صفحة 1
حضارة الهند القديمة
قامت حضارة الهند القديمة على ضفاف أنهارها ودلتاتها، مثل وادي السِّند وروافده، ونهر الغانج وروافده، وعلى ضفاف نهر كرشنا في الَّدكن. وأقدم حضارة عرفتها الهند قبل قدوم الآريين، كانت في وادي السند، وترجع إلى نحو 2500 ق. م.
لقد سكن الهند قبل هجرة الآريين إليها «الدرافيديون» ثم جاءها الآريون من الشمال والشمال الغربي بين 2000 و 1500 ق. م. واحتلوا سهل الغانج، ويقال إن موطنهم الأصلي أواسط آسيا شمالي بحر قزوين ومنهم من هاجر جنوباً، ومنهم من دخل أوروبا فهم شعوب هندو-أوربية.
أقدم عصور حضارة للآريين في الهند هي عصر الفيدا: Vida والفيدا مجموعة أغنيات استقيت منها المعلومات عن الهنود الآريين، وهي أقدم أثر أدبي في أية لغة هندية-أوربية في الشرق والغرب.
والفيدا تعني المعرفة، وكانوا يعيشون في هذه الفترة على الزراعة ورعي المواشي، ولهم إله خاص للأرض المحروثة، ويستخدمون البقرة دون أن ينزلوها من أنفسهم منزلة التقديس.
وأهم أسس الحياة الاجتماعية في الهند نظام الطبقات، وهي:
1. الكهنة أو البراهمة: ويعتقدون أنهم خلقوا من رأس براهما، أو من فمه.
2. المحاربون: وخلقوا من كتفي براهما ويديه.
3. المزارعون والتجار وأصحاب الحرف: وخلقوا من فخذي براهما.
4. الخدم: وخلقوا من قدمي براهما.
5. المنبوذون ولا ينتسبون إلى طبقة معينة: وهم نحو أربعين درجة.
أما الديانة فكانت قائمة على عبادة قوى الطبيعة، ولما كان وصول الآريين إلي الهند عن طريق آسيا الصغرى، وهضبة إيران، فلا بد أنهم تأثروا بحضارة البلاد التي مروا فيها، ومنها بلاد ما بين النهرين.
صفحة 2
حضارة عصر البطولة والديانة البراهمية:
1000 – 500 ق. م.
مصدر المعلومات عن هذه الفترة ملحمتان تسميان المهابهراتا أو قصة أسرة بهراتا. وظهر في هذا العصر ثالوث إلهي مؤلف من براهما الخالق، وشيوا المهلك، وفشنو الحافظ، والهندوسيون اليوم يتبعون إما شيوا أو فشنو. والتعليم في هذا العصر كان في طبقة الكهنة أو البراهمة، وكان شفهياً حتى لا تصل المعرفة إذا كتبت إلى الطبقات الدنيا. كما ظهرت في هذه الفترة عقيدة التقمص، بمعني أن الروح تولد مرات متعاقبة.
وقد حصل رد فعل ضد البراهمة، لأن الكهنة أصبحوا أقوياء، كما ظهرت - ضمن رد الفعل ضد البراهمة - البوذية، ومؤسسها غوماتا سيد هانا (564 - 483 ق. م.)، الذي دعي بوذا، أي المستنير، أو الذي اهتدى، وكان ابن أمير منطقة على حدود نيبال. فتنكر لسلطة الفيدا، الكهنة البراهمة، وقرر قواعد خلقية خمساً، وهي بمثابة الوصايا وهي:
1. لا يقتل أحد كائناً حياً.
2. لا يأخذ أحد ما لم يعطه.
3. لا يقولن أحد كذباً.
4. لا يشرباً أحد مسكراً.
5. لا يقيمن أحد على دنس.
صفحة 3
بينما انتشرت البوذية في بلاد الشرق الأقصى، ويعتبر آو زكا (273-232ق. م) ناشر البوذية حيث أرسل بعثات التبشير إلى سيلان وبورمة وسيام... وبجهوده أصبحت تلك البلاد بوذية.
ومما يذكر أنه في القرن التاسع ظهرت حضارة الراجبوت أي أبناء الملوك، التي انتهت بالفتح الإسلامي لوادي السند، وحوض الغانج.
علوم الهند القديمة
عرفت الهند الطب والرياضيات، وازدهر الفلك بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين، متأثر بالفلك البابلي.
