eKtab
EN ع
البنية الإيقاعية في الشعر العربي المعاصر
اقرأ عينة مجانية

البنية الإيقاعية في الشعر العربي المعاصر

بقلم د. إبراهيم عبدالله البعول

صفحة 1

المقدمة

يقوم هذا الكتاب على دراسة التشكيلات الموسيقية في الشعر الأردني المعاصر، حيث أخذت الدراسة الأعمال الشعرية الكاملة لحيدر محمود نموذجًا، المنشورة في عمان 1990م. وتحتل مجلداً يشتمل على خمسمائة صفحة من القطع المتوسطة ويضم بين دفّتيه خمسة دواوين هي: في انتظار تأبط شراً، وأقوال الشاهد الأخير، وشجر الدفلى على النهر يغني، واعتذار عن خلل فني طارئ، ويمر هذا الليل. أما ديوانه الأول فقد نظم قصائده ما بين عامي (86-89) ولم يرتب الشاعر قصائده زمنياً في هذا الديوان، وإنما بدأ ديوانه بقصيدة قالها عام 89. واختتمه بقصيدة قالها عام 89. أما الديوان الثاني فقد اشتمل على تسع قصائد كان قد نظمها بين عامي(80-86) رتب القصائد الستة الأولى ترتيباً تنازلياً من عام 86 إلى عام 83 ثم جعل الأخرى على غير ترتيب. وديوانه الثالث اشتمل على أربع عشرة قصيدة منها خمس قصائد غير مؤرخة والأخرى منظومة ما بين عامي (64-79)، ولم يرتبها زمنياً كذلك. وديوانه الرابع يؤرخ فيه لأربع قصائد فقط. في حين اشتمل الديوان على سبع عشرة قصيدة، وكانت قصائده المؤرخة ما بين عامي (69-78). أما ديوانه الخامس فقد اشتمل على 23 قصيدة غير مؤرخة، والأخرى جاءت ما بين عامي(62-90) بيد أني أجد القصائد الثلاث الأخيرة المؤرخة بـ 1990وعام 1986 وعام 1957 قد ألحقت بالأعمال إلحاقاً ولا سيما أنها جاءت في آخرها، وبهذا يصبح هذا الديوان زمنياً ما بين عامي (62-75).

وأول ما يلاحظ من حيث الشكل أن الشاعر رتب دواوينه في الأعمال الشعرية الكاملة ترتيباً زمنياً مبتدئاً بالأحدث أي أنه بدأ بآخر الدواوين (في انتظار تأبط شراً) وانتهى بأولها: (يمر هذا الليل)، ويبدو أنه ألحق بهذه الأعمال قصائد ثلاثة كانت خارج هذه الدواوين. وقد يترتب على هذه الدراسة الزمنية شيئا ذا بال في التشكيلات الموسيقية.

ومما شجعني على دراسة هذه الأعمال أن الشاعر كان قد كتبها بخط يده كاملة، وهذا يستبعد الأخطاء الطباعية التي من الممكن أن تقتل تفسير الانزياجات الموسيقية عند الشاعر، وتردها إلى درجة الصفر إذا ما علمنا أنها أخطاء طباعية فيما بعد، كما شجعني على دراسة هذا الموضوع تلك الملاحظات التي كنت قد سجلتها عندما كنت عاكفاً على تأليف كتاب في العروض والقافية، وبخاصة تلك الظاهرة الكامنه في البحور المركبة التي جاءت قصائدها على شكل القصيدة الحرة، فضلاً عن وقوفي على بعض الانزياجات الموسيقية عنده. كل هذا كان مدعاة لدراسة التشكيلات الموسيقية في هذه الأعمال.

لا يخفى على أحد ذلك الجهد المضني في هذا العمل إذ تطلب مني تقطيع الأعمال الكاملة سطراً سطراً وكانت بعض القصائد تأخذ وقتاً طويلاً وبخاصة عندما أقف على انحراف موسيقي محاولاً اعتماد غير ما طريقة لتبريره أو التماس العذر له سواء بفصل الأسطر أو بإنشادها على نحو مخصوص، أو بالوقوف على ضرورة ذلك شعرياً. وقد أخذت مني هذه الدراسة مساحة واسعة من الوقت إذ كان لا بد من إحداث الموازنات بين الدواوين المختلفة والبحور الشعرية والتفعيلات، مما قد يظهر بشكل طبيعي في هذه الدراسة ومما تطلبه هذه الدراسة وقد لا يظهر فيها بشكل ملحوظ.

صفحة 2

الفصل الأول : التشكيلات الموسيقية

تشتمل الأعمال الشعرية الكاملة لحيدر محمود على خمس وسبعين قصيدة موزعة على البحور الشعرية التالية:

البحر

عدد القصائد

النسبة المئوية

المتدارك

27

36%

الكامل

08

10.6%

الرمل

06

8%

الرجز

10

13%

المتقارب

06

8%

الوافر (مجزوء)

05

6.6%

الطويل

02

2.6%

البسيط

06

8%

الخفيف

01

1.3%

الرجز + الوافر

01

1.3%

الرجز + الرمل

01

1.3%

الرجز + المتدارك

01

1.3%

الكامل + الرجز

02

2.6%

المجموع

75

100%

إن الناظر في هذا الجدول يرى أن البحر المتدارك لا يضارعه بحر من بحور الشعر في نسبة الشيوع عند حيدر محمود، إذ يحتل نسبة 36% قياساً إلى غيره من بحور الشعر، وهذا يشكل انزياحاً واضحاً في استعمال هذا البحر قياساً إلى شيوعه عند العرب قديماً، فهذا البحر -كما هو قار عند الدراسين- لم يعرض له الخليل على الرغم من أنه من مشمولات الدائرة المتفقه التي أصلها البحر المتقارب. وبات هذا البحر منسوباً إلى الأخفش الذي تدارك به على الخليل من غير علم(1)، ولما كان الأمر بهذه الحال فإن شيوعه في الشعر العربي القديم نادر جداً، وهذا استرعى انتباه إبراهيم أنيس، إذ لاحظ أن أمثلة هذا البحر وشواهده تكاد تكون متحدة في كل كتب العروض، وهي أبيات منعزلة غير منسوبة لأصحابها وتبدو عليها الصنعة والتكلف، ولذلك لم يشر إبراهيم أنيس في دراسته، التي تكشف عن نسبة شيوع بحور الشعر في الاستعمال عند العرب، لم يشر إلى أي نسبة إطلاقاً لهذا البحر، وهذا يشير إلى أنه لم يكن شائعاً عند جمهور الشعراء حتى عهد مدرسة الأحياء(2) ، وترى نازك الملائكة أن العرب لم يستعملوا هذا الوزن إلا نادراً(3).

ويعلن إبراهيم أنيس أنه لا يعرف سر انصراف الشعراء عن هذا البحر على الرغم من انسجام موسيقاه وحسن وقعها في الآذان(4)، ويتميز هذا البحر بخفته وسرعة تلاقي أنغامه(5). ويكشف عبد الرضا علي عن سبب تجافي الشعراء القدماء له بأن "المتدارك في وزنه الشائع رتيباً ذا إيقاع يعتمد على توالي التفعيلة السليمة (فاعلن) على وفق رتابة المتقارب، باستثناء كونه يبدأ بالسبب الخفيف فإن الشعراء قديماً هجروه، لما فيه من سذاجة في الأداء هي أقرب إلى النثرية فيه إلى الشعر، وحين وجدوا أن الخبن في تفعيلته يحول هذا الوزن إلى تشكيل راقص (فَعِلن فَعِلن...) مالوا إليه وعولوا عليه"(6). ولعل هذا يضاف إلى ما أحدثه رواد حركة الشعر الحر من صور جديدة لتفعيلة (فاعلن) وفي مقدمتها (فاعِلُ) التي ادعت نازك بأنها هي أول من استخدم هذه الصورة وسوغتها لنفسها(7) فضلاً عن استغلال شعراء حركة الشعر الحر لمختلف الصور في القصيدة الواحدة وفي الحشو خاصة وذلك باستخدام التفعيلة الصحيحة فاعلن والمخبونة، والمخبونة المضمرة، فهذه الصور أسهمت كثيراً في تجويد هذا الوزن(8)، وجعله منسجماً موسيقياً، وحسّن وقعه في الآذان فزاد استخدامه عند شاعرنا، وغيره من الشعراء، إذ مال إليه الشعراء ابتداء من نازك والسياب وانتهاءاً بأصغر شاعر شاب ولا سيما بعد إباحتهم للقيض في حشوه الذي أنقذ الوزن من الرتابة وجعله قابلاً للتكوين والتنويع.

