eKtab
EN ع
البلاغة وتحليل الخطاب
اقرأ عينة مجانية

البلاغة وتحليل الخطاب

بقلم حسين خالفي

صفحة 1

مقدمة

يتمحور موضوع الكتاب حول إشكالية النسق السيميائي للخطاب الاستعاري، وهو خطاب يفترض فيه أنه منفتح على القراءة والتأويل، لأنه يمثّل خاصية أساسية في اللغة الطبيعية في جوانبها: التمثيلي، الدلالي، والتداولي.
وفهم الخطاب لا يتم إلا بالنظر إلى هذه الجوانب الثلاثة في تفاعلها فيما بينها، لتعلقها بأطراف التواصل الثلاثة: المخاطِب والبنية والمخاطَب. وهي أطراف يفترض أنها متفاعلة فيما بينها، تسعى إلى إتمام العملية التواصلية.
وافتراض انفتاح النسق، يعني انفتاح النص على عدة قراءات وتأويلات، قد يصعب الإلمام بها، أو الحد من انبعاثها. وهو افتراض نعتقد أنه مؤسس انطلاقاً من أن التأويل لا يتعلق بالقارئ فقط، وإنما يتعلق أولاً بالكاتب (المخاطب)، لا لشيء سوى لأنه يقوم أولاً بعملية تأويل لأشياء الواقع المشار إليه من خلال اللغة، وتتم العملية التأويلية خصوصاً عندما يتجاوز المخاطب رصد المعاني المألوفة، والمعطاة قبل عملية الكتابة إلى الدلالة التي تبنى انطلاقاً من رصد علاقات مختلفة بين أشياء واقعية (مرجعية)، قد لا تبدو واضحة للإنسان العادي، فيبدو له الواقع واللغة التي تمثله عبارة عن رموز سريالية، تتجاوزه فيتجاوزها، لكنها مزية متأتية للكاتب الذي يطوع نظام اللغة ومعها أشياء الواقع، فيربط فيما بينها لينسج من خلالها قطعة صغيرة من هذا العالم تسمى نصاً، وهي قطعة لا يمكن في أي حال من الأحوال النظر إليها منفصلة عن عالمها. والنص تمثيل لتفاعل ذات الكاتب مع أشياء العالم، يبدو وفقاً لهذا المنظور منفتحاً على قراءات متعددة، نظراً لانفتاحه الممتد على مساحات وأشياء كثيرة، وفق نسق محكم.
وعليه فافتراض هذا الانفتاح في الواقع الذي يعد ـ وفق هذا ـ بنية نصية كبرى، هي أصل كل البنيات النصية، الفرق بينهما أن البنية الكبرى تومئ إلينا بدلالاتها الكامنة فيها، من خلال علامات سيميائية غير تمثيلية، أو الأحرى لا يمكننا التحكم في تمثيلها، في حين أن البنية الصغرى تعتمد نظاماً سيميائياً خاصاً، يبدو التحكم فيه ممكناً، نظراً لتميزه بمجموعة خصائص تجعله يتبوأ صدارة الأنظمة العلامية الأخرى، لأنه النظام الوحيد الذي يمكنه التعبير عن كل الأنظمة الأخرى، التي تلعب دور المرجع المشار إليه.
وبتعبير آخر: البنية النصية هي تناص لهذه الأنظمة الواقعية المنفتحة، وبالتالي فالنص يفترض حين خروجه من يد الكاتب إلى يد القارئ، أن يكون منفتحاً هو أيضاً، بغية الوصول إلى مقاصد الكاتب، ثم تجاوزها إلى مقاصد البنية، ومقاصد القارئ، وفق سيرورة تأويلية قد تكون لا متناهية، تبعاً للسيرورة التدليلية للنص، وهو ما نلمسه خصوصاً في النصوص المركزية (المحورية) أو النصوص الخالدة، لمجتمع ما وثقافة ما، مثل القرآن الكريم الذي يُعد نصاً مركزياً خالداً في الثقافة العربية الإسلامية، وفي الثقافة الإنسانية بصفة عامة، باعتباره رسالة إلهية، ذات بعد حضاري إنساني، وباعتبار أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة النص بحسب تعبير نصر حامد أبو زيد.
لهذه الأسباب، ارتأينا النظر وتحليل الخطاب الاستعاري المتعارض مع الخطاب التقريري التسجيلي، وإن كنا قد قلصنا المسافات بين الخطابين، بافتراض هيمنة الخاصية الاستعارية على كل الخطابات، انطلاقاً من فكرة أو ملاحظة مبدئية أن كل نظم أو تأليف هو استعارة لأنه إبداع، والإبداع خروج وتجاوز للمألوف، أو الأحرى هو تجاوز للمعنى إلى الدلالة.
غير أننا ملزمون بالاحتفاظ بثنائية التقرير (المعنى) والإيحاء (الدلالة)، نظراً لشيوعها من جهة، ولوجود علاقة ما تبادلية ـ إن صح التعبير ـ قائمة بينهما، من منطلق أن التقرير هو في أغلب الظن استعارة ميتة، أماتها التداول، في حين أن الإيحاء هو استعارة حية، أحياها الاستعمال الذاتي للكاتب، وهي تموت بمجرد أن يتم تداولها، ويشيع استعمالها، وتنتشر بين الناس، فتقيد دلالتها في المعجم، وفق السياق الذي وردت فيه، ولعل هذا ما يعطينا فكرة عن نشأة اللغة، وهي فكرة سبق وأن طرحها ابن جني الذي قال: إن اللغة هي كلها عبارة عن مجاز . ورغم أن فكرته هذه بقيت محض افتراض لصعوبة تتبع التطور اللغوي إلا أنها تبقى مهمة بالنسبة إلى بحثنا هذا.
وتصبح الدلالات بدورها مادة (معاني) تشتق منها الدلالات في أشكال أخرى متعددة، وهذا انطلاقاً من ثنائية هيلمسلافية ثانية، هي المعنى كمادة تشتق منها الدلالات كأشكال للمعنى، فحري بأي قارئ أن ينتقل إلى الدلالة، انطلاقاً من معرفته المسبقة بالمعنى.
إن مفهوم الخطاب الاستعاري، يتجاوز استعارة، اللفظ إلى استعارة النص، رغم أهمية اللفظ (أو الكلمة) التي تعد النواة الأولى لأي خطاب، بيد أن الكلمات لا تكتسب استعاريتها إلا إذا وضعت ونظر إليها في إطار النظم ككل، من منطلق أنها تحيل على موضوع خارجي، لا يمكن النظر إليه إلا في إطار الموضوعات الخارجية الأخرى، التي تتعالق معه وفق طرق مختلفة، فتمنحه تكاملاً داخل نسقه العام، أي في علاقته مع باقي الموضوعات، والإقرار بهذه العلاقة بين النص الاستعاري ومرجعه الذي ينطلق منه ليحيل عليه، يتأتى من افتراض أن الاستعارة تتجاوز كونها رصداً للتشابهات بين موضوعين لعلامتين سيميائيتين من طبيعة غير لغوية، إلى رصد التطابقات بين الموضوعين، وبين اللغة الاستعارية وما تحيل عليه.
ومصطلح الخطاب الاستعاري (Discours métaphorique) أطلقه ر. جاكبسون (R. Jakobson) في حديثه عن الشعرية في الأدب، حيث ميّز بين الشعر على أنه خطاب استعاري، يتوسل بالاستعارة، وبين النثر الذي يعد خطاباً كنائياً (Discours métonymique) ، وهذا التمييز وإن كان مختلفاً، فإنه لا يخرج عن التقاليد البلاغية الأوروبية ذات البعد الأرسطي، في دراستها لنظرية الاستعارات التي عرفت امتدادات كثيرة ضمن البلاغة الغربية، التي تضع الاستعارة على رأس جميع الصور البلاغية ، وهو تقليد سار عليه جميع البلاغيين الأوروبيين، انطلاقاً من أرسطو وإرثه البلاغي الذي ضمنه كتابيه: كتاب «فن الشعر» أو «بويطيقا» وكتاب «فن الخطاب» أو «ريطوريقا» بصفة خاصة.
صفحة 2
لكن بالموازاة مع هذا، قد لا نجد هذه النظرةَ إلى الاستعارة نفسها في البلاغة العربية، رغم استفادتها من البلاغة الأرسطية، واغترافها منها، وخصوصاً ما وجدناه عند الفلاسفة العرب من شروح للنظرية الأرسطية، فقد بقيت الاستعارة ملحقة بالمجاز أو بالخطاب المجازي وجزءاً منه، وهذا راجع ربما إلى تأخر ظهور مصطلح الاستعارة في البلاغة العربية، ما أدى إلى جعلها جزءاً من المجاز اللغوي، الذي بقيت النظرة إليه مرتابة، نظراً لأنه يفتح باب التأويل في قراءة النصوص على مصراعيه، إلى جانب إدخاله باب اللغة التخييلية التي تبدو متعارضة مع الحقيقة، ما أدى إلى رفضه من قِبل دعاة الدلالة الحقيقية للنصوص، خصوصاً النص القرآني تنزيهاً لله جلّ جلاله من الخيال والكذب.
والحقيقة أن الخيال لا يتعارض في أي وجه من الوجوه مع الحقيقة، بل هو في الغالب يروم حقيقة ما، لها وجود في الواقع يطابقها. انطلاقاً من هذا ارتأينا استبدال مصطلع «الخطاب المجازي» بمصطلح «الخطاب الاستعاري» الذي يبدو مؤسساً، لأن آلياته تبدو موجودة في صور بلاغية كثيرة، ما يرشحها لأن تتبوأ رأس الصور أو «الاستعارات» الأخرى.
تسمح لنا هذه الفكرة بالنظر إلى الخطاب كله، كوحدة متراصة الأجزاء، على أساس أنه استعارة كبرى، تتكون من مجموعة استعارات جزئية متعالقة فيما بينها داخل النظم، مستمدين آلياتنا التحليلية من مناهج تحليل الخطاب، ومن السيميائيات الحديثة، سواء تلك المتعلقة بالسيميائيات اللسانية ، ذات الأصول «السوسيرية» ـ التي كانت محل نقد ومنطلقاً لنا في الآن نفسه ـ أو السيميائيات التداولية «البورسية» نسبة إلى بورس (C.S.Peirce) وبعض من امتداداتها.
إن إشكالية الاستعارة، رغم أنها إشكالية متناولة منذ فترة طويلة من الزمن، إلا أنها تبقى إشكالية قائمة تحتاج إلى نظر، خصوصاً في الدراسات البلاغية العربية، وقد لمسنا هذا في آخر الإصدارات المتناولة للمسألة، مثال هذا ما لمسناه في كتاب «عنف اللغة» لجان جاك لوسركل، الذي ترجمه محمد بدوي سنة 2005. فالكتاب على حداثته، يتناول إشكالية الاستعارة في حديثه عن نظرية المتبقي، والمقصود بمفهوم المتبقي هو تلك الجوانب التي عجزت عنها النظريات الألسنية ونظريات تحليل الخطاب، فعدت هذه الجوانب ضمن ما أسماه لوسركل بالمتبقي، وقد عدّ الاستعارة هي نفسها ذلك المتبقي، الذي ينتظر الكشف عن أسراره وخباياه، التي هي في الأصل خبايا وأسرار اللغة والخطاب، وهذا ما قد يمنح إشكاليتنا ومجموع افتراضاتنا المتعلقة بالموضوع سنداً قوياً.