ابتكر الهنود الأرقام التسعة والنظام العشري. وللهنود فضل على المثلثات.
أما في مجال الفلسفة فقد ازدهرت الحضارة الهندية بهذا، وأن الغاية من المعرفة ومن الفلسفة، ليست السيطرة على العالم بقدر ما هي الخلاص منه، وأن هدف الفكر هو التماس الحرية.
وإذا كان علماء الغرب ومؤرخوه يجعلون اليونان معجزة الحضارات القديمة، وهذا خطأ جسيم، فإن الحضارة اليونانية اقتبست الكثير من حضارات الشرق، المصرية، والبابلية، والفينيقية.
صفحة 4
ما هي البوذية؟
البوذية هي ديانة غير ألوهية وهي من الديانات الرئيسية في العالم، تم تأسيسها عن طريق التعاليم التي تركها بوذا «المتيقظ».
نشأت البوذية في شمالي الهند وتدريجياً انتشرت في أنحاء أسيا، التيبت فسريلانكا، ثم إلى الصين، منغوليا، كوريا، فاليابان.
تتمحور العقيدة البوذية حول ثلاثة أمور (وتدعى الجواهر الثلاث):
أولها: الإيمان ببوذا كمعلّم مستنير للعقيدة البوذية.
ثانيها: الإيمان بـ «دارما» وهي تعاليم بوذا وتسمّى هذه التعاليم بالحقيقة.
ثالثها: المجتمع البوذي.
تعني كلمة بوذا بلغة بالي الهندية القديمة «الرجل المتيقّظ» (وتترجم أحيانا بكلمة المستنير). تجدر الإشارة إلى أن اللفظ الأصلي لمؤسس الديانة البوذية (بوذا) هو «بودا»، بالدّال، وليس بالذال.
كانت البوذية في الأصل حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، تحولت عن مسارها عندما قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية، بالإضافة إلى رفضه وِصاية السُلطة الكَهنوتية، كما لم يرد أن يعترف بأهلِية كتابات الفيدا، وكذا مظاهر وطقوس عبادة الآلِهات التي كانت تقوم عليها.
وكانت التعاليم الجديدة التي بشر بها موجهة للرجال والنساء وإلى كل الطبقات الاجتماعية بدون استثناء. حيث كان بوذا يرفض المبدأ القائل بأن القيمة الروحية للإنسان تتَحدَد عند ولادته (نظام الطبقات الاجتماعية الهندوسي).
وتتواجد البوذية اليوم في صورتين: العقيدة الأصلية المسماة «ثيرافادا» (أو «هينايانا») ومعناها «العربة الصغيرة»، ثم الـ «ماهايانا» أو «العربة الكبيرة».
انتشرت البوذية في بلدان عديدة: الهند، سريلانكا، تايلاند، كمبوديا، بورما، لاوس، ويسود مذهب «ثيرافادا» في هذه الدول، فيما انتشر مذهب «ماهايانا» في كل من الصين، اليابان، تايوان، التبت، النيبال، منغوليا، كوريا، فيتنام، وبعض الأجزاء من الهند. ويتواجد في العالم حوالي 150 مليون إلى 300 مليون شخص من معتنقي هذه الديانة. وتعتبر عملية إحصاء عدد المنتسبين لهذه الديانة في البلدان الآسيوية مشكلة كبيرة نظرا لتعوُد الناس على اعتناق خليط من المعتقدات في آن واحد، كما أن بعض البلدان مثل الصين تمنع إجراء مثل هذه الإحصاءات نظرا لحساسية الموضوع الديني.
صفحة 5
العقيدة الأصلية :
إن أولى المعلومات عن حياة بوذا لا تعدوا كونها مجرد آثار شفوية متناثرة، حيث لم تظهر أولى الترجمات الكاملة لحياته إلا بعد وفاته بسنين، غير أن المؤرخين يُجمعون على أن تاريخ مولده كان في منتصف القرن السادس قبل الميلاد.
ولد بوذا واسمه الحقيقي «سيدارتا غاوثاما»، في «كايبافاستو»، على الحدود الفاصلة بين الهند والنيبال. كان والِدُه حاكما على مملكة صغيرة. تقول الأسطورة: إنه وعند مولده تنبأ له بعض الحكماء بأن تكون له حياةٌ استثنائية وأن يصبح أحد اثنين، حكيما أو سُلطانا.
