والأشجار والأسفار والبحر والطيور والحيواناتِ التي يستنطقها، ويراقبُ حركاتهَا وسكناتهَا ويتعلمُ منها، ويكتشفُ فيها ما لا تراه سوى عينِ القاص المتأملةِ بنظراتٍ فلسفيةٍ نفسيةٍ عميقةٍ».
في مجموعة «فرق التوقيت» التي تحتوي خمسَ عشرة قصة، منها: «فوق ما تتصور»، «حانة الديك الأحمر» و«فرق التوقيت»، يستدعي القاص الريماوي المشهدَ بعينِ المراقب، وأدوات القاص، ووعي القارئ والناقدِ في آنٍ معاً، ويعيدُ تركيبَ الأحداثِ بخبرة الحكّاء/ السارد، ليس لإدانة الحياة، بل لكشف تلك العجلة التي تطحنُ الكائنات.

•    حكايات حقيقية
غالبية قصص المجموعة هي حكايات ذات منبع حقيقي، وتنحى منحى واقعياً، أو رمزياً أو غرائبياً، تجتمع في أزمنةٍ وأماكنَ لحظة الكتابة والتخيل، ولحظة الوعي، لتعودَ في نسيجٍ واحدٍ هو نسيج القص.
وهي حكاياتٌ تصاغُ بمهارة مع نوع من التحريف (الإضافة أو الحذف) وبعضها جرت مع أصدقاء، منها: فوق ما تتصور، التي يتحدث فيها عن صديقه العراقي الذي أقام في عمان، ثم حصل على الهجرة إلى كندا، وعند عودته إلى عمان مرةً ثانيةً، حدّثه عن اختراعٍ هناك لضبط «الساعة البيولوجية»، إلا أن القاص يبدل الاسم، باسم آخر، وكذلك الصفة الإبداعية للكاتب وعمله، وكذلك حكاية بائع الصحف الدمشقي، في قصة «فرق التوقيت»، التي تتحدث عن فنانٍ سوري نقل له سلاماً من بائع صحفٍ معروفٍ في دمشقَ، غير أن الكاتب/ الريماوي اتضح أنه لم يزر دمشق طيلةَ حياته، ولم يكن يعرف الشخص الذي أرسل له «السلام»، فأعاد القاص تلك الواقعة في مساحة المستقبل الافتراضي.
الريماوي يشتغل مادةَ القصِّ من الحياة الحقيقية ويعيدُ تشكيلَها بمهارةٍ، هي -للحق- مهارةٌ يمتلكها القاصُّ، بحرفية عاليةٍ قادرةٍ على الاشتغال في عدد من الحقول من دون أن ينزلق في تحيزات الاختصاص؛ فهو كاتبُ مقالةٍ، وروائيٌّ وقاصٌّ، وهو على ما يؤكد، ينتسب لعائلة القاصين، إلا أنه يقول: إنه «قاص في الليل وكاتبُ مقالةٍ نهاراً»، «وروائيٌّ في ما بينهما».
•    اللغة الرمزية
يقول الكاتب موسى أبو رياش: إن الريماوي يلجأ إلى «اللغة الرمزية» لتوصيل فكرته ورؤيته بقالب فني مقبول، بعيداً عن المباشرة والوعظ الذي يضعف البناء القصصي ويحطّ من قيمته. بالإضافة إلى أن اللغة الرمزية من مميزات وخصائص القصة القصيرة، وتدخل في بنيتها ومعمارها الفني».
في مجموعته الأخيرة «فرق التوقيت» يميل الريماوي، الذي يعدّ من أكثر القاصين غزارة في الإنتاج، وطول مكابدة؛ أي إنه صرف من عمره نصفَ قرنٍ في مجالها - يميل إلى بساطة تميز بناء الجملة التي أفادتْ من حرفة الصحافة، وهي الجملة التي تذهب بوضوحٍ إلى المعنى بشرط الاقتصاد والتخفف من الثرثرة والثقل والابتعاد عن الإغراق في الوصف إلى المشهد، ويصور القاص الانطباعات التي تتركها اللقاءات العابرة في مواجهة عجلة الحياة والزمن الذي يدور بسرعة كمسنناتٍ فولاذيةٍ تفرم البشرَ، يقول القاص: «نستذكر المصادفات السعيدة، ونختزنها، وتُقْصي الذاكرةُ ما هو تعسٌ ونكد؛ فالعقلانية لا تورث السعادة بالضرورة» (ص13).
 وهو ما يتكرر من سعادة في «مكالمة منتصف الليل» وقت يستمع إلى هاتفٍ وتكون على الجانب الآخر امرأة، ولم يتسنَّ له معرفتها أو تذكرها.

