صفحة 1
مقـــــدمة
تعتبر الجماعات الدينية مجالاً خصباً للدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية للكشف عن أسلوب حياتها والدور الذي تؤديه في المجتمع بعد أن ظل يغلب على تلك الدراسات الطابع الفلسفي أكثر من الطابع الاجتماعي .
وتعد الطرق الصوفية من أهم الموضوعات التي أثارت شجون كثير من الباحثين ومن أهمهما دراسة سبنسر تريمنجهام Trimingham- J. S. عن الطرق الصوفية في الإسلام والتي ركز فيها على تكوين المدارس الصوفية بوجه عام , والفروع الرئيسية للطرق الصوفية , وكيفية تكوينها , والشعائر والطقوس التي تمارس داخل كل طريقة صوفية, ودور الطرق الصوفية في المجتمعات الإسلامية , وهناك أيضاً دراسة برجر مورو Morroe Berger عن الإسلام في مصر اليوم وقد ركز فيها على أنواع التنظيمات الدينية ودورها الاجتماعي والأنشطة التيتؤديها وتوصل إلى أن التصـوف ليس مجرد نظريات نفسية أو اجتماعية أو فلسـفية فحسب بقدر ما هو طريقة أو أسلوب في الحياة يمارس من أجل تحقيق هدف اجتماعي (1).
وتحظى القارة الإفريقية بنصيب كبير في انتشار الطرق الصوفية بها , ولعل ذلك مرجعه إلى مدى استعداد عقلية الشعوب الإفريقية للتصوف وما يحتويه من أذكار - أناشيد أوراد خاصة بكل طريقة صوفية , كذلك الحروب الكثيرة التي شهدتها بعض البلدان الإفريقية كالسودان ونيجيريا ... الأمر الذي دفع شعوب تلك الدول للانضمام للطرق الصوفية كوسيلة للخلاص من حالات الضعف والشعور باليأس , فضلاً عن أن شعوب تلك الدول هم نتاج بيئات كانت في الأصل منبعاً لعادات وثنية ومسيحية (2).
ولقد أدت الطرق الصوفية دوراً كبيراً في تاريخ بلدان القارة الإفريقية يتمثل في عدم نفاذ الدعوات الاستعمارية المستترة وراء التبشير مثل الطريقة الأحمدية في نيجيريا , السنوسية في ليبيا , وهناك المهدية في السودان , والتي أشعلت ثورة كبرى في السودان ضد الحكم التركي (3).
وتعتمد بعض تلك الطرق الصوفية في بنائها الاجتماعي على فكرة الإمامة , المهدي المنتظر , حيث تزعم كل طريقة من هذه الطرق أن شروط المهدية تنطبق على إمامها وأهمها انحداره من نسل الرسول الكريم كمهدية الإمام " محمد أحمد عبد الله " في السودان , ومهدية " الملا محمد بن عبد الله " في الصومال ( 1815- 1921م ) ومهدية " بن تومرت " في المغرب , وطبقاً لمفهومالسلطة فإن أئمة هذه الطرق يستمدون سلطتهم السياسية والدينية انطلاقاً من هذه المفاهيم , وعلى أتباعهم طاعتهم وتقديم الولاء لهم (4).
تعتبر الجماعات الدينية مجالاً خصباً للدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية للكشف عن أسلوب حياتها والدور الذي تؤديه في المجتمع بعد أن ظل يغلب على تلك الدراسات الطابع الفلسفي أكثر من الطابع الاجتماعي .
وتعد الطرق الصوفية من أهم الموضوعات التي أثارت شجون كثير من الباحثين ومن أهمهما دراسة سبنسر تريمنجهام Trimingham- J. S. عن الطرق الصوفية في الإسلام والتي ركز فيها على تكوين المدارس الصوفية بوجه عام , والفروع الرئيسية للطرق الصوفية , وكيفية تكوينها , والشعائر والطقوس التي تمارس داخل كل طريقة صوفية, ودور الطرق الصوفية في المجتمعات الإسلامية , وهناك أيضاً دراسة برجر مورو Morroe Berger عن الإسلام في مصر اليوم وقد ركز فيها على أنواع التنظيمات الدينية ودورها الاجتماعي والأنشطة التيتؤديها وتوصل إلى أن التصـوف ليس مجرد نظريات نفسية أو اجتماعية أو فلسـفية فحسب بقدر ما هو طريقة أو أسلوب في الحياة يمارس من أجل تحقيق هدف اجتماعي (1).
وتحظى القارة الإفريقية بنصيب كبير في انتشار الطرق الصوفية بها , ولعل ذلك مرجعه إلى مدى استعداد عقلية الشعوب الإفريقية للتصوف وما يحتويه من أذكار - أناشيد أوراد خاصة بكل طريقة صوفية , كذلك الحروب الكثيرة التي شهدتها بعض البلدان الإفريقية كالسودان ونيجيريا ... الأمر الذي دفع شعوب تلك الدول للانضمام للطرق الصوفية كوسيلة للخلاص من حالات الضعف والشعور باليأس , فضلاً عن أن شعوب تلك الدول هم نتاج بيئات كانت في الأصل منبعاً لعادات وثنية ومسيحية (2).
ولقد أدت الطرق الصوفية دوراً كبيراً في تاريخ بلدان القارة الإفريقية يتمثل في عدم نفاذ الدعوات الاستعمارية المستترة وراء التبشير مثل الطريقة الأحمدية في نيجيريا , السنوسية في ليبيا , وهناك المهدية في السودان , والتي أشعلت ثورة كبرى في السودان ضد الحكم التركي (3).
وتعتمد بعض تلك الطرق الصوفية في بنائها الاجتماعي على فكرة الإمامة , المهدي المنتظر , حيث تزعم كل طريقة من هذه الطرق أن شروط المهدية تنطبق على إمامها وأهمها انحداره من نسل الرسول الكريم كمهدية الإمام " محمد أحمد عبد الله " في السودان , ومهدية " الملا محمد بن عبد الله " في الصومال ( 1815- 1921م ) ومهدية " بن تومرت " في المغرب , وطبقاً لمفهومالسلطة فإن أئمة هذه الطرق يستمدون سلطتهم السياسية والدينية انطلاقاً من هذه المفاهيم , وعلى أتباعهم طاعتهم وتقديم الولاء لهم (4).
صفحة 2
وقد تناولت أحد تلك الطرق الصوفية وهي المهدية في السودان , أو مجتمع الأنصار كما يحب اتباع تلك الطريقة أن يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم ولعل ذلك مرجعه رفضهم اعتبار أنفسهم طريقة صوفية , وهو ما سنحاول الكشف عنه من خلال دراسة البناء الاجتماعي للمهدية في السودان , والدور الذي يؤديه أفراد المجتمع الأنصاري في كافة الأنساق الاجتماعية , النسق السياسي , النسق الديني , النسق القرابي , النسق التربوي , النسق الاقتصادي , التغير الاجتماعي .
ويمثل جماعة الأنصار في السودان ثاني كتلة سياسية ودينية بعد الطريقة الميرغنية بوجه عام , فقد أدى الإمام " محمد أحمد عبد الله المهدي " دوراً هاماً في تاريخ السودان , استطاع من خلاله أن يغير معالم الخريطة العرقية بالسودان , وأن ينشئ الدولة المهدية (1881 - 1898م ) لما تمتع به من شخصية كاريزمية فاستطاع أن يجمع تحت لوائه غالبية القبائل من مختلف الأجناس والأعراق في السودان , كما كان للمجتمع الأنصاري تأثير كبير في تشكيل نظام الحكم في السودان بوجه عام بالرغم من سقوط المهدية فالإمام "عبد الرحمن المهدي " الذي جمع صفوف الأنصار بعد سقوط الدولة كان مرشحاً ليكون ملكاً على السودان باعتباره أهم وأغنى رجل في السودان في ذلك الوقت , فضلاً عن أن الأنصار منتشرون في كافة الأقاليم السودانية وجميعهم يدينون بالولاء لأئمتهم بدءاً من الإمام المؤسس وانتهاءًا بالإمام الحالي الصادق المهدي , والذي كان يلقب في فترة حكم عمر البشير الأولى بصاحب العهد تمهيداً لحصوله على لقب الإمام حين تستقر الأوضاع السياسية في السودان , وهي الفترة التي سافر فيها الصادق المهدي وعدد من أنصاره للقاهرة بعد أن أطلقوا على أنفسهم جماعة " تهتدون " أي يهديهم الله إلى طريق يؤمن لهم العودة للسودان لإسقاط حكومة عمر البشير .
ويحظى المجتمع الأنصاري بالسودان بمستويات تعليمية متباينة أطباء ومحامين ومهندسين إلا أنه يتضمن العدد الأكبر من الأميين بين صفوفه وهم يتركزون في غرب السودان , كما يضم المجتمع الأنصاري فئات عمرية مختلفة فهي تضم عائلات أنصارية بأكملها الجد - الأب - الأبناء - الأحفاد كأسر ممتدة .