وفيما يأتي عرض لأهم محاور بحثنا الموسوم بـ «النسق السيميائي للخطاب الاستعاري» المتناول في ثلاثة فصول، اعتمدنا فيه العرض النظري التحليلي في الفصلين الأول والثاني، يليهما فصل تطبيقي، فيه تظهير (تطبيق) للمسائل النظرية التي تناولتها في بداية البحث.
يتناول الفصل الأول الموسوم بـ «الخطاب الاستعاري بين البلاغة والسيمياء» قضية الاستعارة كمبحث بلاغي، متعلق باللغة كنظام سيميائي، حيث الاستعارة محور دراسة وتماس للسيميائيات ومناهج تحليل الخطاب على اختلافها.
ويتوزع الفصل على مباحث، يتناول المبحث الأول قضية الاستعارة في البلاغة الغربية والعربية على السواء، قديماً وحديثاً، وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لم نقتف تطور الاستعارة من جانب تاريخي، وإنما قصدنا تناول بعض المسائل التي تصب في إثبات افتراضنا الأساسي ومجموع الافتراضات المرتبطة به، ومن بين أهم هذه الافتراضات تأكيد ارتباط الاستعارة بالكتابة وبالنص، انطلاقاً من بعض الإشارات إلى المسألة في البلاغة الغربية، سواء التقليدية أو الحديثة، وقد يبدو الافتراض مبالغاً فيه، لأنه يعمم الاستعارة على النصوص الأدبية، ومع أننا قد نجد نصوصاً لا تقوم على الاستعارة أو على أي من الصور البيانية، ومع هذا فإنها تبقى نصوصاً أدبية، مما يجعل افتراض تعميم الاستعارة على الكلام بصفة عامة، تعميماً مخلاً غير مؤسس على قواعد صلبة، وتفادياً لهذه انتقلنا إلى البحث في السيميائيات وتحديداً في السيميائيات التأويلية التي أصّل لها ش.س.بورس (C.S.Peirce) في أبحاثه حول العلامة، ولمسناها في سيميائيات الدلالة عند أ. إيكو (Umberto Eco) ، ور. بارث (R. Barth) ، ولما كان همنا من وراء مبحث الاستعارة هو النص الأدبي وليس اللفظ الاستعاري، فقد تطرقنا إلى الحديث عن السيميائيات السردية عند ا.ج. غريماس (A.J. Greimas) خصوصاً دراسته التطبيقية حول قصة «الصديقان» لموباسان.
كما تطرقنا كذلك إلى منهج كريستيفا (J. Kristiva) في السيميائيات التحليلية ومحاولاتها التقعيدية في علم النص.
وهي كلها مناهج ممتدة من المنهج البنيوي السوسيري ، لذلك فهي تعتمد التحليل المحايِث للبنية النصية، وتفضي إلى قراءات نسقية محايثة، مبنية على برمجة أولية للنصوص، وإن كان الاختلاف بيِّناً في مقاربتَي ا.ج. غريماس الذي يبدو أكثر تمسكاً بالتحليل المحايث، فإن منهج كريستيفا يبدو أكثر شمولاً واتساعاً وملامسة للمناهج التقليدية في تحليل الخطاب، وقد استفدنا كثيراً من مفهومها للتناص الذي يعد امتداداً لمفهوم الحوارية عند باختين (Bakhtine) ، وإن كنا قد وظّفناهُ بطريقة مغايرة. وإلى جانب هذه المباحث النظرية التقعيدية، تناولنا في هذا الفصل عدة مباحث تتعلق أساساً بمفهوم النسق، والقراءة النسقية وعلاقتها بالتناول المحايث، والتأويل الذي يفرضه التناول الاستعاري، المتجاوز للمحايثة إلى التأويل، باعتباره يتجاوز المعنى إلى الدلالة، بيد أننا لن نستغني ـ في أي حال من الأحوال ـ عن التحليل النسقي المحايث، الذي قد يحدّ من انفلات المعاني والدلالات، ويضع حدوداً للقراءات التأويلية.
صفحة 3
تظهر الاستعارات في أي نص لصيقة بالخطابات الوصفية، حيث يندمج الوصف مع السرد، بما يضمن حركية النص ونموّه، سواء من حيث الحبكة أو الانفصالات الشخصية والزمكانية، لهذا أفردنا مبحثاً خاصاً بثنائية السرد والوصف في الدراسات السيميائية، وقد لاحظنا أن السيميائيات السردية، ممثلة في مدرسة باريس، أولت اهتماماً خاصّاً بالسرد دون الوصف، فمن خلال تتبع نموذج غريماس التحليلي نجده مهتماً بالسرد، وهذا راجع ربما إلى طبيعة النص الذي حلّله: قصة قصيرة تتلاءم معها الدراسة السردية بحكم أنها تنبني على مجموعة أفعال، في مقابل النصوص الشعرية التي تتلاءم فيها الدراسة الوصفية، بحكم أنها تقوم على مجموعة أوصاف، والمسافة بين السرد والوصف ليست متباعدة، بحكم أنهما متلازمان في النصوص، كما لم تعد هناك حدود بين الأجناس الأدبية، خصوصاً ما يتعلق بالجانب اللغوي، الذي يعد مشتركاً بين جميع الأشكال الأدبية، وهو ما سنثبته في دراستنا التطبيقية في الفصل الأخير من البحث.
يتناول الفصل الثاني من البحث وظيفة الخطاب الاستعاري، وهو يقوم على ثلاثة مباحث أساسية؛ المبحث الأول يتناول وظيفة الاستعارة، من حيث هي خطاب أيقوني، يعتمد أيقونية اللغة لينقل ما في الأذهان، قصد التواصل بطريقة تصويرية ترسم مشاهد واقعية، بشكل لا يختلف كثيراً عن أي خطاب بصري، الفرق بينهما أن الأول يخاطب الأذهان مباشرة، في حين أن الثاني يخاطبها بوساطة الأعين، وقد اعتمدنا في هذا على تنظيرات ش.س. بورس، التي لاحظنا أنها استثمرت فقط في دراسة الخطابات البصرية، دون أن تستثمر في الخطابات الأدبية، وقد مثلنا لهذا التوجه بدراسة محمد الماكري التي ضمنها كتابه «الشكل والخطاب»، حيث مزج بين لغة الشعر كخطاب بصري، يعتمد الخط العربي في أشكال متعددة، مكنته من تأويل المتن وقراءته وفقاً لشكل هذه الخطوط، وهي دراسة تمزج بين تنظيرات بورس وجاك دريدا.
ونظراً لأننا ندرس الاستعارة النصية المركبة، فقد اتجهنا في المبحث التالي إلى التطرق إلى بعض مبادئ الدراسة، التي رصدناها في تنظيرات الدكتور طه عبد الرحمن، حول الموضوع وهي ثلاثة موضوعات: الأول هو ترجيح المعنى على اللفظ، والثاني هو ترجيح النظم، والثالث هو ترجيح المطابقة على المشابهة.
وقد لاحظنا أنه قد اختلف مع أرسطو في مسائل عديدة وخصوصاً في هذه المسائل الثلاث المذكورة، متجاوزاً بعض الأفكار الأرسطية التي عدت من المسلمات لشيوعها.
أما المبحث التالي فقد كان في قضية التصوير والتخييل عند العرب، مستنداً هذا إلى الدراسة التي قدمها الناقد جابر عصفور للمسألة في كتابه «التصوير الفني عند العرب» على سبيل المقارنة بين التصوير ومفهوم الأيقون باعتبارهما متقاربين.
كما تناولنا فيه قضية المجاز والتأويل عند المعتزلة وعند أبي حامد الغزالي من خلال كتاب «النص والتأويل» لنصر حامد أبو زيد، وكذا نظرة المفسرين من ذوي الاتجاه النقلي إلى مسألة المجاز والتأويل في النص القرآني، ورفضهم للاتجاهين الاعتزالي والصوفي في التأويل، لشيوع المقابلة بين المجاز والحقيقة، وباعتبار أن المجاز يدخل في مجال الكذب والتناقض مع الحقيقة، وهذا بعيد عن صفات الله تعالى. وعليه فقد حاولنا إثبات تعلق المجاز بالحقيقة، وعدم مناقضته لها في أي حال، كما ارتأيت استبدال مصطلح «المجاز» بمصطلح «الخطاب الاستعاري» انطلاقاً من اعتقادي بأن المجاز هو الذي يقع تحت الاستعارة وليس العكس، كما هو شائع إلى جانب مقابلته بالحقيقة وبالتالي استبدلته بالخطاب الاستعاري.
أما المبحث الأخير فهو تطبيقي، طبقت عليه المبادئ النظرية التي سبق تناولها كما أردت من خلاله الولوج إلى الفصل التطبيقي الأخير، إلى جانب إثبات مسألة دخول الكناية إطار الخطاب الاستعاري وكذا تبيين مسألة فصل رومان جاكبسون بين الخطاب الاستعاري والخطاب الكنائي، فقد حللت بيتاً للخنساء هو عبارة عن صورة مركبة تجمع عدّة كنايات، وهذا بالاعتماد على منهج بورس، بتناول ممثل العلامة وموضوعها ومؤولها، إثباتاً لأيقونية الخطاب وتعلقه بالواقع والحقيقة، وقد مكنتني آليات التأويل من إثبات تعلق هذه الصورة الشعرية بالأيقونة من جهة التمثيل، وبالمؤشر من جهة الموضوع، وبالرمز من جهة المؤول.
أما الفصل الأخير من البحث فهو تطبيقي في مجمله وقد طبِّق على قصة قصيرة للسعيد بوطاجين، عنوانها «وللضفادع حكمة»، من مجموعته القصصية «اللعنة عليكم جميعاً»، وقد تعمدت الاشتغال على هذه القصة لاعتبارات عديدة، منها إثبات استعارية الخطابات النثرية والشعرية معاً، فالاستعارة ليست حكراً على الشعر بل هي موجودة في جميع ملفوظاتنا.
كما أردت الاستمرار والاستفادة من تنظيرات غريماس من خلال الاشتغال على نموذج قصصي.
وقد قسّمت الفصل إلى مباحث تناولت في المبحث الأول دراسة سيمياء العنوان الاستعاري، وهذا على أساس افتراض أن العنوان يشكل استعارة نصية تتناسل منه مجموع استعارات النص.
أما المبحث التالي فقد تناولت فيه الشخصيات الاستعارية مستفيداً في تطبيقاتي من منهج ف. هامون (P. Hamon) حول الشخصيات الروائيّة، والنظر إلى مقاصد المؤلف ومقاصد البنية النصيّة، ومقاصد القارئ، والنظر في العلاقة بين هذه المقاصد وأيهم يفرض سلطته، والاشتغال على المقاصد ضرورة يفرضها تأويل النص ـ الاستعارة. وقد ركزت في التطبيق على عناصر المكوّن الخطابي (الشخصية، وعلاقتها بالزمن والمكان) باعتبارها عناصر وصفية تبرز استعارية النصوص، ومكمن إبداعها واختلافها.
وأنهينا البحث بجملة النتائج التي توصلنا إليها، وهي نتائج غير نهائية بل هي مفضية إلى تساؤلات أخرى، تفرضها طبيعة الإشكالية وجملة الافتراضات التي طرحناها حول هذا الموضوع، خصوصاً وأننا قد أثرنا مسائل متجاوزة أحياناً لصعوبة دراستها، وشككنا في مسائل عدت من المسلمات.
صفحة 4

