eKtab
EN ع
البردويل
اقرأ عينة مجانية

البردويل

بقلم عبدالله هلال

صفحة 1
مع عباس الكوري والبديوي في سهرتهما شبه الدورية، تنهد أحمد شوقاً إلى الجمّارة. وافق عباس على أنها أصبحت مدينة تضاهي المدن، ووافق على جمال عشرة أهلها. حاول البديوي أن يخفف من تلهف أحمد على الجمّارة، ليس لأنه هو أيضاً كان قد غادر قريته منذ سنوات وانتقل إلى الزعفرانة، ولكن جرياً على عادته في الجدال ومحاولة التفرد بطرح رأي مختلف. حاول أحمد أن يختصر الحديث، وأكَّدَ أن لكل مكان خاصية، لكنّ الجمّارة لها أكثر من واحدة، هواؤها، أرضها، حقولها، سكانها، جمال نسائها... تنهّد ثانيةً، إن كانت سعاد هي المعنيّة فهو غير ضامن لاستقرار تذوقه لجمال سعاد، قد يحرمه البردويل من الاستمرار في حياته إذا تصاعد بينهما العراك...!
انفضت السهرة، ورجع أحمد إلى منزله، بعد أن طلب من عباس الكوري أن يرافقه إلى الجمّارة في الغد.
في طريقه إلى بيته تابع أحمد تقليب أفكاره، وأدرك أنّ سبب حنينه الصارخ هذا هو إحساسه المتعاظم بأنه يقترب من لحظة حاسمة. لقد كان يمنّي النفس بالعودة إلى الجمّارة، ولكنّ الأمر يزداد تعقيداً مع مرور الأيام، والغربة عن الجمّارة طالت كثيراً. كان المبرّر الوحيد لبقائه في الزعفرانة هو أن يحسن وضعه المادي ليعود إلى الجمّارة متحصناً بالمال الذي سيلزمه في شجاره مع البردويل، لكنه لم يستطع أن يوفر أي مبلغ حتى الآن، ولا تبدو في الأفق أي علامات على أن الحال سيتغير. هو ليس واثقاً بنتيجة اصطدامه بالبردويل، ويحرص على المال ليس لما قد يلزمه في عراكه معه، ولكن لما قد تحتاج إليه سعاد، في حال دخل السجن قاتلاً له.
سرحَ مع خيالاته، ماذا لو دخل السجن واضطرت سعاد لتولي أمر الإنفاق على نفسها وطفليها؟ قد تضطر للاقتراض، هل يمكن أن تدفعها الحاجة لأن تخطئ؟ أفزعته الفكرة وأثارت غضبه، أكثر الرجال لا يتورعون عن استغلال عوز امرأة، وهو رغم حبه الكبير لسعاد يحمل في أعماقه شكاً كبيراً في النساء، قناعة راسخة أنهن خائنات للعشير، سريعات النسيان لمن يحببن، قليلات الشكر لمن يضحي في سبيلهن. لا يفاوض على رأيه في النساء، كما لا يفاوض على الأرض التي اغتصبها البردويل، لكنه يفاوض ويتمنى سماع تفسير للتناقض بين حبه لسعاد، وكرهه للبردويل وهما شقيقان!
هل هذا التضاد صدفة؟... إذا كان البردويل على درجة مرموقةٍ من السوء، فسعاد لا بد تتقاطع مع شقيقها ببعض صفات الظلم، أو الفساد، أو الخيانة، أو القسوة. بالإضافة إلى ظلمه وفساده وخيانته فالبردويل أيضاً شديد القسوة، يذكر أنه مرّةً ربط حماراً من قدميه وعلَّقه في شجرة التوت. لا يعقل أن يُجسِّد كل هذا القبح، وتكون سعاد خاليةً من كل القبائح، فإذا لم تكن ظالمةً أو قاسية، فلربما هي خائنة..! حتى ولو لم تكن أخت البردويل، لا بد أن فيها عيباً ما، إنها حقيقة الحياة، الكل مخطئ وليس لأحد أن يفتخر، الجميع منقوعون في الخطأ.. الخيانة.. الفساد..! لكنه يتمنى أن تكون سعاد ظالمة، بدلاً من خائنة، فإنه إن سُجن لا يحتمل أن تنتهي إلى حضن رجل آخر.
قفز من دوّامة أفكاره وجه يوسف المحمود، بينهما عداوة وتنافس وحقد غير معلن. بينهما أيضاً ما يشبه الاتفاق الضمني على التعايش مع هذه المشاعر والتظاهر أن علاقتهما طبيعية وإن لم تكن ودية.
كلما أوشك على البدء بتنفيذ قراره، أعاقه الخوف على مصير الولدين وضياع أمهما. يوسف المحمود، الجذاب، الناجح، الثري، لن يتردّد في محاولة التقرب من سعاد، ليس طمعاً بجسدها الفتَّان فحسب بل وبشكل رئيسي وكزاً في خاصرة رجولة زوجها واختراقاً لحدوده. لو غاب أحمد واحتاجت سعاد إلى المعونة فستكون فرصة يوسف الذهبية ولا شك أنه سيستغلها دون تردّد.
البردويل الوغد سبب ما هو فيه، لم يعد يتحمل الصبر على حياته مقيماً في الزعفرانة، بعيداً عن الجمّارة، كما لم يأمن نجاح الإقدام على تحقيق عزمه، فمقارعة البردويل صعبة وغير مضمونة النتائج.
ثم أين ستستقرّ عائلته؟ في الزعفرانة التي لم يستطع أن يطوّر دخله فيها؟ إنّ ما يدخله من مال لا يكاد يكفي نفقات أسرته رغم التقنين، فكيف إن غاب هو واضطرت سعاد لأن تعمل بدلاً منه في تربية الأغنام، لن تستطيع أن تسدّ مكانه وتقوم بكل ما يقوم به وخاصةً السفر إلى الأسواق في المدن والبلدات المجاورة، والنوم عند الأغنام في العراء أحياناً.
وصل إلى منزله وألقى بثقل أفكاره حينما كانت سعاد تستقبله عند المدخل متفحصةً وجهه الحازم وكأنما قد استقر على رأي.
- ما بك... ؟(اشباك أحمد..؟!)
-(بدي روح عالجمّارة بكرة.)
شهقت، استعجلته ليجيب عن تساؤلها، رغم أنها تريد أنْ تسترجع حقها من البردويل، لكنها خائفة من المواجهة، كلما حان وقت البدء تؤجله لأشهر على أمل أن يتدخل المصلحون ويعيدوا إليها أرضها سلمياً. هي تذكر كيف تغلب البردويل على ثلاثة لصوص حاولوا سرقة بقرة أهلها، وهي لا تنسى عندما ضرب القطة بسكين فقطعها نصفين، كانت في منزل والدها هي وشقيقها البردويل وشاهدت بعينيها ساعديه القويين يحركهما قلب من حديد.
حاولت ثنيه عن قراره. رغم أنه لم يقل إنه عازمٌ على مواجهة البردويل لكنها تخشى أن يثور حنقه حين رؤيته للأرض، وهي ملاصقة للطريق الواصل بين الزعفرانة والجمّارة، ويقرر حينها ما لم يقرره الآن. ذكرته بقوة البردويل الذي يعرفها جيداً، أيضاً ذكرته بأن شجاعته لا تسمح له بالهروب إنْ لم تكن الجولة لمصلحته وسيقدم على أي فعل سوى الهزيمة، هي تعرف زوجها وتعرف أنه لن يقبل أن ينهزم أمام أي خصم.
ذكّرته كيف أنّ البردويل ضرب مرةً باب المنزل بقبضته فكسره، لم يحتمل لوم والده له، فأفرغ حنقه بالباب، صمتت وهي تنظر إلى وجه أحمد، لا تريد أن يأخذ البردويل أرضها، ولا تريد أن يقتله زوجها.
صفحة 2
صاحت بصوت يكاد يصل إلى مسمع الجيران.
- أسألك الله ألا تسافر إلى الجمّارة.
اقتادها من يدها حتى باب المطبخ، ودلف منه إلى غرفة طفليه، أطبق جفنيه على صورتهما، كأنما يغشاه خوفٌ من فقد النظر إليهما، ودعته هدى (تثبح على خير بابا) تلفظ الصاد ثاءً، لم تنبت سنّ جديدة بدلاً من التي فقدتها، ابتسم قاسم من طريقتها في الكلام، وغادر والدهما إلى غرفته وهو يستجمع صورة عيني هدى، تذكر ما قالت جارتهم مرة لسعاد،
- (ماشا الله على عينين هدى متل عينين الغزال)
تناول طعامه واندسّ في فراشه، لم ينم حتى الفجر والأفكار تتلاطم في ذهنه كأمواج البحر.
في ساعات الصباح الأولى كان أحمد مع عباس الكوري على الطريق إلى الجمّارة. قبل وصولهما ببضع مئات من الأمتار، تأمّل أرض (الحوّار)، هي التي ستدفعني مرغماً لمواجهة البردويل. ازداد حنقه عندما لاحظ أنها بعد سنين قليلة ستتحول من أرض زراعية إلى أرض للبناء وتتضاعف قيمتها عشرات المرات إذ اقترب العمران من ضفافها. همس لنفسه، غريب أمر هذه الجمّارة، نماؤها أسرع من نماء الزرع في نيسان، وتنمو، ويكبر ثأري عند البردويل.
وصلا مبكراً إلى منزل المعطي. بحنانٍ أجش قبّل المعطي وجنتي ولده الذي انحنى على يد والده وقبلها باحترام وشوق. حاول المعطي أن يسأله عن ثأره لكنّه ابتلع السؤال. لم يقف إلى جانبه في مشكلته وتدرأ بقرابة النسب بين أحمد والبردويل ليتهرب من مناصرة ابنه، ولكن إن كان أحمد يعادي البردويل لمشكلةٍ بين سعاد وشقيقها، فماذا عن أم أحمد التي قتلها البردويل، فهل أحمد المعني فقط، أليس هو أيضاً ثأر والده وشقيقه عمر و...