تربَى الأمير الشاب في رعاية والده وعاش حياة باذخة وناعمة، حتى إذا بلغ سن التاسعة والعشرين، أخد يتدبر أمرهُ وتبين له كم كانت حياته فارغة ومن غير معنى. فقام بترك الملذات الدنيوية، وذهب يبحث عن الطمأنينة الداخلية وحالة التيقظ (الاستنارة)، محاولا أن يخرج من دورة التناسخ (حسب التقاليد الهندوسية). قام بممارسة اليوغا لبعض السنوات، وأخضع نفسه لتمارين قاسية وكان الزهد والتقشف شعاره في هذه المرحلة من حياته.
بعد سبع سنوات من الجُهد، تخلى «غاوثاما» عن هذه الطريقة، والتي لم تعُد تقنعه، واتبع طريقا وسطا بين الحياة الدنيوية وحياة الزُهّاد. كان يجلس تحت شجرة التين، والتي أصبحت تُعرف بشجرة الحكمة، ثم يأخذ في ممارسة التأمل، جرب حالات عديدة من التيقظ، حتى أصبح «بوذيساتفا»، أي أنه صار مؤهلا لأن يَرتقى إلى أعلى مرتبة وهي بوذا.
في إحدى الليالي وبينما كان جالسا تحت شجرة التين، بلغ حالة الاستنارة، وأصبح بوذا، أي المتيقظ (أو المستنير). وبعد أن بلغ أعلى درجات الحقيقية، شرع بوذا يدعو إلى مذهبه، فتنقل من قرية إلى قرية، وأخذ يجمع الناس من حوله، وأسس لطائفة من الرهبان عرفت باسم «سانغا». ثم كرس بوذا بقية حياته لتعليم الناس حقيقة دعوته.
صفحة 6
تعاليم بوذا الأصلية
كانت التعاليم التي خلفها بوذا لأتباعه شفوية. أي أنه لم يترك وراءه أي مصنف أو كتاب يعبر فيه عن معتقداته وآرائه. وبعد وفاته قام أتباعه بتجميع هذه التعاليم ثم كتابتها وشرحها. من بين آلاف المواعظ الواردة في كتابات السوترا والتي تنسبها الآثار الهندية إلى بوذا، يصعب التفريق بين المواعظ التي ترجع إليه وتلك التي وضعها أتباعه ومُرِيديه بعد وفاته، على أنها تسمح لنا باستخلاص الخطوط العريضة التي قامت عليها العقيدة البوذية.
تقوم العقيدة الأصلية على مبدأين:
(1) يتنقل الأحياء أثناء دورة كينونتهم من حياة إلى أخرى، ومن هيئة إلى أخرى: إنسان، إله، حيوان، شخص منبوذ وغير ذلك.
(2) تتحدد طبيعة الحياة المقبلة تبعا للأعمال التي أنجزها الكائن الحي في حياته السابقة، ينبعث الذين أدوا أعمالا جليلة إلى حياة أفضل، فيما يعيش الذين أدوا أعمالا خبيثة حياة بائسة وشاقة.
عُرف المبدأ الأول بين الهنود حتى قبل مقدم بوذا، فيما يُرجح أن يكون هو من قام بوضع المبدأ الثاني.
ويمكن تلخيص تعاليم بوذا بالحقائق النبيلة الأربع التالية:
1- أن الحياة معاناة: وهي لا تخلو من المعاناة التي يسببها الشقاء ومصادر الشقاء في العالم سبعة: الولادة- الشيخوخة- المرض- الموت- مصاحبة العدو- مفارقة الصديق- الإخفاق في التماس ما تطلبه النفس. وفي هذا المجال يقول بوذا: (إن سر هذه المتاعب هو رغبتنا في الحياة وسر الراحة هو قتل تلك الرغبة).
صفحة 7
2- والحقيقة الثانية: هي الأصل في منشأ المعاناة وعدم وجود السعادة وهي ناجمة عن التمسك بالحياة ويقول بوذا: (إن منشأ هذه المعاناة الحتمية يرجع إلى الرغبات التي تمتلئ بها نفوسنا للحصول على أشياء خاصة لنا أننا نرغب دائما في شيء ما مثل: السعادة أو الأمان أو القوة أو الجمال أو الثراء....) أي أن سبب الشقاء وعدم السعادة هو الأنانية الإنسانية وحب الشهوات والرغبات.