وإذا عدنا إلى القصائد التي بنى عليها شاعرنا شعره على البحر المتدارك عرفنا تلك الصور التي تشكلت منها قصائده ومدى التزامه وانحرافه عن المألوف، فقد استخدم الصور التالية في البحر المتدارك:

فاعلن - فَعِلن - فعْلن - فعِلان - فعْلان - فاعِلُ - فعْلاتان - فَعِلاتن - فَعِلُ - فعْلاتن

لن نوضح الآن ما جرى على تفعيلة (فاعلن) حتى غدت على هذه الصور إذ ما نبتغيه هو أن نكشف عن أن استخدام هذا الكم من الصور المختلفة والمستخدمة في البحر المتدارك يجعله حقيقة قابلاً للتكوين والتنويع وينقذه من الرتابة الموسيقية.

فهذه المسافة الممتدة أمام الشاعر من هذه التشكيلات المختلفة لم يقدمها أي بحر من بحور الشعر العربي للشاعر على صفة الإطلاق، ولا سيما إذا علمنا أن هذه التفعيلة تتشكل في الأصل من سبب خفيف ووتد مجموع فقط، في حين أي تفعيلة أخرى وذلك وفق صورها المعهودة ستكون فيها ضوابط أكثر من ضوابط هذه التفعيلة، وذلك إذا علمنا أنها تتشكل من أكثر من سبب ووتد، ولنأخذ مثالا على ذلك تفعيلة (مستفعلن) تلك التفعيلة التي يتشكل منها (بحر الرجز) مطية الشعراء، فهي تتشكل من (سبب خفيف + سبب خفيف + وتد مجموع) وبهذه التشكيلة تزداد نسبة الصعوبة لأنه يتطلب من الشاعر التعامل مع ثلاثة مقاطع، مقابل تعامله مع مقطعين في تفعيلة المتدارك.

يضاف إلى ذلك أن تعدد صور تفعيلة (فاعلن) بهذا الشكل فتح المجال واسعاً أمام الشاعر عند استحضار المفردات مهما اختلفت حركاتها، إذ يجد في هذه الصورة ما يمكن الشاعر من استخدام مفردة أو أكثر جاءت حروفها جميعاً متحركة، كأن تتوالى التفعيلات التالية في سطر واحد، وذلك نظرياً:

فاعِلُ / فَعِلُ / فَعِلُنْ

- ب ب/ ب ب ب/ ب ب -

فإذا جاء الشاعر بسطر شعري على النحو السابق، فهو موسيقياً صحيح وفق ما أتيح للشاعر حديثاً، وهذا يعني أن الشاعر إذا ما اصطدم بمفردة أو أكثر متحركة الحروف، وذلك في حدود حروف على ما يتضح من المثال فإنه يبقى في دائرة الوزن الصحيح، وهذا مما لا يبيحه أو يتيحه أي بحر من البحور الأخرى. وربما يكون هذا سبباً من أسباب لجوء شاعرنا إلى هذا البحر أكثر من غيره.

وإذا أضفنا إلى هذا وذاك أن الشاعر يختار الإطار الموسيقي الحر لقصائده التي تبيح له أن يجعل في السطر الواحد تفعيلة أو جزءاً من التفعيلة عرفنا مدى المساحة المتاحة أمامه، إذ يفتح ذلك أمام الشاعر تعدد احتمالات الاختيار وتوسعها. وأراني غير متجاوز الحد إذا قلت: إن المتدارك أصبح مطيَة الشعراء حديثاً، ولا سيما أن المتدارك والمتقارب يهيمنان في السنوات الأخيرة على معظم ما كتب ويكتب من شعر(9).

يأتي بحر الرجز في المرتبة الثانية في نسبة شيوعه عند شاعرنا، فقد بلغت 13% يضاف إليها ما يمكن أن يضاف من نسبة استخدام شاعرنا لبحرين في بناء بعض قصائده ولا سيما أن كل هذه القصائد كان بحر الرجز فيها حاضراً، وقد بلغت نسبتها 6.6%وهذا يرفع نسبة حضور بحر الرجز، ونكتفي بالإشارة إلى ما قرَّ في أذهان الدراسين من أن بحر الرجز قد سميَّ بمطية الشعراء لكثرة ما ركبوه نظماً ونوعوا في تشكيلاته الموسيقية.

ويقودنا الجدول السابق إلى الوقوف عند ظاهرة منحرفة أخرى، وهي قلة استخدام الشاعر للبحر الخفيف، إذ لم يرد في الأعمال الكاملة إلا قصيدة واحدة، وهي قصيدة عمودية بعنوان (صفحة من كتاب النخيل). ألقاها الشاعر في مهرجان المربد الثامن ببغداد في الثامن والعشرين من تشرين الثاني لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين. وقد تقول لنا هذه المعلومة أن الشاعر يعتقد جازماً أن الحضور الحقيقي للشاعر في المحافل الأدبية الإبداعية لا يتحقق إلا بالأصالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نسبة شيوع البحور المركبة عند الشاعر قليلة بشكل عام قياساً إلى البحور المفردة، إذ تبلغ 12% بشكلها العمودي وما جاء وفق الإطار الموسيقي للقصيدة الحرة، وهي نسبة متواضعة إذا علمنا أن نسبة البحور المركبة إلى البحور الصافية هي (25%-56%)، وأعتقد أن هذه الظاهرة ليست خاصة بشاعرنا دون غيره من الشعراء المعاصرين، فقد يكون ضمن المعدل العام لاستخدام شعراء حركة الشعر الحر للبحور المركبة.

ويميل شاعرنا إلى المزج بين بحرين في نظم قصائده على نحو ما يتضح من الجدول، إذ بلغت نسبة شيوع هذه الظاهرة عنده 6.6%، وهي ظاهرة متفشية عند شعراء حركة الشعر الحر على ما سنوضحه.

احتلت ثلاثة بحور فحسب 60% ونيف من استخدامات شاعرنا، وهي البحر المتدارك والبحر الكامل والبحر الرجز، وقد قلنا نيف، لأنه يمكن أن يضاف إلى هذه النسبة ما جاء في القصائد التي نظمت على بحرين إذ كان الرجز والكامل عامل مشترك فيها جميعاً.

ولكي ندرس معطيات الجدول السابق بشكل أكثر تفصيلاً، فإننا لا بد من دراسته تحت العنوانات التالية:

- الإطار الموسيقي للقصيدة.

- القصائد العمودية.

صفحة 3

أ. البحور المركبة

لقد ميّز ابن رشيق القيرواني نقلاً عن الجوهري في العمدة بين البحور المفردة، والبحور المركّبة(10)؛ فالبحور المفردة هي التي تتشكّل من تكرار تفعيلة واحدة خماسيّة أو سباعية بعدد منتظم موزعة بين شطري البيت، كالكامل والرّجز والمتدارك والمتقارب.....، والبحور المركبة هي تلك التي تتشكّل من تكرار تفعيلتين مختلفتين، كالطّويل والبسيط والخفيف، سواء أكانت التّفعيلات سباعيّة كالخفيف أو سباعيّة وخماسيّة كالبسيط أو خماسيّة وسباعية كالطّويل.

وبعد فإنّ شاعرنا قد نظم بعض القصائد على البحور المركّبة، وجاءت على غير إطار موسيقيّ، إذ نظم قصيدة (صفحة من كتاب النخيل) على البحر الخفيف، وجاءت رسماً وعروضاً وفق معطيات القصيدة الكلاسيكيّة، وجاءت قصيدة (جيشنا العربيّ) على البحر البسيط رسماً وعروضاً، ومثلها قصيدة (النشيد الثّاني) التي نظمت على البسيط كذلك.

وجاءت قصائد أخرى على البحور المركّبة إلاّ أنها رسمت وفق طريقة الشّعر الحرّ، فقد نظم قصيدة (هنا...كان) على البحر الطّويل، وقصيدة (أيّوب الفلسطيني) و(هذا الرّذاذ) و (لامية الحجر) و (نشيد الصّعاليك) على البحر البسيط، وجميعها رُسمت وفق الإطار الموسيقيّ للقصيدة الحرّة، بيد أن المتلقي يمكنه إعادة ترتيبها لتتفق بكل المعطيات مع شكل القصيدة العمودية على ما سنوضحه.

صفحة 4
ب. البحور المفردة
 
نظم شاعرنا غير ما قصيدة على البحور المفردة جاء بعضها وفق القصيدة الكلاسيكيّة، إذ جاءت قصيدة (وطني) على بحر الرّمل وفق الشّكل التّقليديّ، وكذلك قصيدة (هذا هو الأردن) المنظومة على البحر الكامل، وقصيدة (غزليَّة) المنظومة على البحر المتدارك، فقد جاءت هذه القصائد جميعاً رسماً وعروضاً وفق الشّكل التّقليدي للقصيدة.
 
وجاءت قصيدة (طه)، وقصيدة (نامي) على البحر الكامل، وقد رسمت هذه القصائد وفق الإطار الموسيقيّ للقصيدة الحرّة، على الرّغم من أنّ إعادة ترتيب أسطرها يؤكّد أنّها عموديّة، ولا سيّما أنّ الشّاعر التزم بالقافية الموحّدة، وكل شروط القافية المطلوبة وفق معايير العروضيّين.
 