الفصل الأول

الخطاب الاستعاري بين البلاغة والسيمياء

1 ـ البلاغة وتحليل الخطاب

تستمد مناهج تحليل الخطاب مبادئها الأولية من اللسانيات الوصفية التي أرسى دعائمها الأولى عالم اللسانيات دي سوسور (F. De Saussure) ، التي تفرعت بعدذلك إلى عدة فروع، منها اللسانيات التلفظية، التي كانت منطلقاً مهمّاً لبحوث التداولية من جهة، ومن جهة أخرى للسيميائيات السردية (1)، وبحوث علم الدلالة، وهي جميعاً أبحاث تروم الإمساك بالمعنى والدلالة التي تبدو متملصة غير قابلة للقياس، بتأثير من فلسفة اللغة التي طرحت مسألة المعنى ومِن بعده التأويل، خصوصاً بعدما أصبح التحليل يتم على مدونة أكبر، يصعب الإلمام بتلافيفها، هي الخطاب الأدبي بصفة عامة بمختلف أجناسه.
يرمي تحليل الخطاب إلى إعطاء النص قراءة مضبوطة يتفق عليها عدد كبير من القراء، وهذا بالإمساك مبدئياً بمقاصد الكاتب الإبلاغية أولاً، ثم بالمقاصد الأخرى التي تخرج من يد الكاتب إلى يد القارئ، الذي يقوم بعملية التفكيك والتركيب، أو بتعبير سيميائي، يقوم القارئ بعملية الهدبنة (Dè-construction) (2): للكشف عن بنية النص بإنتاج بنية أخرى قابلة للاختراق والتجاوز في أية لحظة، وهذا من خلال البناء على القراءة الأولى للوصول إلى قراءة ثانية، ثم ثالثة ثم قراءات لامتناهية، وفق سيرورة قراءات علامية متولدة بعضها من بعض، وتتأسس حيث تنتهي القراءة السابقة.
وهذا حال المعارف الإنسانية كلها، فهي تتأسس وفق حلقات تطورية تتسع كلما أوغلنا في المستقبل، دون أن نلمح نهاية ما لهذه المعارف التي تبقى نسقاً مفتوحاً على نفسه، وعلى أنساق أخرى.
ولعل السبب الأساسي الذي دفعنا إلى البحث في الخطاب الاستعاري هو أنه يستوفي هذه الخصائص، وأهم خاصية تميّز الخطاب الاستعاري هي أنه يتجاوز المعنى إلى معنى المعنى .
الغاية إذن من تحليل الخطاب هي الوقوف على دلالات النص الأكثر عمقاً، وإعطاء النص القراءة الدلالية الأدق، غير أننا متأكدون مبدئياً من أن تلك القراءة لن تكون نهائية، لأنها قراءة تجرنا إلى قراءات أخرى تتحكم فيها ظروف الخطاب الأولى، كما تتحكم فيها ظروف القراءة، وعليه فسيغدو تحليل الخطاب آلية تتجاوز مقاصد المؤلف، لتقتحم النص في عمقه لتكشف دلالته التي ربما أسقطها المؤلف، ولم تخطر بباله، فهو لم يقلها، ولكن النص قالها ، لهذا فقط سوف نشاطر ر.بارث (RolandBarth) رأيه حينما يعلن موت المؤلف ، لكنه بالمقابل يعلن ميلاد النص والقارئ : «ينبغي أن تكون ولادة القارئ على حساب موت الكاتب» (3) وقد طرح آلان برون (Alain Brun) سؤالاً حول موضوع موت المؤلف، يتساءل فيه عن المستفيد من قطع الصلة بين النص والمؤلف؟ ليجيب قائلاً: «بأن قطع الصلة بينهمايحقق أدبية النص، المستمدة من انفتاحه على تأويلات عدة تتحكم في مستقبل النص وحياته المتوقفة على قدرته على تقبل إعادة التأويل...» (4).
وبالتالي فسيمنح بارث دوراً مهماً للقارئ الذي يصبح هو كاتب النص، لأنه يعيد تركيب وتأويل المعاني الواردة فيه وهذا ما يكسب النص تعدده، فيتجاوز مقاصد المؤلف، الذي يوقع شهادة وفاته لحظة ميلاد النص، ليفسح في المجال للقارئ ليمارس لعبة الهدبنة .
والتوجه إلى القارئ هو ميزة النقد ما بعد البنيوي ، الذي يتجه إلى القارئ بدل البنية ، وبدل المؤلف أو المرجع ، مثلما نجد في المناهج النقدية الأخرى، التي تنظر إلى العملية النقدية من زوايا مختلفة، ولتوضيح وتقريب الفكرة نستعين برسم توضيحي، صاغه سلدن انطلاقاً من ترسيمة الوظائف عند جاكبسون:
وظيفة مرجعية
وظيفة انفعالية - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وظيفة شعرية - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وظيفة إيحائية
وظيفة لغوية شارحة
ولتمثيل النظريات الأدبية عبر التاريخ يصفها سلدن على النحو الآتي:
الماركسية
الرومانسية - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - الشكلانية - - - - - - - - - - المتجهة إلى القارئ (5)
البنيوية
الملاحظ أن الاتجاه إلى القارئ هو المرحلة الأخيرة في تاريخ النقد، ولهذا فستمنحنا ترسيمة الوظائف التي قدمها ر. جاكبسون تصوراً كلياً للنص ينظر إلى جميع عناصره المتفاعلة.
ويمكننا تعزيز الترسيمتين بثالثة توضيحية:
المجتمع (النقد الاجتماعي)
الكاتب (النقد النفسي) - - - - - - - - - - - - النص (بنية سردية) - - - - - - - - - - - - - التلقي
النص (بنية لغوية)
 
صفحة 5
1.1 ـ الاستعارة في البحث البلاغي

البحث في الخطاب الاستعاري هو جزء من البحث في الخطاب البلاغي، إن لم يكن بحثاً في كل الخطاب البلاغي، نظراً للمكانة التي تحتلها الاستعارة بين باقي الصور البلاغية الأخرى (Les tropes) : «عودة البلاغة كأولوية لكل مهتم يظهر شغفاً حقيقياً باللغة، والاستعارة ملكة الصورة بإمكانها أن تصبح ذائعة الصيت في الندواتوالصالونات الأدبية» (6).
«إن تنصيب الاستعارة على رأس الصور البلاغية ليس اعتباطياً، ولكن له ما يبرره تاريخياً وعلمياً، فتاريخياً نلاحظ أن أرسطو في البلاغة الغربية، يعطي الأهمية نفسها للاستعارة، فهو القائل: «إن أعظم شيء هو القدرة على صياغة الاستعارة (...) إن صياغة استعارات جديدة يعني القدرة على رؤية التشابهات» (7).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مفهوم الاستعارة عند أرسطو مفهوم عام، ويشتمل على صور بلاغية عديدة، لأنه يربطها بمفهوم التخييل أو/و المحاكاة : «التي هي طبيعية فطرية في الإنسان، ولها يرجع الفضل في إخراج الخطاب من عالم المألوف إلى عالم غير المألوف. وهذا التخييل جوهري في الأقاويل الشعرية، ومهم في الأقاويل الخطابية» (8).
هذا الرأي يخدم البحث في جزء منه، ولا يخدمه في جزء آخر. فأما الجزء الذي يخدمنا فهو في إقراره بالعلاقة بين الاستعارة والتخييل، وجعلها على رأس الصور البيانية الأخرى، لأن الغاية من الحديث عن الخطاب الاستعاري لا تعني النظر في الاستعارة كصورة بيانية مفردة، بعيداً عن سياقها وموقعها داخل نص منظومة، ترتبط فيه بما قبلها وما بعدها في الكلام، سواء كان الخطاب تقريرياً تحقيقياً، أو إيحائياً تخييلياً، فالغرض إذن ليس الاستعارة في ذاتها، لأن مبحث الاستعارة قديم سواء في علوم البلاغة، أو في الأسلوبية والتفكيكية والتداولية والتأويلية.. وغيرها من المناهج التحليلية، التي تعد في جملتها انبعاثاً للبلاغة الجديدة، التي تنظر في النص والخطاب، قصد تحليلهما ومحاولة الإجابة عن إشكالية المعنى أو الدلالة، التي عدت مأزق الدراسات اللغوية ودراسات علم الدلالة والسيميائية، لأن المعنى غير قابل للقياس أو التحديد.
أما الجزء الذي لا يخدم البحث ـ من كلام أرسطو ـ فهو ربطه التخييل بالأقاويل الشعرية حيث يعد ـ جوهرياً، ويكون مكثفاً لأنه يبني جمالية الشعر، ويظهر بدرجة أقل في الخطابة حيث يؤدي دوراً في الإقناع.
الملاحظ أن أرسطو قد حصر الاستعارة في جنسين أدبيين هما الشعر والخطابة، لذلك وجدناه يتحدث عنها في كتابيه «فن الشعر» (بويطيقا) و«فن الخطابة» (ريطوريقا) دون أن يوليها اهتماماً في مؤلفاته الأخرى.
الرأي الذي يقصر الاستعارة على جنسين أدبيين رفضته وفندته أغلب النظريات الحديثة التي درست الاستعارة: «ويلاحظ أن البلاغيين الجدد قد أولوا عناية فائقة للاستعارة باعتبارها الشكل البلاغي الأم الذي تتفرع عنه وتُقاس عليه بقية الأشكال، حتى أطلق بعضهم على الاتجاه البنيوي في التحليل البلاغي في الخطاب اسم البلاغة المقتصرة لتركيزها واقتصارها على الاستعارة باعتبارها بؤرة المجاز» (9). والاستعارة لن تقتصر على جنس أدبي دون آخر، بل هي ـ أكثر من هذا ـ حاضرة في كل الخطابات: «بل وفي الحياة اليومية التي تغلفها الاستعارة، مما يجعلنا لا نقصرها على الخطاب الأدبي دون غيره. إنما نجعلها تمتد إلى الخطاب الرمزي (السيميائي) عموماً، حيث الفكر استعارة، والحلم استعارة، واللعب استعارة... إلخ الإنسان موجود في الاستعارة وبالاستعارة يوجد الإنسان» (10)، وهذا ما ذهب إليه دومار سيس الذي يرى «بأن الشيء المشترك بين جميع اللغات هو التصوير الذي يعد سمة طبيعية وعادية جداً في لغة الناس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الكلام أو وضع خطاب خال من الصور (...) والاستعارة هي آلية لغوية جد طبيعية، نستعملها دونما وعي منا، بطريقة آلية مع جهد بسيط، وهي تسمح لنا بفهم أنفسنا وفهم العالم الذي نعيش فيه، وهذا بسيط جداً مقارنة بقوالب التفكير الأخرى (11).
صفحة 6
1.2 ـ الاستعارة/الكتابة
إلى جانب هذا، نجد جيرار جينيت في مقال مترجم، عنوانه «البلاغة المقيدة»، يبتدئ بحوار مقتبس من مقابلات جورج شاربونييه مع جورج لويس بورجيت، يجعل من الاستعارة مقابلات للكتابة، هذا نصه:
«ج.ش.: قبل ثلاث أو أربع سنوات، كانت المجلات، المقالات والمحاولات مليئة بكلمة الاستعارة، وقد تغيّرت الموضة، فالكتابة تعوض الاستعارة.
ج.ل.ب.: لا أظن أن الأمر يربح كثيراً من هذا الاختلاف.
ج.ش.: بالطبع» (12).
ما يهم في هذا المقتبس هو احتفاء ج. شاربونييه بالاستعارة التي يقول إنها استبدلت بمصطلح كتابة، بمعنى أن الكتابة مفهوم بديل لمفهوم الاستعارة. وبالتالي فهذا يدل على الطابع الشمولي لمفهوم الاستعارة الذي عوض بمفهوم الكتابة، وهو مفهوم واسع جداً، يخترق الفكر والوجدان ليعبّر عنهما.
إن طرح مفهوم الكتابة كبديل للاستعارة يشبه إلى حد بعيد فكرة النظم في التراث البلاغي العربي، حيث كان يعني التأليف والكتابة ، وقد عني به علماء البلاغة العرب وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني، الذي وضع أسس نظرية النظم التي عرفت اكتمالها على يديه، يقول في هذا الصدد إن: «الإعجاز في الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز لا يرجع إليها كأفراد وإنما يرجع إلى النظم لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينهما حكم من أحكام النحو» (13) وفكرة النظم هذه ترتبط دوماً بعلم البلاغة، وبالتخييل خصوصاً: «فغاية علم البلاغة هي الوقوف على لطائف معاني التنزيل، ومعرفة وجه الإعجاز والنظم» (14).
وبالطبع فإن فكرة الإعجاز والنظم ترتبط أساساً بالقرآن الكريم، وتتعلق بخطاب إلهي معجز في نظمه، نحاول استثمار هذه الآليات اللغوية ومقاربتها ببعض النصوص الأدبية التي تتوخى النظام اللغوي، والاستعمال الكلامي نفسه في إنتاج نصوصها.

