eKtab
EN ع
البنية الدرامية في شعر محمود درويش
اقرأ عينة مجانية

البنية الدرامية في شعر محمود درويش

بقلم د. رمضان عمر

صفحة 1
المقدمة
 
عنيت الدراسات النقدية الحديثة عناية واضحة بالفن الدرامي، ووسَّعت من مفهوم الدراما، لتصبح الأجناس الأدبية حقلا لتجاربها، وتضعف الحدود الفاصلة بين جنس أدبي وآخر.
 
وقد لجأ الشعراء المحدثون إلى رسم أنموذج جديد للقصيدة الحديثة، موظفين البنية الدرامية في بنائها، مستفيدين - في ذلك - من الواقع اليومي. والحياة التقنية الحديثة، وما رافقها من ميلاد عصر الفضائيات، والسينما، والشبكة الدولية، ناهيك عما وصل إليه الفن الروائي من تطور فيما عرف بعصر ما بعد الحداثة، ومن هنا، فإن تناول القصيدة الحديثة، يقود إلى تناول تلك المدخلات مجتمعة أو متفرقة، بعد أن ضعفت الحدود الفاصلة بين لون أدبي وآخر، ودخلت الأنواع الأدبية كلها ضمن مفهوم النص أو الخطاب.
 
ولعل وقفة متأنية على أهم تلك التحولات التي مست جوهر القصيدة العربية من نحو، وإشكالية المصطلح النقدي (الدراما) و(الدرامية الشعرية) أو(البنية الدرامية) الخ، وتطوره من نحو آخر، سيؤسس لقراءة منهجية واعية.تعتمد على مفهوم البنية في تناول هيكلية النص، وتبحث عن أفق التحول في تجربة شاعر من شعراء العربية الذين تركوا بصمات واضحة على هذا اللون الشعري، ومضوا بعيدا في التجريب الإبداعي، حتى عد من أشهر شعراء العربية المحدثين.
 
وقد جاءت هذه الدراسة لتعيد قراءة النص الدرويشي وفق هذه التحولات الفنية، التي نقلت جوهر التجربة من واقعها الغنائي إلى واقع أكثر ديمقراطية، وأعمق رؤية.فدرويش الذي بدأ حياته غنائيا في"عصافير با اجنحة "أو "أوراق الزيتون"، لم يعد كذلك في "أحد عشر كوكباً" و"ورد اقل"، و"حصار لمدائح البحر"، و"حالة حصار"، و"سرير الغريبة"، و"الجدارية"، و"لا تعتذر عما فعلت"، و"كزهر اللوز أو أبعد"، و"ذاكرة النسيان "، ... الخ.
 
ولا بد لكل دراسة جادة من أساس قوي تعتمد عليه، ومنهج سوي واضح تنطلق منه، ولا يتأتى ذلك إلا بوضوح المصطلح، وسلامة المنهج، ومن هنا، فقد افرد الباحث الفصل الأول من هذه الدراسة ليتناول فيه مفهوم الدراما والدرامية، وعلاقتها بالقصيدة الحديثة.
 
أما في الفصول الأربعة الأخرى فقد تناول عناصر البناء الدرامي واحدا تلو الآخر وطبقها على القصيدة الدرويشية، فبدأ بالصراع، باعتباره أهم مشكل للدراما، ثم جاء دور الحدث في الفصل الثاني، والحدث هو الذي يفرق بين قصيدة درامية وأخرى غير درامية، ثم تناول في الفصل الثالث الشخصية، وما حوته القصيدة الحديثة من بنية سردية شكلت الشخصية جزءا مهما منها، وانتهى البحث في فصله الأخير بالحوارية على اعتبار أن الحوار هو الذي يفرق بين المسرح وباقي الفنون؛ فهو أساس فيه وفرع فيها.
 
ولا شك أن درويش درس غير مرة، وفي غير زاوية، بيد أن تناول التجربة الدرويشية من خلال تقنية فنية حداثية "البنية الدرامية " يشكل إضافة جديدة، لم يقم بها باحث من قبل.
 
ومن هنا، فإن الباحث يرى أن إعادة تناول التجربة الشعرية الدرويشية من خلال البنية الدرامية سيضيف جديدا إلى الدراسات النقدية الحديثة، ذلك أن طبيعة النص الدرويشي تراوح بين السردية والإيقاعية، ولعل القارئ لشعر درويش يلمح بوضوح تلك النزعة الدرامية القائمة على بنية الفعل والحدث والحكاية وتصوير الصراع، وبروز عدد من الظواهر الفنية ذات العلاقة بالبنية الدرامية: كالحوارية وتعدد الأصوات.
 
لذا، فإن واحدة من الأهداف الأساسية لهذه الدراسة تكمن في البحث عن البنى الجمالية التي قدمتها هذه التقنيات الفنية، ومدى علاقة هذه التقنية بطبيعة الشعر، وهل اصطدمت هذه التقنية مع الذائقة العربية أو مع الشكل الفني للقصيدة العربية القديمة؟ أم تلاحمت معها، وشكلت امتداداً طبيعياً لحركتها الشعرية؟
صفحة 2
الفصل الأول
 
في أصول البنية الدرامية
 
 
 
مفهوم البنية
 
البنية لغة: "البَنْيُ: نقيض الهدم، بنى البناء بَنياً وبناءً وبنى، مقصور، وبُنياناً وبنيةً وبنايةً وابتناه وبناه، والبناءُ: المبنيُّ والجمع أبنية، وأبنيات جمع الجمع واستعمل أبو حنيفة البناء في السفن. والبِنيةُ والبُنيةُ: ما بنيته، وهو البنى والبُنى. كأن البِنيةَ الهيئة التي بُنيَ عليها( ).
 
أما المعنى الاشتقاقي لمفردة البنية فهو يدلّ- في تضاعيفه - على دلالة معمارية... وقد تكون بنية الشيء تكوينه... وتعني: الكيفية التي شيد على نحوها هذا البناء، ومن هنا، فإنه يمكن التحدث عن البنية مضافة إلى الشيء نحو: بنية المجتمع، أو بنية الشخصية، أو بنية اللغة.
 
ولم ترد لفظة (بنية) في القران الكريم لتدل على الشكل اللغوي، أو الأسلوب التعبيري، ولكن وردت"على صورة الفعل (بنى) أو الأسماء (بناء) و(بنيان) و(مبني) نيفا وعشرين مرة، ويبدو أن معانيها التي وردت في القران الكريم لا تخرج عن مدلولها اللغوي المشار إليه.( )
 
ولعل كلمة البنية في اصطلاح النحاة واللغويين وردت لتدل على الشيء الثابت حينما فرقوا بين المبني والمعرب، أو بين المعلوم والمجهول؛ فقالوا: المبني للمعلوم، والمبني للمجهول. أو حين تحدثوا عن أبنية الكلمات: كأبنية الأفعال، وأبنية المصادر، وما شابه ذلك.
 
أما في اللغات الأجنبية؛ فإن كلمة "structure" مشتقة من الفعل اللاتيني" strucre" بمعنى: يبني أو يشيد. و حين تكون للشيء بنية (في اللغات الأوروبية)؛ فإن معنى هذا- أولا وقبل كل شيء- أنه ليس بشيء "غير منتظم" أو "عديم الشكل" amorphe، بل هو موضوع منتظم، له صورته الخاصة، ووحدته الذاتية. وهنا يظهر التقارب بين معنى البنية ومعنى (الصورة) form، ما دامت كلمة"بنية" في أصلها تحمل معنى المجموع أو (الكل) المؤلف من ظواهر متماسكة، يتوقف كل منها على ما عداه، وتحدد من خلال علاقته بما عداه"( ).
 
ووردت مفردة (البنية) في النقد العربي القديم، لتدل على حالة بناء اللفظة المعروفة؛ فهي عند ابن طباطبا تعني: الإنشاء والتكوين، ويتضح ذلك من خلال قوله: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخَّض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكرهِ نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ( ).
 