كفّ المعطي عن التفكير، وعن الكلام، فهو لا يستطيع مواجهة البردويل، خاصةً وأنّ أشقاءه وأقرباءه ضعفاء متخاذلون لا يمكنه التعويل على نصرتهم. كظم ثأره وترك الحمل على ولده، لا يحثه على الثأر، ولا يثنيه عنه، ورضي أن يبقى في الجمّارة ذليلاً على أن يغادرها مقهوراً كما فعل ابنه.
تناولوا طعام الإفطار، أحمد ساهماً، وعمر يحاول أن يضفي على الحديث شيئاً من الحيوية، متجاهلاً ما يعانيه شقيقه من ألم، وما يعانيه والدهما من حرج، وزوجته تحاول إظهار الكثير من الاهتمام بزيارة أحمد.
تركهم فيما هم فيه، المعطي صامتاً، وعمر وندوة زوجه مرتبكين بين الترحيب والوداع. اتجها إلى منزل أحمد النيّا، صديق أحمد المعطي قبل أن يغادر الجمّارة، كان يؤكد له أنّ صداقتهما أبديّة لا تزلزلها مصلحة أو مقايضات. اتصل أحمد النيّا بجمعه الرحمو، وحسين المصطفى فانضمَّا إليهم وجلسوا جميعاً أمام باب المنزل كما فعلوا مراراً في الأيام الخوالي.
غاص أحمد في اجترار ذكرياته، في هذا الحي - حي المنقى - الذي درج في جنباته، وترعرع بين أزقته وأبنيته، وأهله، وحوانيته، استرجع ذكرياته، غصّ وهو يبتلع ريقه حسرةً. أبو سلوى السمّان، هذا هو عند باب حانوته، لقد غطت السنين شعره برداء أبيض، لم يره أحمد في زيارته للجمّارة قبل عامين.
بعد جلسة قصيرة ذهبوا جميعاً لزيارة عبد الله المطرود. عبدالله صديق طفولة أحمد، كانت صداقه من نوع خاص، يقتسمان الحلوى التي يشتريانها وأحمد يدفع قيمتها دائماً دون أن يحاول عبدالله أن يدفع ولا مرة واحدة، بدا هذا طبيعياً تماماً، وقتئذٍ!
وقفوا عند محل عبدو الخديجة الذي كان أمام المحل يتسلم الحليب الذي يستخدمه لصنع المثلجات من مربي الأغنام. عبدو الخديجة يصنع أطيب المثلجات في الدنيا، اشترى أحمد بعضها، وغادروا إلى منزل عبد الله.
بكل صدق كان أحمد يبادل عبد الله المودة، وكان بادي الأسف لحالته الجسدية بعد مرض (الديسك) الذي أقعده الفراش. سأل أحمد عن محمد القاعد الذي غادر الجمّارة أيضاً ولكن إلى الخليج ولما يعد بعد. محمد ترك الجمّارة طائعاً، وتركها هو مرغماً، سيعود بلا شك بمال وفير بينما هو لم يوفر أي مبلغ حتى الآن بعد عشر سنوات في الزعفرانة.
كانوا جميعهم سعداءَ بوجوده بينهم وبلم شملهم في هذه الجلسه وراحوا يستعيدون ذكريات مرحة تقاسموها إلا أن أحمد لم يستطع أن يكون معهم. انسل رغماً عنه من حديث ذكرياتهم وانسحب إلى ذكراه الأكثر إلحاحاً، مشهد تهاوي والدته على الأرض حين وقعت عصا البردويل على رأسها بينما هي تدفع العصا عنه، حينها لم يتوقع أن الإصابة ستؤدي إلى وفاتها بعد بضعة أشهر وإلا لثأر لأمه فوراً، حتى وإن كان لا يستطيع مواجهة البردويل بالعصا والخنجر، لكان حصل على بندقية بأي ثمن وانتقم من البردويل. فوجئ بموت والدته بعد أشهر قضتها طريحة الفراش، غادر الجمّارة مصمماً على أن يعود إليها قوياً ينتقم لأمه ولزوجه. ومرَّت السنين العشر ولم يتقدم خطوة واحدة باتجاه تحقيق هدفه، إنْ بحصوله على المال، أو بضمان مساعدة أهله وأقربائه. الجميع كانوا يتناسون ثأرهم كلما مرّ عام جديد، وكان هو يشحذ عزيمته ويزداد إصراراً على الانتقام، كلما مرّ عام جديد.
اخترق يوسف المحمود خياله كسيف، الثعلب الذي يحسب الكثيرون أنه صديقه. حاول يوسف اختراق حصون أحمد عن طريق رشوته بالمال الذي يمكنه أن يكون من كبار تجار الأغنام، رفض أحمد العرض لأنه متأكد أن هدف يوسف كان التقرب منه للوصول بالنتيجة إلى سعاد. إنَّ وسامة يوسف وجاذبيته للنساء غير كافيتين لاختراق جدار أحمد الحصين، فزوجه تحبه ولا تقايض بحبه حباً آخر، لذلك قدّم يوسف المال ليكون بوصلة الوصول إليها. أقرّ يوسف بمعرفة أحمد لنياته، فتبادلا العداء والتحدي بصمت، كلما أقدم أحمد على الثأر وثب يوسف في مخيلته كثعلب جبان يترقب فرصةً للانقضاض على سعاد.
صفحة 3
قام وعباس مودّعين لأصدقاء طفولته في الجمّارة، أكد له أحمد النيّا أنه يشتاق إليه وسيقف إلى جانبه إن لزم الأمر، وشكره عبد الله المطرود على الزيارة وقد بدت على وجهه غلالة من التأثر والحنين الصادق. جمعه الرحمو كان أقلهم كلاماً، وأكثرهم تحديداً للمساعدة التي يمكن أن يقدمها، ألمح أنّ بإمكانه تسلّم الأغنام ورعايتها في حال اضطر أحمد لمغادرة الزعفرانة. كلهم يعرف أنَّ أحمد إذا قال فعل، وقد قال إنه عاقد العزم على الانتقام لوالدته، ولزوجه، سواءً وجد منْ يساعده في ذلك أم لا.
في الطريق إلى منزل والده، وقف فوق المكان الذي تردّتْ فيه أمه وهي تدفع البردويل عنه، شخصت أمام عينيه ثانية، وهي مغطاة بالدماء، كما شخص أمام عينيه منظر الثدي الذي رضع حليبه لأربع سنوات. كان يجتر دائماً تكرار والدته أمامه أنه رضع ضعف ما رضع أطفال حيّ المنقّى. لم تكن تتباهى، أو تمنّ عليه، أو تردد جملة من غير ضرورة، كانت فقط تجيب منْ تبدي إعجابها بفتوته ورجولته، كانت تتلمظ طعم الجملة فهي الأم التي قدّمت لابنها ضعف ما قدمت الأخريات.
غادر مكان فاجعته، ولدى وصوله إلى باب منزل والده صاح بشقيقه عمر من خارج المنزل أنه قد يتأخر لأنه سيذهب لزيارة قبر أمه، رافقه عمر، ودخل عباس إلى المنزل. كانت ندوة بادية الخوف إذ إن ذهاب أحمد وعمر إلى المقبرة حدثٌ قد يجرُّ عمر للوقوف مع شقيقه مرغماً في حال قرر موعد تنفيذ ثأره، بقيت واقفة قرب باب المنزل الخارجي حتى غابا عن نظرها.
أكد أحمد لشقيقه أنه قادر على التصدي للبردويل دون مساعدة أحد، بالإضافة إلى أنَّ عمر ملاصق للبردويل في بلدٍ يجمعهما معاً، بينما هو طيّار، إن اضطر لمغادرة الزعفرانة ليس هناك ما يربطه بها سوى حفنة من الأغنام يمكنه أن يُودعها أحد أصدقائه. كان يساعد شقيقه على إيجاد مسوّغ لركونه وخضوعه إذ لا فائدة من إحراجه ما دام هو واثقاً بعدم قدرته على الاستجابة. ندوه زوج عمر ليست من عائلتهم، همها حصاد الزرع، وتأمين مستقبل أولادها، لا يعنيها ثأرهم عند البردويل في كثير أو قليل، وهي تملك لساناً ساحراً يقنع عمر بما تريد. استجرّ عمر لإخباره ببعض ما دار بينه وبين ندوة، هي تعتقد أنّ الثأر عادة قديمة، وأن الإنسان الناجح هو منْ يسعى لتعليم أبنائه، ويسهر على نجاحهم، وليس ذاك الذي ينتقع في السجن لسنوات مقابل الأخذ بثأره بينما أولاده يكبرون على أخلاق الشارع الذي قد يجعل منهم لصوصاً أو مجرمين.
عاد مع عمر إلى البيت بعد زيارة قبر والدتهما. بعد تناول طعام الغداء، والحديث المرح المتصنع، قام وعباس عائدين إلى الزعفرانة عصر ذلك النهار.
أراد أن يبادر للفعل هذا الليل، لكنّه شاهد بوضوح ثوب الغيم المنكشف عن ساقٍ حمراء كبقايا جمرٍ منذراً بحلول الصقيع هذا المساء. قرر أن يؤجل تنفيذ مخططه خوفاً مما قد يتعرض له من برودة قاتله وهو ينتظر وصول البردويل إلى منزله ليلاً. لا بد أن تكون المواجهة ليلاً إذ لا يمكن أن يواجهه في النهار ورجاله مجتمعون حوله. لقد استطاع البردويل أن يشكّل طوق حماية من رجال ونساء، بعضهم على الأقل مأجور بالمال، إنْ لم يكن أكثرهم، بينما هو لم يستطع تجييش أحد يعاضده في معركته. رغم ذلك وما دام عقد العزم على الانتقام من البردويل قبل موسم البذار لهذا العام، فعليه أن ينفذ عمله بما يملك من إمكانيات، وهي شجاعته وتصميمه فقط.
استرجع في ذاكرته، كيف كان في الجمّارة فتىً، ثم شاباً... كانت الفتيات يتهاطلن عليه لفتوته وشجاعته التي أقرّ بها الجميع. كان المعطي لا يبخل عليه بمصروف يضاهي مصروف أولاد الأغنياء، وكان يقتسم حلواه مع رفاقه دون أن يطلب ثمناً، كان سخيّاً ولم يمنّ على أحد بعطية.