ويبيّن الجدول التالي عدد القصائد العموديّة التي نظمها الشّاعر على الشّكل التّقليديّ، وشكل القصيدة الحرّة، سواء أكان ذلك على البحور المركّبة أو البحور المفردة.
 
جدول يبيّن عدد القصائد العموديّة
 
الرّقم
 
نوع البحر
 
عدد القصائد
 
النّسبة المئويّة
 
1
 
البحور المركّبة والشّكل التّقليديّ
 
3
 
4%
 
2
 
البحور المركّبة والشّكل الحر
 
6
 
8%
 
3
 
البحور المفردة والشّكل التّقليديّ
 
3
 
4%
 
4
 
البحور المفردة والشّكل الحر
 
2
 
2.6%
 
المجموع
 
14
 
18.6%
 
لنقف أوّلاً عند الملحظ الّذي يكشف عن استخدام الشّاعر للبحور المفردة في نظم قصائده وفق الإطار الموسيقيّ التّقليديّ وهو النّوع الثّالث، لنتساءل عن سبب إقامة الشّاعر قصائده في النوع الثالث على شكل القصيدة التّقليديّة على الرغم من أنّ السّاحة مفتوحة أمامه ليقيمها وفق الإطار الموسيقيّ الحرّ؟ ولا سيّما أنّ البحور الصّافية (المفردة) يسهل فيها ذلك.
 
وقد يسعفنا تاريخ نظم هذه القصائد في الإجابة عن هذا التّساؤل، إذ نظم الشّاعر قصيدة (وطني) وقصيدة (غزلية) في بداياته الشّعريّة وذلك عام 1962م - كما يشير الشّاعر إلى ذلك - فيما نظم قصيدة (هذا هو الأردن) في عام 1970م. وفي النظر إلى ما نظمه الشّاعر في مرحلة السّتّينات التي تشكل بداياته الشّعريّة نلحظ تركيزاً واضحاً على البحور الصّافية، إذ نظم اثنتي عشرة قصيدة فيما تشير تواريخها إلى ذلك، وكانت هذه القصائد جميعها على البحور الصافية، ويبتعد الشاعر عن البحور المركّبة، وربّما كانت السهولة في النظم على مثل هذه البحور هي التي أغرت الشّاعر بها، فنظم الشعر الحرّ بالبحور الصّافية أيسر على الشّاعر من نظمه على البحور الممزوجة، لأنّ وحدة التّفعيلة تضمن حريّة أكبر وموسيقى أيسر، فضلاً عن أنّها لا تتعب الشاعر في الالتفات إلى تفعيلة معيّنة لا بدّ من مجيئها منفردة في خاتمة كلّ شطر(11).
 
لقد نظم الشاعر في هذه المرحلة ثلاث قصائد على المتدارك، وثلاث قصائد على الرجز وثلاث قصائد على مجزوء الوافر، وقصيدتين على البحر الكامل، وقصيدة على الرّمل. كان من هذه القصائد ثلاث قصائد رُسمَت وفق الإطار الموسيقيّ التّقليديّ؛ أي بنسبة 25% من إنتاجه في هذه المرحلة وفق الإطار الموسيقيّ التّقليديّ، وإذا أضفنا إلى هذه النّسبة ما يمكن أن يتحصّل من قصائد ثلاث أخرى من هذه القصائد اشتملت على الإطارين التقليدي والحرّ، فإنّ نسبة ميل الشّاعر إلى الإطار التّقليديّ في هذه المرحلة -مرحلة التشكل- ترتفع أكثر من 25%، ويشير هذا إلى تعلّق الشّاعر بشكل القصيدة التّقليديّة وإطارها الموسيقيّ، ويميل كثيراً إلى الإطار الموسيقيّ للقصيدة الحرّة في محيط البحور الصّافية.
 
وبالعودة إلى النوعين الأول والثاني نقول -ابتداء- إننا لن نتوقف عند النوع الأول؛ البحور المركبة والشكل التقليدي، فقد جاءت هذه القصائد وفق ما استقر في الوعي، إذ تنسجم بكل معطياتها الموسيقية مع قواعد العروض الخليلية. بيد أنه يسترعي انتباهنا النوع الثاني؛ (البحور المركبة والشعر الحر)، إذ كان بإمكان الشاعر أن يرسم هذه القصائد وفق الإطار الموسيقي التقليدي إلا أنه أصر على رسمها في (الأعمال الكاملة) وفق الإطار الموسيقي للقصيدة الحرة، فما السبب في ذلك؟.
 
نقر ابتداءً أن البحور المركبة استعصت على شعراء حركة الشعر الحر في ما يتعلق بالإطار الموسيقي، وقد صرحت نازك الملائكة بذلك، إذ تقول: "أما البحور الأخرى التي لم يتعرض لها كالطويل والمديد والبسيط والمنسرح فهي لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق؛ لأنها ذات تفعيلات منوعة لا تكرار فيها"(12). وعلى الرغم من هذا التصريح إلا أننا نجد بعض الشعراء من أقام قصائد على البحور المركبة وفق طريقة الشعر الحر كتابة وعروضاً، فقد نظم بدر شاكر السياب قصيدة على البحر البسيط، وهو من البحور المركبة محاولاً فيها أن يجعل إيقاعه ممكناً في الشعر الحر بعيداً عن ضوابط الخليل، فهو يقول في قصيدته(13):
 
نافــورة من ظلال مـــن أزاهــير
 
- - ب - / - ب - / - - ب - / - -
 
مستفعلــن / فاعلـن / مستفعلـن / فعْلن
 
ومن عصـافيــر
 
ب - ب - / - -
 
متـَـفْعِلن / فعْلن
 
جيكور، جيكـور، يا حقلاً من النّـــور
 
- - ب - / - ب -/ - - ب - / - -
 
مستفعلــن/ فاعـلن / مستفعـلن / فعْلن
 
ويبدو الإيقاع الجديد المخالف للتقاليد الخليلية بيناً في هذا اللون، إذ من المفروض وفق التقاليد الخليلية أن يشكل كل شطر أربع تفعيلات ليتم البناء، في حين نجد هنا السطر الأول يتشكل من أربع تفعيلات والسطر الثاني من تفعيلتين، في حين السطر الثالث يتشكل من أربع تفعيلات وهذه الصورة تخالف المعهود في رسم القصائد، وهكذا سار بدر شاكر السياب في بناء هذه القصيدة ليخرج عن المألوف في الشعر العمودي ويشكل بهذا النموذج انزياحاً موسيقياً، ولم نلحظ مثل هذا أو ما يشكل انزياحاً ما عند حيدر محمود في إطار البحور المركبة سوى ما اتضح لنا من الجدول السابق في القصائد العمودية (حرة)، إذ نظم الشاعر ثماني قصائد قد اتخذت شكل القصيدة الحرة رسماً، بيد أنه من الممكن إعادة ترتيب هذه القصائد شكلياً لتعود إلى صورة القصيدة العمودية شكلاً، وقد كانت هذه القصائد بين البحور المركبة والبحور الصافية، إذ نظم قصيدتين على البحر الكامل وهو من البحور الصافية، وقصيدتين على البحر الطويل وهو من البحور المركبة، وثلاث قصائد على البحر البسيط وهو مركب أيضاً وقصيدة على بحر الرجز.
 
لننظر إلى قصيدة (طه) كيف كتبها الشاعر بخط يده، وكيف يمكن إعادة ترتيبها لتلتقي مع شكل القصيدة العمودية، يقول(14):
 
أما فؤادي ..
 
فهو ليس بناسِ
 
لكن سهمكَ،
 
جارحٌ .. ومواس
 
طه
 
وتسري في عروقي رعشةٌ
 
تحيي عروقي
 
بعد طول يباس
 
أما صورتها العمودية فهي على النحو الآتي:
 
أما فؤادي فهو ليس بناسِ
 
لكن سهمك جارحٌ ومواس
 
طه، وتسري في عروقي رعشةٌ
 
تحيي عروقي بعد طول يباس
 
ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن الشاعر يلتزم بالقافية ومعطياتها في هذه القصيدة، وهذا يؤكد عموديتها وإن كتبت على طريقة الشعر الحر خطاً. ولا بد أن نعترف أن الشاعر يتحرك نفسياً وفق الانفعالات النفسية المتحركة داخله، وقد تكون هذه الحركة تترجم بتفعيلة فيضعها في سطر، وقد تكون انفعالاته أو دفقاته الشعورية تتطلب لسعتها أكثر من ذلك، وبهذا تأتي بشكل طبيعي في أكثر من تفعيلة، ولعل هذا ميزة الشعر الحر شكلاً، إذ إن الكيان الفني للشعر المعاصر قائم في هذا التشكل الموسيقي الذي جعل من موسيقى الشعر ذبذبات تتحرك بها النفس لا مجموعة من الأصوات التي تروع الأذن(15).
 