وجاءت لفظة (بنية) في مواضع متفرقة، من كتاب (نقد الشعر)، فقال قدامة في حديثه عن التصريع: "لأن بنية الشعر إنما هي التسجيع والتقفية... "( )، وهي عنده لا تخرج عن مدلولها عند ابن طباطبا، وإن كانت- هنا- أقرب إلى الصيغة أو القالب.
 
وجاءت هذه المفردة بالمعنى نفسه عند كل من الآمدي والحاتمي. أما مفهوم القيرواني لهذا المصطلح، فكان يعني: "مجموع العلاقات بين الأجزاء التي تتكون منها القصيدة مع بعضها، فكان يرى أن من الأفضل أن يكون كل بيت مستقلا بذاته لا يحتاج إلى ما قبله أو ما بعده".( )
 
أما مصطلح البنية - كما ورد عند عالم النفس السويسري (جان بياجيه) – فهو "نسق من التحولات، له قوانينه الخاصة، باعتباره نسقا (في مقابل الخصائص المميزة للعناصر"( )، علما بأن من شأن هذا النسق أن يظل قائما ويزداد ثراء بفضل الدور الذي تقوم به تلك التحولات نفسها، دون أن يكون من شان هذه التحولات أن تخرج عن حدود ذلك النسق، أو أن تهيب بأية عناصر أخرى تكون خارجة عنه. "( )
 
أما (ليفي شتراوس)، فهو يقرر أن "البنية تحمل- أولا وقبل كل شيء- طابع النسق أو النظام؛ فالبنية تتألف من عناصر يكون من شأن أي تحول يعرض للواحد منها، أن يحدث تحولا في باقي العناصر الأخرى"( )
 
وتنسب البنيوية للبنية، وتعني: مجموعة العلاقات الداخلية التي تميز مجموعة ما، وتوصف البنية بأنها: شاملة، ومتحولة، ومتحكمة بذاتها.
 
أما شمولها فيعني: أنها كلية، تقوم على أنظمة وعلاقات، والبنى الجزئية داخل هذا النظام الكلي متكررة؛ فهي واقعة داخل النظام الكلي. من خلال هذا التصور الكلي يقوم التحليل البنيوي على رصد الثنائيات التناقضية في النص، معتمداً على القراءة الوصفية، وهذا الرصد يتناول النص من خلال مستوياته المتعددة: الصوتية، والصرفية، والتركيبية.
 
أما التحول؛ فذلك أن الطبيعة البنيوية تفترض السكون من خلال الربط بين هذه الثنائيات، لكن الذي يكسر هذا الجمود هو تلك الحركة الداخلية. ويأتي الضبط الذاتي ليعلن عن استقلال البنية، وان النص يستمد هذه التحولات من ذاته.
 
هذه الرؤية التي حاولت أن تعزل النص عن سياقه، وتتعامل معه من داخله ككائن مستقل ومغلق، تعد سلسلة من تحولات نقدية في القرن العشرين تمثلت في مدارس عديدة، تأثرت بعلم اللسانيات الحديث، وما حمله من نظريات تخص اللغة والكلام، مما سرَّع في عملية الانقلاب والتغير المنهجي في تناول النص، وبدأ النقاد يتحدثون عن نظرية للأدب، تطال النص وتبحث عن ماهيته وأدواته، بعيداً عن سياقه، وهذا النقد الفني الجديد ليس واحدا في كليته، بل تعددت مدارسه، وكثر دعاته، ولم يرس على بر تستقر عنده معالمه، بل شهد حركات متسارعة من التطور والتغير؛ فكانت حركة النقاد الجدد، التي بدأت مع (سبانجرن) و(كرو رانسم) و(كلينث) و(ادموند ولسون) و(ديفد ديش) و(رينه ويليك). ثم كانت حركة الشكليين الروس وأفكار (جاكبسون) في الشعرية والأدبية. ثم انفتح الباب سريعا على الدراسات البنيوية مع (شارلز بالي) و(ليفي شتراوس) و(بارت) وما تبعها من ردود أفعال ولدت التفكيكية، والسيميائية، والظاهراتية، والتاريخانية الحديثة، والنقد الثقافي، والنسوي؛ ليصبغ العصر بهذه المناهج النصية التي تتجاوز السياقات التاريخية والنفسية والاجتماعية.
صفحة 3
مفهوم الدراما والدرامية
 
لم تعرف المعاجم العربية كلمة دراما ولا الدرامية المشتقة منها، ولم ينشغل النقاد القدماء بهذا النوع وانصرفوا عنه لأسباب سيبينها الباحث في صفحات قادمة.
 
ومع أن أصلها اليوناني يشير إلى الفعل إلا أن استعمالها كعنوان معين لنوع من الفنون قد جعلها واحدة من الكلمات التي يصعب تفسيرها أو شرحها؛ ذلك أننا سرعان ما نتصور الفن المسرحي حينما نقرأ كلمة "الدراما"، أما الدرامية فهي صفة الأداء أو خصيصة من الخصائص التي تدرس ضمن سمات الفنون الأدبية.
 
فالدراما: كلمة إغريقية تفيد مصدر الفعل أو العمل أو الأداء( ).
 
"واشتق مصطلح (الدراما) من كلمة (دارمينون) اليونانية، ومعناها"عمل الشيء".( )
 
والدراما في مفهومها العام تشير إلى "نوع من أنواع الفن الأدبي ارتبطت من حيث اللغة بالرواية والقصة، واختلفت عنهما في تصوير الصراع، وتجسيد الحدث، وتكثيف العقدة. "( )
 
لكن كلمة (الدراما) كانت تطلق على "كل ما يكتب للمسرح، أو على مجموعة من المسرحيات تتشابه في الأسلوب، أو في المضمون. ودلت – أيضاً - على أي موقف ينطوي على صراع، ويتضمن تحليلاً لهذا الصراع - للأغراض المسرحية - عن طريق افتراض وجود شخصيات"( )
 
ومن أهم عناصر التعبير الدرامي: الحدث، والحكاية، والصراع، واللوحات النامية، والشخصية، والحوار، وتعدد الأصوات، والمفارقة.
صفحة 4
تاريخ الدراما وتطورها
 
الدراما اليونانية:
 
وعند تناول موضوع الدراما مفهوما وتطورا سرعان ما تبرز شخصية الفيلسوف الإغريقي القديم (أرسطو طاليس) الذي يعده كثير من النقاد المورد الأول الذي استقى منه العالم المفهوم الدرامي، على الرغم من أن "كتاباته الدرامية لا تقاس بكتاباته الأخرى المختلفة، وآراؤه الدرامية جاءت عرضا في معرض رده على أفلاطون، الذي نعت الشعراء بأنهم غير قادرين على إعطاء تفسير كامل لما يفعلونه؛ فكان رده بمثابة نظرية درامية ما زلنا نتابعها حتى اليوم، رغم أنها عرفت فترات ازدهار، أو انحسار عبر التاريخ الدرامي".( )
 
والحديث عن الدراما والدرامية- من خلال تناول تصورات الأوائل من الإغريق والرومان- يقود إلى فتح بوابات الأدب على مصارعه، والولوج إلى طبيعة التصورات الأدبية لدى القدماء.
 
ولعل الحديث عن الدراما سينطلق من تلك القسمة المنطقية للأنواع الأدبية التي أرسى قواعدها (أرسطو) نفسه، وتبعه النقاد من بعده، فأضافوا ما أضافوا، وحذفوا ما حذفوا، لكنهم بقوا عالة على نقده، هذا التقسيم ينهض على اعتبار الأنواع الشعرية ثلاثة: الملحمي، والغنائي، والدرامي.
 
وقد كان لكتاب (أرسطو) " فن الشعر" الأثر البارز في توجيه هذا التصور والبناء عليه؛ ومن هنا، فإن تناول الظاهرة الدرامية، وتشعباتها الاصطلاحية، وتطورها التاريخي، سيفرض على الباحث أن يقف أمام هذه الأنواع وقفة تأمل، لفض ذلك الاشتباك والتداخل، واستكناه طبائعه، ووجوه التحول فيها عبر حركة التاريخ. مع الأخذ في الاعتبار أن تناول أي مصطلح نقدي لا يعني حسم جدلية الاختلاف حول مفهومه، ما دامت المفردة الأدبية المتناولة -أصلاً- مفردة قابلة للتحول الدلالي، والإشعاع، والإشارة إلى أكثر من قيمة دلالية.
 