1.3 ـ سيمياء الاستعارة
يرجع السبب في تسليطنا الضوء على هذه الكوة المظلمة في النصوص الأدبية، شعراً ونثراً، إلى دحض أو إثبات فكرة انتهاء أو انغلاق النصوص لحظة ميلادها، وخضوعها لبرمجة أولية مبنية على أساس تناظر ثنائي، ينتهي في عمقه ليثبت ثنائية كونية هي ثنائية الحياة والموت.
تعد ثنائية الحياة والموت، المستوى الأكثر عمقاً في تحليل الخطاب عند غريماس، حتى إن كل خطاباتنا بكل تمفصلاتها الجزئية تؤول إلى هذه الكلية الكونية التي تبتدئ بالحياة وتنتهي بالموت. غير أن هذا الطرح يبدو غير بريء، لأنه يعبّر عن فكرة إيديولوجية ما، لا تؤمن بما بعد الموت، ربما هي وليدة إرهاصات الفكر الماركسي الذي ساد حقبة من الزمن، وهذا ما لا يمكننا دحضه أو إثباته في هذا المقام، ولا أود ذلك.
فالمهم هنا هو تجليات هذه الإيديولوجية في نموذج غريماس التحليلي ، لأبحث فيه عن منفذ ما يجعل من نموذجه نموذجاً منفتحاً، لا منغلقاً منتهياً، أي إني قصدت من وراء هذا تحريك الآلة التأويلية للنصوص، بإخضاع النموذج لإيديولجيتنا الخاصة ، قصد خلق تحليل يصطبغ بإيديولوجيم (15) خاص بنا نحن.
فعقيدتنا الإسلامية تنبني هي الأخرى على ثنائيات تضادية كالحلال والحرام، الوعد والوعيد، الثواب والعقاب، الجنة والنار، الموت والحياة... لكن هناك الماقبل والمابعد ، أي ما قبل الحياة وما بعد الموت ، ما يجعل النص القرآني منفتحاً على ما لا نهاية، لأنه يخوض في غيبيات ما بعد الموت . يمكن تلخيص أحكام القرآن الكريم في فكرة مفادها أن من آمن وعمل صالحاً في الدنيا (الحياة) فجزاؤه (الجنة بعد الموت)، ومن أشرك وعمل منكراً فعقابه النار؛ لكن الله تعالى فصل القرآن الكريم تفصيلاً محكماً، أعجز من خلاله جهابذة الكلام من العرب عن أن يأتوا بمثله أو بأحسن منه، كما أعجز جمهور المفسرين عن الإمساك بمعاني آياته، رغم أنه جاء غاية في البيان.
ونتساءل في هذا المقام هل يمكننا النظر إلى نصوصنا الأدبية وفق هذه النظرة؟ وعندما أقول نصوصنا، أعني بها نصوص الحضارة العربية الإسلامية، فهي في نظرنا نصوص متناسلة من النص القرآني، باعتبار أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة النص ، بحسب تعبير نصر حامد أبو زيد. وبالتالي فالنصوص المنتجة هي نصوص واقعة تحت طائلة النص القرآني، تتأثر به وتغترف منه بطريقة تناصية ، و التناص قد يكون مباشراً، وهذا بالاغتراف مباشرة من آياته، وقد يكون غير مباشر، أي نتيجة استعمال لغة القرآن الكريم أي اللغة العربية.
فالنظر إلى النصوص كفاصل بين الولادة والموت ، أي وفق الثنايات التناظرية، المتحكمة في كل البنى، وتعد مستواها العميق ـ حسب غريماس ـ لن تلزم نصوص الحضارة الإسلامية، للاعتبارات التي ذكرناها، وكذلك البون الشاسع بين الحضارة الغربية المادية، والحضارة الإسلامية الروحية .
الغاية من طرح الفكرة السابقة هي الوصول إلى إشكالية تفسير النص القرآني والنصوص الأخرى. فالملاحظ أن النص القرآني تعددت تفاسيره ابتداء من العصور الأولى لنزوله كتفسير ابن عباس الذي عاصر نزول النص، وانتهاء إلى تفسير المحدثين كابن باديس في العصر الحديث، وطبعاً هناك دائماً اختلاف في التفاسير، وإلا فما جدوى تعددها؟. وقد ذكر الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه: «إشكاليات القراءة وآليات التأويل» نوعين من التفاسير، الأول هو: «التفسير بالمأثور، والثاني التفسير بالرأي أو التأويل. النوع الأول يهدف إلى الوصول إلى معنى النص عن طريق تجميع الأدلة التاريخية واللغوية التي تساعد على فهم النص فهماً موضوعياً (..) أما التفسير بالرأي أو التأويل فقد نظر إليه على أساس أنه تفسير غير موضوعي» (16).
وقد عرف التأويل عند الفلاسفة والمتصوفة، وبعض الفِرق الدينية السياسية كالمعتزلة والشيعة ، ونسجّل هنا رأياً عن التأويل عند المتصوفة مفاده أن آية واحدة من القرآن الكريم قد تُفسَّر بأكثر من ستين ألف تفسير (17). وهذا ما يمنح النص القرآني مرونة ودلالة دينامية تتجدد في كل مرة بحسب سياق القراءة، دونما إلغاء للدلالة السابقة عليها بل بالبناء عليها، ولعل هذا ما يطبع النص الإلهي بطابع الصلاحية لكل زمان ومكان.
صفحة 7