تذكر كيف كان والبردويل يقضيان ساعات لهوهما بكل انسجام، وكيف تبدل ما بينهما إلى عداء، يبدو أنه لن ينتهي إلا بالقتل ؟!... أو بالقتل!
لقد استغل البردويل حب أحمد لسعاد، وقد انتقاها من طاقةٍ من ورد الجمّارة، واستغل أيضاً أخلاق صديقه الذي خبره. تأكد البردويل أن أحمد لن يقبل بغير سعاد من نساء الدنيا، فاوضه؛ أن لا يتعجل في طلب إرث سعاد، لم يدرك أحمد ساعتها أنَ مفاوضه كان ينوي ليس تأخير الميراث ولكن الاستيلاء عليه. أقرَّ مرّة في حديث مع عباس الكوري أنه هو المسؤول عن ضياع ميراث سعاد. لقد كان غرّاً قليل الخبرة ولو أنه كان قد عرف الدنيا وأهلها حينها كما يعرفهم الآن لما كان وافق على كثير مما وافق عليه في مفاوضات مع آخرين غير البردويل فمع البردويل من بابٍ أولى.
ترك الجمّارة وقلبه ينعصر على ذكريات فيها لا تنسى، ابنة خاله، وغزلهما الصادق العفوي على باب منزله وهي تحمل لهم طبقاً من الطعام في تكرار شبه يومي في شهر رمضان، وفي أيام متباعدة في باقي الأشهر. تذكَّر مرة عندما اعتذرت لأنها لا تحمل سوى طبق متواضع من الحساء، لقد أرادت أن تراه كل يوم كما كان هو ينتظرها كل يوم.
تقلصت صورة ذكرياته وترهلت فجأة كضوء خفّ بريقه وغمّ حتى كاد أن ينطفئ، تذكر أنه مقدم على مواجهة خصم عنيد، ذاك التنين القابع في الجمّارة، كيف استرسل في ذكرى لقاءاته مع ابنة خاله ولم يتذكر عمتها التي كانت سبب مجيء ابنة أخيها المتكرر إلى منزله. العمة التي ماتت ولم أتمكن حتى الساعة من الانتقام لها، ولم أتمكن من استرداد حق سعاد زوجي وأنا المعني بالدفاع عنها وعن حقوقها.
وقفت الشاحنة الصغيره التي نقلتهما إلى الزعفرانة قرب منزله ونزلا، سار خطوات مع عباس مودعاً، توقف عباس، كأنما هناك ما يثقل عليه، لماذا ذهبنا إلى الجمّارة إذاً؟ لم نستطع تجييش أحد لمؤازرتك. ردّ عليه بثقة وبتصميم، لن أتخلى عن الأرض ولو اضطررت لأن أواجه مائة بردويل وحيداً!!
ابتعد عباس وهو يلوك قوة شكيمة صديقه، هذا الذي لم يطلب، ولم يلمْ، ولم يتشدق بأنه الوحيد الذي تصدى للبردويل الجبار!
صعد إلى السطح ليتأكد من استقرار الطقس في ليلة تشرينية حلّ فيها الصقيع مبكراً. الصقيع يجيء عادة في موسم البذار في تشرين، لكن لماذا الليلة بالذات؟ لو تأخر ليومٍ ثانٍ، هل هذا مؤشر يشير إلى تأجيل أو إلغاء قراري؟ اقشعرَّ من الفكرة، لا يمكن إلغاء قراري، وإن لا مانع من تأخيره إلى أن ينتهي الصقيع الذي في العادة يستمر ثلاثة أيام أو أسبوعاً على الأكثر، لقد انتظرت عشر سنين ولا بأس من الانتظار بضعة أيام إضافية.
سمع أصوات الصبية وهم يلعبون بمرح أخاذ أعاده إلى تساؤله عن ذكريات المكان التي يتفرد بها كل مخلوق فالمنزل والحي والبلدة تلتصق بذاكرة أبنائها بلصاق لا ينفك.
صفحة 4
استرجع صورة القاسم حين رافقه بزيارته إلى منزل والده في الجمّارة قبل عامين، كان يحثه على الإسراع في العودة إلى الزعفرانة، القاسم لا يرى في ذلك المنزل، منزل جده الذي زاره لساعات، ما يرى والده الذي ولد فيه وحبا بين جنباته، ورضع فيه حليب أمه، وعاش فتوته وشبابه تحت سقفه، أراد أن يزيح هذه الصورة عن مخيلته، لكنّه عبثاً حاول.
أبعده عنها حدّة صراخ ولده وهو يتشاجر مع أحد الصبية بينما التفّ حوله ثلاثة آخرون. رغم أن المشهد أحزنه، فسيشعر ولده أنه غريب في الزعفرانة، إلا أنه لم يتدخل بل راقب سلوك ابنه. تضاعف حزنه إذ إن القاسم لم يكن كما يريده أن يكون فقد انسحب من بين الصبية مهزوماً، لأول مرة يُختبر ولده أمامه، إذا كان البردويل خاله، وأنا أباه، فلماذا لم يكن شجاعاً؟!
ربما شجاعة البردويل خلبيّة وقد يكون جباناً في مواجهتي، الكثير من مدّعي الشجاعة هم في الحقيقة جبناء، والكثير من مدّعي الكرم بخلاء، ومن مدَّعي.. ومدّعي..
صرخ في الأطفال أنْ ينفضوا إلى بيوتهم فالطقس بارد جداً، قرأ في وجوههم عدم التصديق، فأي طقس بارد وهم على هذه الحال من الحيويه وغليان أجسامهم في هذه السن، يركضون، ويمرحون، ويتحركون. هو الذي سيعاني البرد في الجمّارة منتظراً دخول البردويل إلى منزله أو خروجه منه للسهر عند إحداهن ربما. قد لا يعود إلا قبيل الصباح إذا كانت سهرته مع فطيم العزو وزوجها المنتوف ينفذ ما يطلبه منه لقضاء حاجاته خارج منزله بينما فطيم تُغني سهرته بحديثها وجسدها.
مسح قطرات الدم المتدحرجة على وجه قاسم، وانتحى جانباً، فيما علا صوت هدى، ورأس لسانها يطلُّ من بين سنين، من غير أن تحاول إخفاء لثغها بإخفاء لثغها، لماذا لم تدمه كما أدماك (وتثبو متل ما ثب أبوي)؟ ابتسم في صمته، أيعقل أن تكون هدى هي الصبي وقد ولدت أنثى خطأً؟ هي تفصح عن شخصية قوية تليق بالفتيان أكثر.
تهالك على مقعده متكئاً على حيرته، إذا كان قاسم جباناً فهي الخسارة الكبرى، أكبر من خسارة الأرض، فالرجل يعيد الأرض ولو طال الزمن، والجبان يضيع الأرض ولو كانت بحوزته. يتمنى أن يكون القاسم شجاعاً ولو جاءته الشجاعة من البردويل الذي سيواجهه اليوم أو غداً، لا بأس أن ينتصر البردويل على حساب خسارته هو مقابل أنْ يكون قاسم منتصراً في حياته المديدة القادمة. أمّا أن يكون القاسم مهزوماً فلا بد إذاً من النصر على البردويل، لا أستطيع تقبل هزيمتين، ومهما كان ثمن النصر فسأدفعه... كيف يجترع البعض الهزيمة تلو الهزيمة؟!..
لم يستطع تناول العشاء وقاسم المهزوم معصوب الرأس، غادر منزله إلى فضاء الزعفرانة، نظر إلى المصابيح المضاءة والأبواب المتناوبة الفتح والإغلاق وبعض المارّة يسرعون الخطى إلى أحضان منازلهم، كأنما هو الوحيد في الزعفرانة، أو في الأرض، يترنح تحت ثقل مأساته. انتهى إلى منزل البديوي وانضمّ إليه فيما كان يتابع على شاشة التلفاز حواراً صاخباً بين المذيع وضيفه. كان المذيع ضخم الجسم أجش الصوت، قاسي الملامح، فلم ينتظر البديوي حتى قال:
- (إنو منين بيجيبو هالمزيعين، ما ضل غير يحطولنا البردويل مذيع في التلفزيون)
صعدت ضحكة من فم أحمد كأنها غير إرادية، كما لو شرب سائلا ً غازّياً، فشكل فقاعات ضحك، قال:
- (ليش ما منعمل محطة تلفزيون) وضحك ثانية (هون في الزعفرانة)
- (مشان إيش؟)
- (مشان يحطولنا البردويل مذيع، بيطلع علينا كل ما راد ونحنا ببيوتنا)
ضحك ثالثة وأضاف:
- (بنسهر معو)!
تراجعت ابتسامته كما بفعل نابض وقام مغادراً.
كانت سعاد تنتظر قدومه بثياب نومها، جسدها المتلألئ لم يحجبه الثوب وقد لاحت كتفها كما قمر أطل بعد انقشاع غيمةٍ. نظر إلى وجهها الذي لم يمل النظر إليه قط، أزاح بأصابعه شعرها فكشف عن مساحةٍ أوسع من جبينها، وعنقها، فبدت أذناها من دون أقراط، كان قد باع قرطيها ليدفع ثمن ثياب آخر عيد، لقاسم وهدى، احتضنها والتحم جسداهما في عناق حار، انتشلته من حزنه وغمرته في حيرته، استغرق في النظر إليها، جسداً، وقلباً، وعقلاً، كيف تكون سعاد على هذا الرقي من الجمال ويكون البردويل على ذاك الرقي من القبح..؟!
أيام سبعة ولم يغادر الصقيع منطقة الجمّارة والزعفرانة، حتى بدأ أحمد يشعر بأنّ عزيمته تكاد تتراخى ويعتريها الوهن، فهو ما فتىء يؤجل تنفيذ قراره بمواجهة خصمه. نهض مصمماً، حمل ما قد يحتاج إليه من أدوات قتال ونادى جاره عدنان وانطلقا في شاحنته الصغيرة إلى الجمّارة في أول ليل ذلك اليوم الصقيعي.