إن هذا التزاوج بين الأنواع، والخلط- عبر حركة التاريخ الطويلة- سيفرض على الباحث نوعا من الاستقصاء، والمقاربة؛ من أجل رصد حالات التطور، والتغير الدلالي، في المصطلح (الدراما) ومتعلقاته كـ(الدرامية) و(والميلو دراما).
 
وأولى تلك الجدليات المربكة- في رأي الباحث- تتمثل في وجه العلاقة بين المسرح والشعر، من حيث النشأة والمفهوم، وإلى حد يتطابق المفهوم الاصطلاحي لكلمة دراما مع مصطلح الشعر. ثم ماذا عن طبيعة ذلك التزاوج بينهما؟ متى بدأ؟ وكيف؟ وأيهما اسبق؟ فالدراما فن مسرحي، قد يأخذ شكل الشعر، بوزنه وقافيته، أو قد يتحرر من هذين القيدين؛ حيث يأخذ شكل النثر.
 
ومن هنا، فإن تناول المصطلحات الأدبية بعيدا عن العمومية سيقلل من إشكالية الدلالة المفترضة في إطلاق كلمات عامة كالشعر مثلا.
 
أما الدراما، فهي وإن دلت على لون من ألوان الأدب كما مر في التعريفات التي قدمت، إلا أنها من السعة بحيث يتناول الباحث معها جملة من المتعلقات؛ فمن متعلقاتها القديمة مصطلحي (التراجيديا) و(الكوميديا)، أما الأول (التراجيديا) فهو مصطلح يتكون من لفظتين: (tragos) بمعنى: جدي، أو ماعز، ومن (oide) بمعنى نشيد أو أغنية. ( )
 
أما كلمة كوميديا فتتكون من: كلمة (komoidaia) بمعنى الحفل، أو الصخب، ومن(aeiden) وتعني: يغني أو ينشد.( )
 
وقبل أن أدلف إلى عالم الفصل بين الأنواع الأدبية( )، والتفصيل في حركة التأصيل النقدي لها، من خلال تطور المصطلح الدرامي تاريخيا، لا بد من الإشارة إلى منابع الآداب ومنطلقاتها لدى الشعوب التي ستلتقي جميعها عند نقطة واحدة ذات بعد ديني غالبا؛ "فقد نشأ الفن المسرحي، الذي يعد وسيلة للتعبير الفني- بعد حلبات المصارعة والسباقات- عند الشعوب القديمة: كالمصريين، والهنود، واليونان، في ظل المعابد، على اعتباره جزءا من عبادتهم، ومن ثم تطور وانفصل عن المعبد؛ فخرج إلى الحياة العامة مستقلا عن الدين، بقصد به المتعة الفنية. "( )
 
وإذا كانت أقدم النماذج المسرحية، وأروعها، قد وصلتنا من التراث اليوناني؛ فإن هذه النماذج قد ارتبطت بالجانب الديني بشكل واضح، ولعل الناظر في إنتاج شعراء المسرح الإغريقي البارزين: (اسخيليوس 425ق. م) و(سفوكليس 495ق. م) و(يوربيدس 84 4ق. م)، وهؤلاء "كانوا معاصرين لمعركة"سلاميس" التي خلصت العالم الغربي من عبودية فارسية أكيدة، كما تحولت إلى مصدر للاحتفالات الدينية"( )؛ فإنه يلمح ذلك الأثر الديني بوضوح.
 
أما الشعر "الهومري" الذي شكل نبعا لكثير من المنطلقات النقدية فقد أخذ" بداياته الأولى من الأناشيد، والتراتيل الدينية، ومن إلقاء مغني المعبد، أو منشده، كما أخذ أجنته الدرامية الأولى من أسطورة (ايزيس) و(أزدريس) الفرعونية، و(غاربت الفينيقية، و(جلجامش) البابلية، وغيرها من أساطير الشرق وملاحمه؛ وهذا يعني أن الملاحم (الهومرية) سبقت بماض طويل، وتراث أدبي شرقي عريق، لم يصلنا مكتملا.
 
والشعر (الهوميري) يعد المرحلة الجينية المتطورة للدراما الإغريقية وبدون تلك الأجنة والتوقف عندها لا يمكن فهم الدراما الإغريقية الناضجة"( )
 
وتبدو أهمية الحديث عن الشعر (الهوميري) مرتبطة بفرضية ترى أن الملاحم-وخصوصا (الهوميرية) منها- قد انبثقت من الدراما، وهذا مهد لنشوء مرحلة جديدة تمثلت مع عبادة (ديونيسوس) إله الخمر، الذي يمثل قوى الإخصاب في الطبيعة"( )
 
وإذا كانت الملحمة قد نشأت في جو وثني؛ فإن ذلك لن ينفي عنها هذا البعد الديني؛ فالوثنية دين، لكن الطابع الوثني منحها فرصة أوسع، ومرونة" سمحت للخوارق بالنمو، في حين أن الأديان السماوية تضع حدا للمعتقدات وتجمد الخوارق".( )
صفحة 5
وقد انطلق (أرسطو) - في حديثه عن الدراما- من خلال فكرته عن "المحاكاة" فحينما عرف التراجيديا وصفها بأنها: " محاكاة لفعل جاد، تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة؛ لأنها مشفوعة بكل نوع من أنواع التزين الفني، كل نوع منها يمكن أن يرد على انفراد في أجزاء المسرحية، وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي، وبأحداث تثير الشفقة، والخوف، وبذلك يحدث التطهير".( )
 
ولعل الذهاب إلى المعنى اللغوي لكلمة تراجيديا سيؤكد ما ذهب إليه الباحثون من علاقة النشأة بالتصور الديني؛ فمعنى كلمة تراجيديا: أغنية الماعز، التي تعيد لأذهاننا "النشيد الذي كانت تردده جماعة الراقصين في الكورس، عند تقديم أحد القرابين على مذبح (ديونيسوس) أو (باموس) اله الخمر، أو الكرمة، أو البراعم، أو الزرع. "( )
 
بل إن أرسطو ربط بين نشأة التراجيديا والاحتفالات الدينية من خلال" الموازنة بين صورة المأساة ومضمونها الروحي، والشعائر الدينية التي تمثل فكرة محاكاة الفعل التي جاءت في كتابه" فن الشعر"؛ فالشعائر تحاكي الفعل من ناحية، والمأساة تحاكيه من ناحية أخرى. "( )
 
أما المحاكاة التي قصدها أرسطو، فهي ليست محاكاة العقل السلبي، أو الفعل الجامد، بل هي الإبداع الفني ذاته؛ فأرسطو يرى: "أن الفن يكمل ما لم تكمله الطبيعة، أو أنه ينجح من حيث يفشل الواقع".( )
 
أي أن المحاكاة ليست محاكاة أشخاص، بل محاكاة أفعال، أو محاكاة للحياة، للسعادة والشقاء، والحدث- هنا- ممكن أو مستحيل.
 