3- والحقيقة الثالثة: هي حقيقة التخلص من المعاناة ولا يتم إلا بالكف عن التعلق بالحياة والتخلص من الأنانية وحب الشهوات في نفوسنا وتسمى هذه الحالة (النيرفانا) أو الصفاء الروحي
4- والحقيقة الرابعة: هي أن طريق التخلص من الأنانية والشهوات ومتاع الدنيا يوجب على الإنسان اتباع الطريق النبيل ذي الفروع الثمانية وهي:
- الإدراك السليم للحقائق الأربع النبيلة.
- التفكير السليم الخالي من كل نزعة هوى أو جموح شهوة أو اضطراب في الأماني والأحلام.
- الفعل السليم الذي يسلكه الإنسان في سبيل حياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك والعلم والحق.
- الكلام السليم أي قول الصدق بدون زور أو بهتان.
- المعيشة السليمة القائمة على هجر اللذات تماما والمتطابقة مع السلوك القويم والعلم السليم.
- السلوك السليم.
- الملاحظة السليمة -التركيز السليم.
صفحة 8
الحقائق النبيلة الأربع :
أثناء مرحلة تبشيره الأولى، قام بوذا بتعليم أتباعه الحقائق الأربع النبيلة. وتختزل هذه الحقائق تعاليم العقيدة الأصلية.
1- أولى هذه الحقائق هي المُعاناة: فالحياة الإنسانية في أساسها معاناة متواصلة، منذ لحظات الولادة الأولى وحتى الممات. كل الموجودات (الكائنات الحية والجمادات) تتكون من عناصر لها دورة حياة مُنتهية، ومن خصائص هذه العناصر أنها مُجردة من مفهومي الأنا الذاتي والأزلية، كما أن اتحادها الظرفي وحده فقط يمكن أن يُوحي بكينونة موحدة. تتولد الآلام والمعاناة من غياب الأنا وعدم استمرارية الأشياء، لذا فهي -المعاناة- ملازمة لكل دورةِ حياة، حتى حياة الآلهات (لم تتعارض البوذية الأولى مع الهندوسية وتعدد الآلهات) نفسها والمليئة بالسعادة، لابد لها أن تنتهي. بالنسبة لبوذا والذي كان يؤمن بالتصور الهندوسي لدورة الخلق والتناسخ (الانبعاث) لا يشكل موت الإنسان راحة له وخلاصا من هذه الدورة.
2- الحقيقة الثانية عن أصل المعاناة الإنسانية: إن الانسياق وراء الشهوات، والرغبة في تلبيتها هي أصل المعاناة، تؤدي هذه الرغبات إلى الانبعاث من جديد لتذوق ملذات الدنيا مرة أخرى. تولدت هذه الرغبة نتيجة عدة عوامل إلا أن الجهل هو أصلها جميعا. إن الجهل بالطبيعة الحقيقة للأشياء ثم الانسياق وراء الملذات يُوّلِدان الجذور الثلاثة لطبيعة الشّر، وهي: الشهوانية والحِقد والوَهم، وتنشأ من هذه الأصول كل أنواع الرذائل والأفكار الخاطئة. تدفع هذه الأحاسيس بالإنسان إلى التفاعل معها، فيقحم نفسه بالتالي في نظام دورة الخلق والتناسخ.
3- الحقيقة الثالثة عن إيقاف المعاناة: وتقول بأن الجهل والتعلق بالأشياء المادية يمكن التغلب والقضاء عليهما. يتحقق ذلك عن طريق كبح الشهوات ومن ثم القضاء الكلي (نيرفانا) على ثمار هذه الأعمال (كارما)، والناتجة عن الأصول الثلاثة لطبيعة الشر. وحتى تتحقق العملية لا بد من الاستعانة بالقديسين البوذيين من الدرجات العليا، وحتى ببوذا نفسه، والذي يواصل العيش في حالة من السكينة التي لا يعكر صفوها طارئ.
4- الحقيقة الرابعة عن الطريق الذي يؤدي إلى إيقاف المعاناة: ويتألف الطريق من ثماني مراحل، ويسمى بالدَرْب الثُماني النبيل، تمتد على طول هذا الطريق ثماني فضائل:
صفحة 9
• الفهم السوي.