اتفق مع عدنان أن يرجع إليه عند الفجر، قرب أرض التوبة. ما إن ترجل من الشاحنة حتى شعر بالبرد القارس يلسع وجهه من تحت اللثام، أحكم غمر وجهه باللثام السميك، شدّ رباط القفازين وتفقد مديته، ثم سار بهدوءٍ حذرٍ يتوجس بقلب أسد ومشية ثعلب.
هذه هي الجمّارة التي أحب، وحدي في أطراف حي المنقى، ولماذا أسموه هذا الاسم؟ لعل أول منْ سكن فيه انتقى من يجاوره ليكون الجار الأفضل، الذي يساعد منْ حوله على مواجهة صعاب الحياة. وحي سرقد؟ ما معنى سرقد ومن أين جاءت؟ تبدو كأنها كلمة تسللت من لغة قديمة مندثرة، إذاً الجمّارة قديمة، ربما قدم التاريخ، وربما سبقت مدناً مشهورة بقدمها. لكنّها ليست مدينة، إذ كلما اتسعت لتشكل مدينة كانت تدمّر لتعود أرضاً يباباً ثم تنبثق من جديد في المكان نفسه وغير الزمان، لتدمّر ثانية وثالثة، فهل سيدمّر البردويل الجمّارة في هذا الزمان..؟
مسح المكان قرب منزل البردويل، واختار أن ينزوي خلف جدارٍ متكسر لحوشٍ قديم للجربوع، مكث قليلاً ورصد مدخل منزل البردويل، المنزل نفسه الذي كان يرصد مدخله لرؤية سعاد وهو غادٍ رائح أمام أعين الناس في غايةٍ من الحيوية والفرح والأمل. هو الآن متخفٍّ عن أعينهم، في منقع من الخوف والقلق والبؤس. هذا هو الحوش الذي حدّثني عنه عمر قبل أيام من قدومي إلى الجمّارة وقد بدا عليه اللوم، لماذا لم تشتر حوش الجربوع؟ تفحص الحوش الذي هو عبارة عن سور يحيط بغرفة شبه مهدمة كان يسكنها الجربوع. عادت كلمات عمر تطن في أذنه، أتعلم أن سعر الحوش قد ارتفع مئة ضعف بينما لم ترتفع أسعار الأراضي الزراعية عشرة أضعاف، لماذا لم تشتر الحوش يا أحمد وقد كان بحوزتنا المال..؟! إذاً هذا هو الحوش الذي اشتراه البردويل، ومن عائد أرض سعاد، كان من الممكن أن أشتريه أنا، ومن عائد أرض سعاد... زوجي.
صعد إلى سطح الغرفة من فوق السور الملاصق، لاحت لنظره نافذة منزل الثريي كظل لكنها تبدو للبردويل واضحة كالثريا في السماء في ليلة صحوٍ كهذه الليلة، ابتلع لعابه الساخن، وتلمس مديته، أين هو البردويل؟!
كان يرصد الشوارع الثلاثة التي توصل إلى منزل البردويل من ثلاثة اتجاهات. المنزل يتربع على مساحةٍ واسعة، ربما هو المنزل الأوسع في الجمّارة... لم تكن هذه الأبنية موجودة، ولا تلك المجاورة لمنزل البردويل، كما لم تكن هذه الشوارع قد شُقَّت حين كان والبردويل يتصاحبان في أغلب الأحيان في أوقات سمرهما. حين كان يرقب الباب من بعيد، كان يمكنه رؤية سعاد، لعدم وجود ما يحجب نظره، فيسرع إليها يتبادلان نظرات الحب أو يتحاوران عند مدخل المنزل، يسوغ مجيئه بالسؤال عن شقيقها، ومرة اختلس قبلةً خاطفةً من وجنتها! تختلط صورة وجه سعاد بصورة وجه البردويل في مخيلته، كأنما أصيب بعمى ذاكرة، أو كمن يعيد لفظ اسم لعشرات المرات، فيفقد معنى الاسم، أو يخطئ في إعادة لفظه صحيحاً.
التفت إلى جهة وقع خطوات، لكنه واجه نافذة الثريي التي لاحت له وهي تخلع ثوبها استعداداً للنوم، إذاً أين البردويل؟ قد انتصف الليل، والنجوم اعتلت مكانها، تعلم قراءة الليل أثناء مبيته قرب الأغنام في ليالي الحصاد. نظر إلى الثريا في السماء، ونظر إلى الثريي في الأرض، وغصَّ بالثريي تفكيره، هذه الثريي كانت في متناول يدي، حين كنت والبردويل نقتسم حبّها وقبلاتها وهي في منزل والدها، قبل أن تتزوج ابن الجربوع. انتهت إلى حوزة البردويل وحرمت أنا من وصلها؟ لا يمكن أنْ تتكرم عليَّ الآن حتى بسؤال أو سلام، أخذ البردويل الأرض، وحوش الجربوع، والثريي، وكل هذا كان لي.
أُطفئ ضوء غرفة الثريي، نقل بصره بسرعة إلى الجهة المقابلة لمكانه، أُشعل ضوء في غرفة من غرف منزل البردويل، لم ير منْ في الغرفة، قد تكون نوَّّار زوج ذلك المجرم... تزوج البردويل لينجب بردويلين كثراً؟! غيّر من ملامح وجه نوَّار، فضاق جبينها، واتسعت عيناها، وصغر فمها، حتى رأى سعاد بدلاً منها، أين أنت الآن يا سعاد؟ وأنا في هذا الحوش المهجور أرقب بردويلك لأقتله أو يقتلني. وأنت يا عمر، تنعم بدفء فراش ندوة، وأنا في الطقس شديد القسوة هذا؟! لعلك معي بوجدانك وأنت في فراش ندوة، لعلك تشعر بشقيقك يعاني صقيع هذه الليلة، وحرارة قلبه، من أجل أمكما، من أجل عائلتكما. سينالك نصيب من العزة إذا تحقق لي النصر، نحن ريفيون وينسحب عار المهزوم ومجد المنتصر على أهله وذويه!
صفحة 5
سمع لغط رجال، تدلى من على سطح الغرفة فسيثير الريبة وجود رجل على سطح غرفة غير مسكونة، التجأ إلى ظل المدخل لحظة دخول رجلٍ إلى الحوش وهو يرفع ثوبه متعجلاً في حين تفرّق الآخرون إلى منازلهم مسرعين! ارتجف من الخوف، تبادلا السؤال،
- (انتي أحمد المعطي)
- (وانتي أنس الشركسي)
- (أيوه أنا انس، كويس إنك تذكرتني)
- (تذكرتك، رغم قلة معرفتي فيك، إنتي جيت عالجمّارة، وأنا طلعت منَّا، صارت الجمّارة مطلب لكل الناس يا حسرة)
حاول أن يبعد ذهن أنس عن أي تساؤل عن سبب وقوفه في هذا المكان في هذا الليل. أنس كان على درجة من البراءة والصدق تحاكي براءة الأطفال فلم يرتب بشيء واعتقد أن أحمد قد قدم لزيارة أهله واضطر للتوقف هنا لقضاء حاجة.
طرق أنس باب منزل مواجه لمكان وقوف أحمد، نادى زوجته فخرجت واتجها إلى منزلهما. رافقهما كلب بنباح ملح، كأنما الكلاب تعرف منْ هو غريب عن الجمّارة!
ظهر ضوء شاحنة استدارت قرب المكان، كشف نورها كل جسم في المدخل، هبط أحمد بين ركام المدخل وما يتكدس فيه من أحجار ونفايات. تفحص بناءً قريباً قام على أرضٍ كانت أيضاً مكب نفايات، وأصبح سكناً لخيرة العائلات، كعائلة أنس، ومن جاء مهاجراً إلى الجمّارة، سيكون لهذا الحوش أكثر مما كان من قيمة للأرض..! قد أراه بعد سنوات يضم بناءً شامخاً من عدة طوابق، ويكون البردويل مالك هذا البناء... كلا هذا لن يكون، اليوم يتحدد المالك الحقيقي لهذا الحوش، بعد تصفية حسابي معك يا بردويل الكلب...!
يا لك من جمّارة تنسى ماضيها، كفتاةٍ تنسى منزل أبويها بعد مغادرتها إلى بيت زوجها، أأنت جمّارة السنين التي خلت؟ تتحولين إلى مدينة يقصدها المهاجرون!! يرتفع سعر العقارات فيها مئة ضعف، تكتظ ساحتها بالشاحنات والحافلات والسيارات، وتحوي محلاتها كل أنواع الثياب غالية الثمن، والفواكه المنتقاة، والهواتف، والكهربائيات وكل الكماليات؟! يا لك من جمّارة قليلة الإحساس، تتخلى عن ماضيها، وتندفع بسرعة جنونية إلى مستقبلها، لقد انقطع حبل التواصل، بين الماضي والحاضر، لسرعة السير أو القفز باتجاه الغد، مهلاً أيتها الجمّارة!
ها قد (عصرن الليل)، إنّ لليل ضحى كما للنهار ضحى، وأنا منذ ضحى هذا الليل حتى عصره أنتظر في الصقيع، تعبت عيناي من التحديق حتى سال دمعهما ولسعت البرودة سطح بؤبؤيهما، أشعر بملامسة الصقيع للبؤبؤين مباشرة. أُشعل ضوء غرفة الثريي، إنه أسعد...أسعد الجربوع!! أيستحق الثريي هذا الجربوع؟ الثريي التي تتفوق على كل نساء الجمّارة بجمالها، ويتفوق هو على كل رجال الجمّارة بتفاهته، كان ضعيفاً يسخر منه الفتيان في المدرسة وفي الحي، لم يكن يخطر ببال مخلوق أن تؤول الثريي إلى هذا الجربوع!
لماذا تحاصرني الثنائيات، أسعد التافه، وثريي الفاتنة، الثريي في الأرض، والثريا في السماء، سعاد والبردويل، الماء والتراب، الخير والشر، الظلم والعدل.. العدل... هل لي أن أضع العدل مقابلاً للظلم والعدل غير موجود أصلاً! لا بأس.. الظلم والمظلوم.. الليل والنهار، الصدق والكذب...؟!