أما الكوميديا، وهي الشق الثاني الذي تناوله أرسطو-في سياق حديثه عن الدراما- فإنك واجدها- هي أيضاً- قد تطورت من الطقوس الدينية؛ ذلك أنها "تطورت من الاحتفالات (الديونيسية) التي كانت تتضمن غناء، وارتداء للأقنعة، وتشترك فيها جميع الطبقات والفئات"( )
 
وهذا يعني أن نشأة الكوميديا شبيهة بالنشأة التراجيدية حيث أنهما تأثرتا بالبدايات نفسها، وكلمة (كوميديا) تجمع بين كلمتي (كويوس) بمعنى احتفال أو موكب ريفي صاخب ومعربد، و"أودي" بمعنى أغنية من الأغاني والرقصات التي كانت تؤدى في أنحاء الريف الإغريقي إبان الحصاد، ولا سيما قطاف العنب المرتبط بعبادة (ديونيوس) إله الخمر، أي أنها نشأت من الاحتفالات الدينية الشعبية( )
 
أما المزج بين المتناقضات فهو أهم ما يميز الكوميديا اليونانية القديمة، التي بلغ (ارستوفانس) الذروة في تصويرها بعبقريته الفذة، حينما قدم لنا صورة واقعية عن المجتمع اللاتيني المتناقض أطلق عليه "الصورة الأرستوفانية للحياة اللاتينية"( )
 
وهنا، يمكن القول إن تناول موضوعي التراجيديا والكوميديا عند أرسطو ينبع من فكرة المحاكاة؛ ذلك أن الإنسان إما أن يكون في صفاته ومميزاته أعلى مما عليه المعدل العام من أفراد الجنس البشري؛ فيكون في منطقة المثال، ويصبح موضوعا للتراجيديا، وإما أن يكون في صفاته ومميزاته على نفس مستوى المعدل العام؛ فيكون أقرب إلى الواقعية، وإما أن يكون دون المستوى العام؛ فيصبح موضوعا للكوميديا.( )
 
أما طريق المحاكاة الشعرية- عند أرسطو- فهي متنوعة: "فقد يستخدم فيها السرد في جزء، ثم يروي القول على لسانها-كما كان يفعل (هميروس) -وأحيانا يتكلم بلسانه هو دون إحداث مثل هذا التغيير، وإما أن يعرض الشخصيات وهي تؤدي كل أفعالها أداء دراميا".( )
 
وعند تجاوز إشكالات النشأة والاصطلاح حول مادة الدراما، والذهاب إلى تاريخها، وتطورها، والشروع في تناول أعلامها عبر تاريخها الطويل، تبرز شخصية (ثيسبيس 527 ق. م) أول درامي يعود إليه الفضل في اكتشاف التراجيديا الحقيقية، فهو الذي حول أغنية الجوقة (الديثرامب) إلى مسرحية تمثيلية، وأوجد الممثل لأول مرة في مقابل المغني أو الراقص. والحديث عن (ثيسبيس) له أهميته، حينما ينتقل القارئ إلى مصطلح الدراما تاريخيا، ؛" فالدراما- تاريخيا- بدأت كفن أدائي، فلم تكن هناك نصوص مكتوبة، بمعنى الكلمة، بل أداء شفوي يقوم به متخصصون، بل إن الأداء، أي الممارسة، هو الذي ساهم عبر التاريخ في تطوير الشكل الدرامي، وليس العكس".( )
 
أما (اسخيليوس)، فقد نقل البنية الدرامية نقلة نوعية؛" فكانت الدراما- عنده- تتضمن مبادئ وأفكارا متناقضة، وكل شخصية من شخصياته تمثل نظاما أخلاقيا، أو فكريا معينا، يصطدم مع الميول والمبادئ المتمثلة في الشخصيات الأخرى، وهذا يؤدي إلى الحدث الدرامي، وباستخدامه للممثل الثاني، عقد عناصر الصراع، مما خلق العقدة أو الحبكة الدرامية، وقدم المتصارعين دراميا، أي وجها لوجه. وهذا ما خلع على مسرحياته الدفء والحيوية، وكان لهذه الخطوة تأثير أدى إلى تحول جذري في عملية الكتابة الدرامية ذاتها، التي تقوم على أساس الأغاني الجماعية للجوقة، أو مقطوعات وصفية سردية، يتوجه بها الممثل للجوقة، أو حتى حوار بين الجوقة والممثل"( )
 
وجسد (سوفوكليس) المرحلة الثالثة من تطور الدراما الإغريقية، ولعل أهم تجديد أدخله على الشكل الدرامي للتراجيديا، "هو إدخال الممثل الثالث".( )
 
أما (يوربيدس480 ق. م) فإنه أستاذ الواقعية - إن جاز التعبير- "فمسرحياته تنحى إلى الواقعية بوضوح، وشخصياته في مجموعها ترتفع عن مستوى الإنسان العادي، و"تسمو قليلا لكنها تخطئ وتصيب".( )
 
أما فيما يخص الكوميديا؛ فقد عد (ارستو فانس) أشهر الكوميديين الأثينيين، فهو منفرد، يمثل الكوميديا القديمة، والوسط، بموضوعات تطرقت إلى قضايا إنسانية عامة، ومشاكل سياسية وفكرية جوهرية، كالحرب، والسلم والمرأة، والرجل والثروة، والفقر، والعدالة، والمساواة"( ).
 
وإلى جانب (ارستو فانس) يأتي (ميناتادروس) الذي يمثل المرحلة الحديثة في تطور الدراما الإغريقية؛"فشخصياته لم تكن كائنات فردية، مميزة، لها أسماء معروفة لدى جمهور المتفرجين، كما هو الحال عند(ارستو فانس)، بل رسم ملامح شخصياته من وحي خياله، مستلهما سمات الأفراد المعاصرين له، فمثل أهل القاع - حسب تعبير (غوركي) - فكان مسرحه يقوم على تصوير الحياة الخاصة للأفراد، وما فيها من قضايا صغيرة، أو مسائل طفيفة تحدث في الحياة اليومية".( )
صفحة 6
الدراما الرومانية
 
أما الدراما الرومانية، فلعل أهم ما يقال فيها- على حد تعبير (فرانك. هوايتج) -"هو الكلام في عدم وجودها؛ ولعل السر فيه هذا يعود إلى طبيعة هذه الأمة بعد أن أضحت إمبراطورية، عتيدة، وتحولت إلى دولة غازية، وأصبح الإغريق من ضحاياها، حين ذاك وقفت روما من الفن موقفا يقلل من شأنه".( )
 
لكن الأثر الروماني في الدراما يبدو بارزا في كتابات (هوراس 65ق. م) وخصوصا كتابه الموسوم بـ" فن الشعر".
 
الدراما الأوروبية الحديثة
 
وفي العصور الوسطى تناسى الأوروبيون (أرسطو) وما كتبه عن الدراما، وانكبوا على كتابات (هوراس) أو الدراما الايطالية وخصوصا نتاج (سنكا ق. م)( )
 
وفي ايطاليا نمت كوميديا "الايروديتا" على أيدي كتاب كبار مثل (ارتينو) ثم ازدهرت مع (ميكافلي1469-1527).
 
أما في بريطانيا فقد افرز المجتمع اليزبثي واقعا طبقيا انعكس إيجابا على الدراما بشكل عام.( )
 
ومن هنا، فإن درامية العصور الوسطى شهدت تحولات كبيرة، وتأثرت بوقائع متعددة؛ ففي هذه الفترة انتشرت حركة (مارتن لوثر) 1483-1546، حيث "ثارت على الكنيسة ومزقت سلطة الغفران، وصلاحيات البابا، والتبتل الكهنوتي، وآلام القديسين والتشفع بهم"( ).
 
لكن هذا العصر- أيضاً- شهد حدثا مهما في تاريخ الدراما العالمية، تمثل في ميلاد الكاتب والشاعر الكبير(شكسبير)؛ إذ يمكن القول: إن شكسبير طور النتاج المسرحي بل لعله خلقه من جديد؛ حيث تحكم في وسطه بينما بقي الآخرون أسرى لذلك الوسط، كان يبني حكايته بمقدرة لم يجاره فيها أحد، بالإضافة إلى أن اختياره للكلمات كان دقيقا، واختياره للأشكال كالذروة والتناقض وغير ذلك، كان منوعا وقليل التعقيد"( )
 
أما أهم ما قدمته ايطاليا في هذا العصر، فقد تمثل في الكوميديا؛ ولعل مسرحية "اللقاح" التي كتبها (ميكافللي) خير مثال على هذا.( )
 
ثم جاء القرن الثامن عشر بانقلاباته النوعية، ودخول الأدب في تحولات فرضتها المناهج النقدية، التي أخذت تصبغ الفكر والأدب والفلسفة، وخصوصا المدرسة الرومانسية، وهنا ظهرت (المينودراما) أو الدراما الشعبية، وهي عبارة عن "مسرحيات بسيطة التركيب تقوم على المبالغة، وتظهر الصراع بين الخير والشر وتنتصر دائما للضعيف وأحداثها مكررة، واشخاصها معروفة"( ).
 