والشاعر حين يترجم نفسه في القصيدة فإنما يعبر عن نفسه باختيار أكثر الأشكال الطبيعية تناسباً مع حالته الشعرية، وعندئذ يمكن أن يقال أن الشكل على الرغم من صورته المجردة إلا أنه يحمل دلالة شعرية عامة مبهمة، و يترك الكلمات بعد ذلك توضح الدلالة(16). ومن الطبيعي بعد أن قامت القصيدة الجديدة على أساس جمالي جديد أن يحدد الشعراء موقفهم من الوسائل التشكيلية الموسيقية القديمة وأبرزها الوزن والقافية، وكان لا بد من إدخال تعديلات جوهرية على هذين العنصرين حتى يمكن تحقيق الصورة الجديدة(17). ومثل هذا يمكنك وبسهولة أن تجده في قصائده التي نظمها على البحر الطويل والبحر البسيط ولا سيما أنهما مركبان، فانظر إليه يقول في قصيدة (هنا كان)(18):
 
هي القدس:
 
مفتاح السماء،
 
وبابها ......
 
ومنها،
 
إلى الرحمن ...
 
تفضي شعابها ....
 
حجارتها: للمؤمنين
 
قلائدٌ...
 
وكحل عيون المؤمنين
 
ترابها
 
..........
 
..........
صفحة 5

ويعاد ترتيبها على النحو الآتي:

هي القدس: مفتاح السماء وبابها

ومنها، إلى الرحمن تفضي شعابها

حجارتها للمؤمنين قلائدٌ

وكحل عيون المؤمنين ترابها

ب - ب/ب- - -/ب- ب/ب- ب -

ب- ب/ب - - -/ب- ب/ب- ب -

ويؤكد عموديتها كذلك أنه بدأ القصيدة ببيت مصرع والتزم بالقافية ومعطياتها في كل أبيات القصيدة، وهكذا يمكنك أن تصنع الصنيع نفسه مع باقي قصائده التي نظمها على طريقة الشعر الحر ومستخدماً فيها البحور المركبة.

لقد تعمد الشاعر كتابة بعض القصائد على طريقة الشعر الحر في الكتابة على الرغم من أنه استخدم البحور المركبة التي لا تسعف كثيرا في استخدام هذا الشكل، وفي الوقت الذي كتب فيه قصائد أخرى وعلى بحور مركبة، كتبها بالطريقة التقليدية، فضلاً عن أنه كتب قصائد على بحور صافية وفق الطريقة التقليدية في مكان ما، وكتب أخرى على البحور نفسها ولكن بطريقة حرة، وفي الوقت نفسه يمكن إعادة ترتيبها وفق الطريقة التقليدية. بمعنى أنه رسم قصائده على طريقتين:

1. قصائد على بحور صافية وفق الطريقة التقليدية (عمودية) وفي الوقت نفسه كتب قصائد على بحور صافية وفق طريقة الشعر الحر إلا أنها تعود إلى الطريقة التقليدية (عمودية) بإعادة ترتيبها.

2. قصائد على بحور مركبة وفق الطريقة التقليدية (عمودية) وفي الوقت نفسه كتب قصائد أخرى على هذه البحور وفق طريقة الشعر الحر، إلا أنها تعود إلى الطريقة التقليدية (عمودية) بإعادة ترتيبها.

وهنا نطرح التساؤل التالي، لماذا لجأ إلى ذلك، وبخاصة في طريقة كتابته للقصائد التي يمكن إعادة ترتيبها -مهما كان بحرها صافياً أو مركباً- لتصبح قصائد عمودية؟.

ولتفسير هذه الظاهرة أقول، لا بد أن الشاعر كان يعرف هذه التشكيلات الخطية لقصائده، وأنه كان يقصدها ليقيم منها بعداً فنياً جديداً يعتمد على الفضاء البصري في تحققه عند القارئ ابتداءً، وفي دلالته النصية كذلك، ولا سيما أنه كتب هذه القصائد بخط يده، ولم تكن مرقومة على الآلة الكاتبة. ولننظر إليه في قصيدة (هنا كان) لنلحظ ذلك، يقول:

هي القدس:

مفتاح السماء،

وبابها ..

ومنها،

إلى الرحمن ..

تفضي شعابها ..

حجارتها: للمؤمنين

قلائدٌ ..

وكحل عيون المؤمنين

ترابُها ..

.. .. ..

.. .. ..

وتحملني الذكرى

على رمش عينها،

إليها ..

فلماذا يصر الشاعر على هذا الشكل ويكتبه بخط يده على الرغم من أنه يعود بإعادة ترتيبه إلى الشكل العمودي كما لاحظنا سابقاً؟. قد تكون الإجابة في أن الدافع الحقيقي هو جعل التشكيل الموسيقي في مجمله خاضعاً خضوعاً مباشراً للحالة النفسية أو الشعورية التي يصدر عنها الشاعر، فالقصيدة في هذا الاعتبار صورة موسيقية متكاملة تتلاقى فيها الأنغام المختلفة وتفترق، محدثة نوعاً من الإيقاع الذي يساعد على تنسيق المشاعر والأحاسيس المشتتة(19). ثم إن هذه التعديلات الشكلية التي أدخلها الشاعر على قصيدته جاء بها ليتحقق الشاعر من نفسه وذبذبات مشاعره وأعصابه ما لم يكن الإطار القديم يسعف على تحقيقه، فلم يعد الشاعر حين يكتب القصيدة الجديدة يرتبط بشكل معين ثابت للبيت ذي الشطرين وذي التفعيلات المتساوية العدد المتوازنة في هذين الشطرين(20).

ولعلنا نجد الإجابة فيما لاحظه الدارسون في قيمة التشكل البصري وخصائصه، الذي يتجلى بشكل واضح في قراءة بعض التجارب الشعرية التي تعتمد علامات غير لفظية وتستعين بإمكانات الطباعة التي علامة العلامات في النص، وتعتمد طرائق جديدة في التعبير، وتنويعات لم تألفها العين من قبل توجه المتلقي وتفرض عليه لوناً مخصوصاً من القراءة عند التعامل مع هذه النصوص. وفي هذا الإطار تنزل القراءة البصرية وتكتسب مشروعيتها من خلال اهتمامها بطرائق تنظيم الصفحة التي تمثل تصوراً معيناً للكتابة، إذ لم تعد اللغة وحدها محور اهتمام، وإنما باتت أشكالها وتجلياتها المختلفة وكيفية عرضها وعلاقتها بمعمار الصفحة محط اهتمام الباحثين الذين انشغلوا بالقراءة البصرية، ولا سيما أن التشكل البصري غدا بنية أساسية من بنى الخطاب الشعري الحديث ودالاً ثرياً يوجه فعل التلقي، إذ لا يمكن للمتلقي أن يستكنه النص ويغور في داخله ما لم يتمثل كلية صورته "الطباعية" ذلك أن جملة أنساقه غير اللغوية ليست بمعزل عن الدوال اللغوية، كما أن هذه العلامات غير اللغوية في علاقتها بجماع مكونات النص التعبيرية والتركيبية كثيراً ما تجد منزلة الخطاب الشعري الحديث وتكون على صلة وثيقة بالدلالة وطرق انبناء المعنى(21).

ولعل البياض المتجسد بالحذف في هذا المقطع هو موضع الشاهد، إذ إن البياض لا يجد معناه وحياته وامتداده الطبيعي إلا في تعالقه مع السواد، إذ تفصح الصفحة بوصفها جسداً مريئاً عن لعبة البياض والسواد بوصفه إيقاعاً بصرياً يتجه إلى حالة الإبصار، ويوجد في صيغ الكتابة ذاتها ويتشكل بتشكلها على خلاف إيقاع البنى العروضية التي تبدو تخارجاً عن النص. وكثيراً ما يحملنا الإيقاع البصري إلى فضاء النفس وانفعالاتها وحالاتها المضطربة المتوترة لحظة الكتابة، لحظة منفردة فارة من زمنيتها متلاشية في بياض الورق(22).

لقد جاء البياض في المقطع الشعري السابق مقترناً بنقطتين أو أكثر، وقد امتد أحياناً ليشغل سطراً أو سطرين، ولم يكن هذا عبثياً وإنما كان مظهراً من مظاهر الإبداعية؛ يقول:

هي القدس:

مفتاح السماء،

وبابها..