وقد ركزت الدراسة الحقلية على المجتمع الأنصاري في مدينة أم درمان لعدة أسباب أهمها :
أنها المدينة التي أنشأها مؤسس الطريقة المهدية وخليفته من خلال بناء الدولة المهدية والتي اختيرت لتكون عاصمة للدولة ومركزاً لنظام الحكم , حيث تحوي تنظيمات المهدية وجيش الإمام وبها طبعت منشورات المهدية والتي تعد بمثابة قوانين ينفذها المجتمع الأنصاري ويسير على نهجها , وإلا تعرض العضو المخطئ لعمليات الضبط الاجتماعي , كما يعقد الإمام مؤسس المهدية مجالسه ويخطب في الأنصار بمدينة أم درمان , فضلاً عن احتوائها على عدد من المحاكم القضائية التي كان يفصل فيها القضاة قياساً على أوامر واجتهادات الإمام المهدي والتي وردت في منشورات المهدية والموجودة في دار الوثائق بالسودان تحت عنوان إنذارات وأحكام, كما يوجد بالمدينة ضريح الإمام مؤسس الطريقة في أم درمان , الأمر الذي يوضح مدى قوة تأثير الإمام المؤسس سواء في حياته أم بعد مماته , مما يتيح الفرصة للباحثة التعرف على البناء الاجتماعي للمهدية , كما يوجد بالمدينة مسجد الخليفة وهو أكبر مسجد أنصاري بالسودان أيضاً , كما تشتمل مدينة أم درمان على عناصر شتى من القبائل التي دخلت في المهدية والتي لازالت تعيش بالمدينة , مما يتيح للباحثة التعرف على التغيرات التي طرأت على كافة الأنساق الاجتماعية للمجتمع الأنصاري .
ويمثل جماعة الأنصار في السودان ثاني كتلة سياسية ودينية بعد الطريقة الميرغنية بوجه عام , فقد أدى الإمام " محمد أحمد عبد الله المهدي " دوراً هاماً في تاريخ السودان , استطاع من خلاله أن يغير معالم الخريطة العرقية بالسودان , وأن ينشئ الدولة المهدية (1881 - 1898م ) لما تمتع به من شخصية كاريزمية فاستطاع أن يجمع تحت لوائه غالبية القبائل من مختلف الأجناس والأعراق في السودان , كما كان للمجتمع الأنصاري تأثير كبير في تشكيل نظام الحكم في السودان بوجه عام بالرغم من سقوط المهدية فالإمام "عبد الرحمن المهدي " الذي جمع صفوف الأنصار بعد سقوط الدولة كان مرشحاً ليكون ملكاً على السودان باعتباره أهم وأغنى رجل في السودان في ذلك الوقت , فضلاً عن أن الأنصار منتشرون في كافة الأقاليم السودانية وجميعهم يدينون بالولاء لأئمتهم بدءاً من الإمام المؤسس وانتهاءًا بالإمام الحالي الصادق المهدي , والذي كان يلقب في فترة حكم عمر البشير الأولى بصاحب العهد تمهيداً لحصوله على لقب الإمام حين تستقر الأوضاع السياسية في السودان , وهي الفترة التي سافر فيها الصادق المهدي وعدد من أنصاره للقاهرة بعد أن أطلقوا على أنفسهم جماعة " تهتدون " أي يهديهم الله إلى طريق يؤمن لهم العودة للسودان لإسقاط حكومة عمر البشير .
ويحظى المجتمع الأنصاري بالسودان بمستويات تعليمية متباينة أطباء ومحامين ومهندسين إلا أنه يتضمن العدد الأكبر من الأميين بين صفوفه وهم يتركزون في غرب السودان , كما يضم المجتمع الأنصاري فئات عمرية مختلفة فهي تضم عائلات أنصارية بأكملها الجد - الأب - الأبناء - الأحفاد كأسر ممتدة .
وقد ركزت الدراسة الحقلية على المجتمع الأنصاري في مدينة أم درمان لعدة أسباب أهمها :
أنها المدينة التي أنشأها مؤسس الطريقة المهدية وخليفته من خلال بناء الدولة المهدية والتي اختيرت لتكون عاصمة للدولة ومركزاً لنظام الحكم , حيث تحوي تنظيمات المهدية وجيش الإمام وبها طبعت منشورات المهدية والتي تعد بمثابة قوانين ينفذها المجتمع الأنصاري ويسير على نهجها , وإلا تعرض العضو المخطئ لعمليات الضبط الاجتماعي , كما يعقد الإمام مؤسس المهدية مجالسه ويخطب في الأنصار بمدينة أم درمان , فضلاً عن احتوائها على عدد من المحاكم القضائية التي كان يفصل فيها القضاة قياساً على أوامر واجتهادات الإمام المهدي والتي وردت في منشورات المهدية والموجودة في دار الوثائق بالسودان تحت عنوان إنذارات وأحكام, كما يوجد بالمدينة ضريح الإمام مؤسس الطريقة في أم درمان , الأمر الذي يوضح مدى قوة تأثير الإمام المؤسس سواء في حياته أم بعد مماته , مما يتيح الفرصة للباحثة التعرف على البناء الاجتماعي للمهدية , كما يوجد بالمدينة مسجد الخليفة وهو أكبر مسجد أنصاري بالسودان أيضاً , كما تشتمل مدينة أم درمان على عناصر شتى من القبائل التي دخلت في المهدية والتي لازالت تعيش بالمدينة , مما يتيح للباحثة التعرف على التغيرات التي طرأت على كافة الأنساق الاجتماعية للمجتمع الأنصاري .
صفحة 3
الإطـار النظرى والمنهجى
أولاً : المفاهيم
1 - التصوف : المصطلح والمفهوم
أ - التسمية :
اختلف مؤرخو الفكر الإسلامى حول أصل كلمة صوفية , فأرجعوا التسمية إلى أربعة مصادر :
• الصفة : وهى فناء ملحق بمسجد الرسول بالمدينة المنورة وينتسب إليها بعض المسلمين فى عصر النبى عليه السلام عرفوا بأهل الصفة , وكان الرسول يهتم بهم ويحث المسلمين على رعايتهم بتقديم الصدقات لهم , وهم يرتدون ثوباً واحداً عادة ما يكون من الصوف , كما أطلق على أهل الصفة الغرباء لخروجهم من ديارهم قاصدين وجه الله ، ومن أشهر أهل الصفة : " أبو ذر الغفارى , أبو موسى الأشعرى , سلمان الفارسى " (5) .
وعلى الرغم من أن أصل تسمية أهل الصفة هى كلمة صفة وليسـت صوفى إلا أنه لا يمكن أن نغفل أثر سلوك أهل الصفة وزهدهم فى تحديد منهاج وسلوك الصوفية فى عصور لاحقة .
• الصوفـه : ورد فى لسان العرب لابن منظور أن الصوفة كل من ولى شيئاً من عمل فى البيت الحرام قبل الإسلام , وهم الصوفان " (6) .
• وقيل أيضا ً : صـوفة قبيلة اجتمعت من أفنـاء القبـائل , ومن الواضـح أنه لا يحتمل أن يكون أصل التسمية من هذا القبيل (7) .
• ارتداء الصوف : ويميل كثير من المؤرخين إلى أن يكون أصل التسمية هو لبس الصوف الذى كان يرتديه كثير من الزهاد (8) ، وأن كل طريقة صوفية تختار لوناً معيناً فى مرقعتها , على الرغم من أن كلمة صوفى مشتقة من صوف, وهى صحيحة لغوياً, إلا أن الصوف لم يكن قاعدة عند كل الصوفيين .
وقد يكون أصل التسمية مرجعه الجانب الرمزى فى لبس الصوف باعتباره خشن الملمس (9) .
• الصفاء والصف : يرى أهل الصوفة أن أصل التسمية يرجع إلى صفاء القلوب ونقاءها مثل ما ذكره " بشر بن الحارث الحافى " , الصوفى من صفا قلبه لله , وقد ربط هؤلاء التصوف بصفاء القلب والنفس ، وهم يعتمدون على صفاء القلب الذى يعقبه الاصطفاء وينتهجون منهجاً روحياً يقوم على مجاهدة النفس للإغراءات الدنيوية (10) .
يتضح لنا أنه من الخطأ اشتقاق كلمة صوفى من صفاء وصف , فصفاء أصلها صفاوى , وصف أصلها صفى (11) .
الخلاصــة : أن كلمة صوفى لم تطلق على الصوفة لتميزهم بلباس الصوف المعبر عن تزكية النفس والأدب والتواضع والزهد والتثقف الذى يميز مسلكهم فى الحياة . ويتفق فى ذلك الكثير منهم كالسراج ، الطوسى ، ابن خلدون وآخرين . كما أنها تستقيم مع قواعد اللغة فكلمة صوفى أصلها صوف .(12)
أولاً : المفاهيم
1 - التصوف : المصطلح والمفهوم
أ - التسمية :
اختلف مؤرخو الفكر الإسلامى حول أصل كلمة صوفية , فأرجعوا التسمية إلى أربعة مصادر :
• الصفة : وهى فناء ملحق بمسجد الرسول بالمدينة المنورة وينتسب إليها بعض المسلمين فى عصر النبى عليه السلام عرفوا بأهل الصفة , وكان الرسول يهتم بهم ويحث المسلمين على رعايتهم بتقديم الصدقات لهم , وهم يرتدون ثوباً واحداً عادة ما يكون من الصوف , كما أطلق على أهل الصفة الغرباء لخروجهم من ديارهم قاصدين وجه الله ، ومن أشهر أهل الصفة : " أبو ذر الغفارى , أبو موسى الأشعرى , سلمان الفارسى " (5) .
وعلى الرغم من أن أصل تسمية أهل الصفة هى كلمة صفة وليسـت صوفى إلا أنه لا يمكن أن نغفل أثر سلوك أهل الصفة وزهدهم فى تحديد منهاج وسلوك الصوفية فى عصور لاحقة .
• الصوفـه : ورد فى لسان العرب لابن منظور أن الصوفة كل من ولى شيئاً من عمل فى البيت الحرام قبل الإسلام , وهم الصوفان " (6) .
• وقيل أيضا ً : صـوفة قبيلة اجتمعت من أفنـاء القبـائل , ومن الواضـح أنه لا يحتمل أن يكون أصل التسمية من هذا القبيل (7) .
• ارتداء الصوف : ويميل كثير من المؤرخين إلى أن يكون أصل التسمية هو لبس الصوف الذى كان يرتديه كثير من الزهاد (8) ، وأن كل طريقة صوفية تختار لوناً معيناً فى مرقعتها , على الرغم من أن كلمة صوفى مشتقة من صوف, وهى صحيحة لغوياً, إلا أن الصوف لم يكن قاعدة عند كل الصوفيين .