2 ـ بين المحايثة والتأويل

نتساءل هنا: هل للنص الأدبي حظ قليل من هذه القراءة الدينامية للنص الإلهي، خصوصاً وأنهما يعتمدان الآليات نفسها، فكلاهما حدث لغوي، وإذا كان النص القرآني يخوض في مسائل غيبية علمها لدى الخالق، فإن النص الأدبي مهما كان جنسه فإنه يطلق العنان للمخيلة، فتغترف من الواقع عناصرها، لتخلق صوراً لعوالم أخرى، لا نجد لها وجوداً إلا في اللغة، كتمظهر للمخيال وللعقل البشري، الذي ما فتئ يخترع حكاياه الخيالية، باستعارة عناصر واقعية للتعبير عن الواقع، وهو بصدد علمنة دراسة الخيال.
انطلاقاً من هنا تأتي الإشكالية الأساسية للبحث، وهي كيف يمكننا تحديد دلالات الخطاب ومقاصده؟ وهل نتوقف عند مقاصد المؤلف أم مقاصد النص والقارئ اللذين يمتلكان سلطة استنطاق اللغة بعيداً عن إرادة المؤلف؟.
إذا كانت نظريات تحليل الخطاب تمدنا ببعض المفاتيح الإجرائية لفهم النصوص فكيف سنتعامل مع تعدد الدلالات الناتجة من تعدد اتجاهات ومجالات تحليل الخطاب، وتعدد زوايا النظر إلى الخطاب؟ أيهما يفرض الآخر: النص أم المنهج؟ لماذا أغفل تحليل الخطاب (خصوصاً ما يتعلق بالخطاب الأدبي) الجانب التخييلي في النصوص، هل هذا يعود إلى طبيعة التخييل نفسه أم أن حدود المنهج لا تسمح بذلك لكونه في الأصل يتعلق بالنقد الأدبي؟ هذه مجموع التساؤلات التي تحوم حول إشكالية البحث، والتي سأرجئ الإجابة عنها إلى حينها، بعد أن نستوفي طرح مجموع المنطلقات الأساسية في تحليل الخطاب.
مفهوم البنية لساني بحت، تعود أصوله الأولى إلى عالم اللسانيات دي سوسور، التي وصفت لسانياته باللسانيات البنيوية، وإلى أتباعه من المهتمين بالحقل الألسني كحلقة براغ التي مثلها جاكبسون وتروبتسكوي، وحلقة كوبنهاغن التي مثلها بروندال وهيلمسالف الذي عرّف البنية بأنها: «كيان مستقل من العلاقات الداخلية أو ذات ارتباطات جوانية (...) والمفهوم هو في الأصل فلسفي يدل على ترتيب الأجزاء المختلفة التي يتألف منها الشيء» (18).
ولأن لنظريات تحليل الخطاب جميعاً روافد لسانية سوسورية، فقد كان طبيعياً أن تنظر إلى المادة التحليلية (النص) على أساس أنه بنية، أو الأحرى بنية مركبة مغلقة.
لكن البنيوية سوف تنفتح على مناهج أخرى تنطلق من داخل البنيوية ، وتنتقدها لتخرج إلى مناهج ما بعد البنيوية : «من بين البنيويين الذين تنكروا للبنيوية بل عجلوا الدعوة إلى هدمها، والتخلي عنها جاك دريدا الذي هاجم ما فيها من تجريد واختزال شكلي وآنية ميتافيزيقية وجوليا كريستيفا ومجموعة (Tel Quel) التي دعت إلىسيميائية جديدة» (19).
وبالإضافة إلى هؤلاء يمكن أن نضيف كل من أ. إيكو ورولان بارث، الأول يدعو إلى النظر في موسوعة النص، أي مجموع الظروف الثقافية والتاريخية المنتجة للنص.. أما الثاني فقد دعا إلى التعويل على القارئ الذي يكتب النص وهذا بإعادة تركيب المعاني الواردة فيه (20).
لكن مع هذا تبقى البنيوية منهجاً يلقي بظلاله على المناهج الأخرى نظراً إلى الأدوات الإجرائية التي يمدها للتحليل، وفي هذا الصدد نرصد اتجاهين أساسيين في تحليل الخطاب، منطلقهما هو البحث في المعنى والدلالة في الملفوظ والخطاب، بمعنى النظر إلى اللغة ليس كنظام ، مثلما فعل دي سوسور وإنما النطر إليها كاستعمال .
صفحة 8
2.1 ـ نماذج التحليل المحايث