فقد يكون البياض أحياناً طرفاً في لعبة الوجود والعدم ويغدو البياض رمزاً للموت بينما يمثل السواد الخزان الحاوي لكل الأشياء والحامل للحياة والإخصاب(23)، على نحو ما يمكن أن نلاحظ بعد النقطتين الرأسيتين، إذ يتوقع أن يكون مفهوم القدس حاضر في الأذهان قائم في الوجدان، بيد أن الشاعر تركه بياضا ليؤكد (العدمية) أي عدم وجود ذلك في الأذهان والوجدان، فيعود للسطر الثاني بسواد يذكر بالمفهوم ويلمح إليه واضعاً فاصلة بعد كلمتين موحياً للمتلقي أن يملأ البياض ليصل إلى (وبابها) الذي يترك بعده نقطا تسترعي انتباه المتلقي ليقف على المسكوت عنه، وبهذا يستحيل هذا البياض إلى بنى صامتة تخفي وراءها جملة من البنى الناطقة وتكشف في الأثناء الأفكار الحبيسة، التي تمنح القارئ حرية أكبر في التأويل وتجعله يبحث ويشارك في فعل الكتابة بملء الفراغات المتناثرة على جسد النص(24).

صفحة 6

التناص الإيقاعي

لعل علوي الهاشمي من أوائل من استخدم هذا المصطلح، إذ يقول: "قد يتصل هذا المستوى من المزاوجة الإيقاعية بما يسمى عادة بظاهرة التناص أو (النص الغائب) غير أننا لا نريد من هذه الظاهرة سوى الجانب الإيقاعي، أي ما يفتح بنية النص الإيقاعية ويتخللها في موضع أو أكثر محتلاُ مساحة واضحة في النص مختلفة من حيث بنيتها الإيقاعية الخاصة عن بنية النص وسياقه الإيقاعي العام، ولعلّ اتصال هذا المستوى من المزاوجة بظاهرة التناص يجيز لنا أن نطلق عليه تجاوزا التناص الإيقاعي"(25)، وتبعه في هذه التسمية حسن الغرفي في دراسته للبنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد(26).

وعند النظر في شعر حيدر محمود نجد قصائد عده قد جمع فيها بين الأصالة والمعاصرة، وهي ظاهرة سماها حسن الغرفي (ظاهرة التناوب)، إذ تتناوب في القصيدة الواحدة مقاطع من الشعر العمودي مع مقاطع من الشعر الحر، وهذا التناوب لا يحدث اعتباطاً وإنما يريد الشاعر به إحداث لونٍ من المزاوجة الإيقاعية على المستوى السمعي، وذلك لإضفاء نوعٍ من الغنائية بإيراد الشعر العمودي، ولونٍ من الدرامية عن طريق الشعر الحر(27). ومثاله قصيدة (نهر الأنبياء)، فقد بدأها بأبيات عمودية على البحر الكامل التام على النحو الآتي(28):

ينساب واسم الله حادي ركبه

يا طيب منبعه وطيب مصبه

- - ب - / - - ب - / - - ب -

- - ب - / ب ب - ب - / ب ب - ب -

وسار على هذا المنوال حتى أكمل البيت السابع، ثم تابع القصيدة بمجزوء الكامل المذيّل على النحو الآتي :

والضفتان شقيقتان

من حوله تتعانقان

ما هانتا يوماً ولا

هو رغم طول الليل هان

- - ب - / - - ب -

ب ب - ب - / - - ب -

وانتقل بعد البيت المجزوء الثالث إلى مقطع على مجزوء الكامل الأحذ، دون التزام بالقافية.

فيه حياتهما

وحياته بهما

- ب ب - / ب ب -

ب ب - ب - / ب ب -

القدس يمناه

عمان يسراه

ثم جاء بأسطر ثلاثة على النحو التالي :

يحميهما الله

- - ب - / - -

ويديمه لهما

ب ب - ب - / ب ب -

رمزاً لحبهما

- ب - / ب ب -

وهذه الأسطر هي التي تشجع الدارس على القول أنه مزج بين طريقة الشعر الحر والشعر العمودي، علماً بأن الانزياح الموسيقي وارد بانتقاله من الكامل التام إلى الكامل المجزوء المذيل ثم إلى الكامل المجزوء الأحذ.

وبعد هذه الأسطر عاد الشاعر ثانية إلى الكامل التام فقال:

أردنُّ يا ريحاننا المغزول من حبات أعيننا ودفق قلوبنا

أرج الشهادة في سهولك عاطراً

ما زال ممزوجاً بنفح طيوبنا

واستغرق هذا المقطع ثلاثة أبيات، ثم جاء إلى مقطع كان ترتيبه على النحو الآتي:

الله ما أحلاك

- - ب - / - -ْ

يا نهر إذا تجري

- - ب - / - -

أنقى من الفجر

- - ب - / - -

قلوبنا ترعاك

ب - ب - / - -ْ

على مدى الدهر

ب - ب - / - -

يا منبع العطر

- - ب - / - -

وهذا المقطع يؤكد أنه يفيد من معطيات هيكلية القصيدة الحرة في هذه القصيدة، لأن هذا المقطع لا يستقيم مع معطيات الشعر العمودي، فهو لا يشكل أبياتاً مجزوءة أو منهوكة، فضلاً عن أن حكم العلل فيه مختلفة بين الأسطر، بيد أنك تلاحظ رائحة الشعر العمودي فيه وبخاصة في الأسطر الوسطى من هذا المقطع لوجود القافية والاتساق الموسيقي، ولعلَّ هذه القصيدة تقترب من هيكلية النشيد الشعري.

وينتقل الشاعر إلى مقطع عمودي آخر، بيد أنه ينشره بأسطر حرة، وبإمكانك أن ترتبها لتتفق مع طريقة القصيدة العمودية، فهو يقول:

يا نهرنا في كل منحى ورابيه

لنا محدث وراوية

فهاهنا دماؤنا تكتب ألف صفحة

على الزمان باقيه

وهاهنا راياتنا يحملها كماتنا

شامخة وعاليه

صفحة 7

وهذه الأسطر التي تشكل أبياتا هي في الواقع على بحر الرجز وليست على الكامل، والقصيدة كما أسلفت هي على الكامل، وما يؤكد أنها على الرجز أن صور التفعيلات المستخدمة فيها هي: مستفعلن، متفعلن، ومستعلن - ب ب -، وهذه الأخيرة لا تأتي في الكامل إطلاقاً ولم تكن هذه الصورة في موضع يعطي احتمالاً لتشكل مع ما يليها صورة ب ب - ب - متفاعلن في الكامل، إذ تقتل التفعيلة التي تسبقها أو تلحق بها وبخاصة في الشكل الكتابي الذي يقدمه الشاعر.

ونكتفي بهذا النموذج على الرغم من أنه كان ظاهرة في شعر حيدر محمود، إذ يمكنك أن تجد نظيراً لهذا النموذج، وبأسلوب يختلف عنه، بيد أن الفكرة نفسها، فهناك قصيدة (لقاؤنا غداً) بدأها بأبيات عمودية ثم استخدم تقنيات عدة لإخراجها من إطار الشعر العمودي إلى إطار الشعر الحر. وكذلك قصيدة (أحبك لكن) التي أقامها على البحر الوافر، وكان يتنقل من أسلوب الشعر العمودي القائم على البيت إلى أسلوب الشعر الحر القائم على السطر الشعري بتقنيات تحول دون إعادة كتابة هذه الأسطر وفق الشعر العمودي. فقد جاءت الأسطر الأربعة الأولى على مجزوء الوافر المسبغ، فهو يقول:

سدى ضاعت ثلاث سنين

من أيامنا الخضراءْ

سدى ضاعت ليالي الشوق

رفّات المنى العذراءْ

ويلحظ أن الشاعر التزم بالقافية والعلة في نهاية السطر الثاني (الخضراءْ)، ونهاية السطر الرابع (العذراءْ). بيد أنه انحرف عن هذا النسق في الأسطر التي تليها، إذ يتشكل السطر الخامس والسادس عنده من ست تفعيلات، في حين جاء السطر السابع والثامن والتاسع من سبع تفعيلات، والسطر العاشر والحادي عشر من ثلاث تفعيلات، على النحو الآتي:

... وكنّا مثل عصفورين نملأ

حولنا الأجواء زقزقة وترتيلاً

ونقضي الليل سهرانين

نلهو بالنجوم الزهر

نغزلها لفرحتنا عناقيداً

ونغزلها لفرحتنا

أكاليلاً

وما يحكم هذا التقسيم هو القافية المتجسدة في السطر الثاني في هذا المقطع بقوله (ترتيلاً) والسطر الخامس بقوله (عناقيداً)، والسطر السابع بقوله (أكاليلاً). وهذه تقنية يستخدمها الشاعر ليخرج بالقصيدة من دائرة الشعر العمودي إلى دائرة الشعر الحر، ولعلّ هذا يشكل تناصاً موسيقياً بتقنية غير تلك التي ابتدأنا بها الحديث.