وقد يكون أصل التسمية مرجعه الجانب الرمزى فى لبس الصوف باعتباره خشن الملمس (9) .
• الصفاء والصف : يرى أهل الصوفة أن أصل التسمية يرجع إلى صفاء القلوب ونقاءها مثل ما ذكره " بشر بن الحارث الحافى " , الصوفى من صفا قلبه لله , وقد ربط هؤلاء التصوف بصفاء القلب والنفس ، وهم يعتمدون على صفاء القلب الذى يعقبه الاصطفاء وينتهجون منهجاً روحياً يقوم على مجاهدة النفس للإغراءات الدنيوية (10) .
يتضح لنا أنه من الخطأ اشتقاق كلمة صوفى من صفاء وصف , فصفاء أصلها صفاوى , وصف أصلها صفى (11) .
الخلاصــة : أن كلمة صوفى لم تطلق على الصوفة لتميزهم بلباس الصوف المعبر عن تزكية النفس والأدب والتواضع والزهد والتثقف الذى يميز مسلكهم فى الحياة . ويتفق فى ذلك الكثير منهم كالسراج ، الطوسى ، ابن خلدون وآخرين . كما أنها تستقيم مع قواعد اللغة فكلمة صوفى أصلها صوف .(12)
صفحة 4
ب - المفهــوم :
لا يوجد تعريف محدد شامل لمفهوم التصوف (13) ، ولا يمكننا فصل المفهوم عن أصل التسمية (14) ، فالأمران متداخلان ، إذ يقول البعض أن كلمة صوفى أطلقت لأول مرة فى التاريخ الإسلامى فى النصف الأول من القرن الثانى للهجرة فى عهد على أبى هاشم الزاهد البغدادى ، وعلى الكمانى جابر ابن حيان الكوفى(15)، وأنه قبل هذا التاريخ كانت تطلق صيغة زاهد لمن أطلق عليهم فيما بعد بالصوفيين، وقد تغيرت الكلمة عندما أصبح الزهد وعدم التعلق بالدنيا هو سلوك عام عند الصحابة والتابعين ثم مال بعض هؤلاء إلى الدنيا فى زمن الفتوحات الإسلامية ومن هنا ميز الزهاد أنفسهم عن هؤلاء الدنيويين ، فأطلقوا على أنفسهم الصوفيون ، وبالتالى أصبحت التسمية منذ ذلك التاريخ تتبلور فى منهج خاص يطمح إليه الصوفى إلى الظفر بلقب ولى .
أما الشيخ عبد القادر الجيلانى فيربط بين الصوفية بحال النفس وتزكيتها ويميز بين الصوفى والمتصوف بقوله : " صوفى مأخوذ من المصافاه يعنى عبدًا صافاه الحق عز وجل .. ولهذا قيل الصوفى من كان صافياً من آفات النفس خالياً من مذموماتها ، سالكاً بحميد مذاهبه ، ملازماً للحقائق غير ساكن بقلبه إلى أحد من الخلائق " .
المتصوف الشارع فى طريق الوصل ، والصوفى من قطع الطريق ووصل إلى من إليه القطع والوصل .. المتصوف متحمل ، والصوفى محمول .. حمل المتصوف كل ثقيل وخفيف فحمل حتى ذابت نفسه , وزال هواه وتلاشت إرادته فصار صافياً فسمى صوفياً (16) .
وفى الرسالة القشيرية ورد " أن علامة الصوفى الصادق أن يفتــقر بعد الغنى ، ويذل بعد العز ويخفى بعد الشهرة ، وعلامة الصوفى الكاذب أن يستغنى بعد الفقر ويعز بعد الذل ويشتهر بعد الخفاء " (17) .
وهناك تعريف ابن خلدون (18) للتصوف ، الذى جعل كثير من المؤلفين يأخذون موقفاً سلبياً من التصوف لاعتزال المتصوفة الحياة .. لما فشا الإقبال على الدنيا وجنح الناس إلى متاع هذه الحياة ، ودبت الحاجة إلى وجود الفرق الإسلامية وادعى أصحاب كل فرقة أنهم على حق وأن فيهم العباد والزهاد " (19) .
2 - العهـد : « البيـعة » :
هى عقد إلزامى يربط بين الشيخ والمريد فى الطرق الصوفية ، ويلزم المتعاقدين بكل ما فى بنود العهد (20) وهو التـزام بالقرابة الشعائرية (21) .
والعهد فى الطرق الصوفية ماخوذ عن الإلتزام الذى قطعه المسلمون على أنفسهم بمناصرة النبى (صلى الله عليه وسلم) وحمايته والإقتفاء بأثره " أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم " (22) .
والعهد والبيعة من المريد للشيخ معناها : الأخذ والمصافحة ومبايعة لرسول الله ، وأن كل بيعة حصلت بعد بيعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هى تجديد لبيعته .. ولا يجوز للمريد نقض البيعة لأنها عقد إلزامى يلزم المتعاقدين بكل ما فى بنود البيعة إقتداء بقول الله : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يـد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً (23) .
وفى البيعة ينبغى على الشيخ أن يأمر المريد بالتطهر من الحدث والخبث ليتهيــأ لقبول ما يلقيه عليه ويتوجه إلى الله ويسأله القبــول ويتوسل إليه بسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه الواسطة بينه وبين خلقه (24) .
لا يوجد تعريف محدد شامل لمفهوم التصوف (13) ، ولا يمكننا فصل المفهوم عن أصل التسمية (14) ، فالأمران متداخلان ، إذ يقول البعض أن كلمة صوفى أطلقت لأول مرة فى التاريخ الإسلامى فى النصف الأول من القرن الثانى للهجرة فى عهد على أبى هاشم الزاهد البغدادى ، وعلى الكمانى جابر ابن حيان الكوفى(15)، وأنه قبل هذا التاريخ كانت تطلق صيغة زاهد لمن أطلق عليهم فيما بعد بالصوفيين، وقد تغيرت الكلمة عندما أصبح الزهد وعدم التعلق بالدنيا هو سلوك عام عند الصحابة والتابعين ثم مال بعض هؤلاء إلى الدنيا فى زمن الفتوحات الإسلامية ومن هنا ميز الزهاد أنفسهم عن هؤلاء الدنيويين ، فأطلقوا على أنفسهم الصوفيون ، وبالتالى أصبحت التسمية منذ ذلك التاريخ تتبلور فى منهج خاص يطمح إليه الصوفى إلى الظفر بلقب ولى .
أما الشيخ عبد القادر الجيلانى فيربط بين الصوفية بحال النفس وتزكيتها ويميز بين الصوفى والمتصوف بقوله : " صوفى مأخوذ من المصافاه يعنى عبدًا صافاه الحق عز وجل .. ولهذا قيل الصوفى من كان صافياً من آفات النفس خالياً من مذموماتها ، سالكاً بحميد مذاهبه ، ملازماً للحقائق غير ساكن بقلبه إلى أحد من الخلائق " .
المتصوف الشارع فى طريق الوصل ، والصوفى من قطع الطريق ووصل إلى من إليه القطع والوصل .. المتصوف متحمل ، والصوفى محمول .. حمل المتصوف كل ثقيل وخفيف فحمل حتى ذابت نفسه , وزال هواه وتلاشت إرادته فصار صافياً فسمى صوفياً (16) .
وفى الرسالة القشيرية ورد " أن علامة الصوفى الصادق أن يفتــقر بعد الغنى ، ويذل بعد العز ويخفى بعد الشهرة ، وعلامة الصوفى الكاذب أن يستغنى بعد الفقر ويعز بعد الذل ويشتهر بعد الخفاء " (17) .
وهناك تعريف ابن خلدون (18) للتصوف ، الذى جعل كثير من المؤلفين يأخذون موقفاً سلبياً من التصوف لاعتزال المتصوفة الحياة .. لما فشا الإقبال على الدنيا وجنح الناس إلى متاع هذه الحياة ، ودبت الحاجة إلى وجود الفرق الإسلامية وادعى أصحاب كل فرقة أنهم على حق وأن فيهم العباد والزهاد " (19) .
2 - العهـد : « البيـعة » :
هى عقد إلزامى يربط بين الشيخ والمريد فى الطرق الصوفية ، ويلزم المتعاقدين بكل ما فى بنود العهد (20) وهو التـزام بالقرابة الشعائرية (21) .
والعهد فى الطرق الصوفية ماخوذ عن الإلتزام الذى قطعه المسلمون على أنفسهم بمناصرة النبى (صلى الله عليه وسلم) وحمايته والإقتفاء بأثره " أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم " (22) .
والعهد والبيعة من المريد للشيخ معناها : الأخذ والمصافحة ومبايعة لرسول الله ، وأن كل بيعة حصلت بعد بيعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هى تجديد لبيعته .. ولا يجوز للمريد نقض البيعة لأنها عقد إلزامى يلزم المتعاقدين بكل ما فى بنود البيعة إقتداء بقول الله : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يـد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً (23) .
وفى البيعة ينبغى على الشيخ أن يأمر المريد بالتطهر من الحدث والخبث ليتهيــأ لقبول ما يلقيه عليه ويتوجه إلى الله ويسأله القبــول ويتوسل إليه بسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه الواسطة بينه وبين خلقه (24) .
صفحة 5
3 - الكرامـــة :
هى الأمر الخارق لما تعود عليه البشر أن يجدوه مقبولاُ ومطابقاً لقوانين ونظم الطبيعة والحياة ، غير أن هذا الأمر الخارق لما تعود عليه البشر لا يقرن بدعوى النبوة ولا إيماء لها ولا بسحر دجال ، وإنما يخص الله أولياءه العارفين بها ، وهو القادر الفعال لما يريد (25) .