اقتلع نفسه من بين أفكاره وعاد ليرقب المكان، هنا عينان وفي الزعفرانة عينان، وكلاهما لم يعرف النوم...
هدأت أصوات الجمّارة، لم يبق سوى صوت نباح الكلاب، أو صوت شاحنةٍ أو درّاجة يخترق صمت المكان، نظر إلى السماء وتأكد أنّ ثعبان هذا الليل قد انسلَّ ولم يبق منه سوى ذنبه، انسلَّ فهذه الثريا قد وصلت إلى قبة السماء، وذاك الميزان قد ارتفع حتى بلغ مكان الشمس عند الضحى، بدأ يشعر بالضجر، أين هو البردويل، ابتعد عن مدخل الحوش بحثاً عن الصبر، وقد بدا يحس باختراق البرودة حتى عصب عظامه، انتبه إلى دمع عينيه، هل بسبب القرِّ؟ أم بسبب مشاعره التي بدأت تستدرجه للبكاء..! كثيراً ما يشعر بحنينٍ إلى البكاء! ارتج لسماع صوتٍ قريب،
- (مين هاد؟)
- (أنا.. أنا..)
إنه صوت البردويل، امتزج شعور الخوف مع شعور الغضب، التفت واتجه نحو الشبح وتابع،
- (أنا أحمد)
- (إنتي أحمد المعطي؟)
- (إي صديقك وصهرك، أشو نسيت يا حمود الراعي؟)
تلمس البردويل، بأعصاب أذنيه وعقله، صدق نبرة أحمد التي تؤكد أنه عازمٌ على فعل، ابتعد خطوة إلى الخلف، ومدّ يده تحت فروته يبحث عن المسدس، كان أحمد يتوقع من البردويل استخدام مسدسه قبل أن تدعوه الحاجة، كالحرب الاستباقية، تحرك بسرعة وخفة فاجأته هو نفسه، كانت مديته أسبق إلى ذراع البردويل اليمنى، سقط المسدس على الأرض من يد البردويل ليبقى أعزل من السلاح، ويظهر على حقيقته؟! مشلولاً من الخوف وعيناه معلقتان بالمدية المشهرة،
- (أحمد نحنا صدقات)
- (هلق لعرفت نحنا صدقات)
- (أنتي مسلَّح وأنا اعزل)
- (كنت مسلِّح وأسم الله عليك)
- (أحمد أرجوك أنو تحكِّم عقلك، نحنا نسايب وكنا صدقات)
- (حكَّمت عقلي)
- (وأشو طلع معك)
- (ثأري، وإرثي)
- (إرثك! انتي!؟)
- (إرث سعاد هو إرثي)
- (سعاد أختي، خليها هي اللي تطلب)
- (طلبت منك وما رديت عليها)
- (ما عليش، تطلب هلّق)
- (بتوافق إذا طلبت)
صفحة 6
- (أحمد الدم صار يجري، وإيدي صارت توجعني)
- (يعنى)
- (يعنى انهيلي المفاوضات ومنشوف)
- (أشو منشوف)
- (اللي بتريدو)
- (بدّك تخبر الشرطة)
- (لأ)
- (وإذا سألوك العالم مين اللي طعنك)
- (ما عليك، بلاقي الحجه اللي بتقنع اللي بيسألني)
- (خير يا حمود، بدي حكم عقلي هلق مشان إنتي كمان تحكم عقلك)
ابتعد عن المكان بسرعة فالبردويل قد يغدر. عند نهاية أرض التوبة كانت تنتظره شاحنة عدنان، طلب منه التوجه إلى العامرّية وعلى ضوء الشاحنة الخافت..!
تقدم متوجساً من العيون التي قد تشي به للشرطة، أو للبردويل، في الطريق إلى منزل مريم في العامرية سيخترق زقاق العامود المكتظ بالمنازل المتلاصقة ولا بد من تحاشي سكان هذه المنازل.
ترى ماذا ستكون حالة سعاد حينما يخبرها عدنان؟ هل ستفرح لهزيمة البردويل أمامي وجرحه الذي قد يشلّ يده أم تنهدّ جدران تماسكها خوفاً؟ هل ستقوى على حمل غربتها في الزعفرانة وحيدةً؟ كانت تتقوى بوجودي معها. اختلط عليه الأمر، حالة سعاد وحيدة، وحالته هو في العامرية وتخفيه عن العيون، واصل تقدمه متوجساً، لم يمهله ضوء النهار وأخذ يتسلل كاشفاً ما كان مستوراً في الظلام.
طرق الباب، استقبله محمود الكيو متسائلاً لكنه سرعان ما فسح له في المجال ليدخل وأخفى على مضض تضايقه من ضيف هذا الصباح البارد وأولاده وزوجه ما زالوا في فرشهم يتدثرون بأغطية إضافية طلباً للدفء. لا بد سترتبك العائلة باستقباله، لكن مريم زوجه لم ترتبك أو تنزعج بل أبدت ترحيباً زائداً بأحمد، متجاهلة ما سيتسبب به من إزعاج لأولادها بإيقاظهم المبكر، لا شك أنّ الأولاد سيتذمرون ويبدون تأففهم من هذا الضيف. لو استطاع محمود أن يعتذر عن استقباله لفعل، لكنّ مريم هي التي ستستقبل وتودّع، وتقول، وتأمر وتنهى في هذا المنزل، وهي أخت صديقه البديوي ولن ترضى بأن يقصروا معه. كثيراً ما أكدت مريم أمام زوجها أنها مدينة لشقيقها، وعليها واجب الشكر والاعتراف بالفضل له. لقد كان البديوي دائماً شقيقاً كريماً عطوفاً، وعندما اقتسما ميراثهما اكتفى بحصته من الأرض وترك لها كل موجودات منزل والدهما، من فرش ولبابيد وبسط، حتى الهاون والمهباج والقدور والطناجر والصحون ووو... كلها وصلت إلى مريم، رضي بنصيبه من الأرض، وخجل أن يحاصص في القليل.
كان احتفاء مريم بأحمد واضحاً، بدا ذلك من حديثها ووجهها الذي يرسم ابتسامة، بخطوط، وتعاريج ووضوح، دون أن تنفرج شفتاها عما يؤكد ابتسام وجهها. هذه المرأة الجادّة السمراء الطويلة، التي رضيت بأن تكون زوجاً لمن لا يشبع رغبتها وقناعاتها بعد أن غادر شقيقها العامرية منذ عقد تقريباً إلى الزعفرانة واضطرت أن تستعين بزوج يكون زوجاً وولي أمر.
احتفت بالضيف بطعام شهي استطاعت أن توفره في الصباح الباكر هذا بطريقة لافتة، كما أمنت نومه في فراش دافئ، وأسرعت في تركيب مدفأة الغرفة، التي كان محمود يؤجل تركيبها لتوفير الوقود.
فيما كان أحمد مستغرقاً في نومه، ذهب محمود إلى الزعفرانة يسأل عما آل إليه حال البردويل، وهل التزم بما وعد به من كتمان ما حصل بينهما في الليل المنصرم.
أيقظته مريم من نومه متعجلة بمسوغ عودة زوجها من الزعفرانة تواً. تريد استثمار فترة وجوده في منزلها لأبعد حد فلطالما أرادت أن تقترب منه. قد أثار اهتمامها حتى قبل أن تراه لكثرة ما امتدحه شقيقها البديوي حين كان يحدثها عن أصدقائه في الزعفرانة وعندما رأته أخيراً في منزل شقيقها فتنتها قوة شخصيته وحلاوة حديثه وفتوته، وتشهّت أن يجمعها به يوم. لقد تحققت أمنيتها اليوم، وهي تدرك أن بقاءه في منزلها لن يطول، ليس لأنه لا يستطيع التخفي عن الأنظار طويلاً في منزلها خوفاً من تهافت أهل العامريّة على ملاحقته حين ينتشر خبر شجاره مع البردويل، ولكن بسبب ضيق منزلهم وتزاحم أطفالها فيه.
سرد محمود نتائج رحلته، الجميع خائفون من ردّ البردويل فقد أفشى خبر المشاجرة، وادعى أنّ أحمد كان يستقوي بمجموعة كانت تناصره. ابتسم أحمد أسفاً لكذب البردويل الذي سرق الألباب بشجاعته الكاذبة، ألا يعرف أنني أعرف أنه يكذب؟ لا شك أنه سأل نفسه كيف سيتلقى أحمد هذه الكذبة، وكم سيستهين بي لاحقاً، ولكنّه قايض أن يستخف به أحمد، مقابل أن يؤكد للآخرين أنه لا بد كان سيلتهمه لولا المجموعة التي كانت معه. رضي بكل صفاقة بما يعيبه، رضي أن يكون كاذباً، ولا أن يكون مهزوماً أمام رجل واحد وهو صاحب تاريخ من البطولات.
تمكن محمود أيضاً من تقصي أخبار سعاد، أبلغه أنّها قلقة وخائفة من شقيقها. كذلك أخبره أنّ رجال الشرطة يبحثون عنه، فقد اتهمه البردويل أنه حاول قتله هو والمجموعة التي كانت معه إلا أن البردويل استطاع بشجاعته المعهودة أن يتلافى القتل بطعنةٍ من مدية في الذراع. نقل محمود الخبر إلى أحمد دون أي تأثر منه، كأنما يخبره عن حادث سير رآه على الطريق ولا يعرف المتضررين فيه، كان يتحدث ووجهه بارد أبله لا تغيير في خطوطه، نبرات صوته خالية من أي تأثر، بكل حياد ودون أي إيحاء بأنه يناصر ضيفه أو يتعاطف معه رغم أنه الآن مذنب هو أيضاً بالتستر عليه ما دام هو مختبئاً في منزله.