وينتقل الشاعر إلى مقطع أقرب ما يكون إلى المجزوء من بحر الرجز، إذ يقول:

وخالدٌ يهتف يا جنود كبروا

ب - ب -/- ب ب -/ب - ب -/ب-

وفي سجل النور يا أباة سطروا

ب - ب -/- - ب -/ب - ب -/ب -

صحائفا لمجدنا بها الوجود يكبر

ب - ب -/ب - ب -/ ب - ب -/ب - ب -

فهو يتشكل من تفعيلة (متفعلن) و (مستفعلن) و (مستعلن) وهذه التفعيلة الأخيرة من مميزات بحر الرجز إذ لا ترد إلا فيه، ونراه يستغل معطيات الشعر الحر وما رسخه الناظمون فيه وبخاصة في صورة (فعو) (ب-) التي تنتج من تفعيلة مستفعلن إذا اعتورها زحاف الخبن أولا ثم علة الحذذ، وهي حذف الوتد المجموع من آخر التفعيلة فتغدو التفعيلة (متَفْ) التي تنقل إلى (فعو) المساوية لها بالحركات والسكنات، وهذا انزياح موسيقي بيّن في هذا الموضع لم يكن في العروض الخليلي من قبل، ولم يستخدم, بيد أن شعراء حركة الشعر الحر استخدموه بشكل واضح، ويلاحظ كذلك أن الشاعر لم يلتزم بقواعد العلة في هذا المقطع؛ فجاء البيت الثالث دون أن تهزه هذه العلة وهذا ما يشجع على القول إن هذا المقطع يعيش في بيئة الشعر الحر.

ولعل المقطع الذي يليه لا يسمح لنا كما سمح هذا المقطع موسيقياً أن نعيد كتابته وفق العروض الخليلي، وذلك لأن خللاً موسيقياً يعتور هذا المقطع إذا حاولنا ذلك ولننظر إليه يقول:

ويا جنودنا

ب - ب - / ب -

النهر نهركُمْ

- - ب - / ب -

وماؤه على عدوكم حرامْ

ب - ب - / ب - ب - / ب - ب -

وهذا الشكل يحرم تشكيل بيت من الشعر إذ لا تستقيم معنا التفعيلة الثانية، أو التي تليها، مما يؤكد أن هذا المقطع يسير أيضاً وفق طريقة الشعر الحر ويستفيد من معطياته.

ويعود الشاعر ثانية إلى البحر الكامل التام العمودي إذ يقول:

يا نهر يا دفاق بالأمجاد

يا رمز وحدة أمتي وبلادي

لن تستذل وفي العروق بقية

من غرة الآباء والأجداد

تفديك يا نهر الخلود دماؤنا

وسواعد الأبناء والأحفاد

وينتقل بعد هذا المقطع إلى مقطع أخير نظمه على بحر الرجز وفق طريقة الشعر الحر، ومستغلاً معطياتها وبخاصة ما يتعلق بالعلل وتنوعها في نهاية الأسطر.

صفحة 8

قصائد جمع فيها بين وزنين

لعل العنوان السابق قد جاء في طيه ما يكشف عن أن شاعرنا كان قد استخدم الشكلين العمودي والحر في قصيدة واحدة، وأشار كذلك إلى أنه استخدم وزنين هما: الكامل والرجز، ولا غرابة في ذلك وبخاصة إذا كان الشاعر لا يعرف العروض؛ لأن وزن الرجز قد يتداخل موسيقياً مع وزن الكامل؛ فإذا دخل زحاف الإضمار على تفعيلات الكامل جميعاً غدا الرجز بعينه، فضلاً عن أن صور تفعيلة الكامل بما يعتورها من زحافات وعلل قد تلتقي مع صور تفعيلة الرجز، وبذلك يصبح التداخل بينهما قائماً، وعلماء العروض يمكنهم أن يميزوا بين البحرين بخصوصية كل بحر منهما، فخصوصية -مثلاً- البحر الكامل هو أن تأتي تفعيلة صحيحة (متَفاعلن ب ب - ب -) وخصوصية الرجز أن يدخل على تفعيلته الرئيسية زحاف الطي وهو حذف الرابع الساكن فتصبح (مستعلن - ب ب -) التي لا تأتي في الكامل إطلاقاً.

وهذا ما يؤكد أن شاعرنا أقام قصيدته على بحرين من بحور الشعر هما الكامل والرجز. ولعلّ هذه الظاهرة قديمة قدم الشعر العربي، فما كان قد أثير حول معلقة عبيد بن الأبرص يؤكد ذلك، فقد وصفها ابن رشيق بقوله: "كادت تكون كلاماً غير موزون بعلة ولا غيرها، حتى قال بعض الناس إنها خطبة ارتجلها فاتزن له أكثرها"(29). ويقول قدامة بحقها:" فيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبح ذلك جودة الشعر، حتى أصاره إلى حد الرديء منه"(30). بيد أن التبريزي يجعلها من المعلقات(31) وكذلك الزوزني(32)، وقد أكد الغذامي موسيقية هذه القصيدة وفسّر ما فيها من خلل موسيقي تفسيراً فنيّاً، فعدها من القصائد ممزوجة البحور، واستخرج منها سبعة أوزان مشيراً إلى قصدية الشاعر لهذا المزج(33)، ويرى لوثمان أن هذا المزج سمة عضوية في كل عمل فني إلى حد يمكن معه القول بأن هذا التراكب يعتبر القانون الأساسي في بنية كل نص أدبي(34) لأن هذا المزج يضفي توتراً على القصيدة ويدفع المتلقي إلى تشوق البحر السابق لأن النفس تسأم التكرار الرتيب وتتشوق إلى التغيير والتجديد، إذ إن مزج البحور يولد صراعاً بين النظام والوزن، وكسر النظام يكون بمزج أكثر من بحر(35).

لم يقف شاعرنا عند حدود هذين البحرين (الكامل والرجز)، فقد نظم غير ما قصيدة على بحرين آخرين، فقد جاءت قصيدته (الكتابة بالدم على نهر الأردن) على بحري الوافر والرمل، وبنيت قصيدته (الضفتان توأمان) على بحري الرجز والرمل، وأقيمت قصيدته (الكلمة) على بحري الرجز والمتدارك، إذ جاءت الأسطر الخمسة الأولى في القصيدة على بحر الرجز، ثم انتقل في المقطع الثاني أي الأسطر الإثنا عشرة التي تليها إلى البحر المتدارك، وقد كان الشاعر واعياً لذلك، إذ وضعها بين أقواس ليلفت نظر المتلقي إلى أن ثمة اختلافاً ما اعتور القصيدة هنا، وبعد أن أكمل المقطع عاد ثانية في الأسطر التالية له إلى بحر الرجز، وختم القصيدة بمقطع وضعه كذلك بين أقواس على البحر المتدارك.

ويكشف الجدول التالي التشكيلات الموسيقية التي استخدمها الشاعر من البحرين ونسبة شيوعها في القصيدة :

الرجـــــــــز

المتـــــــــدارك

التفعيلة

التكرار

النسبة

التفعيلة

التكرار

النسبة

مسْتفعلن

25

36.7

فعْلن

34

58.6

متَفعلن

18

26.4

فَعِلن

13

22.4

مسْتعِلن

05

7.3

فعْلان

02

3.4

فعولْ

07

10.2

فاعِلُ

05

8.6

فعو

05

7.3

فاعاتن

02

3.4

متفعلان

03

4.4

فاعاتان

02

3.4

فعْلان

01

1.4

فعْلن

01

1.4

فعِلن

01

1.4

فعولن

01

1.4

مسْتفعلان

01

1.4

68

58

يلاحظ أن ثمة اتفاقاً بين صور مستفعلن في بحر الرجز وصور فاعلن في البحر المتدارك من خلال الجدول السابق، فإذا جمعنا نسبة ظهور الصور المشتركة في البحر المتدارك مع بحر الرجز نجدها (51) صورة أي ما نسبته (88%) ، بمعنى أن التقارب بينهما في هذا المجال واسع جداً لكن الأمور لا تقاس بهذه العملية المجردة إذ إن مثل هذا القياس قد يفهم ألاّ فرق بين البحرين وهذا غير وارد، فالبحر المتدارك غير بحر الرجز في التشكيلات الموسيقية، فكما أن هذه النسبة عالية فإن نسبة تفرد بحر الرجز وتميزه عن المتدارك عالية أيضاً، ونسبة تفرد الرجز عن المتدارك هنا تزيد عن (95%)، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه، وبيّن بوضوح أن الشاعر أقام قصيدته على بحرين مختلفين.

صفحة 9

ونظم الشاعر قصيدة (الكتابة بالدم على نهر الأردن) على بحري الرمل ومجزوء الوافر، أو لنقل الوافر وفق اشتقاقه من الدائرة العروضية المسماة بالدائرة المجتلبة التي يشتق منها بحر الهزج وبحر الرجز وبحر الرمل.