وفي القرن التاسع عشر شهدت الدراما تطورا آخر تمثل في ميلاد الشاعر المسرحي الكبير (ابسن) 1828 ، ثم دخلت أوروبا إلى مرحلة جديدة مع المنهج التعبيري الذي ظهر في ألمانيا على يد كتاب كبار، أمثال (فرنك ودكند) و(سترتدبرغ).( )
 
والمسرح التعبيري يختلف في عناصره وفي بناءه عن المسرح الدرامي الكلاسيكي؛ "فالكلاسيكية تقوم على تخطيط منطقي، يضع في اعتباره المستقبل؛ حيث نرى فيه بداية وتطورا ونهاية، والاختلاف في التعبيرية يقع في أن التعبيرية تعتمد على متواليات متتابعة من اللحظات المتصاعدة، حيث تتوالى فيها سلسلة من المنولوجات المركزة والمكثفة على حساب التضحية بكل الأحداث الخارجية ومضمون القصة أيضاً".( )
 
ثم جاءت الحركة الرمزية، في أواخر القرن التاسع عشر، كرد فعل طبيعي على تحولات المدرسة الطبيعية في محاكاة الواقع؛ حيث وجد الرمزيون أن الحياة-بطبيعتها- لا يمكن تصنيفها أو تحديدها، وأن هناك كثير من العواطف والأحاسيس، قد لا يلتفت إليها علماء الاجتماع في شيء، غير أنها ترمز للوجود كله.
 
أما المسرح العبثي، فقد كان دُرجة القرن العشرين؛ حيث كان الناقد (مارتن أسلن) أول من ابتكر مصطلح مسرح العبث في كتاباته النقدية عن المسرحيات التي كتبت في الفترة ما بين 1950- 1960، وقد اشتق هذا المصطلح"من بحث أسطورة (سيزيف)، الذي قدمه الباحث والفيلسوف الفرنسي (البيركانو) 1942.( )
 
وقد تأثر مسرح العبث بالفلسفة الوجودية؛ حيث الإغراق في التشاؤم، واغتراب الإنسان، والإيمان المطلق بالوجود الفردي.
صفحة 7
الدراما العربية
 
من المعروف أن فن المسرح يعد من الفنون الوافدة على العرب في منتصف القرن التاسع، بيد أن المادة الخاصة للعمل المسرحي كانت موجودة، وقد تمثلت في جملة من الإشارات؛ كظاهرة الصعاليك، والعبيد، وموضوعات المرأة، وأيام العرب، والأساطير، وقصص الأبطال. غير أن واقع التجربة الأدبية، أثبت أن العرب لم يستغلوا تلك البذور، وانشغلوا بالشعر الغنائي الذي مثل- لهم- ديوانهم الأوحد، ولا داعي للحديث عن بذور أخرى تمثلت في خيال الظل والأراجوز وغيرها، لأن المفهوم الاصطلاحي الذي أحاول معالجته، هنا، ضمن مفهوم الدراما التي تتبعت تطورها عبر التاريخ الأوروبي لا وجود لها في هذا ولا ذاك، ولعل أسبابا عديدة حالت دون ميلاد دراما عربية كتلك التي تناولتها في التاريخ الغربي قديمه وحديثه.
 
ولعل نشأة هذا الفن كجزء من ألوان العبادة لا تساعد المنطق العربي في الجاهلية، أو في الإسلام لتبني هذه الرؤية الوثنية، ثم إن حياة العرب ببداوتها لم تعن على وجود المسرح العربي الجاهلي؛ لأن المسرح يحتاج إلى استقرار في الحياة، وهو مرتبط بالحياة الراقية وبالمدينة، أما في الفكر الإسلامي الخالص؛ فإن الحياة الإسلامية في سمتها الديني لم تكن تعين على وجود المسرح؛ لأنها تحرم مبدأ التجسيم الذي يقوم به المسرح، ثم إن الحياة الاجتماعية بوضعها السياسي كانت تنظر إلى المرأة نظرة تحجبها عن الوجود المسرحي.( )
 
أما شعراء العربية، فقد كان التصاقهم في الذات بالغا، واهتمامهم بالمجتمع طفيفا، وتأثيرهم بالثقافة الأخرى نزرا، ولذلك صبغت أشعارهم بالغنائية، والذاتية.
 
ومن هنا، فإن المسرح العربي لم ينشأ إلا في بيئة متحررة، متأثرة بالغرب، بيئة قبلت أن تتخفف من أثر الثقافة الإسلامية إلى حد كبير، وبدأت تبحث عن آفاق أخرى عبر الثقافات الغربية، وقد كانت بيروت في القرن التاسع عشر أول مدينة عربية تتأثر بهذا الفن الوافد، وكان مارون النقاش، صاحب الرحلات التجارية الكثيرة قد تعرف على هذا الفن في ايطاليا، وشاهد بعض المسرحيات فشغف بها، ولما عاد إلى بيروت شعر بدافع قوي يدفعه إليه، فألف فرقة من بعض الشبان، وفي سنة 1847 م مثل معهم أول مسرحية له في بيته، وهي مسرحية "البخيل" (لموليير)، حيث دعا لها وجوه المدينة وقدم لها بخطبة.( )
 
ثم جاء بعده سليم النقاش الذي ألف فرقة في بيروت، ثم انتقل بها سنة 1876م إلى الإسكندرية، فكانت أول فرقة دخلت وادي النيل.( )
 
وقد تأخر ميلاد المسرح المصري الحقيقي إلى بدايات القرن العشرين، ولكن سرعان ما بدأ أعلامه يقودون هذه الحركة، من أمثال الشيخ سلامة حجازي، وجورج أبيض، وعزيز عبيد، ثم كانت النقلة النوعية الحقيقية على يد الكاتب المسرحي توفيق الحكيم، الذي ألف أكثر من عشرين مسرحية بين قصيرة ومتوسطة، معظمها من باب الكوميديا، وقد عالج فيها بعض المشاكل الاجتماعية والأخلاقية؛ من نحو: مشاكل المرأة، وفساد الحكم، وتدهور الأخلاق، وما إلى ذلك.
 
ثم برز نجم شوقي ومسرحياته الشعرية، وقد "ارتبط شوقي بالمسرحية الشعرية منذ أن كان طالبا في باريس، وكان المسرح الشعري في فرنسا في أوج ازدهاره؛ فتسنى له أن يشاهد روائع المسرحيات الكلاسيكية والرومانسية وهي تعرض إلى جمهور النظارة في مسارح باريس، كما تهيأ له في أثناء إقامته في فرنسا وفي أثناء رحلاته إلى أوروبا أن يقرأ لمشاهير الشعراء والأدباء الأوروبيين، مثل: (شكسبير)، (كورني)، (بودليير)، و(هيجو)، ويتأثر بنزعاتهم المسرحية، فكان أن عكف على نظم أولى مسرحياته الشعرية وهي "علي بيك الكبير" أو دولة المماليك، وهو في باريس، ولكنه لم ينشرها في تلك الأيام، وانصرف عن الشعر المسرحي إلى الشعر الغنائي، ولم يكتب للمسرح إلا في أواخر حياته حين بويع بإمارة الشعر عام 1927م وطلب منه بصفته أمير الشعراء أن يكمل فنه الأدبي باتجاهه إلى المسرح الشعري، وكانت كل الظروف آنذاك مواتية له لأن يضع تجارب مسرحية؛ فالتأليف المسرحي بلغ ذروته أو كاد في الآداب الغربية، كما ساعدت فترة الاستقرار والاستقلال الفكري النسبي التي أعقبت عصر الجهاد ضد الإنجليز على التأليف المسرحي المنظم، فضلا عن أن شوقي قد وطن نفسه على الاستقرار والتفرغ لإنتاج الشعر، فوضع أربعا من المآسي الشعرية، وهي: مصرع كليوباترا، ومجنون ليلى، وقمبيز، وعنترة، وملهاة واحدة وهي الست هدى. واتجه شوقي في مسرحياته الشعرية إلى التاريخ، يستمد منه موضوعات مسرحياته وحوادثها متأثرا في ذلك بمسرح شكسبير الشعري، وبالمسرح الفرنسي الكلاسيكي.( )
 
وجاء بعد شوقي الشاعر عزيز أباظة الذي اتخذ شوقي إماماً له، فألف من النمط الوطني: "شجرة الدر" ومن النمط العربي" قيس ولبنى" و"العباسة" و"الناصر" و"غروب الأندلس" واستمد بعض مسرحياته من الأساطير، فألف مسرحية "شهريار" واستمد مسرحية أوراق الخريف من واقع عصره.
 