صفحة 7
بينما كان محمود يتحدث كانت مريم تتملى وجه أحمد أكثر مما تنتبه لما تضمنه الحديث من خبر لكنها انتبهت إلى بلاهة زوجها وهو يتكلم. تذمر وجهها وبدا عليه الازدراء، ونهرته بكل مباشرة ودون مقدمة،
- (قوم طلاع جيب خبز، متعينك لا بتعرف تحكي، ولا بتعرف تسمع)
التفتت إلى أحمد، صمتت قليلاً وتحسّرت،
- (الله لا يشغلك بال، انتي بتستيهل كل خير، انتي رجّال)
وإذ لم يتكلم تابعت،
- (إيي والله، صباطك بيسوي عشر زلم، ما بدي إياك تزعل، نحنا فرحانين عليك، ومنريد نغتنم وجودك عنا، وننبسط ويا محلا ما يقدر الله)
بدأت تضفي على المكان شيئاً من المرح والحيوية، كأنها توحي له بأن ما طلبته لا يقبل المناقشة، وها قد بدأت هي بالتنفيذ من جهتها، وعليه أن يستجيب ويستثمرا وجودهما، رجلاً وامرأة.
اقتربت منه وأمسكت يده.
- (دي قوم خسّل وجهك، إلا بتريد تتخسل؟ المي سخني في الحمام)
داعبته ما أمكنها وهو صامت صامد كتمثال، متأكدة هي بأن الوقت لا يسمح بأكثر من تبادل إشارات، أو لمسات تطمئنها أنه موافق على ما تعرضه عليه، وأنّ الليلة التي ستحلّ بعد ساعات، هي الليلة التي ستكشف فيها شوقها ورغبتها لضيفها. ستستخدم الكثير من الإشارات، والجمل، والكلمات، لتوصيل رسالتها. في هذه الظهيرة من النهار لا يمكن أن تحقق أكثر من ذلك، الأولاد يملأون ساحة المنزل، ومحمود لن يلبث أن يعود من المخبز، إذاً على أحمد أنْ يبدي موافقته لتوقف التحرش به. تحايلت على اختيار الكلمات والأحاديث التي ابتكرت مواضيعها لتكون أكثر جدوى في استخراج ما في نفسه من كوامن. هل يتمنع لأنه مستغرق في مشكلته مع البردويل؟ أم أنها لم تعجبه؟ هي تعلم أنها لا ترقَى إلى رفعة جمال سعاد من جهة، ولا إلى رفعة شخصية أحمد من جهة أخرى. استقر تفكيرها أنْ تكون أكثر إفصاحاً عن رغبتها رغم صعوبة هذه الصراحة على امرأة، أي امرأة، قالت:
- (أشو بتريد قدملك حتى تنبسط؟)
- (ما بريد شي، أنا مبسوط، يعطيكي العافية)
- (لا مانك مبسوط، لو كنت مبسوط، كنت رديت علي)
- (أشو بدي قول)
- (قول إي، إذا كنّا عيجبينك)
- (انتو عالعين وعالراس)
دخل محمود يحمل أرغفة مكدسة على زنده، رمى بها على الأرض متأففاً من صعوبة تأمين الخبز وانفلت لسانه بسيل من كلمات الذم والتذمّر من هذه الحالة. أسكتته مريم بكلمات لا تقل تذمّراً عن تذمّره، كانت تبالغ في تعرية ضعف زوجها ليستسيغ أحمد الموافقة على ما تعرضه عليه، كأن عندها مسوغات مقنعة لخيانة زوجها، فهي مظلومة عند هذا الزوج التافه. سكت محمود فوراً، حينما صرخت في وجهه:
- (دي سكوت بقا، الزلمي ضيفنا وبدّنا نبسطوا ماو نوجعلوا راسو)
التفتت إلى أحمد بكثير من الاستجداء.
- (انتي بس اطلوب، ولو حليب سنونو)
نظرت في وجه زوجها الذي وقف ينتظر أن تأمره، وقد لبس وجهها غلالة من الكره الظاهر، وهرول يتعثر بالأحذية المتناثرة أمام باب الغرفة، بينما الأولاد يلعبون حفاةً،
- (حط الطنجرة على الغاز بين ما أجي)
التفتت إلى أحمد ثانية، وقد خلعت ثوب وجهها وارتدت ثوب الاستجداء:
- (إذا ما في حليب سنونو، بسقيك من حليبي يا أحمد الغالي)
أدركت أنّ هذا العرض السخي سيكون رخيصاً، إذا لم يوافق ضيفها أخيراً، تابعت وكأنما لتتدارك ما بدر منها،
- (انتي ضيفنا، ماو هيك أبو قاسم؟ انت وقفت بوجه البردويل وهادا شي محَّد عملو قبلك)
تناولوا طعام العشاء، ومريم لا تتوقف عن إبداء مشاعر الإعجاب لضيفها، كما لا تني من تقديم ما بحوزتها من إثارة، تتخلل هذه وتلك، تقديم الفواكه، والشاي، والقهوة، لدرجة أنها أفقدت ضيفها حاجته لما تقدمه له، فخسرت مرتين، مرةً فيما بذلته من جهد، ومرةً في نقص الأجر الذي نالته ثمناً لما قدمت...!
نظر أحمد إلى محمود،
- (ما قلتلي شلون كانت سعاد؟ يعني خايفة؟)
- (ايي خايفة)
- (يعني خايفة كتير؟ ملبكي؟)
- (بصراحة أنا ما شفت سعاد)
صفحة 8
- (لكا؟)
- (أنا سمعت من البديوي أنو هي خايفة وقلقاني)
- (وليش ما شفتا؟)
-(ياخي شلون بدي شوفا وهي أخت البردويل اللي طعنتو وع بيقولوا إيدو بيجوز تنشل)
- (بس أنا جوز سعاد وإن كان البردويل أخوها هي معي)
- (أنا ما بحسن شوف غير أنو هيي أخت البردويل، وخلص)
تدخلت مريم بسرعة،
- (يقطعك الله ما أوخفك، يوال متعينك، ياربي أشو هالعلقة اللي علقتني إياها، مع هيك زلمي)
لم ينبس محمود ببنت شفةْ وتدلى رأسه بين كتفيه، في حين نظرت مريم إلى أحمد،
- (ولا يهمك بكرة ببعتو ع الزعفرانة يشوف سعاد ويرجع يطمّنك عليها، بس إنتي لا تقلق، خلينا نسهر وننبسط)
نام الأطفال ووالدهم، وقامت مريم تتصنّع أنّ وقتاً طويلاً قد فات، وأنساها أن تجدّد الضيافة، وعادت لتشير إلى أنّ بلاهة زوجها وغباءه هما السبب، فقد أغضبها بعدم مروره على منزل أحمد، والاطمئنان على زوجه، فأنساها دقتها في تقديم الضيافة المتلاحقة لضيف عزيز، وكأنما تريد أنْ تؤكد له أنها صاحبة تقدير ليس لأحمد فقط، بل لأي كان في ظرف ٍ كظرف أحمد. على أنها وجدتها مسوّغاً لإبدال ثيابها خاصةً بعد أنْ أرختْ منظم وقود المدفأة فتدفق الوقود حتى التهب جوف المدفأة واحمرّت وجنتاها. قدمت له الشاي وهي منحنيةٌ للأمام، وثدياها يتحدثان عن مشاعرها الملتهبة كالتهاب جوف مدفأةٍ في ليل شديد البرد،
- (خود من إيدي الجاي)
مدّ يده دون أنْ يرفع رأسه أو يمدّ نظره، تابعت:
- (إلاّ بتاخد رضعة قبل الجاي؟ هه شوف جاهزات للرضاعة يا حبيبي)
خلطت الجد بالهزل، إذ لم تعد تطيق استمرار تجاهله لعروضها،
- (مريم أنا بدي اطلع عالسطوح)
بمفاجأة من جفل من عفريت قالت:
- (ليش؟ يوه!! خير انشاالله، أشو في؟ ماع بتقبل تحكي معي أو...)
سبقها قبل أنْ تضيف،
- (ضروري مراقبة أي سيارة جيي عالعامرية، بيجوز فيها شرطة)
انخفضت حدة غضبها ومفاجأتها بشكل كبير كرغوة الحليب إذ اقتنعت أنّ تخوفه هذا قد يكون له ما يسوغه حقاً، قد تأتي سيارة الشرطة إلى قرب منزلها، وتباغتهم، ويلقي رجال الشرطة القبض عليه، وفي الوقت ذاته شككّت في صدق حجته، ربما هو يحاول أن يتخلص منها، ومن إلحاحها الذي لم يجد منه فكاكاً، وعيي عن ردّ الجواب لحزمةٍ التحرشات التي ما فتئت تهاجمه بها.
صعد إلى سطح المنزل لكنها ما لبثت أن لحقت به. اقتربت منه بحركات مترددة، كانت تحمل بعض المكسرات والشاي، وقفت قبالته وهي لا تزال في ترددها، هل صعوده إلى السطح هرب مني، أم هو حقاً يرصد ما حول البيت؟ قررت أن تلقي حمولتها دفعة واحدة.
- (ما بردت؟ بجبلك كليم زيادي مع الفروي؟)
وأمسكت بيديه تتلمس برودتهما،
- (هيي!! إيديك مسقعات، حطن بحرجي ليدفوا)
وسحبت يده باتجاه بطنها، لا بد الآن من التصريح بالرفض أو الموافقة.
- (مريم أنا متوتر، إن كان مشان الشرطة، وإن كان مشان ولادي ومرتي)
- (يا خيِّ إن كنّا متوترين أو هاديين بيختلف وضع مرتك في الزعفرانة؟ هاي فرصة أحمد، نحنا التنين بحاجة إلا)
- (مريم، جوزك آواني ببيتو)
- (ليش هادا جوز؟)
-(وأخوكي البديوي من أعز أصدقائي، وهوّ اللي عرفني عليكن)
- (وهو اللي حببني فيك، وإن كان بدون قصد)
- (أرجوك أنا..)
قبل أن يكمل، أطلقت الطلقة الأخيرة، خلعت ثيابها فجأة وبسرعة بهلوانية وقفت أمامه عارية في ليلةٍ بردها قارس، حاولت أن تنقضّ عليه، رفض الاستسلام. شعرت بمقدار إهانتها وشعر هو بمقدار غضبها ونزلت من على السطح تجرّ خيبتها.