وقد قسمها ابن عربى فى الفتوحات المكية .. فقسمها إلى قسمين ، كرامات حسيه وهى كرامات العامة مثل المشى على الماء وعلى الأرض والإطلاع على الكوامن والأخبار بالماضى والحاضر والمستقبل . أما الكرامات المعنوية ، فهى كرامات الخاصة من عباد الله وهى كرامة العمل بشريعة القرآن والتمسك بها (26) .
ويستند الصوفية فى اعتقادهم بالكرامة إلى القرآن :﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ( (27، ويذكرون أن مريم لم تكن نبيه ، وقوله تعالى : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (28 ، وكذلك ما ورد فى السنـة حديث النبى (صلى الله عليه وسلم) فى قصة جريج الراهب، وحديث النبى (صلى الله عليه وسلم)" أن فى أمتى مكلمين ومحدثين ".
وتختلف الكرامة عن المعجزة التى إختص بها الأنبياء فقط وترتبط بتحدى هؤلاء الرسل للأمم ، أما الكرامة فلا ترتبط بأى نوع من التحدى ، وإنما أختص بها عبد من عباد الله الصالحين بحب الله له ورضاه وقبوله له .
والكرامة كالمعجزة تدل على كمال قدرة الله وأن وقوع كرامات الأولياء هو فى الحقيقة إكرام للأنبياء فى إتباعهم وأن كرامات الأولياء هى البشرى التى جعلها الله لهم فى الدنيا لتدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم (29) .
وقد أنكر الفلاسفة كرامات الأولياء كما أنكرها المعتزلة بدعوى التباسها بالمعجزة، وللكرامة شروط (30) :
1 - أن تكون الحادثة ممكنة الحدوث أى لا تناقض قوانين العقل والمنطق ، ولكنها قد تناقض السنن والقوانين الطبيعية .
2 - أن تتفق مع قواعد الشرع .
وقد ذكر إبن تيميه أن لبعض الناس كرامات ، وأن بعضهم يجرى الله على يديه خوارق العادات ، وهذا لا يقتضى أنهم أناس معصومون من الخطأ (31) .
ومن أولياء الله الصالحين أصحاب الكرامات ، المتصوفة فكل صوفى اشتهر أمره وبرز فى عصره يصاحب تميزه سلسلة من الكرامات وخوارق اتخذت معياراً لقربه من الله ، وقد بلغت كرامات الأولياء فى السودان إلى حد درجة إحياء الموتى والطيران فى الهواء وقد ساعدت هذه الكرامات على انتشار الطرق الصوفية بالسودان منها الطريقة الختمية لما عرف عن مؤسيسها من كرامات ، وترتبط تلك الكرامات بشخصية صاحبها وقدرته على القيــام بأشيــاء خارجــة عـن طاقـة البشـر فترفع تلك الكرامات مكانة من نسبت إليه ، وكلما زادت كرامات الشخص زاد حب الناس إليه (32) .
وهناك كرامات لمطالب دنيوية ، فعلى حـد قول القشيرى أن كرامات المتصوفة فى السودان قد تكون إجابـة لدعوة ، وقد تكون إظهار طعام فى غير أوانه دون سبب ظاهر أو حصول ماء فى زمن عطش ، أو تسهيل قطع مسافة فى مدة قصيرة أو تخليص من عدو .. وغير ذلك من الأفعال المناقضة للعادة (33). ومن هنا نجد أن هذه الكرامات ترمــز إلى معانى نفسية واجتماعية متصلة بحياة الفرد والمجتمع (34) .
هى الأمر الخارق لما تعود عليه البشر أن يجدوه مقبولاُ ومطابقاً لقوانين ونظم الطبيعة والحياة ، غير أن هذا الأمر الخارق لما تعود عليه البشر لا يقرن بدعوى النبوة ولا إيماء لها ولا بسحر دجال ، وإنما يخص الله أولياءه العارفين بها ، وهو القادر الفعال لما يريد (25) .
وقد قسمها ابن عربى فى الفتوحات المكية .. فقسمها إلى قسمين ، كرامات حسيه وهى كرامات العامة مثل المشى على الماء وعلى الأرض والإطلاع على الكوامن والأخبار بالماضى والحاضر والمستقبل . أما الكرامات المعنوية ، فهى كرامات الخاصة من عباد الله وهى كرامة العمل بشريعة القرآن والتمسك بها (26) .
ويستند الصوفية فى اعتقادهم بالكرامة إلى القرآن :﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ( (27، ويذكرون أن مريم لم تكن نبيه ، وقوله تعالى : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (28 ، وكذلك ما ورد فى السنـة حديث النبى (صلى الله عليه وسلم) فى قصة جريج الراهب، وحديث النبى (صلى الله عليه وسلم)" أن فى أمتى مكلمين ومحدثين ".
وتختلف الكرامة عن المعجزة التى إختص بها الأنبياء فقط وترتبط بتحدى هؤلاء الرسل للأمم ، أما الكرامة فلا ترتبط بأى نوع من التحدى ، وإنما أختص بها عبد من عباد الله الصالحين بحب الله له ورضاه وقبوله له .
والكرامة كالمعجزة تدل على كمال قدرة الله وأن وقوع كرامات الأولياء هو فى الحقيقة إكرام للأنبياء فى إتباعهم وأن كرامات الأولياء هى البشرى التى جعلها الله لهم فى الدنيا لتدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم (29) .
وقد أنكر الفلاسفة كرامات الأولياء كما أنكرها المعتزلة بدعوى التباسها بالمعجزة، وللكرامة شروط (30) :
1 - أن تكون الحادثة ممكنة الحدوث أى لا تناقض قوانين العقل والمنطق ، ولكنها قد تناقض السنن والقوانين الطبيعية .
2 - أن تتفق مع قواعد الشرع .
وقد ذكر إبن تيميه أن لبعض الناس كرامات ، وأن بعضهم يجرى الله على يديه خوارق العادات ، وهذا لا يقتضى أنهم أناس معصومون من الخطأ (31) .
ومن أولياء الله الصالحين أصحاب الكرامات ، المتصوفة فكل صوفى اشتهر أمره وبرز فى عصره يصاحب تميزه سلسلة من الكرامات وخوارق اتخذت معياراً لقربه من الله ، وقد بلغت كرامات الأولياء فى السودان إلى حد درجة إحياء الموتى والطيران فى الهواء وقد ساعدت هذه الكرامات على انتشار الطرق الصوفية بالسودان منها الطريقة الختمية لما عرف عن مؤسيسها من كرامات ، وترتبط تلك الكرامات بشخصية صاحبها وقدرته على القيــام بأشيــاء خارجــة عـن طاقـة البشـر فترفع تلك الكرامات مكانة من نسبت إليه ، وكلما زادت كرامات الشخص زاد حب الناس إليه (32) .
وهناك كرامات لمطالب دنيوية ، فعلى حـد قول القشيرى أن كرامات المتصوفة فى السودان قد تكون إجابـة لدعوة ، وقد تكون إظهار طعام فى غير أوانه دون سبب ظاهر أو حصول ماء فى زمن عطش ، أو تسهيل قطع مسافة فى مدة قصيرة أو تخليص من عدو .. وغير ذلك من الأفعال المناقضة للعادة (33). ومن هنا نجد أن هذه الكرامات ترمــز إلى معانى نفسية واجتماعية متصلة بحياة الفرد والمجتمع (34) .
صفحة 6
4 - مفهوم الحضرة :
يطلق عليها الليلية أيضاً ، ويقصد بها ذكر الجماعة وتقام فى المناسبات الهامة لدى الصوفية كمولد الرسول ، ومولد شيخ الطريقة ، ويقرأون فيها المولد المعتمد لدى شيخ الطريقة ، والأوراد وبعض القصائد ، ثم يختمون بالدعاء والفاتحة ، ويعتقد بعض الصوفية أن الرسول يحضر مثل هذا المجلس ، وأن الدعاء مستجاب فى الحضرة (35) .
كما يعتقدون أنه بغير هذه الحضرة لا يعد الولى شيئاً إذ أن الحضرة تعد لقاء الولى بالرسول أى الفتح وهى آله إعلامية وأساس التشريع لأنها تلقى من الرسول ، والحضرة نوعان - حضرة للأولياء - وحضرة للرسول أى جلستان واحدة مع النبى والأخرى مع الولى ، ومن الشيوخ الذين أتوا بها قديماً محى الدين بن عربى، أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد ، كما أتى بها فى السودان الشيخ حمد النحلان ، الشيخ حسن ود حسونة ، الشيخ أحمد الطيب البشير ، الشيخ محمد الحسن الميرغنى، وأخيراً .. محمد أحمد المهدى والخليفة عبد الله من بعده ... وسيأتى ذكرها فى النسق الدينى حيث اعتمدت مهدية الإمام المهدى على حضرة التنصيب ، كما اعتمد الخليفة عند تنصيبه على بعض الحضرات ، بل أن الخليفة كان له كاتب أطلق عليه كاتب الحضرات (36) .
5 - الراتب والحزب والورد عند الصوفة :
الراتب : هو مايرتبه مؤسس الطريقة الصوفية على أتباعه من الأدعية والآيات ، ويقرأ فى أوقات معلومة (37) . أما الحزب وجمعه أحزاب فهى أدعية وآيات محددة ، ولكنها لا تقرأ فى أوقات محددة ، وهناك أحزاب مشهورة مثل حزب البحر ، حزب السيفى (38) .
