صفحة 1
الجاحظ
أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري (159-255 هـ) أديب عربي كان من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، ولد في البصرة وتوفي فيها. مختلف في أصله فمنهم من قال بأنه عربي ومنهم من قال بأنأصله يعود للزنج وجده من عبيد شرق أفريقيا بسبب هيئته. كان ثمة نتوء واضحٌ في حدقتيه فلقب بالحدقي ولكنَّ اللقب الذي التصق به أكثر وبه طارت شهرته في الآفاق هو الجاحظ، عمّر الجاحظ نحو تسعين عاماً وترك كتباً كثيرة يصعب حصرها، وإن كان البيان والتبيين وكتاب الحيوان والبخلاء أشهر هذه الكتب، كتب في علم الكلام والأدب والسياسية والتاريخ والأخلاق والنبات والحيوان والصناعة والنساء وغيرها.
صفحة 2
رب أنعمت فزد
تولاك الله بحفظه وأعانك على شكره ووفقك لطاعته وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار وفي تفصيل حيل سراق الليل وأنك سددت به كل خلل وحصنت به كل عورة وتقدمت بما أفادك من لطائف الخدع ونبهك عليه من غرائب الحيل فيما عسى ألا يبلغه كيد ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم وأن التقدم في درسه واجب وقلت: اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء وما يجوز من ذلك في باب الهزل وما يجوز منه في باب الجد لأجعل الهزل مستراحا والراحة جماما فإن للجد كدا يمنع من معاودته ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته. وذكرت ملح الحزامي واحتجاج الكندي ورسالة سهل بن هارون وكلام ابن غزوان وخطبة الحارثي وكل ما حضرني من أعاجيبهم ولم سموا البخل صلاحاً والشح اقتصاداً ولم حاموا على المنع ونسبوه إلى الحزم ولم نصبوا للمواساة وقرنوها بالتضييع ولم جعلوا الجود سرفاً والأثرة جهلاً ولم زهدوا في الحمد وقل احتفالهم بالذم ولم استضعفوا من هش للذكر وارتاح للبذل ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ولا ينحرف عن هجاء ولم احتجوا بظلف العيش على لينه وبحلوه على مره ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم ولم تتايعوا في البخل ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم مع أنفتهم من ذلك الاسم ولم رغبوا في الكسب مع زهدهم في الإنفاق ولم عملوا في الغنى عمل الخائف من زوال الغنى ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى ولم وفروا نصيب الخوف وبخسوا نصيب الرجاء مع طول السلامة وشمول العافية والمعافى أكثر من المبتلى وليست الحوائج أقل من الفوائد. فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه وكيف يفطن عند الاعتلال له ويتغلغل عند الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة والمعاني اللطيفة ولا يفطن لظاهر قبحه وشناعة اسمه وخمول ذكره وسوء أثره على أهله وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق وبين السهر وخشونة المضجع وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه وأنه أحق بما له من وليه أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة وانتحل الغفلة والحماقة ثم احتج بتلك المعاني الشداد وبالألفاظ الحسان وجودة الاختصار وبتقريب المعنى وبسهولة المخرج وإصابة الموضع لكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذباً لما ظهر من جهله ونقصانه ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ويعيا عن القريب الجليل وقلت: فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم وأفسد أذهانهم وأغشى تلك الأبصار ونقض ذلك الاعتدال وما الشيء الذي له عاندوا الحق وخالفوا الأمم وما هذا التركيب المتضاد والمزاج المتنافي وما هذا الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح وأدرك به الدقيق الغامض وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل وأبدى صفحته للذم ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم ولا من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب ولا عجبي من مغلوب على عقله مسخر لإظهار عيبه كعجبي ممن قد فطن لبخله وعرف إفراط شحه وهو في ذلك يجاهد نفسه ويغلب طبعه.