ومن مظاهر التطور التي طرأت على الشعر المسرحي اللجوء إلى الشعر المرسل في كتابة المسرحية، ورائد هذه المحاولة محمد فريد أبو حديد، فقد كتب مسرحية "ميسون الغجرية" في قالب الشعر المرسل.
 
أما التجربة الثانية في هذا المجال، فكانت مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" للكاتب علي أحمد باكثير.
صفحة 8
ولعل باكثير أبرز شخصية يمكن الوقوف عليها في تاريخ المسرح العربي الحديث بعد شوقي، فقد اكتشف في الحجاز لأول مرة في حياته الشعر المسرحي، فقد كان شوقي شاعره الأثير في حضرموت، ولكنه لم يعلم أن له شعراً مسرحياً إلا عند وصوله الحجاز، بل ما كان يظن أن الشعر يمكن أن يكون على شكل قصة وتدور فيه أحداث ومساجلات وحوار. "وقد وصف باكثير هذا الاكتشاف في كتابه: (محاضرات في فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية). وقد كانت نتيجة هذا الاكتشاف أن كتب باكثير أثناء إقامته بالطائف أول مسرحية شعرية له، بل أول مسرحية له على الإطلاق، وهي بعنوان: (همام في بلاد الأحقاف) التي نشرتها المطبعة السلفية قبل وصوله مصر بسنة، وسار فيها على درب شوقي، وإن كان موضوعها اجتماعياً معاصراً من واقع الحياة في حضرموت. وقصة المسرحية تعكس معاناة باكثير في حضرموت، ودعوته للإصلاح كما أنها تصور حزنه العميق على فقدان زوجه التي أورثه موتها حزناً مقيماً رافقه طول العمر."( )
 
وقد أدت اللغة الإنجليزية- التي كان يتقنها باكثير- إلى انقلاب جذري في اتجاهات باكثير الأدبية، كما اعترف بذلك في كتابه: (فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية)؛ إذ اجتذبه شعر شكسبير، وصرفه عن شوقي، الذي كان مثله الأعلى عندما كتب مسرحية(همام في بلاد الأحقاف)، ومن باب الإعجاب بشعر شكسبير فهم باكثير أسرار الفن المسرحي، واجتذبه هذا الاكتشاف الجديد إلى درجة أنه عدل من اتجاهه في أن يكون شاعراً كبيراً كشوقي إلى إعداد نفسه ليكون كاتباً مسرحياً مثل شكسبير، وهو ما كتبه في رسائله الخاصة إلى أخيه في حضرموت وكان من جراء هذا التعديل أن أهمل باكثير نشر شعره وإن ظل ينظم الشعر طوال حياته، لكنه لم يهتم بجمعه في دواوين إلى أن مات.
 
لقد شغل باكثير بفن المسرح، وفتن بشكسبير وشعره المرسل المنطلق، لدرجة أنه بدأ في ترجمة مسرحية (الليلة الثانية عشرة)، ونشر أجزاء منها في مجلة الرسالة (العددان 137، 145- 1936) وهو في السنة الثانية بالجامعة، ولكن ترجمة شكسبير إلى الشعر العربي المقفى لم ترق له، ورأى أنها تجافي روح شكسبير الشعرية ثم كان ما حدث له في مقاعد الدرس مع أستاذه الإنجليزي الذي قال متبجحاً: "إن اللغة الإنجليزية هي اللغة الوحيدة التي تتسع للأشكال الجديدة، وإن وسيلة التعبير بالشعر الحر أو المرسل المنطلق لا توجد بغيرها من اللغات، ومنها لغتكم العربية"، فغضب الشاعر الشاب باكثير غيرة على لغته العربية، فقال لأستاذه: "إن اللغة العربية تتسع لكل أشكال التعبير، وإنه من الممكن كتابة الشعر المرسل بها"، فسخر منه أستاذه وقال له: (كلام فارغ)، وتحدياً لهذا الأستاذ الصلف ذهب الطالب باكثير وأمسك مسرحية (روميو وجولييت) التي كانت مقررة عليه في ذلك العام وبدأ في ترجمتها شعراً مرسلاً منطلقاً، واستمر فيها حتى أتمها، وكان ذلك سنة 1936م؛ فكانت تجربة رائدة ليس في ترجمة مسرح شكسبير إلى العربية فحسب بل أصبحت فيما بعد التجربة الأم فيما سمي بعد ذلك بالشعر الحر. "( )
 
واستمرت هذه المحاولات بعد ذلك، فألف الشاعر صلاح عبد الصبور مسرحية "الحلاّج" و"ليلى والمجنون".
 
وخلاصة القول: إن هذه التجارب وما تبعها من أعمال، أثبتت قدرة القصيدة العربية على التحول، والمطاوعة، ومواكبة النمط الغربي، وتبني النسق التعبيري الدرامي، ولكنها مع ذلك تجارب محدودة، تثبت أن علاقة العرب بالمسرح جديدة، ومتواضعة إلى حد ما، وجهدهم النقدي في هذا الجانب ما زال دون جهد غيرهم، بل لا تكاد تجد لهم فيه شيئاً يذكر، إلا ما كان من ترجمة، أو تكرار لما قيل من قبل.
 
ومن هنا، فإن الحديث عن مسرح عربي بجذور خالصة، لا يستند إلى دليل قوي، فلا مندوحة من ربط نشأة المسرح في الوطن العربي بتأثير الحضارة الغربية في القرنين الماضيين.
 
أما مصطلح الدرامية، فهو مرتبط في النقد الحديث بجملة من المصطلحات الأخرى، بحيث تخرجه من استقلاليته التي نشأ منها وهو علاقته بالدراما، ليصبح سمة لفن قولي أو أدائي، فهو مرتبط بالموقف والاستجابة، وبالشخصية، وباللغة بحيث تقول شخصية درامية، أو موقف درامي، أو لغة درامية.
 
فإذا كانت الدراما تعني التمثيليات؛ فإن الدرامية تعني خصائص تلك التمثيليات.
 
غير أن تناول مصطلح (الدرامية) كصفة من خلال بنيتها الصرفية يجعلها تصلح لألوان كثيرة من ألوان الأدب، ومن هنا؛ فإن الحديث عن بنية درامية حديث عن خصائص فنية لا عن أنواع أدبية، وهذا ما يعطي مشروعية لتناول درامية القصيدة، أو البنية الدرامية فيها، والنقد الأدبي الحديث يزخر بمفردات شكلتها الصيغة الاشتقاقية لهذا المصدر الصناعي، فلناقد أن يتحدث عن السخرية الدرامية، أو المفارقة الدرامية، أو الشخصية الدرامية، أو الموقف الدرامي، أو الحدث الدرامي...... إلخ.
 