الورد : الأوراد هى أدعيـة وآيات تقرأ فى أوقات منتظمة بالليـل والنهار ، أو تقرأ كل يوم مرة أو كل جمعة مرة أو على أى نحو منتظم (39) ، استنادا لما ورد فى القرآن: وهو الذى جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً(40) ، وترتبط الأوراد بشيخ الطريقة فهى نصوص مختارة ومجازة من شيخ الطريقة بنصها وأوقاتها، لهذا لكل طريقة معتمدة وردها المعتمد . وهو إما أن يكون من تأليف شيخ الطريقة أو ورد مشهورلصوفى ذى مكانة كالشاذلى أو الدسوقى ، وقد تسمى الأوراد مسبعات لأنها تردد 7 مرات ، ومنها مسبعات الإمام المهدى فى الراتب ، ومن الأوراد المشهورة أوراد عبد القادرالجيلانى ، أوراد الدسوقى (41) . وغالباً ما يكون الورد استغفاراً لله كأن يقول المريد " أستغفر الله " تسعة وتسعون مرة ، ثم يقول فى المرة المائة " أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه " .
" ويكثر ما يذكر فى الورد فى الطرق الصوفية المختلفة قول .. لا إله إلا الله تسعة وتسعون مرة وفى الطريقة الشاذلية يقول المريد : اللهم صلى على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبى الأمى وعلى آله وأصحابه وسلم فى كل وقت وحين .. " تسعة وتسعون مرة (42) .
ويطلق الطرق الصوفية فى مصر على الحزب " الورد" (43) . أما فى المهدية فلا يستعمل الإمام مؤسس الطريقة لفظ الورد ولكن يستخدم الراتب والحزب ويقرآن معاً بعد صلاتى الصبح والعصر ولا اختلاف بينهما من حيث المناسبة وإنما الاختلاف يأتى فى النص لان الراتب جمـلة من الأدعية والآيات والأذكار وهـو ما يأتى فى النص لأن الراتب جملة من الأدعية والآيات والأذكار وهو ما سنذكره بالتفصيل فى باب النسق الدينى، أما الحزب فى المهدية فهى مختارات من الآيات(44).
يطلق عليها الليلية أيضاً ، ويقصد بها ذكر الجماعة وتقام فى المناسبات الهامة لدى الصوفية كمولد الرسول ، ومولد شيخ الطريقة ، ويقرأون فيها المولد المعتمد لدى شيخ الطريقة ، والأوراد وبعض القصائد ، ثم يختمون بالدعاء والفاتحة ، ويعتقد بعض الصوفية أن الرسول يحضر مثل هذا المجلس ، وأن الدعاء مستجاب فى الحضرة (35) .
كما يعتقدون أنه بغير هذه الحضرة لا يعد الولى شيئاً إذ أن الحضرة تعد لقاء الولى بالرسول أى الفتح وهى آله إعلامية وأساس التشريع لأنها تلقى من الرسول ، والحضرة نوعان - حضرة للأولياء - وحضرة للرسول أى جلستان واحدة مع النبى والأخرى مع الولى ، ومن الشيوخ الذين أتوا بها قديماً محى الدين بن عربى، أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد ، كما أتى بها فى السودان الشيخ حمد النحلان ، الشيخ حسن ود حسونة ، الشيخ أحمد الطيب البشير ، الشيخ محمد الحسن الميرغنى، وأخيراً .. محمد أحمد المهدى والخليفة عبد الله من بعده ... وسيأتى ذكرها فى النسق الدينى حيث اعتمدت مهدية الإمام المهدى على حضرة التنصيب ، كما اعتمد الخليفة عند تنصيبه على بعض الحضرات ، بل أن الخليفة كان له كاتب أطلق عليه كاتب الحضرات (36) .
5 - الراتب والحزب والورد عند الصوفة :
الراتب : هو مايرتبه مؤسس الطريقة الصوفية على أتباعه من الأدعية والآيات ، ويقرأ فى أوقات معلومة (37) . أما الحزب وجمعه أحزاب فهى أدعية وآيات محددة ، ولكنها لا تقرأ فى أوقات محددة ، وهناك أحزاب مشهورة مثل حزب البحر ، حزب السيفى (38) .
الورد : الأوراد هى أدعيـة وآيات تقرأ فى أوقات منتظمة بالليـل والنهار ، أو تقرأ كل يوم مرة أو كل جمعة مرة أو على أى نحو منتظم (39) ، استنادا لما ورد فى القرآن: وهو الذى جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً(40) ، وترتبط الأوراد بشيخ الطريقة فهى نصوص مختارة ومجازة من شيخ الطريقة بنصها وأوقاتها، لهذا لكل طريقة معتمدة وردها المعتمد . وهو إما أن يكون من تأليف شيخ الطريقة أو ورد مشهورلصوفى ذى مكانة كالشاذلى أو الدسوقى ، وقد تسمى الأوراد مسبعات لأنها تردد 7 مرات ، ومنها مسبعات الإمام المهدى فى الراتب ، ومن الأوراد المشهورة أوراد عبد القادرالجيلانى ، أوراد الدسوقى (41) . وغالباً ما يكون الورد استغفاراً لله كأن يقول المريد " أستغفر الله " تسعة وتسعون مرة ، ثم يقول فى المرة المائة " أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه " .
" ويكثر ما يذكر فى الورد فى الطرق الصوفية المختلفة قول .. لا إله إلا الله تسعة وتسعون مرة وفى الطريقة الشاذلية يقول المريد : اللهم صلى على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبى الأمى وعلى آله وأصحابه وسلم فى كل وقت وحين .. " تسعة وتسعون مرة (42) .
ويطلق الطرق الصوفية فى مصر على الحزب " الورد" (43) . أما فى المهدية فلا يستعمل الإمام مؤسس الطريقة لفظ الورد ولكن يستخدم الراتب والحزب ويقرآن معاً بعد صلاتى الصبح والعصر ولا اختلاف بينهما من حيث المناسبة وإنما الاختلاف يأتى فى النص لان الراتب جمـلة من الأدعية والآيات والأذكار وهـو ما يأتى فى النص لأن الراتب جملة من الأدعية والآيات والأذكار وهو ما سنذكره بالتفصيل فى باب النسق الدينى، أما الحزب فى المهدية فهى مختارات من الآيات(44).
صفحة 7
6 - الولاية وخاتم الأولياء :
الولى هو الصديق والنصير ضد العدو ، وذكر المتصوفة أن هناك فارقاً بين الولى والنبى خاصة فى نزول الوحى على الأنبياء ، والولى عند المتصـوفة يلهم ولا ينزل عليه ملك قط ، أما النبى فلابد له من الوحى ونزول الملك به ، وقد إعتبر ابن تيميه أن هذا خطأ وشطط من المتصوفة (45) .
فالولاية تعنى أن يتولى الله الواصل إلى حضرة قدسية بكثير مما يتول به النبى من حفظ وتوفيق وتمكين فقد فضل المتصوفة الولاية على النبوة ، فالولى يتفق مع النبى فى أمور منها العلم من غير طريق العلم الكسبى - الفعل بمجرد الهمهمة - بينما يختلف عنه فى المخاطبة الإلهية والمعارج ، وبالتالى فالولى والنبى يتفقان فى الأصول أى المقام إلا أن النبى يعرج بالنور الأصلى ، أما الولى فيعرج بما يقبض من ذلك النور " (46) .
والأولياء لهم 4 مقامات : أولاً : مقام خلافة النبوة للعلماء ، والثانى : مقام خلافة الرسالة للأبدال ، الثالث : مقام خلافة أولى العزم للأوتاد ، والرابع : مقام خلافة الاصطفاء للأقطاب .
ويقصد بالأبدال ما جاء فى حديث لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه ، قال : أن فيهم - يعنى أهل الشام الأبدال الأربعين رجلاً كلما مات بدل الله تعالى مكانه رجلاً - أما الغوث فهو الذى يرفع إليه أهل الأرض حوائجهم التى يطلبون فيها كشف الضر عنهم ، والأوتاد : يعنى بها أن الله يثبت بهم الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله بهم " (47) . وأخيراً خاتم الأولياء ، ويعنى بها رياسة خاتم الأولياء وقد عنى بها كل من محى الدين بن عربى ، الشيخ أحمد التيجانى ، الإمام المهدى مؤسس الطريقة المهدية التى نحن بصدد دراستها ، وقد ذكر الإمام المهدى أنه خاتم الأولياء وأنه ولى أمر هذه الأمة من الأنصار والمهاجرين " (48) .
7 - الإمامـة :
الإمام : هي مصطلح مشتق من أمَّ وهو الهادي والمرشد إلي الطريق الواضح الصحيح ، وإمام الصلاة من يقتدي به في الصلاة ، كما يراد به من يلي أمر المسلمين ، وهو مصطلح مرادف للخليفة ، وقد سميت إمامة الصلاة بالإمامة الصغري ، وسميت الإمامة للخلافة بالإمامة الكبري ، وهي قيادة الأمة في شئونها الدينية والأخروية(49) .
ويختلف مفهوم الإمامة من مذهب إلي آخر ، ففي المذهب الشيعي يري الشيعة أن الإمام هو شخص معصوم ملهم يملك الظاهر والباطن ، وبيده الأسرار وتتم ولايته بتدبير المشيئة الإلهية بإختيار العباد وهو من نسل معين بنص من الإمام السابق وله المرجعية الكاملة في أمور الدنيا والآخرة (50) . وقد ذكر أحمد أمين(51) في كتابه ضحي الإسلام عن الأئمة عند الشيعة : " والأئمة هم أركان الأرض أن تميد بأهله والملائكة تدخل بيوت الأئمة .. وتأتيهم بالأخبار وهم - أي الأئمة - معصومون من الذنوب صـغيرها وكبيرها ، فلا يقع منهم ذنب أصـلاً ولا عمداً ولا نسياناً أو سهواً ولا غير ذلك .
أما الإمامة عند أهل السنة فقد أخذوا نظام الخلافة فى صورته التى استنت فى عهد الخلفاء الراشدين ، ويأتى باختيار الناس وبيعتهم ، وهو المقدم أميراً للمؤمنين دون أن يحمل أسراراً خاصة أو عصمة ، أى أن الخلافة عن السنة نابعة من الأمة التى يجب عليها اختيار أصلح الناس لقيادتها (52) .