صفحة 3
ولربما ظن أن قد فطن له وعرف ما عنده فموه شيئاً لا يقبل التمويه ورقع خرقاً لا يقبل الرقع. فلوا أنه كما فطن لعيبه وفطن لمن فطن لعيبه فطن لضعفه عن علاج نفسه وعن تقويم أخلاطه وعن استرجاع ما سلف من عاداته وعن قلبه أخلاقه المدخولة إلى أن تعود سليمة لترك تكلف ما لا يستطيعه ولربح الإنفاق على من يذمه ولما وضع على نفسه الرقباء ولا أحضر مائدته الشعراء ولا خالط برد الآفاق ولا لابس الموكلين بالأخبار ولا استراح من كد الكلفة ودخل في غمار الأمة. وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم وإن كان عيبه مكشوفاً وعيب من أطعمه مستوراً ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر وشحت بالقليل من الطعم وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به كان ذلك عتيداً ويسيرا موجوداً وقلت: ولا بد من أن تعرفني الهنات التي نمت على المتكلفين ودلت على حقائق المتموهين وهتكت عن أستار الأدعياء وفرقت بين الحقيقة والرياء وفصلت بين البهرج المتزخرف والمطبوع المبتهل لتقف - زعمت - عندها ولتعرض نفسك عليها ولتتوهم مواقعها وعواقبها. فإن نبهك التصفح لها على عيب قد أغفلته عرفت مكانه فاجتنبته. فإن كان عتيداً ظاهراً معروفاً عندك نظرت: فأن كان احتمالك فاضلاً على بخلك دمت على إطعامهم وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد سترت نفسك وانفردت يطيب زادك ودخلت مع الغمار وعشت عيش المستورين. وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالاً وكانت أسبابكما أمثالاً وأشكالاً أجبت الحزم إلى ترك التعرض وأجبت الاحتياط إلى رفض التكلف ورأيت أن من حصل السلامة من الذم فقد غنم وأن من آثر الثقة على التغرير فقد حزم. وذكرت أنك إلى معرفة هذا الباب أحوج وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر وأنى إن حصنت من الذم عرضك بعد أن حصنت من اللصوص مالك فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار ولا أم رءوم. وسألت أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب وأولى بأخيه من البعيد وأن البعيد أحق بالغيرة والقريب أولى بالأنفة وأن الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث إلا أن العادة هي التي أوحشت منه والديانة هي التي حرمته ولأن الناس يتزيدن أيضاً في استعظامه وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه. وعلة الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع وفي تقبيح الصدق في مواضع وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق وفي حط الصدق إلى موضع الكذب وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه وتذكر مثالبه ويحابون الصدق بتذكر منافعه وبتناسي مضاره وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما وعدلوا بين خصالهما لما فرقوا بينهما هذا التفريق ولما رأوهما بهذه العيون. ومذهب صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر وأن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة وأن عيش البهائم أحسن موقعاً من النفوس من عيش العقلاء وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلاً ذا مروءةً أو امرأةً ذات عقل وهمة وأخرى ذات غباء وغفلة لكان الشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل والهمة أبطأ.
صفحة 4
ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن فلذلك البهيمة تقنو شحماً في الأيام اليسيرة. ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه. والعاقل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء. ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي سمي كتاب المسائل لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب. فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء فسأوجدك ذلك في قصصهم - إن شاء الله تعالى - مفرقاً وفي احتجاجاتهم مجملاً فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها وعلى أن الكتاب أيضاً يصير أقصر ويصير العار فيه أقل. ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة أو تعرف حيلة لطيفة أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه إذا شئت وفي لهو إذا مللت الجد. وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود المغبة إذا وافق الموضع ولم يجاوز المقدار ولم يعدل عن الجهة ودليل على الرقة والبعد من القسوة. وربما عد من الوفاة وشدة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به العابدون واسترحم به الخائفون. وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع فإنه أفتح لجرمه وأصح لبصره. وضرب عامر بن قيس بيده على عينه فقال: جامدة شاخصة لا تندى! وقيل لصفوان بن محرز عند طول بكائه وتذكر أحزانه: إن طول البكاء يورث العمى. فقال: ذلك لها شهادة. فبكى حتى عمى. وقد مدح بالبكاء ناس كثير: منهم يحيى البكاء وهيثم البكاء. وكان صفوان بن محرز يسمى البكاء. وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء - وربما أعمى البصر وأفسد الدماغ ودل على السخف وقضى على صاحبه بالهلع وشبه بالأمة اللكعاء وبالحدث الضرع - ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك وقبيحاً من المضحك لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنى: كأنه يضحك ضحكاً. وقد قال الله جل ذكره: " وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحياً ". فوضع الضحك بحذاء الموت. وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح ولا يمن على خلقه بالنقص. وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً ومن مصلحة الطباع كبيراً وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب. لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي. وقد تطيب نفسه وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته. ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق. وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح. وضحك الصالحون ومزحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن وبسام العشيات وهش إلى الضيف وذو أريحية واهتزاز. وإذا قالوا: هو عبوس وهو كالح وهو قطوب وهو شتيم المحيا وهو مكفهر أبداً وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه وكأنما وجهه بالخل منضوح! وللمزح موضع وله مقدار متى جازها أحد وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلاً والتقصير نقصاً.