وتقترب هذه القصيدة من (البند) العراقي، فالبند "خلافاً للشعر العربي كله يستعمل بحرين اثنين من بحور الشعر، يجمع بينهما ويكرر الانتقال من أحدهما إلى الآخر عبر القصيدة كلها، والبحران الوحيدان المستعملان فيه هما الهزج والرمل"(36). ونحن لا نقبل هذا القول بكل ما فيه من تعميمات بيد أننا نأخذ منه أن البند يقوم على بحرين هما الهزج والرمل. والقدر المشترك بين هذا الملحظ وقصيدتنا هو أن شاعرنا أقام قصيدته على بحري الوافر والرمل، وهناك تقارب كبير جداً بين الوافر والهزج وبخاصة مجزوء الوافر الذي استعمله شاعرنا، ومما يجدر ذكره أن شاعرنا استعمل تفعيلة الهزج (مفاعيلن ب - - -) (47) مرة في حين استخدم (مفاعَلَتُن ب - ب ب -) التفعيلة المميزة للوافر (6) مرات في القصيدة كاملة. صحيح أن هذه التفعيلة مميزة للوافر بيد أن الكثرة الطاغية لتفعيلة الهزج تجعله أقرب إلى روح الهزج منه إلى الوافر. وقد لاحظ بعض الدارسين أن ثمة تعالقاً وتداخلاً بين الهزج والوافر ورأى أن الهزج ضرب من الوافر المجزوء وليس هو بحر قائم بذاته(37) ، وهو رأي مقنع لأن صور تفعيلة الهزج هي صورة فرعية من صور تفعيلة الوافر المجزوء. وذلك على الرغم مما وصفه العروضيون من أسس لتفرد كل منهما بخصوصية تؤكده وتدعم وجوده.

ويقترب النفس الموسيقي بين بحري الرمل والوافر إذا ما استخدمت تفعيلة الوافر معصوبة، أي تسكين الخامس المتحرك في تفعيلة (مفاعلتن) التي تنقل إلى (مفاعيلن ب - - -) المساوية لها بالحركات والسكنات، وبينهما علاقة خفية يمكن أن نبينهما بالتقطيع.

مجزوء الوافر المعصوب = مفاعلْتن مفاعلْتن // مفاعلْتن مفاعلْتن

ب- -/ - ب- -/- ب- -/- ب- -/-

الرمـــل: - ب- -/ - ب- -/- ب- -/- ب- -/

والتشابه قوي جداً إذا ما اعتبرنا أن المقطع الطويل في نهاية الوافر، يقابل المقطع الطويل في بداية الرمل، فإن التساوي يكون 100% مئة بالمئة، هذا إذا ما استخدم الشاعر التفعيلات في البحرين صحيحة، ولكن الأمر يستحيل تحققه إلا متكلفاً، إذ من البديهي أن تعتور هذه التفعيلات الزحافات والعلل، وهنا تظهر الاختلافات بين البحرين.

لعل ظاهرة الحزن التي ارتبطت بالبند هي تلك الوشيجة التي تربط بين هذه القصيدة والبند، صحيح أن هذه القصيدة في موقف ظاهره الفرح بالنصر إلا أن باطنه يذكر بمأساة عظيمة هي ضياع لوطن يستحق الصمود والتضحية والتوحد كما في معركة الكرامة.

إن الخلاف ما بين ما جاء به حيدر محمود وما كان عليه البند هو ذلك الخلاف الناعم بين القضيتين على الرغم من اتحادهما في القضية المركزية التي تشترك بقاعدة جوهرها الحزن والأسى.

ولعل القصيدة تنبؤنا بالزمن هذا، فقد جاءت في أربعة وستين سطراً متفاوتة في عدد التفعيلات وجاءت الأسطر الأربعة والعشرون الأولى على البحر الوافر، وكان مضمون هذه الأسطر يعلن عن صفات العدو، فهم الجراد الذي يأكل كل شيء ويترك الأرض جرداء، وهم الذئاب الذين يسرقون النوم والأمن والحرية والحب من أرض تعودت على عطائها. ولما خرج الشاعر عن هذا الإطار في هذا المقطع وعلى البحر نفسه وضعه بين أقواس، ليعلن للقارئ أنه على الرغم من أنه على الوزن نفسه وفي الإطار نفسه إلا أنه مختلف كل الاختلاف عن المضمون السابق فيستحق أن يفصل، ففصله بأقواس، وما كان بين الأقواس وعلى البحر نفسه كان نداء إلى الله بأن يجعل دماء الشهداء ناراً في جوف الأعداء. ثم جاءت الأسطر التالية وعددها اثنان وثلاثون سطراً على بحر الرمل بمضمون آخر يلتصق بأهل الأرض وأصحابها الحقيقيين مستفيداً من معطيات الحياة الاجتماعية وثقافتنا العربية و الإسلامية، فالدم لا يصبح ماء، والشهداء لا يموتون، لهذا هبَّ أهل الأرض من كل مكان متوحدين مقدمين أرواحهم وأنفسهم ودماءهم رخيصة في سبيل الوطن ومسح آثار الجريمة.

وليؤكد لنا الشاعر أن ما جاء في المقطع الأول وعلى البحر الوافر ناشز -كما أشرنا سابقاً- ووضعه الشاعر بين أقواس يعيده لنا في المقطع الأخير في بيئته الصحيحة فيحلله من الأقواس ولا سيما أن الحديث عن تلك الذئاب هنا حديث عن هزيمتهم وتأكيد لاستجابة النداء الذي صرح به الشاعر في نهاية المقطع الأول، فكان النهر؛ نهر الأردن لحظة أن مضى الأعداء يصلي شكرا لله على ما حققه من نصر للعرب المسلمين على أعدائهم اليهود.

وفي قصيدة (الضفتان توأمان) استخدم الشاعر بحري الرجز والرمل، وهما بحران مشتقان من دائرة عروضية واحدة هي الدائرة المجتلبة مما يقرب بينهما موسيقيا على النحو الأتي:

مستفعلن مستفعلن مستفعلن

الرجز: -- ب - /-- ب - /-- ب -

الرمل: - ب - -/- ب - -/- ب - -

ويلحظ من خلال الصورة السابقة أن اقتراباً كبيراً من الوزن في وسط التفعيلات والاختلافات يكون بزيادة المقطع الطويل في بداية الرجز، ومثله في نهاية الرمل، وذلك في حدود التفعيلات الصحيحة بيد أن الاختلاف بيِّن إذا اعتورت هذه التفعيلات الزحافات والعلل. وإذا أثبتنا أمامك صورة التفعيلات التي جاءت في هذه القصيدة على بحر الرمل فإنك ستلحظ مدى الاتفاق موسيقيا بها، لننظر:

- ب -/- - ب -/- ب ب -/- - ب -/- ب ب -

- ب -/- ب ب-/- ب ب-/- - ب -/- - ب -/- - ب -/- - ب -

فإذا علمنا أن (فاعلن) الموضوعة في المستطيل قد جاءت في بداية الأسطر الشعرية، التي تخفي في هذا الموضع نغمتها المتباينة عن بحر الرجز، أدركنا أن هذا يوهم المتلقي للوهلة الأولى أن القصيدة لم تخرج عن موسيقاها العامة القائمة على بحر الرجز، فضلاً عن أن موسيقى (فاعلن) مألوفة أيضاً في بحر الرجز في نهايات الأسطر، والإنشاد للقصيدة قد يجعل البدايات في الأسطر نهايات لأسطر تسبقها وهذا يؤكد ثانية الانسجام الموسيقي في هذا المقطع مع بحر الرجز، قد لا يشعر به المتلقي.

إن الشاعر يشعر بهذا التباين ويحس باختلاف الوزن ولا سيما أنه وضع هذا المقطع في وسط القصيدة وهو مقطع قصير، وضعه بين أقواس ومضمونه يؤكد أنه كالجملة المعترضة في هذه القصيدة فهو نداء لبلاد الشاعر بضرورة وحدة الصف وهذا يتناغم مع ما جاء تالياً لهذا المقطع في القصيدة على بحر الرجز، إذ كان مما جاء على بحر الرجز تأكيد للوحدة القائمة بين ضفتي نهر الأردن، الأردن وفلسطين، فهما توأمان والالتفاف حول ضفتيه صلاة، والموت في سبيله حياة، من أجل رفع راية الإسلام خفاقة فوق مساجده ومصانعه ومزارعه وسفوح جباله مؤكداً ضرورة وحدة الصف.

وكأني بذلك أحس بتناغم قائم بين الموسيقى وما يحس به الشاعر، إذ ما يدركه يؤكد بوجود تمايز بين الشعبين، كما يدرك التمايز بين البحرين العروضيين، على الرغم من أن البحرين يعودان إلى دائرة واحدة، وهكذا الشعبان الأردني والفلسطيني فعلى الرغم مما يحس به الشاعر من التمايز والاختلاف إلا أنهما يعودان إلى أصل واحد، وبهذا فإن مصيرهما واحد، وضرورة توحدهما عظيمة، وهذه المقاربة تأخذ بعين الاعتبار القياس مع الفارق بين الملحظين.