الاتجاه الأول أرساه إيميل بنفينيست ابتداء من سنة 1956 حينما أصدر دراسته الموسومة بطبيعة الضمائر (La Nature des Pronoms) التي تدخل إطار ما اصطلح على تسميته باللسانيات التلفظية التي لم تتوقف عن التطور منذ تلك الدراسة، كما أصدر سنة 1970 مقالة أخرى عنوانها الجهاز الصوري للحديث أو التلفظ(L’Appareil Formel de l’Enonciation) حيث شرح قواعد الحديث (التلفظ) (21).
وتكمن أهمية الدراستين في أنهما أثارتا من جهة مسألة الدلالة بتأثير من فلاسفة اللغة، ومن جهة أخرى فهي رصد للدلالة الكامنة وراء الملفوظ باعتبار أن الخطاب هو : «ملفوظ طويل، أو متتالية من الجمل، تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر» وهذا حسب تعريف ز. هاريس، أما بينفست فقد عرّفه بأنه: «كل تلفظ يفترض متكلماً ومستمعاً، وعند الأول هدف التأثير على الثاني بطريقة ما» (22).
تكمن أهمية نظرية التلفظ أنها دفعت باللسانيات إلى الاهتمام بالجانب الاستعمالي (أي الكلام) للغة (النظام أو النسق) ، وبالتالي فقد كان لزاماً أن تتجه نحو دراسة الدلالة انطلاقاً من اعتبار اللغة في جانبها الاستعمالي كبنية مغلقة . ومبحث الدلالة جاء لإكمال المشروع اللساني العام، الذي استنفد المباحث المتعلقة بعلم الأصوات، والمعجم الذي يتناول المفردة، ولسانيات الجملة أي علم التراكيب، ليأتي الدور لعلم الدلالة ، مع الانتقال بالبحث إلى مدونة أكبر هي الملفوظ لدراسة التلفظ (l’énonciation) والتداول (la pragmatique) : «وبهذا نفهم ما يقوله اللغوي الألماني الكبير لوسبرغ (Lausberg) من أن البلاغة تشير إلى اللغة، وهي الوسيلة القارة التي يعبّر عنها الكلام. فاللغة بدون كلام تصبح ميتة، والكلام بدون لغة لا إنساني، إذ إن اللغة والفن والحياة الفردية والاجتماعية تقدم نموذجاً واضحاً من التعالق الجدلي بين اللغة والكلام» (23).
أما التوجه الثاني فهو ذلك الذي تمثله مدرسة باريس من خلال أبحاث أ.ج. غريماس في السيميائيات السردية إلى جانب ر. بارث، ج. كريستيفا، ج.ك. كوكي... وغيرهم ممن أعطوا دفعاً للسيميائيات السردية ، والسيميائيات بصفة عامة، وإن كنا نؤكد بأنها سيميائيات سردية لأنها اهتمت بالسرود في إطار لساني يكاد يكون بحتاً؛ بمعنى أنها استمرارية للسانيات البنيوية، لأنها لم تتبنَّ بعض المبادئ اللسانية فقط، بل إنها فصلت في مسألة العلاقة بين اللسانيات والسيميائيات، فالسيميائيات بالنسبة لها فرع من فروع اللسانيات بتأكيد من بارث نفسه، لا لشيء سوى لأن إحدى خصائص لسانٍ ما قُدرته على ترجمة الألسنة الأخرى وكل السيميائيات الأخرى غير اللفظية (24).
وهي الفكرة نفسها التي ذهب إليها ر. جاكبسون (R. Jackobson) حين قال: «بأننا لا نستطيع أن ندرك الدلالات إلا بواسطة الألسنة الطبيعية» (25)، لهذا السبب فإن ر. بارث حين عزم على إعداد نظام الموضة، اضطر إلى تحليل الخطاب حول الموضة في صحف الموضة لا في الموضة في حد ذاتها (26).
لقد تفطن هؤلاء وغيرهم إلى مكانة اللغة كمركز للبحث السيميائي، ما جعلهم يتقدمون في البحث السميالساني (السملسني) (27)، جاعلين السيميائيات فرعاً من فروع اللسانيات، لأنها نظرية للدلالة كما ذهب إليه غريماس (28)، شريطة أن يعتمد المحلل في تحليل الخطاب، التحليل المحايث لبنية النص، كمبدأ للإمساك بدلالة النص التي تخضع لمجموعة: «قوانين داخلية خاصة مستقلة عن المعطيات الخارجية» (29) وأن: «التحليل السيميائي يتأسس على النص» (30).
ويمضي غريماس قدماً للتأكيد أن النص مجرد بنية مغلقة، تاركاً المشروع السيميائي تابعاً للسانيات، وهذا عندما يؤكد مفهوم البنية، يقول: «يتمثل المصطلح القاعدي للسيميائيات في البنية المحددة بوصفها شبكة من العلاقات المضمرة في التجلي» (31).
لعلنا نسجل الاختلاف عند ج. كريستيفا. ففي دراستها الموسومة بـ : «علم النص» تؤكد كريستيفا أن اللسان هو نسق خاص من ضمن الأنساق السيميولوجية، وبمعنى آخر فإن السيميائيات هي الأصل واللسانيات فرع، عكس ما ذهب إليه بارث، وبذلك تؤكد كريستيفا ما سبق أن أكده دي سوسور نفسه عندما جعل من اللسانيات فرعاً من فروع البحث السيميائي، يقول سوسور: «اللغة نظام من العلامات التي تعبّر عن أفكار (...) فهي مماثلة للكتابة وأبجدية الصم (...) تبقى اللغة أهم الأنظمة (...) يمكن أن نؤسس علماً يدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية سنطلق عليه اسم علم العلامات أو السيميولوجيا (...) ولا يعدو علم اللغة أن يكون قسماً من هذا العلم العام» (32).
لكن رغم أن كريستيفا تردّ الاعتبار للسيميائيات التي تمنحنا أرضية خصبة لبلورة خطاب قادر على إنتاج معرفة خاصة بالاشتغال النصي، ومحاولة فهم بناء هذا الخطاب، ووضع نظرية تحليل سيميائي للنصوص المعتمدة على اللغة الشعرية التي تبقى منفلتة عن كل تحديد أو تنظير علمي يسمح لنا بفهمها، وفق أطر مشتركة ومتقاربة، لهذا فالتحليل سيكون في لحظة انغلاقها وتجسدها في فضاء النص الأدبي الذي غالباً ما يشحنها بدلالات متجددة، لهذا فأي دراسة للنص لا بدَّ وأن تشتغل في حدود اللسان (اللغة) التي تتجاوز لأنها وسيلة تواصل وتفاهم إلى وسيلة لتسجيل خطاباتنا وأحلامنا من خلال الأدب الذي أصبح الفعل الإنساني الوحيد الذي بإمكانه استيعاب كيفية اشتغال اللغة من خلال ما نسميه النص (33) من خلال التنظيرات التي تقدمها، إلا أنها حينما تطبق تؤكد هي الأخرى التناول المغلق للنص ـ البنية ، فقد طبقت على رواية «جيهان دو سانتري» لأنطوان دولوسال التي ألّفها في القرن الخامس عشر (1456)، لتثبت في دراستها هذه بأن العمل الأدبي ينتمي إلى الممارسة السيميائية للدليل يكون باعتباره إيديولوجيماً منتهياً