صفحة 5
ومتى أريد بالمزح النفع وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك صار المزح جداً والضحك وقاراً. وهذا كتاب لا أغرك منه ولا أستر عنك عيبه. لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له: لأن هاهنا أحاديث كثيرة متى أطلعنا منها حرفاً عرف أصحابها وإن لم نسمهم ولم نرد ذلك بهم. وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم. منهم الصديق والولي والمستور والمتجمل. وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم. فهذا باب يسقط البتة ويختل به الكتاب لا محالة. وهو أكثرها باباً وأعجبها منك موقعاً - وأحاديث أخر ليس لها شهرة ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها ولا هي مفيدة أصحابها. وليس يتوفر أبداً حسنها إلا بأن تعرف أهلها وحتى تتصل بمستحقها وبمعادنها واللائقين بها. وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة وذهاب شطر النادرة. ولو أن رجلاً ألزق نادرة بأبي الحارث جمين والهيثم بن مطهر وبمزيد وابن الأحمر ثم كانت باردة لجرت على أحسن ما يكون. ولو ولد نادرة حارة في نفسها مليحة في معناها ثم أضافها إلى صالح بن حنين وإلى ابن النواء وإلى بعض البغضاء لعادت باردة ولصارت فاترة فإن الفاتر شر من البارد. وكما أنك لو ولدت كلاماً في الزهد وموعظة للناس ثم قلت: هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني وعامر بن عبد قيس العنبري ومورق العجلي ويزيد الرقاشي لتضاعف حسنه ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له. ولو قلت: قالها أبو كعب الصوفي أو عبد المؤمن أو أبي نواس الشاعر أو حسين الخليع لما كان لها إلا مالها في نفسها. وبالحرى أن تغلط في مقدارها فتبخس من حقها. وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها إما بالخوف منهم وإما بالإكرام لهم. ولو لا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلفته ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة. فإن كانت لائمة أو عجز فعليك وإن عذر فلي دونك. رسالة سهل بن هارون أبي محمد بن راهبون إلى عمه من آل راهبون حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله! قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عياباً فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب. وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب. وقبيح أن تنهى عن مرشد أو تغري بمشفق. وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم وإلا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم. ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم.
صفحة 6
فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم وتنبيهنا على ذكر العيوب براً وفضلاً لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلاً. وإن من أعظم الشقوة وأبعد من السعادة أن لا يزال يتذكر زلل المعلمين ويتناسى سوء استماع المتعلمين ويستعظم غلط العاذلين ولا يحفل بتعمد المعذولين. عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميراً كما أجدته فطيراً ليكون أطيب لطعمه وأزيد في ريعه. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ورحمه - لأهله: أملكوا العجين فإنه أريع الطحنتين. وعبتم على قولي: من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي: فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية. فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء وجدت في الأعضاء فضلاً على الماء فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله ورغبت عن التهاون به في ابتدائه لخرج آخره على كفاية أوله ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر. فعبتموني بذلك وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه. وقد قال الحسن عند ذكر السرف: إنه ليكون في الماعونين الماء والكلإ. فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ. وعبتموني حين ختمت على سد عظيم وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة على عبدنهم وصبي جشع وأمة لكعاء وزوجة خرقاء. وليس من أصل الأدب ولا في ترتيب الحكم ولا في عادات القادة ولا في تدبير السادة أن يستوي في نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود. كما لا تستوي مواضعهم في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات وما يستقبلون به من التحيات. وكيف وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر ولا يكترثون له اكتراث العارف من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر! فعبتموني بالختم وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق. وختم على كيس فارغ وقال: طينة وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج لتجمع بين التأدم باللحم والمرق ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا طبختم لحماً فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحماً أصاب مرقاً ". وعبتموني بخصف النعال وبتصدير القميص وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى وأنفى للكبر وأشبه بالنسك وأن الترقيع من الحزم وأن الاجتماع مع الحفظ وأن التفرق مع التصنيع. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه.