صفحة 10

قصائد جمع فيها بين ثلاثة أوزان

نظم الشاعر قصيدته "بحثاً عن القصيدة، بحثا عن عمّان" على البحر المتقارب، وما يلفت النظر في هذه القصيدة أمران؟ الأول هو أنه جعل في بدايتها بيتين للمتنبي وضعهما بين أقواس ووثقهما وهما على البحر الكامل، والآخر هو أنه جعل لهذه القصيدة هامشاً على غير عادته في كل ديوانه. وما جاء تحت عنوان (هامش) في هذه القصيدة كان على البحر المتدارك. وإذا تعاملنا مع هذه القصيدة كوحدة واحدة من بداية العنوان إلى بداية القصيدة التي تليها، نكون أمام قصيدة تشتمل على ثلاثة بحور شعرية مختلفة هي: الكامل والمتقارب والمتدارك. وظهور هذه البحور الثلاثة أمر طبيعي، لأن ما جاء على كل بحر منها مستقل شكلاً عن الآخر، واستقلالية الشكل لا تعني بالضرورة الفصل التام بين هذه الأجزاء، وإلا لما كانت هناك ضرورة للجمع بينهما في قصيدة واحدة. وسأجتهد في إيجاد رابط بينها بعيداً عن الشكلية المموهة.

ولعل هذا اللون من التناص الموسيقي الذي سمّاه (حسن الغرفي) النص والنص الموازي(38)، ويتعلق الأمر في هذا النوع بالعنوانات الرئيسية والفرعية والتوطئة والتنبيه وما تشير إليه الهوامش، أي كل ما له علاقة حوارية مع النص لغرضٍ مهم(39) ويتجلى ذلك في أن مطلع هذه القصيدة ونقصد به ذلك التناص الذي جاء به الشاعر في بداية قصيدته، وهما بيتان من قصيدة مدح بها المتنبي أبا المنتصر شجاع بن أوس بن معن بن الرضا الأزدي. وقد اشتملت مقدمتها على أبيات غزلية، وليس الغزل في هذه القصيدة إلا رمزاً لمعنى غامض عند المتنبي، وهو الذي يتغنى الشاعر به دون أن يعرب عنه في أول الأمر، وإنما يترك للقارئ فرصة تفهمه، فإذا قدر للقارئ أن يكون عالماً بحياة الشاعر ظاهراً على دخائله، شاهداً لما مازج حياته من حزن وما عرض له في حياته من أسى وحسرة فهو فاهم عنه محقق لما يتغنى به. فالشاعر ليس بعاشق وكذلك شاعرنا بقدر ما يحمل هماً يطيل ليله ويضاعف أرقه ويزيد حزنه كلما مرت الساعات والأيام(40).

وهذا يعني أن الشاعر قد سلك منحى فلسفياً في التفكير يعيده إلى نفسه أولاً وإلى قومه ثانياً كما تكشف أبيات المتنبي. إذ توضح أبيات المتنبي أن الشاعر يرى نفسه غريباً مشرداً سيء الحال، وهو يرى قومه بعد ذلك غرباء مشردين، قد تسلط عليهم من كان ينبغي أن يتسلطوا عليه، واستأثر بالأمر دونهم من كان ينبغي ألا يكون له من الأمر شيء. ثم إن المتنبي يبكي على الشباب وهو في ريعان الشباب، ويحاول تعليل هذا البكاء، وأكبر الظن أن الشاعر (المتنبي) يتكلف التعليل كما تكلفه حين ذكر لومه للعاشقين واعتذاره بعد ذلك عنهم في البيتين اللذين تعالقا مع نص شاعرنا حيدر محمود، وهما(41):

وعذلت أهل العشق حتى ذقته

فعجبت كيف يموت من لا يعشق

وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني

غيرتهم فلقيت فيه ما لقوا

وأعتقد أن الأجواء النفسية التي كان يعيشها المتنبي تقترب كثيراً من الأجواء النفسية التي يعيشها شاعرنا، مما جعله يعالق نصه بهذين البيتين المرتبطين بنص يقدم فحواه روح الحياة التي يعيشها الشاعران.

وعند العودة إلى متن قصيدة شاعرنا، تطالعك الأسطر الأولى بقوله(42):

تظلين أنت الوحيدةْ

تظلين ... أغلى قصيدة

لأني كتبت حروفك بالدمْ

فكنت الحقيقة ...والوهمْ

وكنت ابتداء حياتي الجديدة.

فالخطاب الموجه إلى عمان يشي بانفصال ما، وهو بكاء من نوع خاص على تلك الأيام الخالية التي أعقبها قوله: (تظلين أنت الوحيدة) إذ يكشف الطرف الأخر غير المرئي في هذا المقطع عن كلام مسكوت عنه فحواه التشكيك في نفس الشاعر بأن ازدواجية ما تسربت إلى نفسه جعلته يرى معادلاً آخر لعمان، فيؤكد أنه ملتحم بها مادة وروحاً، بما تسمى به كلمة (الدم - وأغلى قصيدة). وتنمو القصيدة بروحها متكلفاً التعليل والتأكيد كما تكلفه المتنبي حيث ذكر لوحة للعاشقين، ولكنه تعليل على طريقة حيدر محمود، إذ يقول:

أنا..... قبل عينيك

كنت شراعا، مضاعاً

إلى آخر القصيدة.

ويؤكد ذلك الانفصال التام في المقطع الذي وضعه الشاعر تحت عنوان (هامش) بما تنطوي عليه هذه المفردة من دلالات تؤكد الانفصال مع شيء من التعالق، الانفصال بالعرف الاجتماعي السائد لكلمة (هامش) لا بالعرف الأكاديمي. فضلاً عن أنه كثف هذا الانفصال بنظمه على بحر شعري آخر هو (المتدارك) وكأنه أيضاً يكثف بدلالة موسيقة هذا البحر الذي لم يكن أصلاً من جسد العروض فاكتسب هذه الدلالة والحق بعلم العروض. ويكثف التمايز والانفصال مضمون هذا الهامش الشعري الذي يؤكد التمايز فهناك فارق اللون، والمسافة بعيدة بين الطرفين. ويزيد الأمر تكثيفاً لهذا المفهوم الفضاء البصري واللفظ اللغوي في هذا المقطع، ولننظر إلى ذلك، يقول:

بيننا.... فارق اللون، وجهي أنا مستعارٌ، ووجهك أنقى من البرتقال....

والمسافة، بيني وبينك قاتلة، والطريق طويل... وغصنكِ أكبر من أن يطال!!

فبعد كلمة بيننا نلحظ فضاءً بصرياً يؤكد سعة المسافة بين الطرفين وبعدهما عن بعضهما فالفراغ يؤكد هذه المسافة ويكثفها. ثم نجد على صعيد اللفظة، كلمة (فارق) ونجد على صعيد التركيب (والمسافة بيني وبينك قاتلة) ونجد (والطريق طويل) وهذا يؤكد الانفصال لا الاندغام بين الشاعر من جهة والمدينة المتغنى بها من جهة ثانية، فهو يتكلف التوحد كما يتكلف الشاعر العشق ويخلص منه إلى مبتغاه.

وبعد، فإن ما صنعه حيدر محمود لم يكن فريداً في مجال استخدام أكثر من بحر في القصيدة الواحدة، فقد كان بدر شاكر السياب وهو من رواد حركة الشعر الحر في قصيدة (جيكورامي) قد جمع بين بحر الخفيف والرمل والرجز على نحو ملفت للنظر، فقال(43):

تلك أمي وأنا أحبها كسيحاً

الخفيف

لائماً أزهارها والماء فيها والترابا

الرمل

ونافضاً بمقلتي أعشاشها والغابا

الرجز

ولن نقف عند المسوغات التي أشار إليها السياب للجوء إلى هذا البناء الموسيقي(44) ، وما نريده هنا هو أن أحد رواد الشعر الحر قد بنى بعض قصائده على أكثر من بحر وبأشكال مختلفة هذا نموذج منها، وربما كان هذا من المسوغات التي لاحت أمام شاعرنا ليسلك هذا الدرب مشاركة منه لرواد الشعر الحر في بناء قصائده.

وكان السياب ينتقل - كذلك - من بحر إلى بحر في القصيدة الواحدة، على نحو صنيع شاعرنا ويتجلى ذلك في قصيدة (بور سعيد) إذ خرج من البسيط إلى السريع، وهو بهذا الصنيع يحدث صدمة إيقاعية لا عهد للمزاج السائد بها، ولا عهد للقصيدة العربية التقليدية بها، ونحس بالمقابل أن حيدر محمود يعيش في مثل هذا السلوك على ما غنمته القصيدة الحرة في هجومها الأول في اتجاه الحداثة الموسيقية، فهو يراوح في هذا السلوك عند منجزات قصيدة الرواد ويقف عند الفجوات التي فتحها هؤلاء الشعراء وفي مقدمتهم بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وغيرهم.