• التفكير السوي.
• القول السوي.
• الفعل السوي.
• الارتزاق السوي.
• الجهد السوي.
• الانتباه السوي.
• وأخيرا التركيز السوي.
توزع هذه الفضائل إلى ثلاثة أقسام: الفضيلة والحكمة والتأمل. ويتم الوصول إلى كل واحد منها عن طريق وسائل مختلفة.
أول هذه الوسائل هي اتباع سلوكيات أخلاقية صارمة، والامتناع عن العديد من الملذات. وتهدف الوسائل الأخرى إلى التغلب على الجهل، عن طريق التمعن الدقيق في حقيقة الأشياء، ثم إزالة الرغبات عن طريق تهدئة النفس وكبح الشهوات، وهي -أي الوسائل- تشتمل على عدة تمارين نفسانية، من أهمها ممارسة التأمل (ذيانا)، لفترة طويلة كل يوم. عن طريق إعمال العقل في جملة من الأفكار أو الصور، وتثبيتها في الذهن، يمكن شيئا فشيئا أن يتحول العقل ويقتنع بحقيقة العقائد المختلفة للبوذية، فيتخلص من الشوائب، والأفكار الخاطئة، والمناهج السيئة في التفكير، فتتطور بالتالي الفضائل التي تؤدي إلى الخلاص، وتتبد العادات السيئة المتولدة عن الشهوة. عن طريق اتباع هذه التمارين والتزام الأخلاق النبيلة يمكن للراهب البوذي أن يصل وفي ظرف زمني قصير (فترة حياته) إلى الخلاص.
صفحة 10
الجواهر الثلاث :
عندما يعتنق شخص ما الدين البوذي عليه أن يعلن وبصريح العبارة أنه يلتمس لنفسه الملاذ ويتعوذ بالجواهر الثلاث (أعوذ ببوذا، بالدراما وبالسانغا)، ويتم ذلك أمام جمع من الرهبان البوذيين (سانغا)، وفق مراسيم وطقوس خاصة. حسب مفهوم البوذية يتوجب على الشخص الطامح إلى الخلاص أن يلوذ بثلاث أشياء أساسية، والمعروفة بـ «الجواهر الثلاث» وهي:
• بوذا: والمقصود هنا الشخصية التاريخية المعروفة باسم «غاوتاما»، إلا أن هذا المفهوم يتسِع -حسب مذهب ماهايانا- ليشمل بوذاتٍ (جمع بوذا) آخرين يمكن التعوذ بهم.
• الدارما: وهي التعاليم التي تركها بوذا -الشخصية التاريخية- وتتلخص حسب ماهايانا في نصوص الـ «سوترا».
• السانغا: وهي طائفة الرهبان والراهبات، والمقصود هنا بعض الرهبان ممن نَذر نفسه لمساعدة الآخرين، ويٌطلق على بعضهم لقب «بوديساتفا».
الهدف الأول من طلب الملاذ هو التخفيف من العواقب والمعاناة التي تسببها الكارما، وهذا ما يطمع إليه غالبا عامة الناس، إلا أن الهدف الأسمى يتمثل في الوصل إلى حالة الاستنارة أو التيقظ والتحرر الكُلي من الكارما، وهذا حال الرهبان والراهبات.
1. الكارما :
يطلق لفظ كارما على الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، والعواقب الأخلاقية الناتجة عنها. إن أي عملٍ، خيِّرا كان أو شّرا، وأي كان مصدره، فعل، قول أو مجرد إعمال فكرة، لا بد أن تترتب عليه عواقب، ما دام قد نَتَج عن وعي وإدراك مسبوق، وتأخذ هذه العواقب شكل ثمارٍ تنمو، وبمجرد أن تنضج تسقط على صاحبها، فيكون جزائُه إما الثواب أو العِقاب. قد تطول أو تقصر المدة التي تتطلبها عملية نضوج الثمار (أو عواقب الأعمال) غير أنها تتجاوز في الأغلب فترة حياة الإنسان، فيتحتم على صاحبها الانبعاث مرة أخرى لينال الجزاء الذي يستحقه. ولا يمكن لكائن من كان أن ينال جزاء لا يستحقه، نظرا لأن الكارما تقوم على عدالة شاملة.