وأخيراً .. الإمامة عند المتصوفة فقد تبنى المتصوفة الخلافة الكبرى أو الخلافة المحمدية ، وهى الوراثة الكاملة للنبى ، ولا تكون إلا لشخص يظهر مرة واحدة فى دورة كونية على رأس دولة الأولياء وفق المشيئة الإلهية بغير انتساب ، إلا النسب الروحى وهو يتلقى الأمور ويوازى ما يفعل الرسول ويتطابق معه (53) .
الولى هو الصديق والنصير ضد العدو ، وذكر المتصوفة أن هناك فارقاً بين الولى والنبى خاصة فى نزول الوحى على الأنبياء ، والولى عند المتصـوفة يلهم ولا ينزل عليه ملك قط ، أما النبى فلابد له من الوحى ونزول الملك به ، وقد إعتبر ابن تيميه أن هذا خطأ وشطط من المتصوفة (45) .
فالولاية تعنى أن يتولى الله الواصل إلى حضرة قدسية بكثير مما يتول به النبى من حفظ وتوفيق وتمكين فقد فضل المتصوفة الولاية على النبوة ، فالولى يتفق مع النبى فى أمور منها العلم من غير طريق العلم الكسبى - الفعل بمجرد الهمهمة - بينما يختلف عنه فى المخاطبة الإلهية والمعارج ، وبالتالى فالولى والنبى يتفقان فى الأصول أى المقام إلا أن النبى يعرج بالنور الأصلى ، أما الولى فيعرج بما يقبض من ذلك النور " (46) .
والأولياء لهم 4 مقامات : أولاً : مقام خلافة النبوة للعلماء ، والثانى : مقام خلافة الرسالة للأبدال ، الثالث : مقام خلافة أولى العزم للأوتاد ، والرابع : مقام خلافة الاصطفاء للأقطاب .
ويقصد بالأبدال ما جاء فى حديث لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه ، قال : أن فيهم - يعنى أهل الشام الأبدال الأربعين رجلاً كلما مات بدل الله تعالى مكانه رجلاً - أما الغوث فهو الذى يرفع إليه أهل الأرض حوائجهم التى يطلبون فيها كشف الضر عنهم ، والأوتاد : يعنى بها أن الله يثبت بهم الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله بهم " (47) . وأخيراً خاتم الأولياء ، ويعنى بها رياسة خاتم الأولياء وقد عنى بها كل من محى الدين بن عربى ، الشيخ أحمد التيجانى ، الإمام المهدى مؤسس الطريقة المهدية التى نحن بصدد دراستها ، وقد ذكر الإمام المهدى أنه خاتم الأولياء وأنه ولى أمر هذه الأمة من الأنصار والمهاجرين " (48) .
7 - الإمامـة :
الإمام : هي مصطلح مشتق من أمَّ وهو الهادي والمرشد إلي الطريق الواضح الصحيح ، وإمام الصلاة من يقتدي به في الصلاة ، كما يراد به من يلي أمر المسلمين ، وهو مصطلح مرادف للخليفة ، وقد سميت إمامة الصلاة بالإمامة الصغري ، وسميت الإمامة للخلافة بالإمامة الكبري ، وهي قيادة الأمة في شئونها الدينية والأخروية(49) .
ويختلف مفهوم الإمامة من مذهب إلي آخر ، ففي المذهب الشيعي يري الشيعة أن الإمام هو شخص معصوم ملهم يملك الظاهر والباطن ، وبيده الأسرار وتتم ولايته بتدبير المشيئة الإلهية بإختيار العباد وهو من نسل معين بنص من الإمام السابق وله المرجعية الكاملة في أمور الدنيا والآخرة (50) . وقد ذكر أحمد أمين(51) في كتابه ضحي الإسلام عن الأئمة عند الشيعة : " والأئمة هم أركان الأرض أن تميد بأهله والملائكة تدخل بيوت الأئمة .. وتأتيهم بالأخبار وهم - أي الأئمة - معصومون من الذنوب صـغيرها وكبيرها ، فلا يقع منهم ذنب أصـلاً ولا عمداً ولا نسياناً أو سهواً ولا غير ذلك .
أما الإمامة عند أهل السنة فقد أخذوا نظام الخلافة فى صورته التى استنت فى عهد الخلفاء الراشدين ، ويأتى باختيار الناس وبيعتهم ، وهو المقدم أميراً للمؤمنين دون أن يحمل أسراراً خاصة أو عصمة ، أى أن الخلافة عن السنة نابعة من الأمة التى يجب عليها اختيار أصلح الناس لقيادتها (52) .
وأخيراً .. الإمامة عند المتصوفة فقد تبنى المتصوفة الخلافة الكبرى أو الخلافة المحمدية ، وهى الوراثة الكاملة للنبى ، ولا تكون إلا لشخص يظهر مرة واحدة فى دورة كونية على رأس دولة الأولياء وفق المشيئة الإلهية بغير انتساب ، إلا النسب الروحى وهو يتلقى الأمور ويوازى ما يفعل الرسول ويتطابق معه (53) .
صفحة 8
وتتشابه الإمامة فى المهدية مع الإمامة عند الشيعة " الإثنى عشرية " حيث تقوم المهدية على ثلاث أسس ، وهى فكرة المهدى المنتظر المخلص الذى انتظره المسلمون ليعود بالإسلام إلى نقائه ، ويخلصهم من المفاسد ، ويملأ الأرض عدلاً ، والعدل هو الإسلام الخالص الذى تتبعه عدالة الحكم والمجتمع ، والمهدية دورة كونية تأتى بعد الرسالة عندما يفسد المعتقد بتقادم الزمن ، ويهبط المسلمون إلى درك سحيق وبالتالى فالمهدى إذا جاء وجب على الجميع إتباعه وأن يعملوا بعمله حتى يستقيم الإسلام ، ويعتبر الإمام المهدى الخارجين على طاعته من الكفار لأنهم يعترضون على مشيئة كونيه ، وهو يملك كامل المرجعية الدينية والدنيوية ، لأنه تم تنصيبه على يد الرسول ، وفى مشهد من الخلفاء والأولياء وفى حضرة نبوية ، وهو فى حالة يقظة (54) .
8 - المهديــة :
المهدى فى اللغة هو اسم مفعول من هدى هداه الله إلى الإيمان ، والهداية ضد الضلال(55) .
وفكرة المهدى المنتظر هى فكرة قديمة ظهرت فى المجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية ، فيعتقد اليهود أن هناك مخلص ومنقذ سينقذهم ويضعهم فى المكانة التى أرادوها وأطلقوا على هذا المنقذ : المسيح المنتظر , ووصفوه أنه رسول السماء والقائد الذى سينال الشعب المختار بهديه وإرشاده ما يستحقه من سيادة وسؤدد . وهو ليس إنسان عادى وإنما إنسان سماوى يبقى فى السماء حتى تحين ساعة إرساله , ويرسله الله فى صورة إنسان , ويمنحه الله قوته ويحمل لقب ابن الإنسان (56) . وتتعمق هذه الفكرة عند اليهود كلما حلت بهم البلايا والمحن , وقد ظهر أشخاص يهود ادعى كل منهم أنه المهدى المنتظر مثل " شيرين " فى القرن الثامن الميلادى بإيران , " أبو عيسى " فى أصفهان فى عهد الخليـفة العباسى , "سيناى زيفى " فى مدينة سالونكا فى القرن الـ 17 الميلادى , وقد أدعى الأخير أنه سيعيداليهود لفلسطين ، فألقى السلطان العثمانى القبض عليه . ولا يزال اليهود ينتظرون عودة المسيح المنتظر (57) .
أما المسيحيون فيعتقدون أن المسيح الإله أنقلب إنساناً وعاش بين الناس كواحد منهم ليعلمهم طريقة مثلى للعيش , وأنه قتل بيد اليهود ودفن ثم خرج من قبره وصعد للسماء , وفى اعتقادهم أن المسيح له شخصيتان ... اللاهوت والثابوت أى الإلهية والإنسانية , ويرجع إطلاق كلمة المنقذ والمخلص على سيدنا " عيسى " إلى شاول , بولس (58) , ثم تعددت الأناجيل وحدثت انقسامات حول طبيعة المسيح فى العالم المسيحى عامة (59) .
أما فكرة المهدى المنتظر عند المسلمين فقد ظهرت فى التاريخ الإسلامى منذ وقت مبكر وتستند إلى بعض الأحاديث التى رويت عن الرسول عليه السلام , وبعض التأويلات لبعض الآيات القرآنية , إلا أنه لم يرد لفظ المهـدى فى القرآن ولا فى صحيح البخارى ومسلم , وإنما ورد فى كتـب الحديث الأقــل تشـدداً مثل أبى داوود , ابن ماجه , النسائى , الترمذى (60) .
وتشتد فكرة المهدى المنتظر كلما عم الفساد والظلم حيث كانت دائماً شعار المستضعفين والمغلوبين على أمرهم , كما استغلها البعض ممن استهواهم حب الظهور ، إما لغرض سياسى أو لغرض دينوى , أو بهدف محاربة الظلم والاستبداد(61) . ومن هؤلاء " محمد تمبكت " , " محمد عبد الله المهدي" مؤسس المجتمع المهدوى " الأنصارى " الذى نحن بصدد دراسته .