لم يعد يستطيع البقاء في المنزل وهناك قنبلة لا يعرف متى قد تنفجر، ولا يعرف مدى قوة انفجارها، ولا يستطيع أيضاً مغادرة المنزل إلى منزل آخر. لم يملك إلا أن يشرد بمقارنة حرارة جسم مريم بسبب رغبتها، وحرارة جسمه هو ليلة أمس وهو ينتظر البردويل، كلاهما كان جسمه ينبض بحرارة تغلبت على الطقس البارد، حرارة الخوف عنده، وحرارة الشبق عند مريم، ما هذا التشابه أو التضاد، لم يعرف مقدار حرارة مريم لكنّه يعرف كم كانت حرارته ليل أمس، لعل حرارة الجنس أكثر غلياناً من حرارة الخوف، لقد تعرت امرأة أمامه على السطح وحرارة الطقس سبع درجات تحت الصفر...!
في غمرة تزاحم أفكاره حول الدافع إلى عرض مريم لجسمها عارياً، وحول ما عاناه ليلة أمس، وفي غمرة اضطراب أفكاره كان يتابع مريم وهي تبتعد عن عينيه ببطء حتى غابت تماماً وهي نازلة من السطح دون أن تلتفت إلى من خلفها، يمكنه أن يتوقع مقدار حنقها وغيظها، لكنه لم يستطع أن يحدد ما الذي ستفعله، وما الذي سيحل بها من جراء هذا الخزي الذي غطى شخصيتها كغيمةٍ واطئة دكناء لا تسمح برؤية منْ في داخلها!!
وقف على السطح يمسح المكان بنظره، وهو يكاد لا يرى أية تفاصيل، كان في غاية من الحزن والخجل لما تسبب به لامرأة ٍ استقبلته في منزلها وأغدقت عليه كرمها.
لم يعد يطيق البقاء، كما لم يعد يتمكن من النزول، وهي لم تنم بعد وجرحها ينزف كلبوءةٍ جريحة، حاول الانتظار بعض الوقت عسى أنْ تكون قد هدأت قليلاً، ربما بما يكفي لكي لا تزعق في وجهه إنْ رأته في غرفته الدافئة،
- (لسع جاي لهون، رجاع عالسطوح لحتى تجمد، ماو هيك بدك؟)
صفحة 9
ربما يساعد بقاؤه على السطح على امتصاص غضبها وتهدئة ثورتها بإثارة عطفها عليه، فالطقس بارد جداً وقد يتحمل ساعة ولكن لا يتحمل ساعتين. هو يعرف أنّ منع تصاعد أية مشكلة قد يكون في إغضاء الطرف للحظة، أو الصمت عن كلمة واحدة، فمن الحكمة أن لا تراه مريم أبداً هذه الليلة.
حاول أن يتدلى من على السطح من الجهة الخلفية للغرف، لكنه توقف عن تنفيذ غلطة كهذه، فقد يراه أحد الجيران أو المارّة قرب المنزل، أو راعٍ يتفقد أغنامه، لن يستطيع تسويغ تصرفه لأحد.
لسعته حدة البرد أكثر، حاول أنْ يسير على السطح كلص، دون أن يصدر أي صوت، تماماً كما حصل معه ليلة أمس عندما كان ينتظر البردويل. إذاً هي هي الحالة، أمس بسبب البردويل، واليوم بسبب مريم وكلاهما معتديان، وفي الحالتين لا ذنب لي في هذا الذي أنا فيه.
لم يعد يحتمل البرد وقدر أن مريم ربما تكون قد نامت الآن، تسلل نازلاً الدرج ثم دلف بحذر إلى الغرفة التي أعطوه إياها، اندس في الفراش وهو لا يصدق أنّ ليلته ستمضي بسلام. كان يتوقع بين الفينة والأخرى اقتحام مريم لغرفته، وادعاءها بأنه يتلصص عليها، أو أية اتهامات كانت كافية لتصديق عائلتها ومنْ حولهم، ويكون أحمد قد خان من آواه في منزله.
رغم الدفء في الغرفة، بقي متقلّص الأعصاب، لم يتمدد في فراشه كمن يخاف إن حرّك رجليه أن تثور ثائرة من في المنزل، امتد ظلام تلك الليلة، وما من وسيلة لاستعجال صباح الغد فالشمس، كعادتها، تتأخر على منْ ينتظرها...!!
انتقع في سوداوية أفكاره، لماذا تتكاثف غيوم هذه الأحداث فوق سمائي؟ خوفي من رجال الشرطة أقل من خوفي من غضب مريم. أهلي في الجمّارة، وما قد يلاقونه من جماعة البردويل، زوجي في الزعفرانة، وغياب الرجل عن المنزل ومعاناتها بعدي. لم أسمح لها ولم تحتج خلال السنوات العشر أن تذهب إلى السمّان بنفسها مرّة واحدة. ولداي، القاسم وهدى وحالتهما وما قد يلاقيانه في المدرسة والحارة بعد غيابي عن المنزل...
كل هذا قد توقعته قبل ذهابي إلى الجمّارة، لكنْ لم أتوقع البتة ما حصل مع مريم، يا لك من امرأة معتدية، فقد أبديت لك عذري، إنّ جسدي كجسد المشلول، ولم تصدّقي أنني عاجزٌ تماماً عن ممارسة الجنس، فأنا في منقع من الخوف، والقلق، والتفكير في احتمالات عدّة لما قد يحصل معي بعد ساعة أو في الغد، وطلبت منك النزول بإلحاح فالطقس بارد، وتقولين لي المس جسدي، هل حرارته تغلبت على صقيع ذلك الليل. لكثرة ما قلب أفكاره أخذ يهذي وشعر بدوار لم يكن قد تعرض له قبلاً، ابتسم قليلاً وهو في شبه هذيان، حتى لو كنت صحيح البال والجسم فلن أوافق على ما طلبتِ، إذ لا يمكنني أبداً مضاجعة امرأة بين أسنانها بقايا طعام، وتحت أظفارها تكدس الوسخ، هكذا ولتغضبي مني أكثر، إنني.. إنني، وسحبه إعياؤه إلى نوم محموم مثقل بالأحلام. مريم تضحك وقد ظهر لون الذهب على أضراسها، تقول للناس في العامريّة، إنه رجلٌ شريف استطاع أنْ يتصدى للبردويل وقد آويته في منزلي، وكان من خيرة الرجال أخلاقاً، مريم تبكي وتقول إنّ هذا الرجل قد خان صداقة شقيقي وتنكر لخدمة زوجي واعتدى على حرمة منزلي، طلب مني الفاحشة!!
هكذا إذاً يا مريم، شريف إن لبيت دعوتك إلى وليمة جسدك وخائن إنْ رفضت؟ صرخت في وجهه، إنكم تحترمون منْ لا يستحق الاحترام، هذا الرجل يجب أن يعرف الجميع أنه نذلٌ حقير، صاح في نومه يكفي!!
استيقظ بعيد شروق الشمس، فتح عينيه ليجد محمود واقفاً قرب فراشه، هل أرسلته مريم لطردي؟ قبل أن يستعرض خياراته المتاحة بادره محمود:
- (خير أحمد أشو فيك؟ سمعت صوتك وانتي نييم)
أخذ نفساً طويلاً، وشعر بالارتياح حينما طلب منه محمود أنْ يتبعه لتناول طعام الإفطار. شدّ ما كانت دهشته كبيرة حينما وقعت عيناه على مريم جالسة في فراشها وقد غطّت جسمها بلحاف، جسمها مستيقظ ولكن بدا عليها الوهن والمرض. بدأ محمود يعتذر،
- (ما بعرف أشو صار لمريم فقنا الصبح لقيناها مرضاني)
طفل في عامه السابع من بين أفراد الأسرة كان ينظر إلى أحمد وإلى أمه، كأنه يعلم أنّ أحدهما قد تسبب بمرض الآخر. أكل أحمد بضع لقيمات ثم قام مودعاً، نظرت مريم بعيداً وهي تردُّ على كلمات الوداع. طرق الباب على والد محمود وفتح الباب ليودعه، الكيو في عامه التسعين لا يغادر غرفته الصغيرة، كانت غرفة للوقود واستعملها محمود لاحقاً غرفة لوالده، لاحظ أحمد بوضوح أنّ عيني الكيو يتساءلان، ربما عن سبب مرض مريم؟
في الطريق إلى المدينة في سيارة الأجرة، أخذ معه أحداث ليل أمس وهذا الصباح، طفل في عامه السابع وشيخ في عامه التسعين، هما من بين أفراد أسرة فيها الشاب والشابة والشيخ المسنّ، هل هذا صدفة؟ هل عند هذا الطفل إحساسٌ ما متقدم في هذا المجال على الأقل ومتخلّف أو عادي في مجالات أخرى؟ هل إحساسه المتقدم جعل منه أكبر من سنه بعشرين سنة، مما حرّك عنده شعوراً ما أنّ لهذا الضيف علاقة بمرض والدته، كما أنّ تجربة ذلك الشيخ كبير السن جعلته أيضاً يعتقد الاعتقاد ذاته، وبدأ يدور في أفكاره حول رجل يحمل على كاهله تسعين عاماً، وكيف شعوره الآن وهو يرى ضعف ولده في جميع ممارساته، وخاصة ضعفه أمام امرأته التي تحتقره وتسعى للاتصال بأي رجل، مداومة على ذلك منذ تزوجها محمود. حالة تدعو للإشفاق، هذا الشيخ المركون في غرفة الحطب، ويرى زوج ابنه وهي تتملق الرجال لأن زوجها لم يستطع إشباع حاجاتها. هل يستطيع أحد تمثل مشاعر هذا الرجل التسعيني في حالات العجز عنده؟ هو عاجزٌ عن ردع كنته وعاجزٌ عن الذهاب إلى أي مكان، وعاجزٌ عن استقبال أي ضيف، ربما هناك من جيله منْ يستريح إلى مجالستهم. على أية حال هو نفسه في حالة تدعو إلى الشفقة، فليسترح من تأملاته هذه، ها وقد شارفت السيارة على الدخول إلى المدينة.