صفحة 7
ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة وهو جواد قريش وهو طلحة الفياض. وكان في ثوب عمر رقاع أدم. وقال: من لم يستحى من الخلال خفت مؤنته وقل كبره. وقالوا: لا جديد لمن لا يلبس الخلق. وبعث زياد رجلاً يرتاد له محدثاً واشترط على الرائد أن يكون عاقلاً مسدداً. فأتاه به موافقاً. فقال: أكنت ذا معرفة به قال: لا ولا رأيته قبل ساعته. قال: أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور قبل أن توصله إلي قال: لا. قال: فلم اخترته على جميع من رأيته قال: يومنا يوم قائظ ولم أزل أتعرف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم. ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا فظننت به الحزم. وقد علمنا أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه. وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدرا وبوأ له موضعاً كما جعل لكل دهر رجالا ولكل مقام مقالا. وقد أحيا بالسم ومات بالغذاء وأغص بالماء وقتل بالدواء. فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع. وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر. وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارتين. وقد جبر الأحنف يد عنز. وأمر بذلك النعمان. وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة. وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة فقال: إن كان لا بد فاجعلها بياضة. وعد أبو الدرداء العراق حر البهيمة. وعبتموني حين قلت: لا يغترن أحد بطول عمره وتقيس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته أن يرى أكرومته ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمراً وهو لا يدري وممدوداً له في السن وهو لا يشعر. ولعله أن يرزق الولد على اليأس أو يحدث عليه بعض مخبآت الدهور مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول فيسترده ممن لا يرده ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أضعف ما كان عن الطلب واقبح ما يكون به الكسب. فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدأ واعمل لآخرتك عمل من يموت غداً. وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى أن التبذير إلى مال القمار ومال الميراث وإلى مال الالتقاط وحباء الملوك أسرع وأن الحفظ إلى المال المكتسب والغنى المجتلب وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين واهتضام العرض ونصب البدن واهتمام القلب أسرع وأن من لم يحسب ذهاب نفقته لم يحسب دخله ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل وأن من لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر وطاب نفساً بالذل. وزعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث وأن الطيب يدعو إلى الطيب وأن الإنفاق في الهوى حجاب دون الحقوق وأن الإنفاق في الحقوق حجاز دون الهوى. فعبتم على هذا القول. وقد قال معاوية: لم أر تبذيراً قط إلا وإلى جانبه حق مضيع. وقد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله فانظروا في أي شيء ينفقه فإن الخبيث ينفق في السرف. وقلت لكم بالشفقة مني عليكم وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم ولما يجب في جواركم وفي ممالحتكم وملابستكم: أنتم في دار الآفات والجوائح غير
صفحة 8
مأمونات. حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقية فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة حنيفة من طريق فإن البلية لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع. وقد قال عمر رضي الله عنه في العبد والأمة وفي ملك الشاة والبعير وفي الشيء الحقير اليسير: فرقوا بين المنايا. وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون بأموالكم قال: نفرقها في السفن فإن عطب بعض سلم بعض. ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناع. وقلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى سكراً وإن للمال لنزوةً. فمن لم يحفظ الغنى من سكر العنى فقد أضاعه ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله. فعبتموني بذلك. وقال زيد بن جبلة: ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر. وسكر الغنى أشد من سكر الخمر. وقلتم: قد لزم الحث على الحقوق والتزهيد في الفضول حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله وفي خطبه بعد سائر كلامه. فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد: عدو تلاد المال فيما ينوبهمنوع إذا ما منعه كان أحزما ومن ذلك قوله في محمد بن زياد: وخليقتان تقى وفضل تحرموإهانة في حقه للمال وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم لأن المال به يغاث العالم وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع وأني قلت: وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة نعمى. وقلتم: وكيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدم الأدباء: آلعلماء أفضل أم الأغنياء قال: بل العلماء. قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم. فقلت: حالهما هي القاضية بينهما. وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه وشيء يغي بعضهم فيه عن بعض وعبتموني حين قلت: إن فضل الغني على القوت إنما هو كفضل الآلة حنيفة الدار إن احتيج إليها استعملت وإن استغنى عنها كانت عدة. وقد قال الحضين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع منه بشيء. قيل: فما ينفعك من ذلك قال: لكثرة من يخدمني عليه. وقال أيضاً: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب غيرك لكان الحظ فيه جسيماً والنفع فيه عظيماً. ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال: " درهمك لمعاشك ودينك لمعادك ". فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا. ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم. وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين. وكان هشام يقول: ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً. ونهى أبو الأسود الدؤلي وكان حكيماً أديباً وداهياً أريباً عن جودكم هذا المولد وعن كرمكم هذا المستحدث.