ويمكننا تناول فكرة المهدى المنتظر عند الجماعات الإسلامية المختلفة :
( أ ) المهدية عند الشيعة : ويعد الشيعة أنصار على من أسبق الفرق الإسلامية التى تعلقت بفكرة المهدى المنتظر والعمل بها وقد استمرت محاولاتهم لفترة طويلة وتركت آثاراً عميقة على الفكرة نفسها , وتعد الأمامية من الفرق التى نادت بها وقد اعتقدوا فى مهدية " محمد بن الحسن العسكرى " الإمام الحادى عشر للشيعة الذى اختفى فى السرداب وعمره خمس سنوات بمدينة سامراء بالعراق وأنه لا يزال حياً , وسوف يظهر آخر الزمان ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً (62). ويزعم الإمامية أنهم على اتصال بالإمام الغائب عن طريق نواب عينهم هو لهذا الغرض , والنواب هم" عثمان بن سعيد العمرى ", إبنه " محمد بن عثمان " , " حسين بن روح " , على بن محمد السيمرى " , ولقب هؤلاء الأربعة بالنواب الخاصين , وأطلق الأمامية على هذه الفترة - الغيبة الصغرى - , وفى عام 329 هـ قبيل وفاة " على بن محمد السيمرى " بعدة أشهر , زعم أنه وصلت إليه رقعة من الإمام المهدى ذكر فيها : " لقد وقعت الغيبة الكبرى " ومنذ ذلك الحين انقطع اتصال الشيعة بالإمام , وأصبحوا يكذبون كل من ادعى أنه المهدى المنتظر أو الإمام بنص ذلك الخطاب الوارد منه .
• كذلك القرامطة يرون أن " محمـد بن إسماعيل بن جعفر " هو المهدى المنتظر , ويترقبون عودته ويزعمون أنه حى يرزق ببلاد الروم .
• أيضاً اليذيدية أحـد فرق الخوارج يدعون أن مؤسس هذه الفرقة " يزيد بن أنيسة " هو المهدى المنتظر .
8 - المهديــة :
المهدى فى اللغة هو اسم مفعول من هدى هداه الله إلى الإيمان ، والهداية ضد الضلال(55) .
وفكرة المهدى المنتظر هى فكرة قديمة ظهرت فى المجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية ، فيعتقد اليهود أن هناك مخلص ومنقذ سينقذهم ويضعهم فى المكانة التى أرادوها وأطلقوا على هذا المنقذ : المسيح المنتظر , ووصفوه أنه رسول السماء والقائد الذى سينال الشعب المختار بهديه وإرشاده ما يستحقه من سيادة وسؤدد . وهو ليس إنسان عادى وإنما إنسان سماوى يبقى فى السماء حتى تحين ساعة إرساله , ويرسله الله فى صورة إنسان , ويمنحه الله قوته ويحمل لقب ابن الإنسان (56) . وتتعمق هذه الفكرة عند اليهود كلما حلت بهم البلايا والمحن , وقد ظهر أشخاص يهود ادعى كل منهم أنه المهدى المنتظر مثل " شيرين " فى القرن الثامن الميلادى بإيران , " أبو عيسى " فى أصفهان فى عهد الخليـفة العباسى , "سيناى زيفى " فى مدينة سالونكا فى القرن الـ 17 الميلادى , وقد أدعى الأخير أنه سيعيداليهود لفلسطين ، فألقى السلطان العثمانى القبض عليه . ولا يزال اليهود ينتظرون عودة المسيح المنتظر (57) .
أما المسيحيون فيعتقدون أن المسيح الإله أنقلب إنساناً وعاش بين الناس كواحد منهم ليعلمهم طريقة مثلى للعيش , وأنه قتل بيد اليهود ودفن ثم خرج من قبره وصعد للسماء , وفى اعتقادهم أن المسيح له شخصيتان ... اللاهوت والثابوت أى الإلهية والإنسانية , ويرجع إطلاق كلمة المنقذ والمخلص على سيدنا " عيسى " إلى شاول , بولس (58) , ثم تعددت الأناجيل وحدثت انقسامات حول طبيعة المسيح فى العالم المسيحى عامة (59) .
أما فكرة المهدى المنتظر عند المسلمين فقد ظهرت فى التاريخ الإسلامى منذ وقت مبكر وتستند إلى بعض الأحاديث التى رويت عن الرسول عليه السلام , وبعض التأويلات لبعض الآيات القرآنية , إلا أنه لم يرد لفظ المهـدى فى القرآن ولا فى صحيح البخارى ومسلم , وإنما ورد فى كتـب الحديث الأقــل تشـدداً مثل أبى داوود , ابن ماجه , النسائى , الترمذى (60) .
وتشتد فكرة المهدى المنتظر كلما عم الفساد والظلم حيث كانت دائماً شعار المستضعفين والمغلوبين على أمرهم , كما استغلها البعض ممن استهواهم حب الظهور ، إما لغرض سياسى أو لغرض دينوى , أو بهدف محاربة الظلم والاستبداد(61) . ومن هؤلاء " محمد تمبكت " , " محمد عبد الله المهدي" مؤسس المجتمع المهدوى " الأنصارى " الذى نحن بصدد دراسته .
ويمكننا تناول فكرة المهدى المنتظر عند الجماعات الإسلامية المختلفة :
( أ ) المهدية عند الشيعة : ويعد الشيعة أنصار على من أسبق الفرق الإسلامية التى تعلقت بفكرة المهدى المنتظر والعمل بها وقد استمرت محاولاتهم لفترة طويلة وتركت آثاراً عميقة على الفكرة نفسها , وتعد الأمامية من الفرق التى نادت بها وقد اعتقدوا فى مهدية " محمد بن الحسن العسكرى " الإمام الحادى عشر للشيعة الذى اختفى فى السرداب وعمره خمس سنوات بمدينة سامراء بالعراق وأنه لا يزال حياً , وسوف يظهر آخر الزمان ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً (62). ويزعم الإمامية أنهم على اتصال بالإمام الغائب عن طريق نواب عينهم هو لهذا الغرض , والنواب هم" عثمان بن سعيد العمرى ", إبنه " محمد بن عثمان " , " حسين بن روح " , على بن محمد السيمرى " , ولقب هؤلاء الأربعة بالنواب الخاصين , وأطلق الأمامية على هذه الفترة - الغيبة الصغرى - , وفى عام 329 هـ قبيل وفاة " على بن محمد السيمرى " بعدة أشهر , زعم أنه وصلت إليه رقعة من الإمام المهدى ذكر فيها : " لقد وقعت الغيبة الكبرى " ومنذ ذلك الحين انقطع اتصال الشيعة بالإمام , وأصبحوا يكذبون كل من ادعى أنه المهدى المنتظر أو الإمام بنص ذلك الخطاب الوارد منه .
• كذلك القرامطة يرون أن " محمـد بن إسماعيل بن جعفر " هو المهدى المنتظر , ويترقبون عودته ويزعمون أنه حى يرزق ببلاد الروم .
• أيضاً اليذيدية أحـد فرق الخوارج يدعون أن مؤسس هذه الفرقة " يزيد بن أنيسة " هو المهدى المنتظر .
صفحة 9
(ب) أما المهدية عند أهل السنة : فنجد أن فكرة المهدى المنتظر راسخة لدى أنصار السنة , ويعتمدون على ما ورد فى بعض الأحاديث النبوية , وما ورد فى تأويلات بعض الآيات القرآنية . ومن تلك الأحاديث التى اعتمدوا عليها : " يظهررجل صالح من أهل بيت رسول الله يواطئ اسمه اسم النبى عليه السلام يحكم بالعدل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً " (63).
• وفى تصور الباحثة أن أنصار السنة تأثروا بالشيعة والمتصوفة ، إلاّ أنهم لم يشتطوا مثلهم . وقد اعتمد أنصار السنة على أحاديث نبوية نقلاً عن ثقات الأحاديث غير متشددين مثل : النسائى , إبن ماجه , أبى داوود . بينما لم ترد هذه الأحاديث فى البخارى ومسلم , فضلاً عن أنه لم يأتى لفكرة المهدى المنتظر ذكر فى القرآن صراحة (64) .
(جـ) المهدية عند المتصوفة : انتقلت فكرة المهدى المنتظر إليهم عن طريق من تتلمذ على يد علماء الشيعة , فنقلوا آرائهم عن المهدى المنتظر إلى التصوف بعد صبغته بصبغة صوفية , وقد وجدت هذه الآراء فى أذهان المتصوفة أيضاً تربة خصبة فتركت آثارها فى اتجاهاتهم الفكرية , ومن هؤلاء المتصوفة " محيى الدين بن عربى " , وهو من كبار الصوفة , وأول من وضع فكرة وحدة الوجود , وهو الذى قرب تصور الصوفية عن المهدى المنتظر إلى تصور الشيعة .
ويتصور الصوفية وجود دولة غيبية على رأسها شخص يدير شئون الكون , وهو الغوث أو القطب , وهو الواحد الذى يمثل موضع نظـر الله من العالم فى كل زمان , وتحت هذا القطب أعوان , هم الأوتاد الأربعة بعدد أركان العالم , والبدلاء السبعة , والنقباء الثلاثمائة والنجباء الأربعون , وهناك خاتم الأقطاب الذى يقوم بدور الساعد الأيمن للنور المحمدى , وهو الإمام المهدى المنتظر (65) .
وجاء تصور" ابن عربى " للمهدى المنتظر وفقاً لما ورد فى الأحاديث النبوية بأنه يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً , وأنه سيعز الإسلام بالسيف , ويرفع المذاهب , وأنه يقفوا أثر الرسول , يذكر " ابن عربى " فى هذا الصدد : أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاًً وعدلاً , ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلى هذا الخليفة من عزة الرسول عليه السلام من ولد فاطمة , يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)" . وأن لهذا الخليفة ملكاً يسدده من لا يراه إن سلك الإلهام يبيد الظلم وأهله ... ويقيم الدين , ينفخ الروح فى الإسلام , يعز الإسلام بعد ذله , ويدعو إلى الله بالسيف , فمن أبى يقتل, ومن نازعه خذل ... يرفع المذاهب من الأرض أعداؤه مقلدة العلماء لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم ... يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهى ... فشهداؤه خير الشهداء , وأبناؤه أفضل الأبناء , يعرف من الله " علم الغيب قدر ما تحتاج إليه مرتبته لأنه خليفة سدد (66) .