هذه هي حلب، استوعبته في جوفها بين من استوعبت، لا شك أنّ المدينة أرحب من القرية، يستطيع أن يتحرك ويمارس حياةً شبه عاديّة فيها. صديقه الأقرب هو أبو بكري، أمضيا الخدمة الإلزامية في الجيش معاً وناما في خيمة واحدة، وكثيراً ما كان يقتسم معه رغيف الخبز والليرة الواحدة. أبو بكري يعمل حذّاءً ولم يكن يستطيع تأمين ما يلزمه من مال لنفقاته أثناء خدمة العلم فوجد ضالته عند احمد، كان يستعين به في كل ما يلزمه من طعام أو سجائر أو النزول إلى دمشق في أيام الخميس، ولم يتذمر أحمد أو يشكو، كأنما هو قدر عليه تحمّله.
لم يستجب أبو بكري لطلب أحمد بتأمين غرفة قريبة من منزله، كما لم يستضفه في منزله، ولو ليوم واحد. وجد له مسوّغاً، فمنزله لا يتسع لاستقبال ضيف، أما أن لم يدعه لتناول الغداء في بيته فهذا الذي لم يجد له مسوغاً. وبدأت أفكاره تتلاطم كأمواج البحر عن سر تخاذل صديق كهذا كان قد بذل له الكثير من ماله ووقته، وعاشا فترةً لها حلاوتها على أية حال. لكن لابد من الاستكانة إلى الواقع والبحث عن مسوّغات فالضيف ثقيل على ابن المدينة خفيف على ابن الريف وهذا ينسحب على أبي بكري، الصديق، ابن المدينة، الذي لم يستضف صديقه.
ذهبا معاً لاكتراء غرفة على السطح في منزل قديم في حي بعيد عن سكن أبي بكري الذي ودّعه برشاقة مضحكة تذكر بخفّة يد ابن المدينة وهو يلعب (الكشتبان).
صعد إلى السطح، تفحص المكان ثم دخل إلى غرفته مع بعض حاجيات كان قد ابتاعها تواً، إبريق شاي صغير، وموقد يعمل على الغاز وبعض الأكواب.
نزل من غرفته وكان توفيق صاحب البيت يستعد لمغادرة المنزل أيضاً. ترافقا وحاول توفيق أن يشرح له إحداثيات الحي بشكل مختصر، لاحظ أنّ جاره الجديد هذا غريب الأطوار، فلم يهتم بالمختار والسمَّان والمخفر، بل سأله لم هناك عدد كبير من القطط في الحي وهل أحدٌ يطعمها؟!
صفحة 10
انسحب توفيق من بين يدي أحمد كمن يريد الابتعاد عن مصابٍ بمرض معدٍ، حتى أنه نظر خلفه بعد أن ابتعد عن أحمد ليتأكد أهو يشكو حالة عصبية ربما...؟!
سار على الرصيف يتأمل وجوهاً لا يعرفها، لكنه يرتاح لوجه دونما سبب ويشمئز من آخرٍ دونما سبب أيضاً. أخذ يقلب أفكاره عن أسبابٍ لهذا الذي يشعر به من ارتياح أو اشمئزاز، هل هناك على هذا الرصيف وجوه تغتسل بماء النفس فيرتسم على الوجه ما تحمل هذه النفس من أخلاقيّات فتتقارب وجوه، وتتباعد وجوه لتقارب نفوسها وتباعدها. قد اعتاد المجيء إلى مدينته هذه ليتنفس فيها هواءً جديداً فيزفر هواء وقتامة حياته في الريف ويستنشق بعض المعطيات الثقافية في المدينة، بعد أن يكون قد انتهى من بيع أو شراء الأغنام في السوق. لم يلتفت إلى تنوع المحلات والدكاكين وتنوع عروضها، ليس لأنه يعرف معظم هذه المحلات ولكن لأنه كان مستغرقاً في عروض واجهات الوجوه، تماماً كعروض الدكاكين، منها بضاعة جيدة غالية الثمن ومنها بضاعة رديئة رخيصة الثمن، لكنّ الذي أراد التحري عنه هو سبب ارتياحه لوجه دون باقي الوجوه وانقباضه من وجه دون باقي الوجوه أيضاً.
عاد في المساء وقد ازداد عمل شاحنة أفكاره، أراد أن يستريح قليلاً، فتذكر معاناة مريم في العامرية الآن، رنّ في أذنه ثانية صوت محمود،
- (والله يا خيي.. يا أحمد، فقت على صوت عنينا نص الليل عبتعن متل عنين الناقة... بعد المغرب ما كان فيها شي)
يا لحقد امرأة، أو غضب امرأة، أو جرح امرأة، أو عداء امرأة، لعله محظوظ إذ لم يدفع ثمناً غالياً جراء جرح مريم ذلك الجرح. كان يمكنها أن تدعي أنه تلصص عليها في غرفة نومها، ومن الذي سيكذّب، من له مصلحة في تكذيب النبأ؟ ويتناقل أهل العامرية والزعفرانة والجمّارة خبر أحمد النذل الذي خان منْ آواه في منزله.
كما ليس صعباً أبداً، أن يشيع أنه من أشرف الرجال، ولم نر منه سوى الخير، بعد أن يرضيها بموافقته على وليمة جسدها.
طرق عليه الباب توفيق، وبدا أنه يريد أنْ يتأكد من ملاحظته التيٍ كان قد اختطفها عصر هذا اليوم.
- (كيفك يا سيد أحمد، إشو بتريد، إشو جبت معك، شو بدك، هات قللي)
لشدة ضيقه وبؤسه أراد أن يداعب توفيق،
- (ما بريد غير إني ما شوف قطة جوعاني في الدنيا)
- (لا حول ولا قوة إلا بالله، إنتي بتشكي من شي سيد أحمد؟)
- (لأ، الحمد لله)
- (إشو هالحكي قطط وما قطط)
- (ما بدي غير إني ما شوف قطه جوعاني على وجه الأرض)
- (خيو إش لنا في الأرض، بدنا بيتنا، راحتنا، بتريد شي؟)
- (لأ، يعطيك العافي)
وهو يبتعد عن الغرفة كان صوته يصل إلى مسمع أحمد عن قصد،
- (الله يثبت علينا العقل والدين)
استلقى متدثراً تمر بخياله الصور، صورة حي العامود في العامرية، وصورة مريم، تلك اللبوءة الجريحة، وصورة سعاد، وحي جاكير في الزعفرانة، وصورة حي المنقَّى، وعمر المعطي، والمعطي، وما هما فيه، الخوف من البردويل أم الفخر بما قام به أحمد. استقر عند القاسم وهدى فهما الحياة كل الحياة له، توالى شريطٌ من الصور في مخيلته، شعر بحنينٍ صارخ إلى منزله في هذه الليلة الباردة، وحده في غرفة على السطح في مدينة حلب!!
انتفض من استلقائه، وخرج إلى السطح يتفقد تضاريس المكان، متلمساً مكاناً أو زاوية يهرب منها في حال داهمه رجال الشرطة، نوافذ مضاءة في أي اتجاه مدَّ إليه بصره، وخيال امرأة تروح وتجيء كأنما تستعد لليلة لقاء مع زوجها. تراءى لعينيه أنّ سكان هذه المنازل وهذه الغرف وهذه المدينة كلهم سعداء إلا شخصاً واحداً قدم إلى المدينة هارباً، لم تعرف الطمأنينة طريقاً إلى نفسه، هو أحمد بن المعطي، لقب القاسم والده، لماذا لقبوه بالمعطي؟ لم يناقش الأمر طويلاً، فإن اللقب لا يأتي إلا لمدحٍ أو ذم، ولا شك أن لقب والده كان لمدح إذ كان يعطي لمن يطلب، ولا يعرف الرفض أو التردد فلُقِّب بالمعطي لهذا السبب. قال له مرة، لقد طلب مني محتاج كيس قمح، وليس في المنزل غير كيس واحد فأعطيته إياه دون تردد وبعد أقل من ساعة وقفت شاحنة قبالة باب المنزل الخارجي وأنزل رجال كانوا فيها سبعة أكياس من القمح، خرجت لأسألهم، لكنهم كانوا قد ذهبوا.
فلماذا قتلت زوج المعطي وهو على هذا المستوى من الأخلاق والكرم؟!!
لم يكتف بالرصد من فوق السطح، تسلّق سطح غرفتة ولم يفطن إلى أن من يصعد لا بد سيضطر للنزول. ليس هناك سلّم فتحايل على النزول، تدلى مستفيداً من طول قامته، لكنّه أحدث صوتاً حين ارتطمت قدماه بالسطح.
صعد توفيق ملهوفاً، هل هناك لص على السطح يا أحمد؟ بدا أنه سيكذب، إذ كيف سيسوغ لصاحب المنزل أنه تسلق سطح الغرفة؟ ولماذا؟ تداول الحديث مع توفيق متحايلاً لكنّه أخيراً أجاب بكل وضوح أنه لا يعرف سبب الصوت. لأول مرّة في حياته يكذب بهذا الوضوح وبهذه المباشرة، هل تعرف منْ أحدث هذا الصوت؟ ليس هناك من جواب سوى، بلى أعرف أو، كلا لا أعرف، اختار الثانية، وشعر بصعوبة ما سوف يعانيه في غربته هذه، الليلة الأولى، اضطر للكذب، فكم ستتوالى ليال، وكم سيضطر لممارسة ما لم يكن يضطر إليه؟ الإنسان ساعة الضيق، يتحول إلى ثعلب، إلى أرنب، إلى كذّاب، إذاً كم هناك من رجالٍ يتربعون فوق ممالك، وإذا وضعوا في غرفة على السطح، لاختلف حديثهم، هيبتهم، شخصيتهم، ابتسم وهو مسترسل في تخيل ملك مزكوم أو مجروح الشفة أو...؟! لكنهم لا يحتاجون إلى النوم في غرفة على السطح حتى تظهر عيوبهم، فهي ظاهرة وهم على عروشهم. تذكر بذاءة أحدهم أمام جماهير متنوعة الأخلاق والثقافة، والتلفاز ينقل حديثه إلى العالم كلّه بالصوت والصورة، لم يخجل قط من تكرار ألفاظ البذاءة التي وضعتها اللغة في الدرك الأسفل من سلّم المترادفات، ابتسم أيضاً، على ذاك البذيء الذي يتصدى للثقافة مدّعياً انه يعبر عن ثقافة الشعب.