ويبدو أن القصيدة الحديثة قد خطت خطوات جليلة نحو الدرامية، وشكلت هذه الخطوات ما يمكن اعتباره ثورة على نظامها التقليدي الذي واكبها عبر قرون، وهذا ما سيتناوله البحث في الصفحات القادمة.
صفحة 9
الشعر: خصائصه وعلاقته بالفنون الأخرى
 
تتمثل خصائص الشعر في جملة من المعطيات، تبدأ باللغة الشعرية؛"فاللغة في الشعر لها شخصية كاملة، تتأثر وتؤثر، وهي تنقل الأثر من المبدع إلى المتلقي نقلا أمينا، وليست المسألة مجرد نقل أمين فحسب، ولكنه النقل الأمين عن المبدع، عندما يفكر أولا وقبل كل شيء باعتباره فردا، لذلك كانت لغة الشعر ممتلئة بالمحتوى الذي تنقله نقلا أمينا، وهي- بعد- لغة فردية، في مقابل اللغة العامة التي يستخدمها العلم، وهذه الفردية هي السبب في أن ألفاظ الشعر أكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم. والألفاظ الشعرية تعين على بعث الجو بأصواتها؛ فالعلاقة بين الأصوات في الشعر- كالموسيقا تماما-يمكن أن تثير متعة تذوق الانسجام الحي، سواء بالأجزاء المكررة، أو المنوعة، أو المتناسبة، والكلمة الشعرية، لذلك يجب أن تكون أحسن كلمة تتوافر فيها عناصر ثلاثة: المحتوى العقلي، والإيحاء عن طريق المخيلة، والصوت الخالص. ويجب أن يكون اتصالها بالكلمات الأخرى اتصالا إيقاعيا، بحيث يؤدي هذا التلوين الإيقاعي إلى الغاية المطلوبة"( )
 
فالشعر انحراف جمالي، وتحول مفاجئ تنتجه الكلمات تحت تأثير خاص، وأخص مقوماته التصوير والمجاز، وليس في مقدورنا أن نحدد هذه الخاصية، أكثر مما في مقدورنا أن نحدد حالة من الجمال، ومن خصائصه - أيضاً- اتكاؤه على العاطفة والتخيل؛ ولا يعني هذا انتفاء الفكر عنه، وإنما أعظم الشعراء" هم الذين يقدرون على إثارة العواطف المختلفة في نفوسنا بدرجة قوية، كالحماسة، والشفقة، والحب، والإعجاب والإجلال؛ وهي موهبة قل أن تتوافر لشاعر أو كاتب، وإن كان ذلك لا يحول دون عظمته أو شهرته، في باب واحد، أو بعض أبواب الأدب؛ كغزل عمر، ومرح البهاء زهير، وفلسفة المعري، وحكمة المتنبي. "( )
 
والعاطفة، مهما بلغت أهميتها وخطرها وأصالتها في هذا الفن، إلا أنها ليست العنصر الوحيد الذي يتألف منه النظم، فلا بد من صدق التجربة الشعرية، والصدق يمثل الحقيقة التي تقوي العاطفة وتسندها، أي أن الشعر محتاج إلى رؤية فكرية يعبر عنها صاحبها بدفق شعوري، وأما تلك الأفكار الغنية، فهي تعيد هيكلة الشكلي إلى واقعه الوظيفي، وهنا يقع الاختلاف بين الأدب والموسيقا، فالعواطف في الأدب ليست مجردة، وإنما تحملها الكلمات مع المعاني، من خلال هذه المزاوجة بين الشكل والمضمون، وان شئت بين العقل والقلب، فهي التي تجعل من الأدب شيئا رفيعا ساميا.
 
أما الخيال الشعري السابح في عالم الإبداع، فهو- أيضاً- مشروط بصدق فني، ولا يعني أنه ابتكاري( ) أن يكون مجافيا للحق، معارضا للفطرة؛ فالخيال الشعري تفسير للجمال، وتصوير له، وتعبير عن مغزاه الحقيقي. أي أنه" صورة واحدة نفسرها بما توحي إلينا من معان؛ كالزهرة التي تصبح كائنا حيا، أو فتاة مزهوة بجمالها تلبس الثياب الخضراء وتتزين بالجواهر الحمراء"( ).
 
ومما لا شك فيه أن العلاقة بين العاطفة والخيال وثيقة جدا؛ فالخيال هو الذي يشكلها ويبعث أثرها في النفوس، ويوقد جذوتها. وقوة الخيال مرتبطة ارتباطا طرديا بقوة العاطفة؛ فكلما كانت صادقة استوجب ذلك أن يجلب لها صورا رائعة وخيالا بديعا، فتتكامل الصورة.
 
ومن هنا؛ فإن الحديث عن الخيال يقود إلى الحديث عن الصورة الشعرية، وقد رأى الدكتور عبد القادر القط أن الصورة الشعرية هي: "الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظِّمها الشاعر في سياق بياني خاص، ليعبِّر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة، مستخدماً طاقات اللغة، وإمكانيتها في الدلالة، والتركيب، والإيقاع، والحقيقة، والمجاز، والترادف، والتضاد، والمقابلة، والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني... والألفاظ والعبارات هما مادة الشاعر الأولى التي يصوغ منها ذلك الشكل الفني لـه، أو يرسم بها صوره الشعرية"( ).
 
ولما كانت الصورة الشعرية هي الرسم بالكلمات التي "تتشكل في إطار نظام من العلاقات اللغوية، ويعبر بها الشاعر عن المعاني العميقة في نفسه، ويفلسف بها موقفه من الواقع، ويخلق بها عالمه الجديد من خلال توظيفه لطاقات اللغة المجازية، وما تحمله من إمكانات دلالية وإيقاعية، ويقرب بها عناصر الأشياء المتباعدة، ليجمع بين الفكر والشعور في وحدة عاطفية في لحظة من الزمن تتجلى منها أحلام الشاعر وطموحاته؛ وتكشف عن سحر الشعر، وما يحمله من دهشة وجدة"( )
 
وهي"الوسيط الذي يستكشف الشاعر به تجربته ويتفهمها"( ). لذلك؛ فإننا بحاجة إلى دراسة الصورة الشعرية عند الشاعر؛ لكي نستطيع الوقوف على مذهبه الفني، وسبر أغوار جوهر تجربته الشعرية.
 
إن هذه الخصوصية المتشكلة من القيم الإيحائية، والإيقاع، والعاطفة، والتخيل، لا تنفي- أبدا- تداخل الفنون؛ فكما تداخل الشعر مع المسرح، في علاقة جدلية، تداخل مع الرواية أيضاً؛ ذلك أن علاقة الشعر بالراوية قديمة ومتأصلة؛ ترجع إلى ما قبل استقرار الرواية كجنس أدبي مستقل بقرون طويلة، حيث كانت "الرواية مجرد حكايات خيالية، ليس لها أسس فنية مستقرة، فقد استعارت القصيدة من الرواية - منذ هذه الفترة المبكرة جدا في تاريخها- عنصر القص أو الحكاية وهو جوهر الرواية أو القصة في ذلك الحين، ولكن صلة القصيدة بالرواية لم تقف عند هذا الحد، فبعد أن نضجت الرواية, وأصبحت جنسا من أهم الأجناس الأدبية، وتعددت اتجاهاتها وتياراتها، وتعددت تبعا لذلك تكنيكاتها الفنية، ابتدأت القصيدة تستعير من الرواية اخص تكنيكاتها وأحدثها".( )
 
ولعل أهم ما استعارته القصيدة الحديثة من الرواية تلك التكنيكات المتمثلة في الرؤية السردية والارتداد والمنولوج.
 
أما الارتداد فهو: "قطع التسلسل الزمني، والعودة من اللحظة الحاضرة إلى بعض الأحداث التي وقعت في الماضي. "( )
 
وقد استعار الشاعر الحديث هذا البناء، وطوعه لعمله الشعري، واستخدمه لأغراض شبيهة بتلك التي يستخدمه من أجلها كاتب الرواية، وقد يكون الارتداد في القصيدة من اللحظة النفسية الحاضرة إلى لحظة نفسية أخرى سابقة عليها في الزمن، وقد يكون من حدث إلى حدث آخر".( )
صفحة 10
أما المنولوج الداخلي فهو تكنيك حواري من أبرز التكنيكات التي نقلت القصيدة إلى عالم الشخصية؛ فرسمت معالمها الداخلية، النفسية والفكرية،وهو أسلوب يتناول وعي الأبطال الداخلي، وينقل لنا خفايا وأسرار الشخصية وأحلامها، ويركز فيه الكاتب- أساسا-" على ارتياد مستويات ما قبل الكلام، من الوعي، بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات".( )
 