كما تناول " ابن عربى " فى كتاب آخر سماه " عنقاء مغرب " ، فكرة المهدى المنتظر فجعله ختم الولاية المحمدية , وأسمى مراتب الأولياء , وفى مرتبة أقرب من مرتبة النبوة الكاملة , وأكبر قطب صوفى فى دولة غيبية على رأسها الأولياء والصالحون .
وقد تأثر بهذه الفكرة لدى " ابن عربى " كثير من المتصوفة مثل " إبن وفا " فى مصر , " محمد عبد الكريم السمان " مؤسس الطريقة السمانية , " محمد عثمان الميرغنى " مؤسس الطريقة الميرغنية , " أحمد التيجانى " مؤسس الطريقة الختمية التيجانية , كذلك تأثر بها " محمد أحمد عبد الله المهدى " مؤسس الطريقة المهدية . فجعل تصور مهديته فى السودان امتداد للمهدية التى تصورها " إبن عربى " (67) .
ولو عقدنا مقارنة بين كل من تصور الشيعة ، المتصوفة عن المهدى المنتظر. يتضح لنا أن هناك علاقة بين الشيعة والمتصوفة فى جوهر فكرة المهدى المنتظر لأن كلا الفكرتين منطلقة من رؤية باطنية , فكما نجد الإمام عند الشيعة , نجد القطب أوغوث الزمان لدى المتصوفة . بيد أن الإمام يختلف عن القطب فى أن له سلطات دنيوية , ويتضح لنا مما سبق أن المتصوفة قد رفعوا فكرة المهدى المنتظر كطوق نجاة دنيوى يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية (68) .
• وفى تصور الباحثة أن أنصار السنة تأثروا بالشيعة والمتصوفة ، إلاّ أنهم لم يشتطوا مثلهم . وقد اعتمد أنصار السنة على أحاديث نبوية نقلاً عن ثقات الأحاديث غير متشددين مثل : النسائى , إبن ماجه , أبى داوود . بينما لم ترد هذه الأحاديث فى البخارى ومسلم , فضلاً عن أنه لم يأتى لفكرة المهدى المنتظر ذكر فى القرآن صراحة (64) .
(جـ) المهدية عند المتصوفة : انتقلت فكرة المهدى المنتظر إليهم عن طريق من تتلمذ على يد علماء الشيعة , فنقلوا آرائهم عن المهدى المنتظر إلى التصوف بعد صبغته بصبغة صوفية , وقد وجدت هذه الآراء فى أذهان المتصوفة أيضاً تربة خصبة فتركت آثارها فى اتجاهاتهم الفكرية , ومن هؤلاء المتصوفة " محيى الدين بن عربى " , وهو من كبار الصوفة , وأول من وضع فكرة وحدة الوجود , وهو الذى قرب تصور الصوفية عن المهدى المنتظر إلى تصور الشيعة .
ويتصور الصوفية وجود دولة غيبية على رأسها شخص يدير شئون الكون , وهو الغوث أو القطب , وهو الواحد الذى يمثل موضع نظـر الله من العالم فى كل زمان , وتحت هذا القطب أعوان , هم الأوتاد الأربعة بعدد أركان العالم , والبدلاء السبعة , والنقباء الثلاثمائة والنجباء الأربعون , وهناك خاتم الأقطاب الذى يقوم بدور الساعد الأيمن للنور المحمدى , وهو الإمام المهدى المنتظر (65) .
وجاء تصور" ابن عربى " للمهدى المنتظر وفقاً لما ورد فى الأحاديث النبوية بأنه يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً , وأنه سيعز الإسلام بالسيف , ويرفع المذاهب , وأنه يقفوا أثر الرسول , يذكر " ابن عربى " فى هذا الصدد : أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاًً وعدلاً , ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلى هذا الخليفة من عزة الرسول عليه السلام من ولد فاطمة , يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)" . وأن لهذا الخليفة ملكاً يسدده من لا يراه إن سلك الإلهام يبيد الظلم وأهله ... ويقيم الدين , ينفخ الروح فى الإسلام , يعز الإسلام بعد ذله , ويدعو إلى الله بالسيف , فمن أبى يقتل, ومن نازعه خذل ... يرفع المذاهب من الأرض أعداؤه مقلدة العلماء لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم ... يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهى ... فشهداؤه خير الشهداء , وأبناؤه أفضل الأبناء , يعرف من الله " علم الغيب قدر ما تحتاج إليه مرتبته لأنه خليفة سدد (66) .
كما تناول " ابن عربى " فى كتاب آخر سماه " عنقاء مغرب " ، فكرة المهدى المنتظر فجعله ختم الولاية المحمدية , وأسمى مراتب الأولياء , وفى مرتبة أقرب من مرتبة النبوة الكاملة , وأكبر قطب صوفى فى دولة غيبية على رأسها الأولياء والصالحون .
وقد تأثر بهذه الفكرة لدى " ابن عربى " كثير من المتصوفة مثل " إبن وفا " فى مصر , " محمد عبد الكريم السمان " مؤسس الطريقة السمانية , " محمد عثمان الميرغنى " مؤسس الطريقة الميرغنية , " أحمد التيجانى " مؤسس الطريقة الختمية التيجانية , كذلك تأثر بها " محمد أحمد عبد الله المهدى " مؤسس الطريقة المهدية . فجعل تصور مهديته فى السودان امتداد للمهدية التى تصورها " إبن عربى " (67) .
ولو عقدنا مقارنة بين كل من تصور الشيعة ، المتصوفة عن المهدى المنتظر. يتضح لنا أن هناك علاقة بين الشيعة والمتصوفة فى جوهر فكرة المهدى المنتظر لأن كلا الفكرتين منطلقة من رؤية باطنية , فكما نجد الإمام عند الشيعة , نجد القطب أوغوث الزمان لدى المتصوفة . بيد أن الإمام يختلف عن القطب فى أن له سلطات دنيوية , ويتضح لنا مما سبق أن المتصوفة قد رفعوا فكرة المهدى المنتظر كطوق نجاة دنيوى يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية (68) .
صفحة 10
9 - المجـالس :
والمجالس هى لون من التصنيف يختلف عن المنشورات والخطب والراتب والأدعية ، فالخطب والأدعية قد صدرت عن الإمام المهدى مكتوبة بينما مادة المجالس مادة مقولة منقولة - قيلت بعد وفاة المهدى - (69) .
وتختص المجالس فى المهدية بتدوين ما كان يقوله الإمام مؤسس الطريقة فى مجالس الدرس أو غيره من المناسبات ، مما يستحق التدوين عن أقواله المأثورة وجوامع الكلم والأشعار والأمثال ، والحكم وما رواه عن الرسل والأولياء .. وغيرهم من السلف (70) .
والمجالس فى هذه الحالة تلعب دوراً تربوياً ، فما من مجلس إلا ونشر الحكم والمواعظ تلو الأخرى وجميعها تشير إلى ترك الدنيا والعمل لخير الدار الباقية (71) .
وقد ذكر د. محمد إبراهيم أبو سليم (72) نحو خمس مجالس ، مجلس تاتاى ومصنفه الطاهر محمد تاتاى ، الذى كان يشغل منصب قاضى فى المهدية ، مجلس ود البدرى . وثلاثة مجالس أخرى لم تنسب لأحد ، ويرجع تدوين تلك المجلس إلى فترة القلق التى أعقبت وفاة الإمام مؤسس الطريقة وقد دونت بعد 4 سنوات من الوفاة (73) .
وقد جاءت المجالس على نحو ما هو معهود فى الحديث النبوى ، وهى كل قول منسوب إلى المهدى بعبارات .. قال المهدى ، سمعت المهدى يقول ، أخذتها عن فلان ، روى لى فلان .. وهى محاولة لتأكيد صدور القول عن المهدى (74) .
والمجالس هى لون من التصنيف يختلف عن المنشورات والخطب والراتب والأدعية ، فالخطب والأدعية قد صدرت عن الإمام المهدى مكتوبة بينما مادة المجالس مادة مقولة منقولة - قيلت بعد وفاة المهدى - (69) .
وتختص المجالس فى المهدية بتدوين ما كان يقوله الإمام مؤسس الطريقة فى مجالس الدرس أو غيره من المناسبات ، مما يستحق التدوين عن أقواله المأثورة وجوامع الكلم والأشعار والأمثال ، والحكم وما رواه عن الرسل والأولياء .. وغيرهم من السلف (70) .
والمجالس فى هذه الحالة تلعب دوراً تربوياً ، فما من مجلس إلا ونشر الحكم والمواعظ تلو الأخرى وجميعها تشير إلى ترك الدنيا والعمل لخير الدار الباقية (71) .
وقد ذكر د. محمد إبراهيم أبو سليم (72) نحو خمس مجالس ، مجلس تاتاى ومصنفه الطاهر محمد تاتاى ، الذى كان يشغل منصب قاضى فى المهدية ، مجلس ود البدرى . وثلاثة مجالس أخرى لم تنسب لأحد ، ويرجع تدوين تلك المجلس إلى فترة القلق التى أعقبت وفاة الإمام مؤسس الطريقة وقد دونت بعد 4 سنوات من الوفاة (73) .
وقد جاءت المجالس على نحو ما هو معهود فى الحديث النبوى ، وهى كل قول منسوب إلى المهدى بعبارات .. قال المهدى ، سمعت المهدى يقول ، أخذتها عن فلان ، روى لى فلان .. وهى محاولة لتأكيد صدور القول عن المهدى (74) .