ومغلقاً، وما الرواية سوى تمظهر مميّز لهذا الإيديولوجيم الملتبس بالدليل المتميز بالانغلاق ، نلمس هذا الانغلاق من خلال مقدمة الرواية التي تلخص مسار الرواية كلها حيث يعرف الكاتب هوية نصه بـ «ثلاث قصص» وكرسالة موجهة إلى جيهان أنجو، لينتقل إلى كتابة الحلقة الأولى التي تضم مجموع النص وكذا البرنامج كواسطة تبادل، أي كدليل، إنها حلقة الملفوظ موضوع التبادل ـ المُرسل إليه المباشر الدوق، وغير المباشر أي القارئ، لينتقل بعدها إلى تفاصيل الحكي الذي يتناول حياة جيهان دوسانتري، على النحو الذي يمكّننا من معرفة كيف تنتهي الرواية قبل أن تبدأ بطرح الأحداث التي تدور في الفاصل بين الولادة والموت، وبالتالي فالرواية ستكون انزياحات تؤكد يقينية الحلقة الموضوعاتية (حياة ـ موت)، وموضوعاتها لا تخرج عن طابع اللعب على المتعارضين المتنافرين (فضيلة/رذيلة، حب/كراهية، مديح/نقد..) لممتلكين للمحور المعنمي نفسه (موجب/سالب) (34).
صفحة 9
وتؤكد كريستيفا مبدأ التناظر الثنائي، والتحليل المحايث «عالم برنانوس حياة/موت»، والتحليل البنيوي مثلها في ذلك مثل غريماس، بتأكيدها النهاية الاعتباطية أو الاكتمال البنائي للنص الأدبي الذي يستهلك كمنتوج نهائي أي كأثر وانطباع.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ج. كريستيفا رغم تأكيدها مفهوم «النص/البنية، المتميز بالانغلاق، أي بإقصاء مرجع النص/العلامة الذي يغدو مجرد وهم لا يحق للسيميالي النظر فيه، لكن هذا لم يمنعها من الاشتغال خارج النص، وهذا باشتغالها على فكرة التناص (l’intertextualité) لباختين (35)، التي طورت فيها فكرة الحوارية (Dialiogisme) ومفادها أن: كل نص استغراق وتحول لنص آخر، والنص الشعري يقرأ على الأقل كمضاعف (36) والنص الأدبي حسب كريستيفا هو لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى (37).
إن الدراسة التي قدمتها ج. كريستيفا على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصب في ما نحن ماضون لإثباته، وهو مرجع العلامة، وإثبات بأن الخطاب يتميّز بنسق مفتوح، تقول كريستيفا في هذا الصدد إن النص يرتبط بالواقع بشكل مزدوج، فهو يرتبط باللسان كانزياح خاضع للتحول، ويرتبط بواقع المجتمع الذي يتوافق مع هذه التحولات، إنه بانزياحه يمس مجموع القيم والمقدسات الاجتماعية ويساهم في حركتها وتطورها (38).
يتميّز مشروع كريستيفا السيميائي، أو ما تسميه السيميائية التحليلية (la sémanalyse) بالاتساع، يبدو أنها احتذت فيه حذو ش.س.بورس، مع اختلاف بسيط هو اشتغالها على النص الأدبي واشتغال بورس على العلوم التجريبية عموماً، مع اهتمام طفيف بالإنسانيات، كما أنها استفادت من المدرسة الفرنسية في اللسانيات، اتساع يفرضه النص الأدبي: «النص أكثر من مجرد خطاب أو قول إذ هو موضوع لعديد من الممارسات السيميولوجية التي يعتد بها على أساس أنها ظاهرة عبر لغوية، بمعنى أنها مكوّنة بفضل اللغة لكنها غير قابلة للانحصار في مقولاتها. وبهذه الطريقة فإن النص جهاز عبر لغوي، يعيد توزيع نظام اللغة، لكشف العلاقة بين الكلمات التواصلية مشيراً إلى بيانات مباشرة تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السابقة والمتزامنة معها والنص نتيجة لذلك إنما هو عملية إنتاجية مما يعني أمرين:
1 ـ علاقته باللغة التي يتموقع فيها تصبح من قبيل إعادة التوزيع...
2 ـ يمثل النص عملية استبدال أخرى للنصوص، أي عملية تناص (intertextualité) . ففي فضاء النص تتقاطع أقوال عديدة مأخوذة من نصوص أخرى، مما يجعلبعضها يقوم بتحييد البعض الآخر ونقضه (39).
انطلاقاً من أنه ممارسة مركبة ينفلت من كل نزعة شمولية، ودراسته تتطلب تحليل الفعل الدال، ووضع المقولات النحوية واللانحوية، بل إنه (أي النص) كل ما يستجيب للقراءة، عبر خاصية الجمع بين مختلف الطبقات الدلالية الحاضرة، داخل اللسان التي تعمل على تحريك ذاكرته التاريخية، فالكتابة منفتحة على أنساق متعددة، لا يمكن إخضاعها لمركز تنظيمي للمعنى خصوصاً والنص الأدبي خطاب يخترق وجه العلم والإيديولوجيا والسياسة ويتطلع دوماً لمواجهتها وإعادة صهرها. والسيميائية ـ حسب كريستيفا ـ تمنحنا أرضية خصبة لبلورة منهج قادر على إنتاج معرفة خاصة بالاشتغال النصي، ومحاولة فهم بناء هذا الخطاب، بالبحث في نواة الدلالة، والاغتراف من أنساق دلالية مختلفة، ليكون موضوعها هو صيغ الدلالة وقوانينها، وبالتالي النفاذ إلى كل المواضيع المتصلة بالفكر والمجتمع، وهي موضوعات تنصهر كلها في النص الذي يعد جزءاً من مواضيع المعرفة السيميائية التي ستتحدد في هذا الميدان أكثر من غيره، وتعطينا نمذجة للنصوص بدراسة بعدها التاريخي والاجتماعي الذي يشكلها في الخفاء (40).
تدعونا كريستيفا صراحة إلى النظر في مشكلات النص، قصد بناء دلاليته، فهي لا ترى حرجاً في الاستفادة من مناهج النقد الأدبي السياقية كالنقد النفسي والاجتماعي... وهي مناهج ثارت عليها البنيوية والسيميائية التي اغترفت بعض مبادئها الأولية من البنيوية.
إن النص ـ البنية المغلقة والمنتهية التي تحدثت عنه كريستيفا في مقالها الموسوم بـ «النص المغلق» قصدت فيه انتهاء وانغلاق الرواية كحكاية وكبناء (منتوج) وكفعل أدبي أو كخطاب أو دليل خاضع للممارسة الاجتماعية حين الكتابة (المنتوج)، ويخضع لها أثناء عملية القراءة التي تبني دلاليته انطلاقاً من موقعها، فالدلالة تنشأ من خلال جدلية بين النص والقارئ، لا في النص معزولاً، ولا في المؤلف، بحسب تعبير م. ريفاتير (41). وهي الفكرة التي دافعت عنها مدرسة كونسطانس الألمانية، من خلال التأكيد على: «دور التلقي والقارئ في بناء النص وإنتاج دلالته» (42).
صفحة 10
ـ نموذج غريماس