صفحة 9
فقال لابنه: إذا بسط الله لك الرزق فابسط وإذا قبض فاقبض. ولا تجاود الله فإن الله أجود منك. وقال: درهم من حل يخرج في حق خير من عشرة آلاف قبضاً. وتلقط عرنداً من بزيم فقال: تضيعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوماً إلى الليل! وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة فنهاه بعض المسرفين. فقال: ليهن ابن العبسية! إن مرفقة المرء رفقه في معيشته. فلستم علي تردون ولا رأي تفندون. فقدموا النظر قبل العزم. وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم. والسلام. نبدأ بأهل خراسان لإكثار الناس في أهل خراسان. ونخص بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به. قال أصحابنا: يقول المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه: تغذيت اليوم فإن قال: نعم قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب. وإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمس أقداح. فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير. وكنت في منزل ابن أبي كريمة وأصله من مرو. فرآني أتوضأ من كوز خزف فقال: سبحان الله تتوضأ بالعذب والبئر لك معرضة! قلت: ليس بعذب إنما هو من ماء البئر. قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة! فلم أدر كيف أتخلص منه وحدثني عمرو بن نهيوي قال: تغديت يوماً عند الكندي. فدخل عليه رجل كان له جاراً وكان لي صديقاً. فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل. وكان أبخل من خلق الله. قال: فاستحييت منه فقلت: سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل! قال: قد والله فعلت. فقال الكندي: ما بعد الله شيء! قال عمر: فكتفه والله كتفاً لا يستطيع معه قبضاً ولا بسطاً وتركه. ولو مد يده لكان كافراً ولو مد يده لكان كافراً أو لكان قد جعل مع الله - جل ذكره - شيئاً! وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول. وقال ثمامة: لم أر الديك في بلدة قط فلا وهو لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة فلا ديكة مرو فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب! قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء. فمن ثم عتم جميع حيوانهم. فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد فقال: كنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين يديه فقلت له إما عابثاً وإما ممتحناً: أطعمني من خبزكم قال: لا تريده هو مر! فقلت: فاسقني من مائكم قال: لا تريده هو مالح! قلت: هات من كذا وكذا قال: لا تريده هو كذا وكذا! إلى أن عددت أصنافاً كثيرة. كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إلي! فضحك أبوه وقال: ما ذنبنا هذا من علمه ما تسمع! يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم. وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ما أمكن الصبر ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا. وأبى واحد منهم أن يغينهم وأن يدخل في العزم معهم. فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل! ولا يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح. فإذا أطفئوا أطلقوا عينيه! ورأيت أنا حمارة منهم زهاء خمسين رجلاً يتغدون على مباقل بحضرة قرية الأعراب في طريق الكوفة وهم حجاج. فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معاً وهم في ذلك متقاربون يحدث
صفحة 10
بعضهم بعضاً. وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس. حدثني مويس بن عمران قال رجل منهم لصاحبه وكانا إما متزاملين وإما مترافقين: لم لا نتطاعم فإن لم نتطاعم فإن يد الله مع الجماعة وفي الاجتماع البركة. وما زالوا يقولون: طعام الإثنين يكفي ثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة. فقال له صاحبه: لولا أني أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة. فلما كان الغد وأعاد عليه القول قال له: يا عبد الله معك رغيف ومعي رغيف. ولولا أنك تريد أكثر ما كان حرصك على مؤاكلتي! تريد الحديث والمؤانسة اجعل الطبق واحداً ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه. وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف رغيفي ستجده مباركاً! غنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا لا أنت. وقال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل من أهل خراسان ليلاً وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقة وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئاً من ملح وقد علق على عمود المنارة عوداً بخيط وقد حز فيه حتى صار فيه مكان للرباط. فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك. قال: فقلت له: ما بال العود مربوطاً قال: هذا عود قد تشرب الدهن. فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان. فإذا كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة. قال: فبينا أنا أتعجب في نفسي وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر إذ دخل شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال: يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به. أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى وهو عند إسراجك الليلة أعطش قد كنت أنا جاهلاً مثلك حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد. - عافاك الله! - بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة. وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما تعلقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سويناها بها فتشخص معها. وربما كان ذلك سبباً لانطفاء السراج. والحديد أملس. وهو مع ذلك غير نشاف. قال خاقان: ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خراسان على سائر الناس وفضل أهل مرو على أهل خراسان! قال مثنى بن بشير: دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر. فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك أمر صالح أبداً! عاتبتك في مسارج الحجارة فأعتبتني بالخزف. أو علمت أن الخزف والحجارة يحسوان الدهن حسواً قال: جعلت فداك! دفعتها إلى صديق لي دهان فألقاها في المصفاة شهراً حتى رويت من الدهن رياً لا تحتاج معه أبداً إلى شيء. قال: ليس هذا أريد هذا دواؤه يسير. وقد وقعت عليه. ولكن ما علمت أن موضع النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار وتجفيفه وتنشيف ما فيه