وتبدو قوة الإرادة والمثابرة في أنسنة الكائنات؛ إذْ تكافح الكائنات في «الفراشة تبطش»، و«خنفسة النهار» أقدامَ المارةِ ودواليبَ السيارات للوصول إلى نهاية الشارع، وهي رمزية تضارع ما يسعى إليه الكائن في مواجهة عجلة الزمن.
يصور القاص ظلال العولمة التي تسيطر على شخوص قصصه، وخصوصاً في خريف العمر، من خلال رصد الرجل وهو يراقب الفراشة دون أن يحرّك ساكناً، وكذلك في قصة «الثلاثة ورابعهم».
تقوم الكتابة القصصية عند الريماوي على أسلوب البساطة والوضوح والمباشرة، كما تقوم على فلسفة التأمل للحركة والسكون التي تضفي رمزيةً تتيحُ القراءة المتعددةَ.
تنقسم الكتابة عند القاص وفقَ وعي الزمن إلى ثلاثِ محطات:

 

صفحة 10

•    وعي المشاهدة/ وعي الكتابة
لا يترك الكاتبُ للمشاهدةِ أنْ تمرَّ عفوَ الخاطر، بل يقوم برصدها بانتباهٍ ويقظةٍ، وتأملٍ، ويُعنى بالتفاصيل التي تمرُّ مرَّ السحاب، وينتقل إلى الكتابة بوعي تأملي، للشرط الذي شكل الواقعة بمقايسات «فرق التوقيت»، أو الزمان، ويمكن الاستدلال على طريقة محمود الريماوي في الكتابة وفلسفته وأسلوبه من خلال قصّته «سحر الحياة» التي تجتمع فيها التضادات والمفارقات في آنٍ معاً من خلال نصه في قصة «سحر الحياة» (ص11).
«لا أعوّل على المصادفات، بيدَ أني أعجزُ -وبعدما تجاوزت الخمسين- عن المرور مرور الكرام على قوانينَ مبهمةٍ تحكمُ حياتنا ومصيرَنا، وتزاحمُ ما نعهده من قوانين».

•    الواقع/ المختبر والمتخيل
يُخْضِعُ الريماوي مادةَ المشاهدة إلى مختبر التجربة الإنسانيةِ والوجوديةِ، في شقيّها العقلاني واللاعقلاني، أو الشعور واللاشعور، ذاكرة الواقعة والذاكرة البعيدة، لمحاكمة النص وإثراء مكوناته.
وفي الصفحة 13 من القصة نفسِها يقولُ: «نستذكر المصادفاتِ السعيدة ونختزنها، وتقصي الذاكرة ما هو تعس ونكد منها: دفاعات مشروعة، وتعلق بما هو لاعقلاني؛ فالعقلانية لا تورث السعادة بالضرورة، أما اللاعقلانية فلا شك أنها مكونٌ أصيلٌ من مكوناتنا كما العقلانية».

•    الجدل والتشابك/ النص
في ترجمة تلك المشاهداتِ فإنّ القاصَّ لا يتوقف عندَ الواقعة، بل يستعيد ما علِقَ في الذاكرة، والتاريخ. فلكلٍّ من المنطق العقلي والمصادفة مفتاحٌ مختلفٌ عن الآخر، وفي لحظات نادرةٍ عصيةٍ على النسيان، يبدوان وقد اتحدا في مفتاحٍ واحد، ليس ذلك ما يذهب إليه بطل القصة (الشخوص)، بل هو ما ينبئ به في الصفحة 14 من قصة «سحر الحياة».
وهو ما يتبدى في قصة «سوء تفاهم» بوصف الحياة تقوم على «شجار العشاق»، كما يصفها هيجل، إذْ الحبُّ محكومٌ بحركتَي الخصامِ والوئامِ.
ما الذي يقصده الكاتب في سياق العمليات التي يقوم بها، ربما يريد أن يقول، يقرأ الزمن في لحظاته المتغيرة والمتناقضة والفرحة والمضحكة والمأساوية، ولكن، ليس هذا هو المهم؛ فهو يريد تصوير زمنه الخاص، اللحظة التي تشتبك مع خبراته وحياته وذكرياته، اللحظة التي يسدّدُ نحوَها كقناصٍ ماهرٍ ويصطادها دون الآخرين، وهي اللحظة التي تكشف وهم الزمن.
في غالبية قصص المجموعة (ومنها: الفراشة تبطش، الثلاثة ورابعهم، مكالمة منتصف الليل، حانة الديك الأحمر) يركز القاص على الغربة والوحدة التي يعيشها الإنسانُ في العصر الحديث، ويصور تلك القطيعة/ الوحدة بأثر السلوك لأبطاله، وهم من «الهامشيين»، وهو ما يشير إلى الارتباط العضوي بين العنوان الذي اختاره القاص: «فرق التوقيت»، مع موضوعات النصوص الأخرى التي ترصد غربةَ الإنسانِ ووحدتَه وضياعَه؛ بسبب اختلال العلاقة مع الزمن الذي يتسم بـ«التكرار»، بحسب «بول ريكوار» ويمثله الريماوي في قصة «سوء تفاهم» بـ«سيزيف» الذي ظلَّ يحاول مرةً بعد مرة، ووصفه بأنه كان أشطر من بطل القصة، فقد خرج «سيزيف» على الأقل ببياض الوجه: بأسطورته الذائعة.
يقول الكاتب محمود الريماوي عن المجموعة القصصي «فرق التوقيت»: «يُعبّر إلى حدٍ بعيدٍ عن مزاجي الإبداعي وحتى مزاجي الشخصي ويجسد خلاصة (خبرتي)، وإني أجد نفسي فيه، في هذه المرحلة من عمري وتجربتي». وبمعنى آخر كأنه يقول: تعبر عن زمني، الزمن الدائري الذي يدور في تلافيف الذاكرة.