ولنعد إلى مدرسة باريس السيميائة، لنركز اهتمامنا على الدراسة الباهرة التي اقترحها أ.ج. غريماس، وطبقها على إحدى قصص موباسان المعنونة بـ «الصديقان»، وقبلها وتحديداً سنة 1973 نشر دراسته: «الوصف والسردية في الخيط لجي دي موباسان» (43).
«ألا يحقق غريماس ثنائية النص/القارئ بامتياز كبير، ويعد بذلك قارئاً أنموذجياً لأنه وببساطة استطاع ربما للمرة الأولى التي يحدث لنا فيها الانطباع بأن تحليل النص الأدبي يشبه الأعمال التطبيقية العلمية في الفيزيولوجيا أو علم التشريح مثلاً. النسيج السردي يبسط، يثبت على ورقة كما لو أنه مشدود بالدبابيس، ويجلي كل ما له من ليفات وعروق، وشبكات خفية» (44). غير أننا انطلاقاً من دراسته هذه ودراسات أخرى له نسجل عليه بعض المآخذ، تضاف إلى تلك التي ذكرناها سابقاً، لإثبات افتراضنا بأن كل نص أدبي هو خطاب استعاري وهو خطاب ينفلت دوماً من أي تنظير أو نسقية نهائية لدلالته.
ولنقل بأن: «القراءة النسقية التي اختارت مبدأ المحايثة ضمن منهجها التصوري آلت إلى مأزق النص. النص ليس نسقاً مغلقاً؛ وإن كان قُدّ من كيان لغوي فسيظل نسقاً مفتوحاً مليئاً بالفجوات والثغرات، وهذا سرّ جماليته وأساس أدبيته، بل إن شعرية الغياب وجمالية الفراغ الباني تشكلان قوامه الجوهري» (45) لكننا سنكون متمهلين في الحكم على صحة الفرضية من عدمها، ما لم تستقم مقاربتنا التطبيقية ومعها المنهج الذي نتبعه في تحليل مدونتنا، وما لم نوضح بعض الإشكالات التي تختمر في الذهن دون أن تجد إجابة، يأتي على رأس هذه الإشكاليات إشكالية المحايثة والتأويل، أوليست سيميائية غريماس بحثاً في الدلالة وفي الدلالة التوليدية على وجه الخصوص، وهو ضرب من التأويل في إطار البنية؟ أليست البنية المحايثة رسماً لحدود التأويل ومسافاته؟
إن مصدر هذه التساؤلات يتأتى أولاً من قناعتنا بأهمية المنهج السيميائي لغريماس، ومن جهة أخرى، نجد عملياً أن بحوث غريماس هي أساساً بحوث في المعنى، كما أنه لا يجد حرجاً في استعمال لفظة تأويل، خصوصاً عندما يتحدث عن الدلالة التوليدية، وهو ما عايناه في دراسته الموسومة: موباسان سيميائية النص: دراسة تطبيقية: (la Sémiotique du Maupassant : texte) حيث يقول في خاتمة الدراسة: «بداية تحليل النص كان مقطعاً ـ لأنه يتعلق بمقاربة استقرائية وتأويلية ـ كان من الممكنأن تكون مطولة من خلال مسار بنائي يبحث عن إعطاء تمثيل منطقي للدلالة» (46).
نلاحظ من خلال هذا المقتبس إقراراً واضحاً بأن السيميائية هي بحث استقرائي وتأويلي للمعنى، وهذا ما تؤكده آن إينو (Anne Henault) في الفصل الأخير من كتابها «تاريخ النصوص السيميائية»، تقول: «إن الأعمال الأخيرة لغريماس تجتهد في إعادة تأويل من منظور هيئاتي (ولا صيغي) * كل ما يتعلق بدائرة الإحساس (الموضوعاتي) * والإحاطة إلى جانب تشكيل الهيئاتي للمستوى الخطابي (الطرق المتنوعة للإسهام في وجود الفضاء، الزمن، وسير الممثلين) بالهيئيات العميقة المتعلقة بالتقويمات المتنوعة» (47).
وبما أن آن اينو تتحدث عن إعادة تأويل، فبالضرورة هناك تأويل كان عندما يقوم التحليل على منظور صيغي: (إرادة الفعل، وجوب الفعل، قدرة الفعل) المتعلق بالبرنامج السردي وبالمكوّن السردي عموماً... أما إعادة التأويل فتتعلق بالتشكيل الهيئاتي (الفضاء، الزمان، المكان) المتعلق بالجانب الخطابي ، أي إننا نلمس دعوة ضمنية من آن إينو إلى التوجه نحو تبئير التحليل على المكوّن الخطابي بدل المكون السردي، الذي نال حقه من التحليل، وهو انطباع يتملك الباحث من أول وهلة بمجرد أن يعاين التسمية: السيميائية السردية فلِـمَ لا السيميائية الخطابية؟.
وسنعود لاحقاً إلى المكوّن الخطابي، وكيف أن بإمكاننا قراءة الخطاب الاستعاري وتأويله انطلاقاً من منهج غريماس نفسه.
انطلاقاً مما سبق، نخلص إلى أن الدراسات التي تقابل بين القراءة (التحليل) المحايثة والقراءة التأويلية، دراسات غير مضبوطة، أو على الأقل غير مضبوطة في مقابلتها بين المحايثة والتأويل، وجعلهما على طرفي نقيض، وهذا ما سبق أن رصدناه من خلال تتبع الدراسة التي قام بها غريماس في إطار السيميائية السردية ، التي تؤكد مبدأ المحايثة كمبدأ من مبادئ التحليل السيميائي، إلى جانب تأكيده في دراسته لموباسان بأن مقاربته هي مقاربة استقرائية وتأويلية ، لا بدَّ من التمييز هنا بين الاستقراء والتأويل فالأول يتعلق بالبنية الدلالية التوليدية، وتتبعها داخل النص، بمعنى أن جملة مفتاح تولد لنا نصاً، وهذه الجملة المفتاح لا تخرج عن إطار الثنائية التناظرية (حياة/موت). وعليه فالتحليل استقراء وتتبع لتوالد الجمل المكونة لدلالية النص، في حين أن التأويل هو عملية قراءة للبنيات المولدة للدلالة. فمثلاً إذا سلمنا بوقوع النصوص تحت ثنائية الموت/الحياة، كبنية عميقة لنص ما تتناسل منها كل البنيات، فإن حدث وأن رصدنا بنية تناظرية من مثل: أبيض/أسود، فإننا ملزمون حين تأويلها بالنظر في القيمة الدلالية للألوان، لمعرفة علاقتها بالبنية الكبرى: حياة/موت.. ففي أغلب الثقافات الإنسانية يعد السواد لون حداد، والبياض لون فرح، وقد تشذ بعض الثقافات عن هذه القاعدة، فأسلاف الإسبان الأندلسيون مثلاً يرتدون البياض حداداً، وهو ما نستدل عليه من خلال هذه الأبيات الشعرية:
يقولون البياض لباس حزن
بأندلس، فقلت من الصواب
ألم ترني لبست بياض شعري
لأني قد حزنت على الشباب
لا بدَّ للمحلل إذن من أن ينظر بجدية إلى مثل هذه المسائل، المتعلقة أساساً بموسوعة النص، وظروفه السوسيو ثقافية ، لكي يتمكن من رصد رمزية الألوان وفهمها، وعليه يغدو التأويل ضرورة ملحة، بعدما يتم تتبع المسار التكويني للنص، بحثاً عن المنطق الدلالي.
وبالتالي فالسيميائية السردية تضعنا أمام تحليل تأويلي محايث لا يخرج عن إطار البنية النصية، وعما هو معطى نصي، دون الاعتماد على القراءات السياقية التي انتفضت عليها السيميائية وظهرت كردة فعل عليها، لكن لم تلغها تماماً بل اغترفت بعض مفاهيمها، كما فعلت جوليا. كريستيفا في تنظيراتها للسيميائية التحليلية (lasémanalyse) بتأثير من علم النفس الفرويدي لتؤسس لـ : «ميلاد السيميائية الجديدة المسمّاة السيميائية التحليلية بالاكتشاف الفرويدي للاّوعي» (48).
يمنحنا التأويل المحايث خطوطاً ومسافات أو حدود التأويل التي ينبغي للتحليل أن لا يتجاوزها وهي بنية النص وسياقه الداخلي. لكن هل هذا كاف للإلمام بدلالة النص، وهل يمكن حصر التأويل النصي في حدود تأويل نسقي ؟.