والحديث عن درامية القصيدة الحديثة يقود إلى الحديث عن علاقة الشعر بالمسرح؛ وعلاقة الشعر بالفنون الأدبية الأخرى، بل وبالفنون الجميلة أيضاً؛ فالمسرحية تعتبر من أوثق الفنون الأدبية صلة بالشعر، ولا غرابة في ذلك؛ فقد بدأ الشعر مسرحيا، وإن شئت فقل: بدأ المسرح شعراً، وكان مصطلح الشعر في التراث اليوناني محصورا في إطار المسرحية والملحمة، وهذا ما فعله أرسطو في كتابه "فن الشعر"، "وقد ظل هذا الفهم ملازما للنقد حتى بدأت القصيدة الغنائية، منذ الحركة الرومانتيكية تنازع المسرحية هذا المصطلح، بعد أن انقرضت الملحمة كشكل أدبي، حتى انتزعته منها، وأصبح مصطلح الشعر مقصورا على القصيدة الغنائية بينما استقر المسرح كفن أدائي له شروطه وضوابطه، دون أن يعني ذلك انقطاع الصلة بين الطرفين. "( )
 
إذا، فعلاقة الشعر بالمسرحية علاقة متلازمة، بل إن الباحث يستطيع القول: إن العلاقة العملية بين الشعر والمسرح- من خلال تتبع حركة التاريخ-قد تحققت فعلا؛ ذلك" أن المسرحيات التي توارثتها البشرية منذ أول مسرحية إغريقية متكاملة حتى المرحلة التي تسمى مرحلة الكوميديا الجديدة، في تاريخ المسرح الروماني، والتي كانت جميعها مسرحيات شعرية"( ).
 
وهذا يعني أن المسرح حينما أراد أن يتقولب في شكل فني، لم يجد له أداة تعبيرية أفضل من الشعر.
 
ولعل من أهم التكنيكات المسرحية التي استعارتها القصيدة الحديثة ظاهرة "تعدد الأصوات"؛ فقد حاول الشاعر المعاصر في البداية أن يعبر عن هذه الظاهرة بوسائل شعرية خالصة، كالموسيقا، لكنه سرعان ما انتقل نقلة نوعية معتمدا على النزعة الدرامية في إبراز رؤيته الشعرية، وقد تجسد ذلك في استخدام عنصر الشخصية والصراع والحوار، هذا الصراع الدرامي من شأنه أن يجعل بناء القصيدة ينمو نموا عضويا، وقد تعددت نماذج الشخصية في القصيدة الحديثة، وهذه الشخصيات" في الغالب تعبر عن أبعاد فكرية وشعورية متصارعة من أبعاد رؤية الشاعر أكثر مما تعبر عن أحداث درامية تتطور وتنمو، أي أن هذه الشخصيات المتحاورة المتصارعة بمثابة رموز لأفكار الشاعر وأحاسيسه"( ).
 
ومن التكنيكات المسرحية الأخرى التي استعارتها القصيدة الحديثة وطورتها، وأضحت مشكلا أساسيا في بنيتها الحوار، والحوار مرتبط ارتباط وثيقا بتعدد الشخصيات في القصيدة؛"حيث يفترض الحوار وجود أكثر من صوت، أو أكثر من شخصية في القصيدة، ومن ثم، فهو في الغالب يستخدم كتكنيك إضافي مع تعدد الأصوات أو الشخصيات، ولكنه في بعض القصائد يستخدم باعتباره تكنيكا أساسيا".( )
 
وقد استعارت القصيدة الحديثة- أيضاً- من المسرح فكرة الكورس أو الجوقة، وهم جماعة من المنشدين والمغنين في المسرحية الإغريقية القديمة، وقد كانت مهمة الكورس شرح الأحداث والتعليق عليها، والإشارة إلى بعض الأحداث التي لا يمكن تقديمها على المسرح، ومن خلال هذا الدور التقني للكورس استعار الشاعر المعاصر هذه التقنية، ووظفها في بعض قصائده؛ لتكون بمثابة صوت آخر خارجي ليراقب المسار العام للقصيدة.
 
وقريب من هذا، فقد اعتمد الشاعر المعاصر على الوثائق التسجيلية، والوثائق التسجيلية من أهم تكنيكات المسرح التسجيلي؛ وهو واحد من" التيارات الحديثة في المسرح المعاصر" يعتمد في مادته الدرامية- كما يقول واحد من رواده وهو الكاتب الألماني بتر فايس- على السجلات والمحاضر والرسائل والبيانات الإحصائية، ونشرات البورصات والتقارير السنوية للبنوك والشركات الصناعية، والبيانات الحكومية الرسمية، والخطب والمقابلات والتصريحات التي تدلي بها الشخصيات المعروفة، والربيورتاجات الصحفية والإذاعية"( ).
 
وخلاصة القول إن ميدان استفادة القصيدة الحديثة من المسرح واسع ومتنوع؛ إذ لم تقف استعارة القصيدة الحديثة من المسرحية عند حدود استعارة التكنيكات المسرحية الجزئية، من تعدد أصوات وشخصيات وحوار ووثائق تسجيلية وكورس وغير ذلك، بل تجاوزتها إلى الحد الذي يمكن أن نتحدث فيه عن مسرحة القصيدة، أو عن قصيدة تقولبت في قالب مسرحي، بحيث تجد فيها كل العناصر المسرحية المطلوبة.
 
وليست العلاقة بين الشعر والمسرح هي العلاقة الوحيدة التي تتشكل ضمن هذه التزاوجات الفنية، فثمة علاقات متعددة، بين أنواع كثيرة من فنون الأدب كالعلاقة بين الشعر والقصة، بل حتى بين الشعر والموسيقا، أو الرسم والسينما؛ فالشعر رسم بالكلمات، والشعر إيقاع أيضاً. بل إن تداخلا منطقيا واسعا يجمع بين اللونين الأدبيين الكبيرين: الشعر والنثر، ولم تعد المقاييس القديمة تصلح للتمييز بينها فلا قيمة للحديث عن وزن وقافية فقط للتمييز بينهما.
 
صحيح أن للشعر خاصية خارقة، من خلال نزعة الانحراف والإدهاش، التي تتشكل من خلال البناء الفني الذي يفرضه الشكل الإيقاعي، من نحو، وطبيعة الشعر التي تعتمد الرمز والإيحاء؛ فاللغة الشعرية تجمع بين القيمة الشكلية، والدلالية، ومن هنا، يصعب- معها- تحديد أسرار الجمال المشكلة لذلك الإدهاش، بيد أن التمييز الجوهري بين الشعر والنثر" لا يمكن أن يكون اختلافا في خصائص سطحية؛ كالوزن والقافية- مثلا- وهو-أيضاً- ليس اختلافا في بنية النص في أي ضرب من ضروب البناء كان، بل هو اختلاف في الصميم"( ).
 
بل إن القصيدة الحديثة ذهبت بعيدا في استعاراتها التكنيكية، فولجت باب السينما وأخذت تستعير منها تكنيكاتها الفنية؛ كالمونتاج، والسيناريو، وسواهما من أساليب صناعة السينما.
 
أما المونتاج السينمائي فهو عبارة عن" ترتيب مجموعة من اللقطات السينمائية على نحو معين بحيث تعطي هذه اللقطات- من خلال هذا الترتيب- معنى خاصا لم تكن لتعطيه فيما لو رتبت بطريقة مختلفة، أو قدمت منفردة"( )
 
والمونتاج بهذا المعنى "هو القوة الخلاقة في الحقيقة السينمائية، وأن الطبيعة تمدنا فقط بالمادة الخام التي يعتمد عليها التركيب"( )
 
وقد استعار الشاعر المعاصر هذا التكنيك بأنماطه وأساليبه المختلفة؛ حيت لجأ-في كثير من الأوقات- إلى" تقديم مجموعة من الصور أو العناصر المختلفة، التي تؤلف في مجموعها إطارا عاما لرؤيته الشعرية، أو تحدث تأثيرا متكاملا لم تكن هذه الصور أو العناصر- أو لنقل اللقطات بالمصطلح السينمائي- لتحدثه لو قدمت منفصلة، أو مرتبة على نحو آخر".( )
 
أما السيناريو، فهو تكنيك آخر لجأ إليه الشاعر المعاصر، بحيث أعاد ترتيب قصيدته وحولها إلى مناظر أو لقطات أو لوحات اتخذت شكلا سينمائيا محضاً.